تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد السادس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الثاني والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد السادس والتسعون
نافذة من السماء، العدد الخامس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1435 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد الحادي عشر

العدد الحادي عشر ، السنة الرابعة ، شهرا ربيع الأول والثاني / 1435 هجري، كانون الثاني 2014 ميلادي
مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية



 كلمة العدد

 الافتتاحية : أهمية وعظمة القرآن المجيد وآثاره العميقة في هداية وإرشاد وتربية البشرية

 القرآن والقادة : بيان رفع الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 كلمة الإمام الخامنئي : لم تكن ولادة الرسول الأعظم (ص) مجرد حدث تاريخي

 السلاح الأمضى ... حب الشهادة ...

 التفسير والبيان : الغِيبة

 مفردات قرآنية : سورة هود

 مناهج التفسير : التفسير على ضوء السنن الاجتماعية

 معجم المفسرين : تفسير من هدى القرآن

 علوم قرآنية : القرآن بعد وفاة الرسول (ص)

 استفتاءات قرآنية لسماحة المرجع آية الله الإمام الخامنئي (دام ظله)

 قصص قرآنية : قصة النبيّ يحيى (عليه السلام) في القرآن

 القرآن ونهج البلاغة : اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ

 الأخلاق في القرآن : أهمية العلم والمعرفة في التربية

 الحقوق الاجتماعيَّة : حقوق الأبناء في القرآن والسُّنة (2)

 حفظ القرآن : طريقة حفظ القرآن عن ظهر القلب

 تجويد القرآن : المدود المتوقفة على سبب السكون

 حوارات قرآنية : حفظة القرآن الجامعيين

 أشهر القراء المبدعين : القارىء الدولي الحاج كريم منصوري

 مقابلة العدد : القارىء الشيخ سامح يحيى الشرقاوي

 القرآن الكريم في كلام أهل البيت (ع)

 الرسول (ص) ورسالته في القرآن الكريم

 حيوانات ذكرت في القرآن : الذئب في القرآن

 نباتات ذكرت في القرآن : العدس في القرآن الكريم

 أنشطة جمعية القرآن الكريم

 مسابقة العدد

 الأجوبة الصحيحة للمسابقة
 


    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً
صدق الله العلي العظيم

 

أنزلنا عليك يا محمد قرآنا فصلناه سوراً وآياتٍ وفرقنا به الحق عن الباطل وجعلنا بعضه خبراً وبعضه أمراً وبعضه نهياً وبعضه وعداً وبعضه وعيداً وأنزلناه متفرقاً لم ننزله جميعاً إذ كان بين أوله وآخره وهي مدة الدعوة ثلاث وعشرون سنة تقريباً،لتقرأه على الناس بتثبت وتؤدة فترتله عليهم ليكون أمكن في قلوبهم ويكونوا أقدر على التأمل والتفكر فيه، وقد نزلناه على حسب الحاجة ووقوع الحوادث، القرآن الكريم هو رسالة الله تعالى إلى عباده أوحاها إلى خير خلقه وخاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو معجزة الإسلام الخالدة وهو أحسن الخزائن الإلهية، وهو الفرقان المستقيم والذكر الحكيم والكتاب العظيم والقسطاس القويم، وهو كتاب الهداية لسعادة البشر، يشتمل على القوانين التي يحتاجها في حياته الفردية والاجتماعية والسياسية، والروحية والمادية. وهو الكتاب المعجز والمعجون الملكوتي الباهر، والموسوعة الربانية المليئة بالعجائب والمحاسن، والدستور السماوي الخالد، الموافق لجميع الأعصار والأمصار، الهادي إلى أعلى طريقة وأحسن اسلوب وسلوك في الحياة، وهو نور من الضلالة بجميع مراتبها، فهو كتاب من عند الله يحتوي على الحقائق الاعتقادية والأخلاقية والأفعال التي يجب الأخذ بها، وهو يشتمل على جميع أسباب الهداية.
ونحن في جمعية القرآن الكريم نعمل على بيان عظمة القرآن وأهمية مضامينه في تحقيق السعادة في الدارين، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للعمل والارشاد إنه سميع قريب.

 

جمعية القرآن الكريم

للتوجيه والإرشاد


    الافتتاحية


 أهمية وعظمة القرآن المجيد
وآثاره العميقة في هداية
وإرشاد وتربية البشرية

 



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء وسيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
يقول سبحانه: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (1) .

تشير الآيتان الكريمتان إِلى أهمية وعظمة القرآن المجيد وآثاره العميقة في هداية وإِرشاد وتربية البشرية، فقد دعا سبحانه أهل الكتاب الذين نقضوا العهد وتركوا ما أمروا به إلى الإيمان بمحمد (ص) - الذي نحن على أبواب ولادته في السابع عشر من ربيع الأول - وذكّرهم ما أتاهم به من أسرار كتبهم حجة عليهم فهم كانوا يحرفون الاحكام من كتابهم بسوء التأويل ويصفح عن كثير منهم بالتوبة ويبين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما يتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلامه قد جاءكم من الله بالنور محمد (ص) لأنه يهتدي به الخلق وبالقرآن لأنه يبين الحق من الباطل ويهتدى به كما يهتدون بالنور من اتبع رضاء الله في قبول القرآن والإيمان وتصديق النبي (ص) واتباع سبل الله وهو شرائعه التي شرعها لعباده وهو الإسلام الذي يهدي إلى طرق السلامة من اتبع ما فيه رضاء الله المؤدي إلى سلوك طريق الحق ويرشدهم إلى طريق الحق وهو دين الإسلام وطريق الجنة.

كان القرآن ولايزال روحاً وجسداً؛ وروح القرآن الهدى والنور والذكرى، وجسده الألفاظ والكتابات المدوّنة على أوراق المصحف أو الصوت الذي يردّده القارئ ولايزال كذلك.
أما الوصول الى جسد القرآن فهو متاح للجميع، بمن فيهم من لا يؤمن بما أنزل الله بدءاً.
ولكن التوصل إلى روح القرآن وضيائه وهداه وذكراه التي أودعها الله العزيز الحكيم فيه، وللوصول الى آفاق قول إمامنا الصادق (ع) : «لقد تجلى الله لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون» (2) إذا اُريدَ ذلك، فإن المسألة تختلف تماماً، إذ لابد من سمو الروح - روح الإنسان- لكي تقرأ وتعي روح القرآن فالروح الإنسانية يلزمها التزود بالبصيرة ووسيلة الاكتشاف.
فالله تبارك اسمه يصف كتابه الكريم بأنه نور وكتاب مبين؛ والنور لا ينفع إلا من له بصر، والكتاب لا يقرأه إلا العاقل؛ فإذا لم تكن للإنسان عين باصرة وعقل سليم، فإنه يعجز عن درك معاني القرآن وفهم محتواه.

ثم إن القرآن حقيقته كتاب، والكتاب يعني الشيء أو الأمر الثابت، وللقرآن ثوابت واضحة ومبينة، تبين الحقائق وتكشف خطوط الحياة وأصولها العامة.
«ثم يهدي به الله» أي يهدي الله بالقرآن، ولكن من هو المستعد لتقبل هذه الهداية؟
إنه ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ أي اندفع برغبة وحماس وعلم وراء كتاب الله؛ فقد ترى رجلاً يهدي الناس الطريق، فإنه لا يهتدي إلا من استمع له واتبعه؛ أما الذي يحجم عن إطاعته، فإنه يضيع فلا يهتدي. كذلك القرآن ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ فبحث عن رضوانه جل جلاله، وأراد أن يرضي ربه، وأن يرضى عنه ربه.
﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ فهداية الرب الجليل تنتهي إلى الطرق الآمنة، وتحقيق الأهداف السامية في الدنيا والآخرة.
فلعل أرقى أمنيات الإنسان السوي هي العيش ضمن حياة طيبة، وأن تكون له ذرية طيبة، وعاقبة طيبة في الآخرة. وهذه الأمنيات الشريفة السامية لا يمكن تصور تحقّقها دون السير في الطرق الآمنة، التي يقول القرآن عنها بانها ﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ أي طرق الله غير الملتوية.

ومن اتبع وقصد رضوان الرب، ضمن السير في الطرق النزيهة، كان حقاً على الله أن يخرجه من الظلمات إلى النور؛ الظلمات التي قد تتجسد بالأخلاق السيئة وبالظلم والانانية والعصبية وبالجهل والفساد، والنور هو نور الرحمة والإحسان والكرم.

فهل اطمأنت نفسك إلى هذا الوعد الإلهي المثير وصدّقت بما يريد القرآن لك من سعادة في الدنيا والآخرة؟ بل هل تخيلت -ولو للحظة واحدة- وجودك في أمة نقية من الاخلاق السيئة والظلم والانانية، ملؤها النور والرحمة والكرامة؟!

فالقرآن يبشر اُولئك الذين يسعون لكسب مرضاة الله بأنّهم سيحظون في ظل القرآن بنعم عظيمة ثلاثة هي:
أوّلا: الهداية إِلى سبل السلامة التي تشمل سلامة الفرد والمجتمع، والروح والجسد والعائلة، والسلامة الأخلاقية، وكل هذه الأُمور تدخل في الجانب العملي من العقيدة.
وثانياً: نعمة النجاة من ظلمات الكفر والإِلحاد.
وثالثاً: الهداية إِلى النور، وفي هذا دلالة على الطابع العقائدي، ويتمّ كل ذلك من خلال أقرب وأقصر الطرق وهو الذي أشارت إِليه الآية بـ(الصراط المستقيم).
وبديهي أن هذه النعم لا يحظى بها إلاّ من أسلم وجهه لله، وخضع للحق بالعبودية والطاعة، وكان مصداقاً للعبارة القرآنية القائلة: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بينما لا يحضى المنافقون والمعاندون وأعداء الحق بأيّ فائدة مطلقاً، كما تشير إِلى ذلك آيات قرآنية عديدة؛ منها قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (3) .

ونحن في جمعية القرآن الكريم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتولانا بلطفه ويوفقنا لما يحب ويرضى، إنه نعم المولى ونعم النصير.
رئيس التحرير


(1) - سورة المائدة ، الآيتان : 15 - 16 .
(2) - بحار الانوار : ج89، ص107.
(3) - سورة المنافقون ، الآيتان : 1 - 2 .


    القرآن والقادة

 كلام الإمام الخميني (قدس سره)

بيان رفع الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
تحدث الإمام الخميني (قده) عن سبل الاستفادة من القرآن الكريم من خلال رفع موانع الاستفادة, ويعبّر عنها بالحجب بين المستفيد والقرآن, وهذه الحجب كثيرة ذكرنا منها حجاب رؤية النفس:
ومن الحجب: حجاب الآراء الفاسدة والمسالك والمذاهب الباطلة, وهذا قد يكون من سوء استعداد الشخص والأغلب أنه يوجد من التبعية والتقليد, وهذا من الحجب التي حجبتنا بالأخص عن معارف القرآن مثلاً إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من بعض جهلة أهل المنبر تكون هذه العقيدة حاجبية بيننا وبين الآيات الشريفة الإلهية, فإن وردت آلاف من الآيات والروايات تخالف تلك العقيدة, فإما أن نصرفها عن ظاهرها أو لا ننظر فيها نظر الفهم والأمثال لذلك فيما يرجع إلى العقائد والمعارف كثيرة ولكنّي أكفّ نفسي عن عدّها لأني أعلم بأن هذا الحجاب لا يخترق بكلام مثلي, ولكن أشير إلى واحد منها حيث سهل المأخذ في الجملة.

قد وردت الآيات الكثيرة الراجعة إلى لقاء الله ومعرفة الله, ووردت روايات كثيرة في هذا الموضوع مع كثير من الإشارات والكنايات والصراحات في الأدعية والمناجاة للأئمة (عليهم السلام) فبمجرد ما نشأت عقيدة في هذا الميدان من العوام وانتشرت بأن طريق معرفة الله مسدود بالكلية فيقيسون باب معرفة الله ومشاهدة جماله على باب التفكر في الذات على الوجه الممنوع بل الممتنع, فإما أن يؤوّلوا ويوجّهوا تلك الآيات والروايات, وكذلك الإشارات والكنايات والصراحات في أدعية الأئمة (عليهم السلام) ومناجاتهم, وإما ألاّ يدخلوا في هذا الميدان أصلاً ولا يعرّفوا أنفسهم بالمعارف التي هي قرّة العين للأنبياء والأولياء, فممّا يوجب الأسف الشديد لأهل الله أن باباً من المعرفة الذي يمكن أن يقال أنه غاية بعثة الأنبياء (عليهم السلام) ومنتهى مطلوب الأولياء قد سدّوه على الناس بحيث يعدّ التفوّه به محض الكفر وصرف الزندقة إن هؤلاء يرون معارف الأنبياء والأولياء في ما يختص بذات الحق تعالى وأسمائه وصفاته مساوية لمعارف العوام والنساء فيه, بل يظهر من هؤلاء أحياناً ما هو أعظم من ذلك فيقول أحدهم: أن لفلان عقائد عامية حسنة فيا ليت لنا مثلما له من العقيدة العامية.. وهذا الكلام منه صحيح لأن هذا المسكين يتفوّه بهذا الكلام قد أخرج من يده العقائد العامية ويرى معارف الخواص وأهل الله باطلة, فهذا التمني منه عيناً كتمني الكفار, وقد نقل عنهم في الكريمة الإلهية: ﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً (1) , ونحن إن أدرنا أن نذكر الآيات والأخبار في لقاء الله بتفاصيلها حتى تتضح فضاحة هذه العقيدة الفاسدة الناشئة عن الجهل والغرور الشيطاني, فيستلزم ذلك كتاباً على حدة فضلاً من أن نذكر المعارف التي وقعت وراء ستر النسيان بواسطة هذا الحجاب الغليظ حتى يعلم أن احد مراتب المهجورية من القرآن ومهجورية القرآن ولعلّ الأسف عليها أشدّ هو هذه كما يقول تعالى في الكريمة الشريفة: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (2) .

إن مهجورية القرآن لها مراتب كثيرة ومنازل لا تحصى, ولعلنا متصفون بالعمدة منها, أترى أننا إذا جلّدنا هذه الصحيفة الإلهية جلداً نظيفاً وقيّماً وعند قراءتها أو الاستخارة بها قبّلناها ووضعناها على أعيننا ما اتخذناه مهجوراً؟ أترى إذا صرفنا غالب عمرنا في تجويده وجهاته اللغوية والبيانية والبديعية قد أخرجنا هذا الكتاب الشريف عن المهجورية؟ هل أننا إذا تعلّمنا القراءات المختلفة وأمثالها قد تخّلصنا من عار هجران القرآن؟ هل أننا إذا تعلّمنا وجوه إعجاز القرآن وفنون محسوساته قد تخلّصنا من شكوى رسول الله (عليهم السلام) ؟ هيهات .. فإنه ليس شيء من هذه الأمور مورداً لنظر القرآن ومنزلها العظيم الشأن, إن القرآن كتاب إلهي وفيه الشؤون الإلهية, القرآن هو الحبل المتصل بين الخالق والمخلوق ولا بد أن يوجد الربط المعنوي والارتباط الغيبي بتعليماته بين عباد الله ومربّيهم, ولا بد أن يحصل من القرآن العلوم الإلهية والمعارف اللدنيّة (3) , أن رسول الله (عليهم السلام) قال حسب ما رواه الكافي «إنما العلم ثلاثة: آية محكمة وفريضة عادلة وسنّة قائمة» فالقرآن الشريف حامل لهذه العلوم فإن تعلمنا من القرآن هذه العلوم فما اتخذناه مهجوراً, وإذا قبلنا دعوات القرآن وأخذنا التعليمات من قصص الأنبياء المشحونه بالمواعظ والمعارف والحكم, إذا اتعظنا نحن من مواعظ الله تعالى ومواعظ الأنبياء والحكماء المذكورة في القرآن فما اتخذناه مهجوراً, وإلاّ الغور في الصورة الظاهرية للقرآن أيضاً إخلاد إلى الأرض ومن وساوس الشيطان ولا بد من الاستعاذة بالله منها.

(وسيأتي الحديث في العدد القادم عن الحجب المانعة من الاستفادة من هذه الصحيفة النوارنية)
الاعتقاد بأنه ليس لأحد حق الاستفادة من القرآن الشريف إلاّ بما كتبه المفسّرون أو فهموه؛ ومن الحجب المانعة من فهم القرآن الشريف، ومن الاستفادة من معارف هذا الكتاب السماوي ومواعظه حجاب المعاصي والكدورات الحاصلة من الطغيان والعصيان بالنسبة إلى ساحة رب العالمين المقدسة.


(1) - سورة النبأ, الآية : 40.
(2) - سورة الفرقان, الآية : 30 .
(3) - العلم اللدني: هو العلم الذي يفاض من قبل الله سبحانه مباشرة من دون واسطة في الفيض كما قال الله سبحانه ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ .


   القرآن والقادة

 

كلام الإمام الخامنئي (دام ظله)

لم تكن ولادة الرسول الأعظم (ص)
مجرد حدث تاريخي


خطاب الإمام الخامنئي (دام ظله)
الذي وجهه إلى مسؤولي الدولة بمناسبة ولادة الرسول (ص)

 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


أبارك هذا العيد السعيد لكم جميعاً أيها الحضور المحترمون، ومسؤولو البلاد، والمدراء الكبار في الجمهورية الإسلامية، وضيوف أسبوع الوحدة الأعزاء، وسفراء البلدان الإسلامية، ولجميع الشعب الإيراني ومسلمي العالم، بل لجميع أحرار العالم والمجتمع البشري.
اليوم، وهو ذكرى ولادة خاتم الأنبياء حسب الرواية الشهيرة لمحدثي الشيعة وذكرى ولادة الإمام جعفر الصادق (ع) في سنة 83 للهجرة، يوم كبير جداً للعالم الإسلامي.
لم تكن ولادة الرسول الأعظم مجرد حدث تاريخي، بل كانت حدثاً مصيرياً في مسيرة الإنسانية. الظواهر التي وقعت تزامناً مع هذه الولادة الكبرى كما يروي التاريخ ما هي إلا إشارات بليغة لمعنى هذه الولادة وحقيقتها. ينقل أن علامات الكفر والشرك في نقاط شتى من العالم تزلزلت واختلت أثناء ولادة نبي الإسلام الكريم (ص) .

فقد انطفأت النار عند ولادة الرسول في معبد فارس بعد أن استمرت متوهِّجة لألف عام. وتهدّمت الأصنام التي كانت في المعابد، وبقي الرهبان وخدمة المعابد الوثنية في حيرة من هذه الحادثة! كانت هذه ضربة رمزية من قبل هذه الولادة نزلت بالشرك والكفر والنـزعة المادية. من جهة أخرى تعرض قصر جبابرة الامبراطورية الإيرانية المشركين آنذاك لحادث معين حيث انهارت قمم قصر المدائن الأربعة عشرة. وكانت هذه بدورها إشارة رمزية أخرى تفيد أن هذه الولادة مقدمة وخلفية للكفاح ضد الطغيان والطواغيت في العالم. ذلك عن جانب المعنوية وهداية البشر القلبية والفكرية، وهذا عن جانب الهداية الاجتماعية والعملية للبشرية.. الكفاح ضد الظلم والطغيان وضد سيادة الظالمين الباطلة على الناس.. هذه هي الإشارات الرمزية لولادة الرسول. للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام في نهج البلاغة العديد من العبارات في وصف الزمن الذي ظهر فيه الرسول الأكرم وطلع كالشمس المشرقة. ومن ذلك قوله: «والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور» (1) ... ظلمات الجهل ... ظلمات الطغيان ... ظلمات الضلال. وطبعاً كان نموذج ومظهر كل هذا الظلام المنطقة التي ولد وبُعث فيها الرسول الأكرم، أي جزيرة العرب. كان لجميع الظلمات والضلالات والضياع نماذجها في مكة وفي بيئة الحياة العربية في جزيرة العرب. أنواع الضلال الفكري والعقيدي، وذلك الشرك المذِّل للإنسان، وتلك الأخلاق الاجتماعية العنيفة، وانعدام الرحمة وقسوة القلب: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (2) . كان ذلك نموذج من أخلاق الإنسانية على عهد ولادة الرسول ثم في زمن بعثته. «وكان بعده هدى من الضلال ونوراً من العمى» . (3) كانت البشرية عمياء فتفتّحت عيونها. وكان العالم مظلماً فتنوَّر بنور وجود الرسول. هذا هو معنى هذه الولادة الكبرى ومن ثم بعثة هذا الإنسان العظيم. لسنا نحن المسلمين فقط مدينين للمنّة والنعمة الإلهية بسبب هذا الوجود المقدس، بل الإنسانية كلها مدينة لهذه النعمة.

صحيح أن هداية الرسول العظيم طوال قرون متمادية لم تستغرق بعد البشرية برمتها، بيد أن هذا المصباح الوضّاء وهذا المشعل المتوهّج موجود بين البشرية وهو يهدي البشر طوال السنوات والقرون نحو ينبوع النور. إذا نظرنا في التاريخ بعد بعثة الرسول وولادته (ص) سنلاحظ هذا التدبير. سارت الإنسانية نحو القيم، وعرفت القيم، وهذا ما سينمو وينتشر تدريجياً وتتضاعف شدته يوماً بعد يوم، إلى أن: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (4) إن شاء الله ... يستغرق العالم كله وتبدأ البشرية سيرها الحقيقي في طريق الهداية والصراط الإلهي المستقيم، والواقع أن حياة الإنسانية تبدأ منذ ذلك اليوم ... اليوم الذي تكتمل فيه حجة الله على الناس وتضع الإنسانية أقدامها على هذا الطريق.
نحن الأمة الإسلامية اليوم نقف أمام هذه النعمة الكبيرة وعلينا الانتفاع منها. علينا تنوير قلوبنا، وديننا، وأفكارنا، وكذلك دنيانا، وحياتنا، وبيئتنا ببركة تعاليم هذا الدين المقدس. ولأنه نور فهو بصيرة وبوسعنا تقريب أنفسنا منه والانتهال من معينه. هذا هو واجبنا العام نحن المسلمين.

قضية الاتحاد والوحدة: ما أشدّد عليه اليوم وهو من واجباتنا الكبرى والأولى نحن المسلمين هو قضية الاتحاد والوحدة. لقد سمّينا هذا الأسبوع الذي ينتهي بالسابع عشر من ربيع الأول بأسبوع الوحدة منذ بداية الثورة. والسبب هو أن يوم الثاني عشر من ربيع الأول حسب الرواية الشهيرة لدى إخواننا السنة هو يوم ولادة الرسول، ويوم السابع عشر من ربيع الأول حسب رواية الشيعة المشهورة هو يوم ولادته. وقد أطلق الشعب الإيراني ومسؤولو البلاد منذ بداية الثورة على الأيام الواقعة بين هذين اليومين أسبوع الوحدة، وجعلوه رمزاً للاتحاد بين المسلمين. بيد أن الكلام لا يكفي. والتسمية لا تكفي، ينبغي أن نعمل ونتجه صوب الوحدة. العالم الإسلامي اليوم بحاجة للوحدة؛ وهناك عوامل تفرقة ينبغي التغلّب والانتصار عليها.
كل الأهداف الكبرى بحاجة للجهاد والكفاح، ما من هدف كبير يحصل بدون جهاد، والاتحاد بين المسلمين لا يحصل بدون جهاد وعنت، من واجبنا الجهاد والعمل لأجل اتحاد العالم الإسلامية، بمقدور هذا الجهاد حلَّ الكثير من العقد والمشكلات، وبوسعه إعزاز المجتمعات والشعوب المسلمة، انظروا حال البلدان الإسلامية، انظروا واقع المسلمين الذين يشكلون اليوم ربع السكان في العالم، كيف أن تأثيرهم في سياسات العالم وحتى في قضاياهم الداخلية أقل وأضعف بكثير من تأثير القوى الأجنبية والأطراف ذات النوايا السيئة. لسنا نحذر أنفسنا ومخاطبينا من القوى الأجنبية لأنها أجنبية وحسب، بل لأنها سيئة النية أيضاً وذات محفزات هيمنة. يريدون إذلال الشعوب المسلمة وتحطيمها وفرض الطاعة المحضة عليها. حسناً، ما هو طريق هذه البلدان الإسلامية التي يربو عددها على الخمسين وشعوبها المسلمة إذا أرادت الوقوف بوجه مثل هذه النوايا السيئة الواضحة والكبيرة والتعسّفية.. علينا الاقتراب من بعض. هناك عاملان أساسيان يعيقان طريق الوحدة وينبغي علاجهما. العامل الأول عامل داخلي فينا.. تعصباتنا والتزامنا بعقائدنا، كل فريق لنفسه.. هذا ما يجب التغلب عليه. إيمان الإنسان بمبادئه وأصوله وعقائده شيء جيد ومحمود جداً، والإصرار عليها جيد أيضاً. غير أن هذه الحالة يجب أن لا تتجاوز حدود الإثبات إلى حدود الإقصاء المصحوبة بالتطاول والعداء. على الإخوة في منظومة الأمة الإسلامية أن يحترموا بعضهم. وإذا أرادوا الحفاظ على عقائدهم فليفعلوا. لكن عليهم احترام بعضهم، وحدود بعضهم، وحقوق بعضهم، وأفكار وعقائد بعضهم، وترك النقاشات والجدال لمجالس العلم. ليجتمع العلماء وأهل الخبرة ويتناقشوا مذهبياً إذا شاؤوا. إلا أن النقاش المذهبي العلمي في الأروقة العلمية يختلف عن تبادل الإساءات في العلن وعلى مستوى الرأي العام وأمام ذهنيات عاجزة عن التحليل العلمي. على العلماء احتواء هذا الشيء، وعلى المسؤولين احتواءه أيضاً. كل الفئات المسلمة تتحمل واجباً في هذا المجال. الشيعة عليهم واجباتهم، والسنة أيضاً عليهم واجبات. عليهم السير نحو الاتحاد. هذا أحد العاملين وهو عامل داخلي.

وهناك العامل الخارجي وهو يد الأعداء المغرضة العاملة على التفرقة. ينبغي عدم الغفلة عن هذا. ليس اليوم فقط، بل منذ أن شعرت القوى السياسية المهيمنة على العالم أن بوسعها التأثير على الشعوب ظهرت يد التفرقة هذه وهي اليوم أشد من أي وقت آخر. ووسائل الإعلام العامة الاتصال الحديثة تساعد بدورها على ذلك. إنهم يؤججون النيران وينحتون الشعارات للتفرقة. ينبغي التيّقظ والحذر. وللأسف يصبح البعض داخل الشعوب والبلدان المسلمة وسائل لتنفيذ أغراض أولئك الأعداء الأصليين.

إن في هذا لعبرة كبيرة؛ لاحظوا أنه قبل سنتين حينما انتصر شباب المقاومة وحزب الله في لبنان على إسرائيل، وأذلّوا الكيان الصهيوني بتلك الصورة، واعتبر ذلك انتصاراً وازدهاراً للمسلمين في العالم الإسلامي، بادرت أيدي التفرقة من فورها لطرح قضية الشيعة والسنة وتشديد العصبيات المذهبية سواء في لبنان أو في منطقة الشرق الأوسط أو في كل العالم الإسلامي. وكأن قضية الشيعة والسنة قد ظهرت لتوِّها! وذلك لأجل التفريق بين أبناء الأمة الإسلامية الذين ازدادوا تعاطفاً في ظل ذلك الانتصار الكبير عبر إثارة قضية التشيع والتسنن؛ يعود هذا إلى قبل سنتين.

وقبل شهرين وقع انتصار آخر كبير ومتألق للأمة الإسلامية ألا وهو انتصار المقاومة الفلسطينية على العدو الصهيوني في غزة. أي انتصار أكبر من أن يسعى جيش مدجج بالسلاح استطاع خلال يوم واحد دحر جيوش كبرى لثلاثة بلدان بين أعوام 67 و 73 للميلاد، أن يسعى طوال 22 يوماً فلا يستطيع أن يفرض التراجع والهزيمة على الشباب المقاوم والمجاهدين المؤمنين في غزة؟ واضطر للعودة مخفقاً خالي الوفاض مضافاً لانهيار سمعة الكيان الصهيوني وحماته وعلى رأسهم أمريكا في العالم وإراقة ماء وجههم على الأرض. كان هذا انتصاراً كبيراً للمسلمين وقد زاد من تعاطف المسلمين مع بعضهم. ولم يكن بوسعهم إثارة قضية التشيع والتسنن هنا فأثاروا قضية القومية.. قضية العروبة واللاعروبة.. معركة أن قضية فلسطين تختص بالعرب، والإصرار على أنها خاصة بالعرب لكي لا يحق لغير العرب التدخل في هذه القضية! لماذا؟ قضية فلسطين قضية إسلامية وليس فيها عرب أو عجم. إذا تدخلت النـزعة القومية في قضايا العالم الإسلامي فستكون أكبر عامل تفرقة. حينما يُقحمون العامل القومي في قضايا العالم الإسلامي فيفصلون العرب، عن الفرس، عن الترك، عن الكرد، عن الاندونيسيين، عن الماليزيين، عن الباكستانيين، عن الهنود، فما الذي سوف يبقى؟ إنه عَرضٌ للأمة الإسلامية وقواها وقدراتها في المزاد العلني؟
هذه حيل الاستكبار التي يقع فيها البعض في العالم الإسلامي للأسف. لا يرومون بقاء حلاوة الانتصار في لبنان وفي غزة في أفواه المسلمين، لذلك يثيرون على الفور عوامل الاختلاف والتفرقة.

على الأمة الإسلامية أن تبقى متيقظّة وتقف بوجههم. والواجب الأول يقع على عاتق رجال السياسة. على مسؤولي وساسة البلدان الإسلامية أن يتيقظوا. قد يصدر هذا الهتاف من حناجر بعض الساسة المسلمين، لكننا لن نخطئ.. إننا لن نخطئ في تشخيص العامل الرئيس. يخرج الهتاف من أفواههم لكنه ليس هتافهم بل هتاف غيرهم.. إنه هتاف القوى الاستكبارية في العالم. هم الذين يعارضون وحدة الأمة الإسلامية، وإذا صدر من حناجر أشخاص ينتمون للأمة الإسلامية فإنهم مخدوعون، ليس هذا الصوت صوتهم، بل صوت أولئك، نحن نعرف هذا الصوت، الساسة والمسؤولون بالدرجة الأولى، وأيضاً المفكرون ومن يتعاملون مع عقول الناس وقلوبهم؛ علماء الدين، والمثقفون، والكتاب، والصحفيون، والشعراء، والأدباء في العالم الإسلامي يتحملون هذا الواجب الكبير بدرجة عالية وهو أن يعرِّفوا للناس الأصابع التي تروم الإخلال في هذه الوحدة وإخراج هذا الزمام الإلهي المتين من أيدي المسلمين.

يقول لنا القرآن بصراحة: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ (5) ... يقول لنا اعتصموا سويةً بحبل الله. يمكن الاعتصام بحبل الله كلٌّ على انفراد، لكن القرآن يقول: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ .. أي كونوا سويةً.. ﴿ وَلَا تَفَرَّقُواْ ﴾ .. حتى في الاعتصام بحبل الله ناهيك عن أن يعتصم البعض بحبل الله و البعض بحبل الشيطان. حتى حينما يريد الجميع الاعتصام بحبل الله، يقول: ﴿ جَمِيعاً ﴾ .. أي افعلوا ذلك بتعاطف وتراضٍ والتحام. هذه هي قضية العالم الإسلامي الكبرى.

نأمل أن يوفق الله تعالى جميع أبناء الأمة الإسلامية وكافة الشعوب والحكومات الإسلامية للنظر لهذه المسألة المهمة بوزنها وأهميتها، وتطبيقها عملياً. ورضوان الله ورحمته على روح إمامنا الجليل الذي رفع هتاف الوحدة في عصرنا ودعا المسلمين لهذا الاتحاد. نرجو أن يعرِّف الله قلوبنا النداء الإلهي والدعوة الإلهية أكثر فأكثر، ويجعل مستقبل الأمة الإسلامية خيراً من ماضيها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (6) .


(1) - نهج البلاغة : الخطبة 89.
(2) - سورة النحل، الآية : 58 و 59.
(3) - مفاتيح الجنان، دعاء الندبة.
(4) - سورة التوبة، الآية : 33.
(5) - سورة آل عمران، الآية : 103.
(6) - كلام الإمام الخامنئي (دام ظله) في مسؤولي الدولة بمناسبة ولادة الرسول (ص) ؛ 15 / 03 / 2009م .


  القرآن والقادة

كلمة سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله)


السـلاح الأمضى


أَعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين وسيد المرسلين العبد المجتبى والرسول المصطفى المبعوث رحمة للعالمين السراج المنير والنذير البشير ابي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيارالمنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم إلى قيام يوم الدين.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
عندما نتحدث عن الشهادة والشهداء، لا نتحدث لمجرد أن نقدم نظريات، أو أفكاراً، أو مفاهيم للترف الفكري، أو للزيادة في المعلومات، وإنما نتحدث عن الشهادة في ساحة مملوءة بالجهاد ومفعمة بالشهادة.‏


من هو الشهيد؟‏

عندما نتحدث عن الشهادة والشهداء، سنحاول أن نصحح بعض المفاهيم حول هذا الموضوع. بادئ ذي بدء، كلنا نؤمن وكلنا نعتقد، المسلمون وأهل الكتاب والمؤمنون والملحدون، بأن جميع البشر في هذا العالم ـ منذ أن خلق الله آدم (عليه السلام) إلى قيام الساعة ـ ميتون، كل امرئ سيموت، ولا نقاش هنا أكان مؤمناً أو كافراً، مسلماً أو غير مسلم، الجميع سيموت، هذا حكم إلهي مبرم ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (1) . حتى أحب الخلق إلى الله، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطبه الله تعالى ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (2) ، إذاً فكلٌّ منا ميت، كل الذين سبقونا ماتوا والذين سيلحقون بنا سيموتون.‏

لكن، ليس كل موت شهادة، الشهادة هي نوع خاص من الموت، الشهادة هي: القتل في سبيل الله، فليس كل ميت شهيداً، وأيضاً ليس كل مقتول شهيداً. بل المقتول في سبيل الله هو الشهيد. وعندما نتحدث عن سبيل الله، نعني من يقتل في طريق الله، في الطريق الذي رسمه الله لنا وأمرنا أن نسير فيه؛ فسبيل الله، يعني سبيل الناس، سبيل عيال الله، سبيل المستضعفين، سبيل الكرامة، سبيل العزة، سبيل الدفاع عن الأعراض والأموال والمقدسات، سبيل الدفاع عن الدين وعن القيم الإنسانية، هذا هو الطريق؛ فمن يقتل في هذا الطريق، فهو الشهيد. من يقتل في مواجهة أَذِنَ فيها الله ورسوله، أي في مواجهة مشروعة، في معركة مشروعة، فهو الشهيد.‏

إذا رجعنا قليلاً إلى بعض الآيات القرآنية، لأن الآيات القرآنية التي تناولت هذا الموضوع كثيرة؛ القرآن عندما يتحدث عن الشهداء يأتي على ذكر هذين الوصفين: القتل، وفي سبيل الله ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ (3) ، ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (4) ، ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) . وفي آيات أخرى ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ (6) ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (7) . أي يَقتُلون في سبيل الله ويُقتَلون في سبيل الله.‏

الدافع إلى الاستشهاد‏

نتساءل هنا: ما الذي يجعل هؤلاء الأشخاص شهداء؟ لماذا كان الحسين (عليه السلام) في كربلاء؟ لماذا كان معه هناك 72 رجلاً في مقابل الآلاف ضده؟ هذا في التاريخ، أما في الواقع الحاضر، فلماذا يذهب الشباب للعمل في المقاومة؟ لماذا يركب أحدهم سيارة مفخخة أو يحيط نفسه بالمتفجرات ويقتحم مواقع العدو وقوافله ليفجر نفسه؟‏
طبعاً، هذا السؤال مطروح في مجتمعنا، لكن الإجابة عنه ليست صعبة، وفهم الإجابة ليس صعباً أيضاً؛ نأتي هنا إلى هؤلاء الشهداء وحركتهم باتجاه الشهادة، لنجد أن المسألة ترتبط بالدرجة الأولى بإيمانهم ومعرفتهم؛ أي أن هؤلاء يعرفون أن هناك دنيا وهناك آخرة، ويعرفون أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الأبدية الأزلية والخالدة، ويعرفون أن هذه الدنيا فانية، زائفة، جيفة، ويعرفون أن كل نفس ذائقة الموت. لأن الذي لا يعرف هذه الحقائق لا يمكن أن يمشي في هذا الطريق.‏
هذا الإنسان الذي يحمل هذه المعرفة وهذا الإيمان وهذا اليقين، يأتيه الإسلام، وخصوصاً في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليقول له: إذا كان لا بد من الموت، فلماذا لا نموت قتلاً في سبيل الله.‏

انظروا، أمير المؤمنين (عليه السلام) ماذا يقول أيها الناس: «إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد ولا محيص، من لم يقتل مات، إن أفضل الموت القتل» (8) . ثم يحدثنا عن نفسه فيقول: «والذي نفس علي بن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من ميتة على الفراش» (9) .‏
إذاً، عندما نكون أمام حقيقة أنه لا بد من الموت، فأفضل الموت هو القتل في سبيل الله.‏

وفي بعض الأحاديث: «أفضل الموت، القتل في سبيل الله» (10) ، «أكرم الموت القتل في سبيل الله» (11) . وأئمتن (عليه السلام) دفعونا في هذا الاتجاه. عندما نستمع إلى الحسين (عليه السلام) يخاطب الناس على امتداد الطريق إلى كربلاء وفي كربلاء نعرف أن المشكلة بالتحديد، أن الناس يخافون الموت ويحبون الدنيا. كان الحسين (عليه السلام) يقول: «الناس عبيد الدنيا، والدين لَعْقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معايشهم» (12) ما داموا يعيشون وأوضاعهم طيبة ولم يمسهم أحد بسوء أو يمس عائلاتهم وبيوتهم فهم متدينون، أما عندما يتطلب الموقف منهم أن يضحوا بالمال أو بالولد أو بالنفس في سبيل الله، فإنك تجدهم قد عادوا إلى ارتباطهم بالدنيا وسقطوا في الامتحان لأنهم «عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم». وهؤلاء يخاطبهم الحسين (عليه السلام) فيقول: «ما الموت إلا قنطرة» لماذا نخاف من الموت؟ فما هو إلا باب أو جسر نعبر من خلاله من دار إلى دار، من حياة إلى حياة، من عالم إلى عالم، ومن أي دار وحياة وعالم، إلى أي دار وحياة وعالم؟! من دار «في حلالها حساب وفي حرامها عقاب» (13) كما يقول علي (عليه السلام)، من دار هي دار بلاء واختبار وافتتان وبؤس وجوع وحروب وتنافس، من دار في جوار اللئام والقتلة والمجرمين ومرتكبي المجازر، وهذه حال الدنيا إلى قيام الساعة، إلى دار في جوار الله والأنبياء والرسل والأئمة والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، إلى دار يحصل فيها الإنسان على كل ما يحبه ويتمناه، إلى دار السلام والخلود والأمن والطمأنينة وجوار المولى عزَّ وجلَّ.‏

فإذا كان الموت هكذا، قنطرة، جسراً أو باباً نخرج عبره من حياة إلى حياة، أنفتحه؟ لماذا نخشى هذا الموت ونخافه؟! بل بالعكس أئمتن (عليهم السلام) يعلموننا أن علينا أن نقبل عليه ونحبه وننتظره ونسعى إليه، لأننا إن عشنا أكثر قد نمتحن أو نبتلى أكثر، وقد نواجه المزيد من المخاطر التي قد تهدد آخرتنا وعاقبتنا.‏

لو جاء شخص أو أشخاص صادقون وقالوا لنا ـ ونحن جميعاً من محبي الحجة|: خلف هذا الباب في هذا المكان يقف الحجة|، فمن يريد لقاءه فليذهب ويفتح الباب ويمضي إليه، ألا نترك كلنا أماكننا ونهجم على الباب لنفتحه ونذهب إلى المكان الثاني، لأن خلف الباب من نحب وننتظر ونشتاق إليه، بعد مئات من السنين!‏

الله تعالى، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يقولون: خلف هذا الباب الذي اسمه الموت جنات عرضها السماوات والأرض، خلف هذا الباب: لقاء الله، ومحمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفاطمة بنت محمد (عليها السلام)، والحسن والحسين (عليهما السلام) والأنبياء والرسل (عليهم السلام) والشهداء والمجاهدون والأحبة على مدى التاريخ. خلف هذا الباب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أنخاف هذا الباب ونخشاه؟! بالعكس، فإذا كنا نملك هذا الإيمان وهذا اليقين، فيجب أن نندفع بقوة نحوه، نبحث عنه في الليالي وفي كل نهار، في كل موقع وعند كل مفترق طرق، نفتش عن هذا الباب ونفتحه حتى ننتقل من دار إلى دار كما انتقل الحسين (عليه السلام) . الحسين هنا يعلمنا أكثر من هذا، يعلمنا كيف يصبح الموت حباً ويصبح التعلق بالآخرة شوقاً، وكيف تصبح الشهادة هي الطريق إلى تحقق هذا الحب والوصول إلى نهاية هذا الشوق.‏

الحسين نفسه يقول: «إني لا أرى الموت إلا سعادة»، هذه مدرسة الحسين (عليه السلام) لا يرى الموت موتاً، لا يراه فناءً أو حزناً أو ألماً؛ «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً» (14) . وفي مكان آخر: «خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة» (15) . أي ما معناه: هذه سنة إلهية حاكمة. يعني الحسين (عليه السلام) ذاهب إلى كربلاء، إلى الموت، لكن بأي روح يذهب؟ وبأي نفس يذهب؟ يقول (عليه السلام): «ما أولهني إلى أسلافي - أي ما هو أعظم من الشوق - اشتياق يعقوب إلى يوسف» (16) . ونحن نعرف مدى عظمة اشتياق يعقوب إلى يوسف (عليه السلام)، وهو الذي بكى يوسف (عليه السلام) حتى ابيضت عيناه. فالحسين (عليه السلام) يذهب إلى كربلاء بهذا الشوق، بهذا الحب والوله.‏

إذن، في ثقافة الشهادة والاستشهاد عندنا ـ والشهادة هي نوع خاص من الموت؛ أي الموت قتلاً في سبيل الله ـ يصبح الموت بالنسبة إلينا شيئاً نرغبه ونفتش عنه ولا نخافه أو نخشاه كما يخافه أو يخشاه الناس.‏
في لبنان لسنا بحاجة لنتكلم عن التاريخ، ألا يحدثنا العدو عن الاستشهاديين من المجاهدين، كيف اقتحموا قلاع العدو والابتسامة تملأ وجوههم! العدو حدثنا عن هذا، وأتى الأجانب ليسألونا كيف يقتحم المجاهد الموقع المعادي وهو يضحك؟! إذا لم يقدر الشخص أن يفهم الحسين (عليه السلام) فلن يفهم هذه القصة، الموت هنا أيضاً، يتحول إلى أكثر من أمر لا نخشاه؛ أي أن هناك مرحلة نخاف فيها من الموت، ومرحلة لا نخاف فيها من الموت، ومرحلة ثالثة نحب فيها الموت ونعشقه قتلاً في سبيل الله عز وجل. هذه مدرسة كربلاء.


السلاح الأمضى..حب الشهادة‏

من وحي كل هذه الثقافة وهذه المفاهيم وهذه الروح يبرز السؤال التالي: ما هو السلاح القوي الذي نملكه؟‏
السلاح القوي الذي نملكه والذي هزمنا به أعداءنا وأساطيل الغرب، والذي فرضنا به احترامنا على العالم، والذي أسقطنا به المؤامرات وواجهنا به التحديات، والذي ما زال يمنع هذا العدو العنصري المتصهْيِن من ابتلاع أرضنا وخيراتنا وإذلال أهلنا... هو: سلاح الشهادة.. لأن في مسيرتنا شهداء، وفي قادتنا شهداء نستطيع أن نستمر بفيضهم، بدفعهم، بأنفاسهم، بأرواحهم المعطاءة، بوصاياهم، بابتساماتهم، بأصواتهم التي مازالت تتردد في آذاننا.. السلاح الذي نملكه هو أننا في لبنان، في قلب هذه المسيرة، نملك رجالاً حاضرين للشهادة، ونساءً حاضرات للشهادة، يعشقون الشهادة كما علمهم علي بن أبي طالب (عليه السلام). ويحق لنا أن نسأل: بماذا نقاتل هذا العدو؟ أين هو التوازن العسكري، توازن العدة والعتاد والعديد والتقنية والخبرة والمال؟ لا يوجد هناك مجال للمقارنة، ولكن السلاح الذي نملكه نحن ولا يملكه العدو، ولا يمكن أن يملكه، هو هذا الحب للشهادة النابع من التتلمذ في مدرسة سيد الشهداء (عليه السلام).‏
أقول لكم في النهاية: هذا السلاح يجب أن نحتفظ به، وليس بوسعنا تحقيق ذلك إذا أقبلنا على الدنيا وزخارفها وشهواتها وحطامها، لا تجتمع الدنيا والآخرة في قلب رجل.. إذا أردنا أن نحتفظ بهذا السلاح يجب علينا أن نبتعد عن مظاهر الفساد داخل بيوتنا وعلى شاشات التلفزة وعبر المذياع، وفيما ندخله إلى بيوتنا من مجلات وصحف، يجب أن نتجنب كل مجالس اللهو المحرَّم، وأن نتعلم كيف أن الدنيا هي مزرعة الآخرة، وأنها ممر ومعبر وجسر ليس أكثر. وعلينا أن نفكر بالآخرة دائماً، وبما أعده الله للشهداء.‏

كل إنسان في الآخرة، يقال له: تعال لنعيدك إلى الدنيا ونعطيك كل ملكها فلا يقبل أبداً، لكن الحديث يقول: إلا الشهيد فهو يقبل أن يعود؛ لا من أجل ملكها، ولكن كي يقتل في سبيل الله مرة ثانية (17) !‏

يجب أن نتعلم كيف نفكر بآخرتنا، ليس بالمظاهر التي قد نتبعها هنا وهناك؛ لا بل بالعقل والقلب، وتوجه الروح وإقبال القلب على الآخرة، وبذلك يمكن أن نملك هذا السلاح.‏
اقرأوا وصايا الشهداء وتعلموا منها، فهذا هو سبيل الله؛ فإذا بقينا هكذا، وبقيت كربلاء حاضرة في العقل والقلب والدمعة، وبقي الحسين يملأ منا العيون وزينب تملأ منا العيون... نعم، إذا بقينا في هذا الجو، فسوف يبقى هذا السلاح وسوف ننتصر به ونهزم به العدو ونعجزه، ونعيد به لأمتنا العزة والكرامة.‏

سلاح الشهادة، يمكن لكل واحد أن يمتلكه، لنصبح بمفهوم الشهادة الأقوياء الذين يصنعون التاريخ، لا الضعفاء الذين ينساهم التاريخ ويرفضهم الله ويخسرون بذلك الدنيا والآخرة.‏
أسأل الله لي ولكم التوفيق لما نحب من طاعته والجهاد في سبيل الله، والقتال والقتل مع وليه، وأن يحسن لنا العواقب (18) .‏


(1) - سورة آل عمران ، الآية : 185 .
(2) - سورة الزمر ، الآية : 30 .
(3) - سورة البقرة، الآية : 154 .
(4) - سورة آل عمران ، الآية : 169 .
(5) - سورة محمد ، الآية : 4 - 5 .
(6) - سورة آل عمران ، الآية : 195 .
(7) - سورة التوبة ، الآية : 111 .
(8) - نهج البلاغة، الخطبة: 123.‏
(9) - نهج البلاغة، الخطبة: 123.‏
(10) - كنز العمال، ج4، ح11126.‏
(11) - بحار الأنوار، ج97، ص40.‏
(12) - مقتل الحسين (عليه السلام)للمقرم، ص193.‏
(13) - نهج البلاغة، الخطبة: 82.‏
(14) - مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرم، ص194.‏
(15) - بحار الأنوار، ج44، ص366.‏
(16) - بحار الأنوار، ج44، ص366.‏
(17) - بحار الأنوار، ج44، ص366.‏
(18) - مقتطف من كلمة لسماحة السيد حسن نصرالله ألقاها في 4 محرم 1418هـ .


   التفسير والبيان

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)(1)


ما هي الغيبة؟

الغيبة هي أن يذكر الإنسان شخصاً في غيابه بأمر لا يعرفه الناس، ويكون بحيث إذا سمع من اغتيب به ساءه وانزعج منه.
وعلى هذا فإنَّ النقد الموجّه للشخص أو ذكر العيب الذي يعرف به الناس أو الذي لا يستاء منه من اغتيب إذا بلغه، لا يعدّ غيبة.
ولا فرق في حرمة الغيبة بين الرجل والمرأة، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين القريب والغريب، ولا بين المعلّم والتلميذ، ولا بين الوالد والولد، ولا بين الحيّ والميّت.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ارفعوا ألسنتكم من المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيراً» (2) .


الغيبة في الأحاديث

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : «المغتاب (أي المرتكب للغيبة) هو آخر من يدخل الجنّة إن تاب، وإن لم يتب فهو أوّل من يدخل النار» (3) .
عن الإمام الرض (عليه السلام)  عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)  قال: «من كفَّ عن أعراض المسلمين أقال الله عثراته» (4) .
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من اغتاب مسلماً أو مسلمةً لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة» (5) .
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي الله ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي، فإنّي لا أرى فيه طاعتي». فيقال له: «إن ربّك لا يضلّ ولا ينسى». فيقول: «إلهي ليس هذا كتابي فإنّي لا أرى فيه طاعتي». فيقال له: «ذهب عملك باغتياب الناس». ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: «إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملت هذه الطاعات؟». فيقال: «لأنّ فلاناً اغتابك فَدُفِعت حسناته إليك» (6) .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  في خطابه في آخر حجّة له، حجة الوداع: «أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إن الله حرّم الغيبة كما حرّم المال والدّم» (7) .
لقد جعل فاعل الغيبة في الروايات دائماً إلى جانب مدمن الخمر: «تحرم الجنّة على المغتاب ومدمن الخمر» (8) .
ونقرأ في بعض الروايات: «إنَّ من تتبّع عورة أخيه (ونقلها إلى الآخرين) تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه الله في جوف بيته» (9) .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  في آخر خطبة له في المدينة: «من اغتاب مسلماً بطل صومه» (10) ، يعني أنه يحرم من بركات الصوم وفضائله، وآثاره المعنوية التي يحظى به الصائم.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ الدّرهم يصيبه الرّجل من الرّبا أعظم عند الله في الخطيئة من ستّ وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإنّ أربى الرّبا (أي أشد إثماً) عرض الرّجل المسلم» (11) .
وجاء في الحديث: «الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدّث». قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وما يحدّث؟ قال: الاغتياب (12) .


كيف نتلافى الغيبة؟

من أجل أن نتلافى ما ارتكبناه من اغتياب لهذا أو ذاك يجب أن نتوب إلى الله تعالى مما فعلناه، هذا إذا كان من اغتبناه ميتاً، وأن نعتذر إلى الله سبحانه ونسأله المغفرة، وهو التواب الرحيم.
وأمّا إذا كان من اغتبناه حيّاً فإن كان ممن ينزعج ويغضب لو أخبرناه بأننا قد اغتبناه، لم يُجز أن نخبره بذلك، حسب فتوى بعض مراجع التقليد (13) .
وإذا كان هناك من استمع إلينا، وسمع ما قلناه عن اغتياب أحد، وكنا قادرين على الاتّصال نتلافى ما فعلناه، وذلك بان نذكره عندهم بخير وبتكريم، بحيث يدفع ذلك التحقير والازدراء الذي لحق به جرّاء اغتيابنا إياه.
وأما إذا لم يوجب اخبارنا لمن اغتبناه، باغتيابنا إياه، انزعاجه، استحللنا منه، وطلبنا منه أن يجعلنا في حلّ.
قال المرحوم نصير الدين الطوسي (رحمه الله) في كتابه القيّم تجريد العقائد: ويجب الاعتذار إلى المغتاب مع بلوغه.
ويشرح العلامة الحلّي هذه العبارة بقوله: المغتاب أي من اغتيب، إمّا أن يكون قد بلغه اغتيابه أو لا؟ ويلزم على الفاعل للغيبة في الأول، أي إذا كان قد بلغه اغتيابه الاعتذار، وفي الثاني، أي إذا لم يبلغ اغتيابه لا يلزمه الاعتذار، ولا الاستحلال منه.
وهذا الموقف مستمد من حديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  إذ قال في جواب من سأله: ما كفّارة الاغتياب؟ «تستغفر لمن اغتبته كلّما ذكرته» (14) .


أين تجوز الغيبة؟

هناك موارد تجوز فيها الغيبة نشير إلى بعضها:
1 ـ في مقام المشورة يعني إذا استشارنا أحد حول شخص آخر، جاز لنا ذكر عيوبه للمستشير مطلقاً.
2 ـ في مقام الرّد على كلام باطل أو عقيدة باطلة، أو التجريح بقائلها، ومعتقدها، لكي يحذرهم الناس ولا يتبعونهم.
3 ـ في مقام الشهادة على مرتكبي جريمة وذلك عند القاضي، كما يجب ذكر الحقيقة للرد على الادعاءات الباطلة وتفنيدها.
4 ـ للرد على شهادة الشاهد غير الموثوق به.
5 ـ للتظلم، فإنه يجوز للمظلوم بيان ظلم الظالم الذي وقع عليه.
6 ـ تجوز الغيبة للتقيّة، أو للردّ على الادعاءات الخاوية، كالرد على من يدّعي كذباً أنه مجتهد، أو أنه من السادة، أو أنه دكتور أو طبيب، ونحن نعلم أنه ليس كما يقول، وأنه لا يحمل هذه الصفة حقيقة، ففي هذه الحالات يجوز إطلاع الناس على واقع الأمر ونفي هذه الصفات عنه.


أخطار الغيبة

تنطوي الغيبة على مجموعة من المعاصي والذنوب الأخرى منها:
1 ـ إشاعة الفحشاء، ونشر مساوئ الناس وقبائحهم، وهو أمر من حيث الخطورة والقبح بحيث لم يكن النشر والإشاعة لهذه الأمور بخصوصه مرفوضاً دينياً ويستوجب عقوبة فقط، بل حتى مجرّد الرغبة في نشرها كذلك يستوجب عذاباً أليماً (15) .
2 ـ تحقير المؤمن أو إذلاله.
3 ـ النميمة.
4 ـ إيجاد الفتنة والقاء الفرقة.
5 ـ الظلم وذنوب أخرى غير ما ذكر.


أنواع الغيبة

إنَّ الغيبة قد تكون بالّلسان وقد تكون بالإشارة، وقد تكون بالكتابة، وقد تكون بالصورة والشكل والتمثال، وقد تكون بتقليد شخص، وقد تكون بالسكوت.
فمثلاً يقول الشخص: للأسف: إنَّ الدّين يمنعني عن الكلام.
وبهذه العبارة الغامضة يفهم الآخرين بأنّ فلاناً يعاني من عيوب كثيرة.
أو يقول: الحمد لله نحن ما ابتلينا بكذا شيء سيء وهو يفهم الآخرين بأنَّ فلاناً قد ابتلي بذلك الأمر السيّء.
وأحياناً بذكر عيب نفسه وهو يحاول افهام الآخرين بأنه يعيب غيره مثلاً يقول: الإنسان ضعيف، أو نحن قليلو الصبر، وهو يعني أن فلاناً ضعيف، أو أنه قليل الصبر.
وربما بعد سماع الغيبة يقول مستغرباً: سبحان الله، الله أكبر، وبهذه العبارات يشجع فاعل الغيبة على الاستمرار في الاغتياب.
وربما قال بلسانه: لا تغتابوا، ولكنه يحب قلبياً أن يسمع الغيبة، وهذا هو النفاق (16) .


(1) - سورة الحجرات ، الآية : 12 .
(2) - نهج الفصاحة: الحديث 265.
(3) - المستدرك: ج9، ص132.
(4) - بحار الأنوار: ج72، ص256.
(5) - بحار الأنوار: ج73، ص258.
(6) - بحار الأنوار: ج72، ص259.
(7) - شرح نهج البلاغة: لابن أبي حديد، ج9، ص26.
(8) - بحار الأنوار: ج73، ص360.
(9) - المحجة البيضاء: ج5، ص252، عن سنن أبي داوود، ج2، ص451.
(10) - المحجة البيضاء: ج5، ص254.
(11) - بحار الأنوار: ج72، ص222.
(12) - أصول الكافي: ج9، ص357، باب الغيبة والبهت.
(13) - ولقد سألت أنا شخصياً آية الله العظمى السيد الكلبايكاني {: هل يجب أن تقول لمن اغتبناه: لقد اغتبناك فاجعلنا في حل؟ فقال: لا، لأنك إذا قلت له ذلك انزعج وحزن، وإزعاج المسلم وإحزانه معصية أخرى، وعلى هذا فأن ملافاة وتدارك الغيبة هو أن تستغفر الله ولا يجب استحلال من اغتيب في جميع الموارد.
(14) - وسائل الشيعة: ج 12، ص 290.
(15) - ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... ﴾ سورة النور، الآية: 19.
(16) - تفسير سورة الحجرات : لسماحة الشيخ قراءتي ، ص160مع بعض التصرف).


   مفردات قرآنية


 

 

 سورة يونس وَهِيَ مكية وَعَدَدُ آياتِهَا مئة وثلاث وعشرون آية

فضلها:

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى(عليهم الصلاة والسّلام) وكان يوم القيامة من السعداء. وروى الثعلبي بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: قيل يا رسول الله: قد أسرع إليك الشيب، قال: شيبتني هود وأخواتها. وروى العياشي عن الحسن بن علي الوشاء عن ابن سنان عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قرأ سورة هود في كل جمعة بعثه الله يوم القيامة في زمرة النبيين وحوسب حسابا يسيرا أو لم تعرف له خطيئة عملها يوم القيامة (1) .

قال تعالى في سورة هود: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (2) .


اللغة والبيان:

﴿ الر ﴾ أهم ما جاء في تفسير الأحرف المقطعة هو أنَّ هذه الحروف إشارة إلى أن هذا الكتاب السماوي، بعظمته وأهميّته التي حيرت فصحاء العرب وغير العرب، وتحدت الجن والإنس في عصر الرسالة وكل العصور، يتكون من نفس الحروف المتيسرة في متناول الجميع.
﴿ كِتَابٌ ﴾ يعني القرآن أي هو كتاب ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ أتقنت آياته فليس فيها خلل ولا باطل لأن الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتى لا يكون فيه خلل ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بأن جعلت متتابعة بعضها إثر بعض وشُرحت شرحاً وافياً ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ ﴾ أي إن هذا الكتاب أتاكم من عند حكيم في أحواله وتدابيره يضع الأشياء مواضعها ﴿ خَبِيرٍ ﴾ أي عليم بأحوال خلقه ومصالحهم وعالم بكل شيء.

﴿ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ ﴾ معناه أنزل هذا الكتاب ليأمركم لكي لا تعبدوا إلا الله ﴿ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ هذا إخبار من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه مخوف من مخالفة الله وعصيانه باليم العقاب لمن كفر وعصى ومبشر على طاعة الله بجزيل الثواب لمن آمن وأطاع.

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ معناه اطلبوا المغفرة واجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليها بالتوبة والطاعة ﴿ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً ﴾ يعني أنكم متى استغفرتموه و تبتم إليه يمتعكم ويسعدكم في الدنيا بالنعم السابغة في الخفض والدعة والأمن والسعة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه وهو منتهى عمركم ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ معناه يعطي كل ذي عمل صالح فضله أي ثوابه على قدر عمله فإن من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة وعلى هذا فالأولى أن تكون الهاء في فضله عائدا إلى اسم الله تعالى ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي أعرضوا عما أمروا به ﴿ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ أي كبير شأنه وهو يوم القيامة وهذا الخوف ليس في معنى الشك بل هو في معنى اليقين أي فقل لهم يا محمد إني أعلم أن لكم عذابا عظيما وإنما وصف اليوم بالكبير لعظم ما فيه من الأهوال. ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أي رجوعكم ومصيركم في ذلك اليوم إلى حكم الله لأن حكم غيره يزول فيه ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يقدر على الإعادة و البعث والجزاء فاحذروا مخالفته.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ ﴾ يعني الكفار والمنافقين ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ أي يطوون في صدورهم بغض الرسول والإسلام، وأنهم إذا عقدوا مجلسا على معاداة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والسعي في أمره بالفساد انضم بعضهم إلى بعض وثنى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون ﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ أي ليخفوا ويستروا عدواتهم للرسول من الله تعالى فإنهم كانوا قد بلغ من شدة جهلهم بالله أن ظنوا أنهم إذا ثنوا صدورهم على سبيل الإخفاء لم يعلم الله تعالى أسرارهم، فإنهم يريدون النفاق ﴿ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ معناه أنهم يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون فيما كانوا يدبرونه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين فيكتمونه ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وقت ما يتغطون بثيابهم ويجعلونها غشاء فوقهم لا بمعنى أنه يتجدد له العلم في حال استغشائهم بالثوب بل هو عالم بذلك في الأزل، والآية في مقام بيان أن الله عالم بما في قلوبهم ولو كانوا تحت الغطاء فلا ينفعهم قصدهم تستر نفاقهم ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ بمكنونات القلوب، وبما في النفوس (3) .


سبب النزول:

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .
هذه الآية : قيل نزلت في الأخنس بن شريق وكان حلو الكلام يلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره عن ابن عباس. وروى العياشي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أخبرني جابر بن عبد الله أنَّ المشركين إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا وغطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله هذه الآية (4) .


(1) - مجمع البيان : ج5 ، ص212 .
(2) - سورة هود ، الآية : 1 – 5 .
(3) - المصادر : مجمع البان ، تبيين القرآن ، الأمثل ، موضع الآيات .
(4) - مجمع البيان : ج5 ، ص216 .


   مناهج التفسير

التفسير على ضوء السنن الاجتماعية


 

إنَّ النظرة الفاحصة في التفاسير التي ألّفت قبل القرن الرابع عشر يعرب عن أنّ الطابعَ العام لها هو تفسير الآيات القرآنية، وتبيين مفرداتها، وتوضيح جملها، وكشف مفاهيمها بمعزل عن المجتمع ومسائله ومشاكله، من دون أن يستنطقوا القرآن من أجل وضع الحلول المناسبة لمعاناتهم مع أنّ الواجب على المسلمين الرجوع إلى القرآن لمعالجة دائهم، كما يقول الإمام علي (عليه السلام) : «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم» (1) .
فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم، فالحقّ أنَّ القدامى لم يولوا العناية بهذا الجانب من التفسير إلاّ شيئاً يسيراً، وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه هو السيد جمال الدين الأسد آبادي، فقد وجه أنظار المسلمين إلى الجانب الاجتماعي من التفسير، فقال في خطبته المعروفة: عليكم بذكر الله الأعظم، وبرهانه الأقوم، فإنّه نوره المشرق، الذي به يخرج من ظلمات الهواجس، ويتخلّص من عتمة الوسواس، وهو مصباح النجاة، من اهتدى به نجا، ومن تخلّف عنه هلك، وهو صراط الله القويم، من سلكه هُدي، ومن أهمله غوى.
وتبعه تلميذه ومن تربى في أحضانه، الإمام الشيخ محمد عبده، فأبدع منهجاً خاصاً للتفسير له ميزاته التالية:
1- التحرر من قيود التقليد وإعمال العقل في الأقوال والآراء المروية في الآيات، وفهم كتاب الله من دون نظر إلى مذهب إمام دون إمام على وجه يكون القرآن هو المتبع دون مذهب الإمام.
2- الاهتمام ببيان نظم الاجتماع ومشاكل الأُمّة الإسلامية خاصة، ومشاكل الأُمم عامة، وبيان علاجها بما أرشد إليه القرآن من أُصول وتعاليم.
3- التوفيق بين القرآن والنظريات العلمية على وجه لا يكون القرآن مخالفاً للعلم.
فلنأت لكلّ ميزة بمثال.
أمّا الميزة الأُولى فيكفي التأمل فيما ذكره حول آية الوصية للوالدين.

الوصية للوالدين ليست منسوخة

يقول سبحانه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (2) .
قال الشيخ الطوسي: تصح الوصية للوارث مثل الابن والأبوين وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث (3) .
وقال صاحب المنار: الآية صريحة في جواز الوصية للوالدين ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصية ثمّ عمّم الموضوع وقال: «والأقربين» ليعم كلّ قريب وارثاً كان أم لا، غير أنَّ جمهور الفقهاء رفضوا الآية وقالوا بأنَّ الآية منسوخة بآية المواريث، ولكنَّ الإمام عبده خالف رأي الجمهور وقال: لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، فإنَّ السياق ينافي النسخ، فإنَّ الله تعالى إذا شرع للناس حكماً وعلم أنَّه مؤقت وأنَّه سينسخه بعد زمن قريب فإنَّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدله (4) .
وهذا دليل على أنَّ الإمام نظر إلى الآية بعقلية حرة من دون أن يتبع رأي الأئمّة الأربعة وبذلك وجه لوم المتحجرين إلى نفسه كما هو شأن كلّ مصلح.

وأمّا الميزة الثانية: فالحقّ أنَّ تفسير الإمام مشحونة بهذه المباحث ولا يمكن لنا عرض معشار ما جاء في ذلك الكتاب من هذا النوع من المسائل، ولنقتصر بالمورد التالي:

الصبر وأثره البنّاء
يقول الإمام في تفسير قوله سبحانه: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ ﴾ والصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضى بما يكره في سبيل الحقّ، وهو خلق يتعلّق به بل يتوقّف عليه كمال كلّ خُلق، و ما أُوتي الناس من شيء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه، كلّ أُمّة ضعف الصبر في نفوس أفرادها، ضعف فيها كلّ شيء، وذهبت منها كلّ قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: نقص العلم عند أُمّة من الأُمم كالمسلمين اليوم، إذا دقّقت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإنَّ من عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد في نفسه صبراً على التوسع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هين لين، لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعباً، ويسلّي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه، لاتّخذهم أُسوة له في عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلّف نفسه بعض ما حمّلوا أنفسهم عليه واعتقد كما كانوا يعتقدون أنَّهم ليسوا بمعصومين (5) .
وكم للأُستاذ بيانات شافية حول المحرمات كالقمار والزنا، وحول الجهاد وتحريم الربا إلى غير ذلك من الأُسس الاجتماعية في الإسلام.

وأمّا الميزة الثالثة فنقتصر بالمورد التالي:

انشقاق السماء عند اختلال نظامها
يذكر في تفسير قوله سبحانه: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ﴾ انشقاق السماء مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ﴾ وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره (6) .
وهذه الأمثلة نقلناها من تفسيره المعروف لجزء عمّ، ذلك التفسير الذي ألفه بقلمه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية ليكون مرجعاً لأساتذة مدارس الجمعية في تفهيم التلاميذ معاني ما يحفظونه من سور هذا الجزء، وعاملاً للإصلاح في أعمالهم وأخلاقهم، وقد أتمّ الاستاذ تفسير هذا الجزء سنة 1321 هـ وهو ببلاد المغرب.
وأمّا الدروس التي ألقاها الإمام فقد ابتدأ بأوّل القرآن في غرة محرم سنة 1317هـ، وانتهى عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً (7) .

في منتصف محرم سنة 1231هـ، إذ توفّـي (رحمه الله) لثمان خلون من جمادى الأُولى من السنة نفسها. وقد أملى الأُستاذ هذه الدروس على تلاميذه.

ومع الأسف إنَّ ما أملاه الإمام لم ينشر على وفق ما أملاه بلا تصرف بزيادة أو نقيصة، فإنَّ تلميذه السيد محمد رشيد رضا لمّا كتب تفسيره المسمّى بتفسير «المنار» أدخل فيه ما كتبه عن أُستاذه من آراء وأقوال ومزجها بآرائه وأفكاره، ولذلك لا يمكن أن ينسب كلّ ما فيه إلى الإمام إلاّ إذا صرح الكاتب به.
وعلى كلّ حال فقد ابتدأ التلميذ بأوّل القرآن وانتهى عند قوله تعالى من سورة يوسف ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (8) .
ثمّ وافته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن (9) .


(1) - نهج البلاغة : الخطبة 158.
(2) - سورة البقرة، الآية: 180.
(3) - الخلاف: 2/41 ، كتاب الوصية، المسألة .
(4) - تفسير المنار: 2/136-137.
(5) - تفسير جزء عمّ، تفسير سورة العصر.
(6) - تفسير جزء عمّ، ص 49.
(7) - سورة النساء، الآية: 126.
(8) - سورة يوسف، الآية: 101.
(9) - دروس في مناهج التفسير جمعية القرآن الكريم.


   معجم المفسرين

تفسير من هدى القرآن

 

 

المؤلف: السيد محمد تقي المدرسي.

تاريخ التأليف: 1405هـ.

عدد المجلدات: 18 مجلدا. 

طبعات الكتاب: طهران، دار الهدى، الطبعة الأولى، سنة 1406هـ.

حياة المؤلف:

ولد في مدينة كربلاء المقدسة في العراق في (سنة 1366هـ- 1945م) في بيت العلم والفقاهة، وتابع دراساته الدينية على ايدي علمائها الكبار منهم آية الله الشيخ يوسف الخرساني، ولم يقتصر على دراسة العلوم الدينية، بل اهتم بالعلوم الأخرى أيضاً، وكان من دعاة الاصلاح الاجتماعي... عمل على تطوير الحوزات العلميّة عن طريق تنظيمها وتحديث برامجها وفق الحاجات الراهنة.


أهم آثاره ومؤلفاته:

1- المنطق الاسلامي، أصوله ومناهجه.
2- الفكر الاسلامي، مواجهة حضارية.
3- بحوث في القرآن.
4- محمد (صلى الله عليه وآله) قدوة وأسوة.
5- الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة وأسوة.


تعريف عام:

هو تفسير شامل لجميع آيات القرآن، سلك فيه المؤلف النهج التحليلي والتربوي، من خلال الربط الموضوعي بين الحقائق الواضحة والبينة التي صرّح بها القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان كمنهج تربوي واخلاقي يستهدف وضع الحلول الناجعة لكل مشكلات العصور المختلفة حتى قيام يوم الدين.
ابتدأ قبل التفسير - بعد بيان دوافعه لتأليف التفسير ومنهجه - بذكر مقدمات علمية حول القرآن مثل: ما هو القرآن؛ ولماذا ندعوا اليه ؟ القرآن في آيات الذكر؛ القرآن في السنة؛ ولماذا ندعوا إلى القرآن؟ القرآن والتفسير بالرأي؛ القرآن بين التزكية والتعليم، وبين الظاهر والباطن، وبين المحكم والمتشابه؛ القرآن الحكيم والأحرف السبعة...


منهجه في التفسير:

وطريقته في التفسير، هو أن يبدأ باسم السورة وفضلها، ثم بيان الاطار العام للسورة، ثم يذكر قطعة من الآيات المرتبطة، ويبين لغاتها فيما فيه غموض وإبهام بشكل موجز، معتمداً في ذلك على تفسير «مجمع البيان» الطبرسي، وبيان المعنى الاجمالي للكلمات، ثم يذكر بياناً تفصيلياً من هدى الآيات ودعوتها.
الخلاصة: كان تفسير السيد المدرسي تفسيراً تحليلياً تربوياً، فلا تجد فيه ما حكى المفسرون من الاسرائيليات، بل يشرح الآيات ويذكر المقاصد العالية والهداية السامية لها ويعالج امراض المجتمع بناجع دوائه، باسلوب علمي رائع وبيان واضح.


   علوم قرآنية

القرآن بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

ظن بعض الكتاب بأن من يقولون بأنَّ القرآن أصبح على شكل «مصحف» بعد وفاة الرسول لا يعتقدون بكتابة القرآن في زمن الرسول، في حين أنَّ الأمر ليس كذلك، بل كما ذكرنا بأنَّ كتابة وتنظيم آيات القرآن حصلت بلا شك قبل وفاة الرسول، ولا أحد ينكر ذلك، والفارق الوحيد في ذلك أن هناك فريق يعتقد بأنّ القرآن بصورته الحالية قد كتب كله في عهد رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورُتّب على شكل مصحف (بين لوحين).
ويرى فريق آخر بأنّ القرآن كُتب في عهد الرسول ورُتّبت آياته في كل سورة، إلا أنّ ترتيب السُوَر - أو كل السُوَر على الاقل - وجعله مصحفاً، حصل بعد وفاة الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى هذا الأساس يمكن صياغة الاختلاف الموجود بين هذين الرأيين، في السؤال التالي: هل تمّ تنظيم القرآن على شكل «مصحف» قبل أم بعد وفاة الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
والآن بعد أن تبيّن موضوع البحث، ندرك بكل جلاء عدم وجود أي اختلاف جذري وأساسي في قضية تدوين وكتابة القرآن، والقول بأي من هذين الرأيين لا ينطوي على النيل من اهتمام الرسول والمسلمين بالقرآن.
أوّل وأهم دليل يستند إليه هذا الفريق هو الروايات؛ إذ يقول هذا الفريق بما أن قضية جمع القرآن قضية تاريخيّة، فلا بد من البحث عن حقيقتها بين طيّات التاريخ، والشواهد التاريخية تثبت أنّ القرآن جمع على شكل «مصحف» بعد وفاة الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم).
1- قال زيد بن ثابت الذي كان من كُتّاب الوحي: قبض النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء !
2- وقال الخطابي أيضاً: كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتّب السور (1) .
3- اعتبر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الانتصار أنّ جمع أبي بكر كان جمعاً للقرآن بين لوحين (2) .
4- قال أبو عبدالله الحارث بن أسيد المحاسبي في فهم السنن:
«كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر بكتابته، ولكنّه كان مفرّقاً في الرقاع والأكتاف والعسيب. وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمر أبو بكر بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، فجمعها جامع وربطها بخيط حتّى لا يضيع منها شيء» (3) .
ومن الادلة الأخرى على أنّ القرآن جمع بعد وفاة الرسول هو تدرّج نزول القرآن واستمرار نزول الوحي إلى أواخر حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما حال دون جمع القرآن؛ وبما أنّه كان هناك على الدوام انتظار نزول آيات وسور، لم يُقْدم النبي على ترتيب السُوَر بنفسه:
قال العلامة المجاهد محمد جواد البلاغي في تفسيره: ولمّا كان وحيه لا ينقطع في حياة رسول الله(عليه السلام)، لم يكن كله مجموعاً في مصحف واحد، وإن كان ما أُوحى منه مجموعاً في قلوب المسلمين وكتاباتهم له (4) .
وهذا الدليل ذكره جماعة آخرون أيضاً (5) .
الدليل الثالث على جمع القرآن بعد وفاة الرسول، الروايات الكثيرة الدالة على جمعه على يد علي بن ابي طالب، فلو كان القرآن جمع في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكله الحالي، فَلِمَ بادر علي بن ابي طالب(عليه السلام) إلى جمعه؟ ولماذا أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علي(عليه السلام) بجمعه بعد رحلته؟
قال العلّامة البلاغي: أن عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرتد برداء إلّا للصلاة حتى جمع القرآن على ترتيب نزوله، وتقدّمِ منسوخه على ناسخه (6) .
ويرى العلّامة الطباطبائي أنّ جمع القرآن من مسلّمات الروايات (7) .
والدليل الآخر على نفي جمع القرآن في عهد حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الاختلاف الموجود بين المصحف الذي جمعه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن ابي طالب (عليه السلام). وهناك من يزعمون أن المصحف الذي جمع في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جُمع على هذا الشكل الحالي. فإن كان الأمر كذلك فلماذا جَمَع علي بن ابي طالب القرآن على أساس ترتيب النزول؛ الأوّل فالأول ؟
وهل يمكن القول بأنَّ القرآن كان مجموعاً إلّا أنَّ عليا (عليه السلام) رجّح طريقته في الجمع على ما كان قد جمعه رسول الله ؟!
وإذا تجاوزنا الكلام عن مصحف علي (عليه السلام)؛ فكل واحد من الصحابة الآخرين كان قد نظّم لنفسه مصحفاً خاصاً به، وهذه المصاحف تختلف عن بعضها الآخر أحياناً في تنظيم وترتيب السور، وهذا دليل آخر على عدم جمع المصحف في زمن الرسول (عليه السلام).
يطرح العلّامة الطباطبائي رأياً جازماً في مسألة جمع القرآن يقول فيه: أنَّ جمع القرآن مصحفاً واحداً، انما كان بعدما قُبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إشكال (8) .


أ- جَمْع علي بن ابي طالب (عليه السلام):

بدأ عهد تدوين القرآن بعد وفاة الرسول، باهتمام شخصية كعلي بن ابي طالب (عليه السلام). فالامام علي(عليه السلام) كان له قصب السبق والريادة في جميع الميادين، وكان منذ بداية نزول الوحي ملازماً للرسول على الدوام في كتابته وقد أمره الرسول في آخر أيام حياته بجمع القرآن.
قال ابن مسعود الذي كان من كبار صحابة الرسول: ما رأيت أحداً أقرأ من علي بن ابي طالب (عليه السلام) للقرآن (9) .
وروى أبو بكر الحضرمي عن الإِمام الصادق (عليه السلام)، أنّ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ لِعَلّي (عليه السلام) :
«يَا عَلِيُّ، إنَّ الْقُرْآنَ خَلْف فِرَاشِي فِي الصُّحُفِ وَالْحَرِيرِ وَالْقَرَاطِيَس، فَخُذُوهُ وَأجْمِعُوهُ وَلاَ تُضَيِّعُوهُ كَمَا ضَيَّعَتِ الْيَهُودُ التَّوْرَاةَ، وانْطَلَقَ عَلِيٌّ(عليه السلام) فَجَمَعَهُ فِي ثَوْب أَصْفَرَ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ» (10) .
وهكذا رأى علي بن ابي طالب (عليه السلام) أنَّ أكبر مهمة تقع على عاتقه بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي جمع القرآن.
قال ابن عباس في ذيل الآية: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ إنّ علي بن ابي طالب جمع القرآن بعد موت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بستة أشهر (11) .
قال ابن سيرين: قال علي: لما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آليت ألّا آخذ عليَّ ردائي إلّا لصلاة جمعة، حتى أجمع القرآن. فجمعه (12) .
وفي أخبار أبي رافع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه الذي توفي فيه لعلي بن أبي طالب(عليه السلام): يا علي هذا كتاب الله خذه إليك، فجمعه علي(عليه السلام) في ثوب فمضى إلى منزله، فلما
قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلس علي فألفه كما أنزل الله، وكان به عالما (13) .


مزايا مصحف علي(عليه السلام) :

يتميز المصحف الذي جمعه علي بن ابي طالب (عليه السلام) عن المصاحف التي كانت سابقاً أو جاءت لاحقاً بمزايا كثيرة، نذكر هاهنا قسماً منها:
1- نُظّمت فيه السُوَر وفقاً لترتيب نزولها، وهذا ما أشار اليه السيوطي في الاتقان وقال: مصحف علي كان أوله اقرأ، ثم المدّثر، ثم نون، ثم المزمل، ثم تبّت، ثم التكوير، وهكذا.
وقال الشيخ المفيد في المسائل السرورية: ألّف أمير المؤمنين القرآن بحسب ما وجب من تأليفه؛ فقدّم المكي على المدني، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كلَّ شيء منه في حقّه (14) .
2- قراءة مصحف علي بن ابي طالب (عليه السلام) مطابقة تماماً لقراءة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
3- كان هذا المصحف يَضُم أسباب نزول الآيات، وموضع نزولها، ومن نزلت في شأنهم.
4- أظهر هذا المصحف الجوانب العامّة للآيات، بحيث لا تكون محدودة ومختصة بزمان أو مكان أو شخص معيّن (15) .
مصدر مصحف علي بن ابي طالب (عليه السلام): جاء في رواية أنّ طلحة سأل عليا (عليه السلام) عن مصحفه وإلى من يكون من بعده ؟ قال له: إلى الذي أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أدفعه إليه، وصيي وأولى الناس بعدي بالناس، ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى إبني الحسين، ثم يصير إلى واحد من ولد الحسين (16) .
وأما المصاحف أو نسخ القرآن المنسوبة إلى علي بن ابي طالب (عليه السلام)، والموجودة في بعض المتاحف والمكتبات، فيرى بعض الباحثين أنّ الشواهد والقرائن لا تدلُّ على أنها له (17) .


(1) - الإتقان : ج1 ، ص181. الميزان : ج12 ، ص120 .
(2) - المصدر السابق : ص330 ؛ الاتقان : ج1 ، ص189 .
(3) - البرهان : ج1 ، ص332 . الاتقان : ج1 ، ص185 . مناهل العرفان : ج1 ، ص250 .
(4) - آلاء الرحمن : ج1 ، ص18 .
(5) - البرهان : ج1، ص329 ؛ مناهل العرفان : ج1 ، ص247 ؛ التمهيد : ج1 ، ص287.
(6) - آلاء الرحمن : ج1، ص18 ؛ بحار الأنوار : ج89 ، ص40 وما بعدها .
(7) - الميزان : ج12 ، ص128 .
(8) - المصدر السابق : ص120 .
(9) - بحار الأنوار : ج89 ، ص53 .
(10) - تاريخ القرآن ، أبو عبد الله الزنجاني : ص 44.
(11) - بحار الأنوار: ج89 ، ص51.
(12) - الإتقان : ج1، ص183.
(13) - بحار الأنوار : ج89 ، ص52.
(14) - بحار الانوار : ج89 ، ص74.
(15) - التمهيد في علوم القرآن : ج1، ص228 - 229.
(16) - المصدر السابق : ص42.
(17) - المصدر: دروس في علوم القرآن الكريم لحسين جوان آراسته، مع بعض التصرف.


 استفتاءات قرآنية

لسماحة المرجع آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله)

 


1 - سؤال: توضّأت بنيّة الطهارة لصلاة المغرب، فهل يجوز لي مسّ القرآن الكريم والاتيان بصلاة العشاء؟
ج: بعد ما تحقّق الوضوء الصحيح فما لم يبطل يجوز الاتيان معه بكلّ عمل مشروط بالطهارة.


1 - سؤال: إنني اعمل في مكان يستبدلون كلمة «الله» بشكل «ا...» في كلّ مراسلاتهم، فهل يصح شرعاً كتابة ألف وثلاثة نقاط بدل لفظ الجلالة المشار إليه أم لا؟
ج: لا مانع منه شرعاً.

2 - سؤال: يستعين المكفوفون في القراءة والكتابة بلمس الخط النافر المعروف بخط «بريل» بأصابعهم، مع الالتفات الى أن هذا الخط الاصطناعي مؤلف من ستة نقاط، تفضلوا بالاجابة عن السؤال التالي: هل يلزم على المكفوفين حال تعلمهم قراءة القرآن الكريم، وأيضاً حال مسّ الأسماء الطاهرة المكتوبة بالخط النافر أن يكونوا على وضوء أم لا؟
ج: ليس للنقاط النافرة التي هي علامات على الحروف الأصلّية حكم الحروف الأصلّية، ولا يتوقّف مسُّها في الموارد التي تستعمل فيها بعنوان كونها علامات على حروف القرآن الكريم والأسماء الطاهرة - على الطهارة من الحدث.

3 - سؤال: هل حرمة مسّ كتابة القرآن الكريم من دون طهارة مختصّة بما إذا كانت في المصحف الشريف؟ أو تشمل ما لو كانت في كتاب آخر، أو لوح أو جدار وغير ذلك؟
ج: لا تختص بالمصحف الشريف، بل تعمّ الكلمات والآيات القرآنيّة، ولو كانت في كتاب آخر، أو في جريدة، أو مجلة، أو لوح، أو منقوشة في جدار وغير ذلك.

4 - سؤال: عائلة تستعمل آنية لأكل الأرز كتب عليها آيات قرآنيّة منها آية الكرسي، ومقصودهم من ذلك حصول الخير والبركة، فهل هناك إشكال أم لا؟
ج: إذا كانوا على وضوء أو تناولوا الطعام بالملعقة ونحوها فلا إشكال.

5 - سؤال: هل يجب على الأشخاص الذين يكتبون بواسطة الآلة الكاتبة أسماء الجلالة، أو الآيات القرآنيّة وأسماء المعصومين (عليهم السلام) أن يكونوا متوضئين حال كتابتها؟
ج: لا تشترط الطهارة إلّا أنّه لا يجوز لهم مسّ الكتابة بدون طهارة.

6 - سؤال: هل يحرم مسّ شعار الجمهورية الاسلاميّة الايرانية من دون وضوء؟
ج: إذا صدق عليه عرفاً لفظ الجلالة وقُرىء كذلك فيحرم مسّه من دون طهارة، وإلّا فلا إشكال فيه وإن كان الأحوط ترك مسّه من دون طهارة.

7 - سؤال: هل يعتبر شعار الجمهورية الاسلاميّة في ايران من أسماء الجلالة ام لا؟ وما هو حكم طبعه على الأوراق الإدارية، أو الاستفادة منه في المكاتبات وغيرها؟
ج: كتابة وطبع لفظ الجلالة، أو شعار الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في المكاتبات لا إشكال فيه، والأحوط مراعاة أحكام لفظ الجلالة في شعار الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة (1) .


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: اصدار جمعية القرآن الكريم، ص 33 .



  قصص قرآنية

قصة النبيّ يحيى (عليه السلام) في القرآن


يقول سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾ .


قصته (عليه السلام) في القرآن:
قال تعالى: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (1) .


1 - الثناء عليه:

ذكره الله في بضعة مواضع من كلامه وأثنى عليه ثناء جميلا فوصفه بأنه كان مصدقا بكلمة من الله وهو تصديقه بنبوة المسيح، وأنه كان سيدا يسود قومه، وأنه كان حصورا لا يأتي النساء، وكان نبيا ومن الصالحين قال تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (2) ؛ ومن المجتبين - وهم المخلصون - ومن المهديين قال سبحانه: ﴿ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (3) ؛ وأن الله هو سماه بيحيى ولم يجعل له من قبل سميا، وأمره بأخذ الكتاب بقوة وآتاه الحكم صبيا، وسلم عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا قال عزَّ وجل: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (4) ؛ ومدح بيت زكريا بقوله: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ (5) ، وهم يحيى وأبوه وأمه.


2 - تاريخ حياته:

ولد  (عليه السلام) لأبويه على خرق العادة فقد كان أبوه شيخاً فانياً وأمه عاقراً فرزقهما الله يحيى وهما آيسان من الولد، وأخذ بالرشد والعبادة والزهد في صغره وآتاه الله الحكم صبيا، وقد تجرد للتنسك والزهد والانقطاع فلم يتزوج قط ولا ألهاه شيء من ملاذ الدنيا.
وكان معاصرا لعيسى بن مريم (عليهما السلام) وصدق نبوته، وكان سيدا في قومه تحن إليه القلوب وتميل إليه النفوس ويجتمع إليه الناس فيعظهم ويدعوهم إلى التوبة ويأمرهم بالتقوى حتى استشهد (عليه السلام).
ولم يرد في القرآن مقتله (عليه السلام)، والذي ورد في الأخبار أنه كان السبب في قتله أن امرأة بغياً افتتن بها ملك بني إسرائيل وكان يأتيها فنهاه يحيى ووبخه على ذلك - و كان مكرما عند الملك يطيع أمره ويسمع قوله - فأضمرت المرأة عداوته وطلبت من الملك رأس يحيى وألحت عليه فأمر به فذبح وأهدي إليها رأسه.
وفي بعض الأخبار أن التي طلبت منه رأس يحيى كانت ابنة أخي الملك وكان يريد أن يتزوج بها فنهاه يحيى عن ذلك فزينتها أمها بما يأخذ بمجامع قلب الملك وأرسلتها إليه ولقنتها إذا منح الملك عليها بسؤال حاجة أن تسأله رأس يحيى ففعلت فذبح  (عليه السلام) ووضع رأسه في طست من ذهب وأهدي إليها.
وفي الروايات نوادر كثيرة من زهده وتنسكه وبكائه من خشية الله ومواعظه وحكمه.


3 - قصة زكريا ويحيى في الإنجيل:

قال: كان في أيام هيردوس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا وامرأته من بنات هارون واسمها إليصابات وكان كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. ولم يكن لهما ولد إذ كانت إليصابات عاقراً وكانا كلاهما متقدمين في أيامهما. فبينما هو يكهن في نوبة فرقته أمام الله. حسب عادة الكهنوت، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب و يبخر. وكان كل جمهور الشعب يصلون خارجا وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك إليصابات سَتلِدُ ابنا وتسميه يوحنا. ويكون لك فرج وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته. لأنه يكون عظيما أمام الرب وخمراً ومسكرا لا يشرب ومن بطن أمه يمتلىء من الروح القدس. ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيىء للرب شعبا مستعداً. فقال زكريا للملاك كيف أعلم هذا لأني أنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها فأجاب الملاك وقال أنا جبريل الواقف قدام الله وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه في الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل فكان يومىء إليهم وبقي صامتا ولما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته. وبعد تلك الأيام حبلت إليصابات امرأته وأخفت نفسها خمسة أشهر قائلة: هكذا قد فعل بي الرب في الأيام التي فيها نظر إلي لينزع عاري بين الناس. إلى أن قال: وأما إليصابات فتم زمانها لتلد فولدت ابنا وسمع جيرانها وأقرباؤها أن الرب عظم رحمته لها ففرحوا معها. وفي اليوم جاؤوا ليختنوا الصبي وسموه باسم أبيه زكريا فأجابت أمه وقالت لا بل يسمى يوحنا. فقالوا لها ليس أحد في عشيرتك يسمى بهذا الاسم. ثم أومئوا إلى أبيه ماذا يريد أن يسمى. فطلب لوحا وكتب قائلا اسمه يوحنا فتعجب الجميع. وفي الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم وبارك الله. فوقع خوف على كل جيرانهم وتحدث بهذه الأمور جميعها في كل جبال اليهودية. فأودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين أترى ماذا يكون هذا الصبي وكانت يد الرب معه. وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ ... إلخ.

وفيه: وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر إذ كان بيلاطس النبطي واليا على اليهودية، وهيرودس رئيس ربع على الجليل، وفيلبس أخوه رئيس ربع على إيطورية وكورة تراخوتينس، وليسانيوس رئيس ربع على الأبلية في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية. فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. كما هو مكتوب في سفر أقوال أشعيا النبي القائل صوت خارج في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة، كل واد يمتلىء وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقا سهلة ويبصر كل بشر خلاص الله. وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعمدوا منه يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة ولا تبتدؤوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبا لأني أقول لكم إن الله قادر على أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. وسأله الجموع قائلين فماذا نفعل. فأجاب وقال لهم من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل هكذا. وجاء عشارون أيضا ليعمدوا فقالوا له يا معلم ماذا نفعل فقال لهم لا تستوفوا أكثر مما فرض لكم. وسأله جنديون أيضا قائلين وماذا نفعل نحن، فقال لهم لا تظلموا أحدا ولا تشوا بأحد واكتفوا بعلائفكم. وإذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح أجاب يوحنا الجميع قائلا أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلا أن أحل سيور حذائه هو سيعمدكم بروح القدس ونار الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع القمح إلى مخزنه وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ وبأشياء أخر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم. أما هيردوس رئيس الربع فإذا توبخ منه لسبب هيروديا امرأة فيلبس أخيه ولسبب جميع الشرور التي كان هيرودس يفعلها زاد هذا أيضا على الجميع أنه حبس يوحنا في السجن. ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا.
وفيه: أن هيرودس نفسه كان قد أرسل وأمسك يوحنا وأوثقه في السجن من أجل هيروديا امرأة فيلبس أخيه إذ كان قد تزوج بها. لأن يوحنا كان يقول لهيرودس لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك. فحنقت هيروديا عليه وأرادت أن تقتله ولم تقدر. لأن هيرودس كان يهاب يوحنا عالما أنه رجل بار وقديس وكان يحفظه. وإذ سمعه فعل كثيرا وسمعه بسرور. وإذ كان يوم موافق لما صنع هيرودس في مولده عشاء لعظمائه وقواد الألوف ووجوه الجليل. دخلت ابنة هيروديا ورقصت، فسرت هيرودس والمتكئين معه. فقال الملك للصبية مهما أردت اطلبي مني فأعطيك. وأقسم لها أن مهما طلبت مني لأعطينك حتى نصف مملكتي. فخرجت وقالت لأمها ماذا أطلب. فقالت رأس يوحنا المعمدان. فدخلت للوقت بسرعة إلى الملك وطلبت قائلة أريد أن تعطيني حالا رأس يوحنا المعمدان على طبق. فحزن الملك جداً ولأجل الإقسام والمتكئين لم يرد أن يردها. فللوقت أرسل الملك سيافا وأمر أن يؤتى برأسه فمضى وقطع رأسه في السجن وأتى برأسه على طبق وأعطاه للصبية والصبية أعطته لأمها. ولما سمع تلاميذه جاؤوا ورفعوا جثته ووضعوها في قبر انتهى.
وليحيى (عليه السلام) أخبار أخر متفرقة في الأناجيل لا تتعدى حدود ما أوردناه وللمتدبر الناقد أن يطبق ما نقلناه من الأناجيل على ما تقدم حتى يحصل على موارد الاختلاف (6) .


(1) - سورة مريم ، الآيات : 12 - 15 .
(2) - سورة آل عمران ، الآية : 39 .
(3) - سورة الأنعام ، الآيات : 85 - 87 .
(4) - سورة مريم ، الآيات : 2 - 15 .
(5) - سورة الأنبياء ، الآية : 90 .
(6) - الميزان : ج14 ، ص28 .



 

   القرآن في نهج البلاغة

اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ، هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ، وَاَلْهَادِي اَلَّذِي لاَ يُضِلُّ، وَاَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِي لاَ يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ اَلْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ مِنْ غِنًى، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ اَلدَّاءِ وَهُوَ اَلْكُفْرُ وَاَلنِّفَاقُ وَاَلْغَيُّ وَاَلضَّلاَلُ، فَاسْأَلُوا اَللَهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ اَلْعِبَادُ إِلَى اَللَهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ اَلْقُرْآنُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ اَلْقُرْآنُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ اَلْقُرْآنِ، فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ» (1) .

«وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ» بخلاف باقي الناصحين فقد يغشون، فهو المشفق في إرشاده إلى وجوه المصالح كما أنّ الناصح الصديق شأنه ذلك، فعنه  (عليه السلام): «من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم، ووفقه للرشاد، وسدده ويسره للحسنى» (2) . وعنه  (عليه السلام): «أيها الناس ! إنه من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم» (3) .

القرآن الكريم هو المرشد والهادي والناصح في العقيدة أو في الشريعة، وفي كل توجيهاته، مثل قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ (4) ؛ وقال تعالى في الصلاة: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (5) ؛ وفي الحج: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ (6) ؛ وفي الصوم: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (7) ؛ وفي الزكاة: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم (8) إلى غيرها.

«وَاَلْهَادِي اَلَّذِي لاَ يُضِلُّ» يقول سبحانه: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) . وروى في الكافي عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدّجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فانّ التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظّلمات بالنور» (10) .

«وَاَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِي لاَ يَكْذِبُ» حاشاه من الكذب في قصصه وأحاديثه وأخباره وكل ما نزل فيه، قال سبحانه: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (11) ؛ وعن أبي عبد الله (عليه السلام) فيما روي عنه أنّه قال: «إنّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه وهو الصادق البارّ، فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وخبر السماء والارض ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجّبتم» (12) .

وكل حديث لا يوافقه كذب، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - في خطبة له -: يا أيها الناس ما جاءكم عني يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله (13) .

«وَمَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ» إذا لم يكن من أهل العناد والطغيان، لقد استعار لفظ المجالسة لمصاحبته وملازمته وقرائته والتدبّر في ألفاظه ومعانيه، ولفظ القيام لترك قرائته والفراغ عنها ولا يخفى ما في مقابلة الجلوس بالقيام من اللّطف والحسن، فمن قام عن القرآن بعد قضاء وطره منه إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى» اذ فيه من الآيات البيّنات والبراهين الباهرات ما يزيد في بصيرة المستبصر، وينقص من جهالة الجاهل.

وأما من كان من أهل اللجاج فلا يزيده إلا عمى، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (14) ؛ وقال سبحانه: ﴿ ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (15) ؛ وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (16) وقال في غيرهم: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً ... (17) .
«وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ اَلْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ» أي فقر وحاجة إلى هاد سواه، قال تعالى:
﴿ ... تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ... (18) ؛ وقال سبحانه: ﴿ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (19) .

«وَلاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ مِنْ غِنًى» المراد به أنّ من قرأ القرآن وعرف ما فيه وتدبّر في معانيه وعمل بأحكامه يتمّ له الحكمة النظريّة والعمليّة ولا يبقى له بعده إلى شيء حاجة ولا فقر ولا فاقة ومن لم يكن كذلك فهو أحوج المحتاجين؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (20) .

«فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ» أى من أمراضكم الظاهرة والباطنة والرّوحانية والجسمانيّة، فانّ فيه شفآء من كلّ ذلك قال سبحانه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ  .
فعن أبي عبد الله عن آبائه (عليه السلام) قال: شكى رجل إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعا في صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ الله عزّ وجلّ يقول:
﴿ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ .

وعن الصادق (عليه السلام): «عليكم بالقرآن فما وجدتم آية نجا بها من كان قبلكم فاعملوا به، وما وجدتموه ممّا هلك من كان قبلكم فاجتنبوه».
«وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ» أى من شدائد الدّهر ومحن الزمان وطوارق البلايا والحدثان. عن أحمد المنقري قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول من استكفى بآية من القرآن من المشرق إلى المغرب كفى إذا كان بيقين.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: والّذي بعث محمّدا  (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحقّ وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلاّ وهو في القرآن فمن أراد ذلك فليسألني عنه الحديث.

وقال علي بن الحسين (عليه السلام) لو مات من بالمشرق والمغرب ما توحشت بعد ما كان القرآن معي، وكان (عليه السلام) إذا قرأ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يكررها حتى كاد أن يموت.
«فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ اَلدَّاءِ وَهُوَ اَلْكُفْرُ وَاَلنِّفَاقُ وَاَلْغَيُّ وَاَلضَّلاَلُ» قال تعالى:
﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً(21) ؛ وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (22) . وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «القرآن هدى من الضلالة وتبيان من العمى واستقالة من العثرة ونور من الظلمة وضيآء من الأحداث وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية وبيان من الفتن وبلاغ من الدّنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم وما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار».

«فَاسْأَلُوا اَللهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ» المراد به جعله وسيلة إليه سبحانه في نيل المسائل لكونه أقوى الوسائل، وأن يتوجّه إليه بحبّه أي بحبّ السائل المتوجّه له؛ عن النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ أهل القرآن في أعلى درجة من الادميين ما خلا النبيين من المرسلين، ولا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم فان لهم من الله العزيز الجبار لمكانا عليا.
«وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ» لظهوره في أنّ المراد به هو النهى عن جعله وسيلة للمسألة إلى الخلق. قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ من الناس من يقرأ القرآن ليقال فلان قارىء، ومنهم من يقرأ القرآن ليطلب به الدّنيا ولا خير في ذلك، ومنهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته وليله و نهاره.

«إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ اَلْعِبَادُ إِلَى اَللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ» لأنّ له كرامة عند الله سبحانه ومقاما يغبطه به الأوّلون والآخرون فهو أفضل الوسائل للسائل في انجاح المقاصد والمسائل الدنيويّة والأخرويّة، فالمتوجّه به إليه سبحانه لا يردّ دعاؤه ولا يخيب رجاؤه. عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ أحق الناس بالتخشع في السرّ والعلانية لحامل القرآن وأنَّ أحقّ الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن ثم نادى بأعلى صوته: يا حامل القرآن، تواضع به يرفعك الله، ولا تعزز به فيذلّك الله، يا حامل القرآن تزيّن به لله يزينك الله به، ولا تزين به للناس فيشينك الله به إلى أن قال: ومن أوتي القرآن فظن أنَّ أحداً من الناس أوتي أفضل ممّا أوتي فقد عظّم ما حقّر الله وحقّر ما عظّم الله.

«وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ» يعني أنه يشفع لقرّائه والعاملين به الحاملين له يوم القيامة فيقبل شفاعته في حقّهم، ويقول ويشهد في حقّ هؤلاء بخير وفي حقّ التاركين له والنابذين به وراء ظهورهم بشرّ فيصدق فيهما كما أشار إليه بقوله: «وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ اَلْقُرْآنُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ» أى قبلت شفاعته «وَمَنْ مَحَلَ بِهِ اَلْقُرْآنُ» أى سعى به إلى الله تعالى وقال في حقّه قولاً يضرّه ويوقعه في المكروه. «يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ» وشفاعة القرآن شفاعة صاحبه ومحله محله. فالرّوايات على أنّه يأتي يوم القيامة بصورت إنسان في أحسن صورة ويشفع في حقّ قرّائه العاملين به، ويسعى في حقّ المعرضين عنه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعلّموا القرآن فانّه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللّون فيقول له: أنا القرآن الّذي كنت أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك وأجففت ريقك وأسلت دمعتك أؤل معك حيث ما الت، وكلّ تاجر من وراء تجارته وأنا اليوم لك من وراء تجارة كلّ تاجر، وسيأتيك كرامة من الله عزّ وجلّ فابشر. فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويعطى الأمان بيمينه والخلد في الجنان بيساره ويكسى حلّتين ثمّ يقال له: اقرأ وارق، كلّما قرأ آية صعد درجة ويكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين ثمّ يقال لهما: هذا لما علّمتماه القرآن. وغيرها من الروايات التي يظهر منها أنّه يجيء يوم القيامة في صورة انسان وله لسان يشهد للناس وعليهم ويقبل شهادته نفعاً وضرّا وشفاعته في حقّ المراقبين له وينتفع به الآخذون له والعاملون به. «فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ» الظاهر أنّ المنادى من الملائكة من عند ربّ العزّة «أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ اَلْقُرْآنِ» أصل الحرث إثارة الأرض للزراعة والمراد هنا مطلق الكسب والتّجارة، فكلّ حارث من كان حرثه للدّنيا فهو مبتلى أي ممتحن في حرثه لأنه إن كان من حلال ففيه حساب وإن كان من حرام ففيه عقاب وأما حارث القرآن لأجل أنه قرآن وكلام الله عزّ وجلّ فلا ابتلاء له لأنّ حرثه على ذلك إنّما هو للآخرة قال الله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ  (23) .

ومن حرث الدنيا الحرث وباقي مستمتعاتها، قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (24) ؛ ومن حرث القرآن، ما قال تعالى بعده: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (25) . ولما نبّه (عليه السلام) على عدم ابتلاء حرثة القرآن أمر بحرثه بقوله «فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ»، وأردفه بقوله «وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ» أي اجعلوه دليلا عليه سبحانه وقائداً إليه تعالى لاشتماله على جميع صفات الجمال والجلال وأوصاف الكبرياء والعظمة والكمال، «وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ» أي اتّخذوه ناصحاً لكم رادعاً لأنفسكم الأمّارة عن السّوء والفحشاء والمنكر لتضمّنه الآيات الناهية المحذرة والوعيدات الزاجرة المنذرة، «وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ» أي إذا أدت آرائكم إلى شيء مخالف للقرآن فاجعلوها متّهمة عندكم، عن أبي جعفر (عليه السلام): ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن أنَّ الآية ينزل أوّلها في شيء وآخرها في شيء وزاد في خبر آخر وهو كلام متصل ينصرف على وجوه. «وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ» أي: احكموا على أهوائكم المخالفة لها بالغش.

عن النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله المجادلين في دين الله على لسان سبعين نبيّاً، ومن جادل في آيات الله فقد كفر، قال عزَّ وجل: ﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (26) ؛ ومن فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب إلى أن قال الراوي عبد الرحمان بن سمرة فقلت: يا رسول الله ارشدني إلى النجاة فقال: يا ابن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرّقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب (27) الخبر (28) .


(1) - نهج البلاغة : الخطبة 171 .
(2) - البحار : ج77 ، ص368 ، ح34 .
(3) - نهج البلاغة: الخطبة 147.
(4) - سورة الأنبياء ، الآية : 22 .
(5) - سورة طه ، الآية : 14 .
(6) - سورة الحج ، الآية : 33 .
(7) - سورة البقرة ، الآية : 183 .
(8) - سورة التوبة ، الآية : 103 .
(9) - سورة الإسراء ، الآية : 9 .
(10) - بحار الأنوار : ج75 . ص112 .
(11) - سورة فصلت ، الآية : 42 .
(12) - الكافي : ج1 ، ص599 .
(13) - بحار الأنوار : ج2 ، ص244 .
(14) - سورة التوبة ، الآيات : 124 - 126 .
(15) - سورة فصلت ، الآية : 44 .
(16) - سورة الأنفال ، الآية : 2 .
(17) - سورة الجاثية ، الآية : 9 .
(18) - سورة النحل ، الآية : 89 .
(19) - سورة الأنعام ، الآية : 59 .
(20) - سورة الجمعة ، الآية : 2 .
(21) - سورة الجن ، الآية : 1 - 2 .
(22) - سورة يونس ، الآية : 57 .
(23) - سورة الشورى ، الآية : 20 .
(24) - سورة آل عمران ، الآية : 14 .
(25) - سورة آل عمران ، الآية : 15 .
(26) - سورة غافرالمؤمن، الآية : 4 .
(27) - ذكره المجلسي في بحار الأنوار : ج36 ، ص227 ، ح3 .
(28) - اعداد : الشيخ فادي الفيتروني .



   الأخلاق في القرآن

أهمية العلم والمعرفة في التربية


ومن العوامل الاُخرى، في عمليّة تهذيب الأخلاق وترشيدها، هو الصعود بالمستوى العلمي والمعرفي للأفراد، فإنّ التجربة أثبتت أنّ الإنسان، كلّما ارتقى مستواه في دائرة العلوم والمعارف الإلهيّة، أينعت سجاياه الإنسانيّة، وتفتحت فضائله الأخلاقيّة، والعكس صحيح، فإنّ الجهل وفقدان المعارف الإلهيّة، يؤثر تأثيراً شديداً على دعامات واُسس الفضيلة، ويهبط بالمستوى الأخلاقي للفرد، في خطّ الإنحراف والباطل.
إنّ بعض الفلاسفة والعلماء، بالغوا في (علاقة العلم بالأخلاق ) وادعوا أنّ: «العلم يساوي الأخلاق».
وبعبارة أُخرى: أنَّ العلم أو الحكمة والمعرفة، هي المنبع الرّئيسي للأخلاق، «كما نُقل عن سقراط الحكيم»، وأنّ الرّذائل الأخلاقيّة سببها الجهل.
فمثلاً المتكبّر والحاسد، إنّما إبتلى بهذين الرذيلتين، بسبب عدم علمه بواقع الحال، فلا توجد عنده صورةٌ واضحةٌ عن أضرارهما وتبعاتهما السلبيّة، على واقع الإنسان الدّاخلي، ويقولون أنّه لا يوجد إنسان يخطو خطوةً نحو القبائح عن وعي وعلم بها.
وبناءً على ذلك، إذا تمّ الصّعود بالمستوى العلمي لدى أفراد المجتمع، فإنّ ذلك بإمكانه، أن يكون عاملاً مساعداً، لتشييد صرح الهيكل الأخلاقي السّليم في المجتمع.
وبالطّبع فإنّ هذا الكلام فيه نوع من المُغالاة و المُبالغة، و يُنظر للمسألة من زاوية خاصّة، رغم أننا لا ننكر أنّ العلم يُعدّ من العوامل المهمّة لتهيئة الأرضيّة، وخَلقِ الأجواء الملائمة لِسيادة الأخلاق، بناءً على ذلك فإنّ الأفراد الاُميّين والجهلة، يكونون أقرب إلى منحدر الضّلالة والخطيئة، وأمّا العلماء الواعون، فيكونون على بصيرة من أمرهم ويبتعدون عن الرّذيلة، من موقع الوضوح في الرّؤية، ولا ننسى أنّ لكلّ قاعدة شَواذ.
وقد ورد في القرآن الكريم هذا المعنى، في بيان الهدف من البعثة:
﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (1) .
وبناءً على ذلك، فإنّ النّجاة من الضّلال المبين، والطّهارة من الأخلاق الرّذيلة والذنوب، تأتي بعد تلاوة الكتاب المجيد، وتعليم الكتاب والحكمة، وهو دليلٌ واضحٌ على وجود العلاقة والإرتباط بين الإثنين.
ونشير هنا بشكل مختصرٌ إلى عشرة نماذج حول علاقة العِلم والمعرفة بالفضائل الأخلاقيّة، وكذلك علاقة الجهل بالرذائل الأخلاقيّة، منها:


1 ـ الجهل مصدرٌ للفساد والإنحراف:
قال سبحانه:
﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (2) . فقرن هنا الجهل، بالإنحراف الجنسي والفساد الأخلاقي.

2 ـ الجهل سبب للإنفلات والتّحلل الجنسي:
ورد في سورة يوسف على لسانه (عليه السلام)، في أنّ الجهل قرينٌ للتحلل الجنسي، فقال تعالى:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (3) .

3 ـ الجهل أحد عوامل الحسد:
ورد أيضاً في سورة يوسف (عليه السلام)، أنّه عندما جلس يوسف (عليه السلام) على عرش مصر، وتحدّث مع إخوانه الذين جاؤوا من كنعان إلى مصر، لاستلام الحنطة منه، فقال:
 
﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (4) .
أي أنّ جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد، الذي دفعكم إلى تعذيبه، والسّعي لقتله، والقائه في البئر.

4 ـ الجهل مصدر التّعصب والعناد واللؤم:
في سورة الفتح، نرى أنّ تعصّب مشركي العرب في الجاهلية، كان بسبب جهلهم وضلالهم:
﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (5) .

5 ـ علاقة الجهل بالذرائع:
تاريخ الأنبياء مليءٌ بمظاهر التبرير، وخلق الذّرائع من قبل الأقوام السّالفة، في مواجهة أنبيائهم، وقد أشار القرآن الكريم مراراً إلى هذه الظاهرة، ومرّةً اُخرى يشير إلى علاقة الجهل بها، فنقرأ في سورة البقرة:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (6) .
فالتأكيد هنا على أنّ عدم العلم أو الجهل، هو الذي يتولى خلق الأرضيّة للتذرع، وتبيّن الآية الكريمة، العلاقة الوثيقة بين هذا الإنحراف الأخلاقي مع الجهل، وكما أثبتته التجارب أيضاً.

6 ـ علاقة سوء الظنّ مع الجهل:
ورد في سورة آل عمران، الكلام عن مُقاتلي اُحد:
﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (7) .
ولا شك في أنّ سوء الظّن، هو من المفاسد الأخلاقيّة، ومصدر لكثير من الرذائل الفردية والاجتماعيّة في حركة الواقع والحياة، وهذه الآية تبيّن علاقة الظّن بالجهل بصورة واضحة.

7 ـ الجهل مصدر لسوء الأدب:
ورد في سورة الحجرات، إشارةً للّذين لا يحترمون مقام النبوة، وقال إنّهم قوم لا يعقلون:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (8) .
فقد كانوا يزاحمون الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، في أوقات الرّاحة، وفي بيوت أزواجه، ويُنادونه بأعلى أصواتهم قائلين: يا مُحَمِّد! يا مُحَمِّد! اُخرُجُ إلَينا.
فكان الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ينزعج كثيراً من سوء أدبهم وقلّة حيائهم، ولكن حياؤه يمنعه من البوح لهم، وبقي كذلك يتعامل معهم من موقع الحياء، حتى نزلت الآية، ونبّهتهم لضرورة التأدّب أمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشرحت لهم كيف يتعاملون معه (صلى الله عليه وآله وسلم)، من موقع الأدب والإحترام.
وفي تعبير: «أكثرهم لا يعقلون»، إشارة لطيفة للسّبب الكامن وراء سوء تعاملهم، وقلّة أدبهم وجسارتهم، وهو في الغالب عبارةٌ عن هُبوط المستوى العلمي، والوعي الثقافي لدى الأفراد.

8 ـ أصحاب النّار لا يفقهون:
لا شك أنّ أصحاب النّار هم أصحاب الرذائل، والملوّثين بألوان القبائح، وقد نوّه إليهم القرآن الكريم، وعرّفهم بالجُهّال، وعدم التّفقه، ويتّضح منه العلاقة بين الجهل وإرتكاب القبائح، فنقرأ في سورة الأعراف:
﴿ إوَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (9) .
فقد بيّنت هذه الآية وآيات كثيرةٌ اُخرى، العلاقة الوطيدة بين الجهل، وبين أعمال السوء وإرتكاب الرذائل.

9 ـ الصبر من معطيات العلم:
الآية من سورة الأنفال، تنبّه المسلمين على أنّ الصّبر الذي يقوم على أساس الإيمان والمعرفة، بإمكانه أن يمنح المسلمين قوّة للوقوف بوجه الكفّار، الذين يفوقون المسلمين عدداً وعدّةً، تقول الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (10) .
نعم فإنّ جهل الكافرين، هو السبب في عدم إستطاعتهم في الصّمود بوجه المؤمنين، وفي مقابل ذلك فإنّ وعي المؤمنين هو السّبب في صمودهم، بحيث يُعادل كلّ واحد منهم عشرة أنفار من جيش الكفّار.

10 ـ النّفاق والفرقة ينشآن من الجهل:
أشار القرآن الكريم في سورة الحشر، إلى يهود (بني النضير)، الذين عجزوا عن مُقاومة المسلمين، لأنّهم كانوا مُختلفين ومُتفرقين، رغم أنّ ظاهرهم يحكي الوحدة والإتفاق، فقال:
﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (11) .
وبناءً على ذلك فإنّ النّفاق والفرقة والتشتت، وغيرها من الرذايل الأخلاقيّة، الناشئة من جهلهم وعدم اطّلاعهم على حقائق الاُمور.

النتيجة:
تبيّن ممّا جاء في أجواء تلك العناوين العشرة السّابقة، التي وردت في سياق بعض الآيات القرآنية، علاقة الفضيلة بالعلم من جهة وعلاقة الرذيلة بالجهل، من جهة اُخرى، وقد ثبت لنا بالتجربة ومن خلال المشاهدة، أنّ أشخاصاً كانوا منحرفين بسبب جهلهم، وكانوا يرتكبون القبيح ويمارسون الرّذيلة في السّابق، ولكنّهم استقاموا بعد أن وقفوا على خطئهم، وتنبّهوا إلى جهلهم، وأقلعوا عن فعل القبائح والرذائل، أو قلّلوها إلى أدنى حدٍّ.
والدّليل المنطقي لهذا الأمر واضح جدّاً، وذلك لأنّ حركة الإنسان نحو التّحلي بالصّفات والكمالات الإلهيّة، يحتاج إلى دافع وقصد، وأفضل الدّوافع هو العلم بفوائد الأعمال الصّالحة ومضار القبائح، وكذلك الإطّلاع والتعرّف على المبدأ والمعاد، وسلوكيات الأنبياء والأولياء ومذاهبهم الأخلاقية، فكلّ ذلك بإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً، يسوق الإنسان للصّلاح والفلاح، والإبتعاد عن الفساد والباطل في حركة الحياة والواقع.
وبالطّبع المراد من العلم هنا، ليس هو الفنون والعلوم الماديّة، لأنّه يوجد الكثير من العلماء في دائرة العلوم الدنيويّة، ولكنّهم فاسدين ومفسدين ويتحركون في خط الباطل والإنحراف، ولكن المقصود هو العلم والاطّلاع على القيم الإنسانية، والتعاليم والمعارف الإلهيّة العالية، التي تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي والأخلاقي، في مسيرته المعنوية.

علاقة «العلم» و«الأخلاق» في الأحاديث الإسلاميّة:

الأحاديث الإسلاميّة من جهتها، مشحونة بالعبارات الحكيمة الّتي تبيّن العلاقة الوثيقة بين العلم والمعرفة من جهة، وبين الفضائل الأخلاقيّة من جهة اُخرى، وكذلك علاقة الجهل بالرّذائل أيضاً. وهنا نستعرض بعضاً منها:

1 ـ بيّن الإمام علي (عليه السلام) علاقة المعرفة بالزهد، الذي يُعدّ من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة، فقال: «يَسيرُ المَعرِفةِ يُوجِبُ الزُّهدَ فِي الدُّنيا» (12) .
والمعرفة هنا يمكن أن تكون إشارةً لمعرفة الباري تعالى، فكلّ شيء في مقابل ذاته المقدّسة لا قيمة له، فما قيمة القَطرة بالنسبة للبحر، ونفس هذا المعنى يمثّل أحد أسباب الزهد في الدنيا وزبرجها، أو هو إشارةٌ لعدم ثبات الحياة في الدّنيا، وفناء الأقوام السّابقة، وهذا المعنى أيضاً يحثّ الإنسان على التّحرك في سلوكه وأفكاره، من موقع الزّهد، ويوجّهه نحو الآخرة والنّعيم المقيم، أو هو إشارةٌ لجميع ما ذُكر آنفاً.

2 ـ وجاء في حديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، حول معرفة الله وعلاقتها بحفظ اللّسان من الكلام البذيء، والبطن من الحرام، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ عَرَفَ اللهَ وَعَظَمَتَهُ مَنَعَ فاهُ مِنْ الكَلامِ وَبَطْنَهُ مِنَ الحَرامِ» (13) .

3 ـ وَرَد عن الإمام الصّادق (عليه السلام)، علاقة المعرفة بالخوف منه تبارك وتعالى، الذي هو بدوره مصدر لكلّ أنواع الفضائل، فقال: «مَنْ عَرَفَ اللهَ خافَ اللهَ وَمَنْ خافَ اللهَ سَخَتَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنيا» (14) .

4 ـ حول معرفة الله و ترك التكبّر، قال (عليه السلام): «وَ إِنَّهُ لا يَنبَغِي لَمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أنْ يَتَعَظَّمُ» (15) .

5 ـ حول العلم والعمل، قال (عليه السلام): «لَن يُزَّكى العَمَلُ حتّى يُقارِنَهُ العِلْمُ» (16) . ومن المعلوم أنّ طهارة العمل لا تنفكّ عن طهارة الأخلاق.

6 ـ و نقرأ في حديث آخر عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، حول هذا الموضوع: «بِالعِلمِ يُطاعُ اللهُ وَيُعبَدُ وَبالعِلمِ يُعْرَفُ اللهُ وَيُوَحَّدُ وَبِهِ تُوصَلُ الأَرحامُ وَيُعْرَفُ الحَلالُ وَ الحَرامُ وَ العِلمُ إِمامُ العَمَلِ» (17) .
ففي هذا الحديث، إعتبر كثيراً من السّلوكيّات الأخلاقيّة الإيجابيّة، هي ثمرةٌ من ثمار العلم والمعرفة.
وفي مقابل الأحاديث التي تتحدث عن العلم والمعرفة، وعلاقتها بالفضائل الأخلاقيّة توجد أحاديث شريفة اُخرى، وردت في المصادر الإسلاميّة حول علاقة الجهل بالرذائل، وهي تأكيد آخر لموضوع بحثنا هذا ومنها:
1 ـ في حديث عن علي (عليه السلام) قال: «الجَهلُ أَصلُ كُلِّ شرٍّ».
2 ـ وورد أيضاً عنه (عليه السلام): «الحِرصُ وَالشَّرَهُ والبُخلُ نَتِيجَةُ الجَهلِ» (18) .
لأنّ الحريص أو الطّماع، غالباً ما يتحرك في طلب اُمور زائدة عن إحتياجه، وفي الحقيقة فإنّ ولعه بالمال والثّروة والمواهب الماديّة، ولعٌ غير منطقي وغير عقلائي، وهكذا حال البخيل أيضاً فبِبُخله يحرص، ويحافظ على أشياء لن يستفيد منها في حياته، بل يتركها لغيره بعد موته.
3 ـ ونقل عنه (عليه السلام) في تعبير جميل:
«الجَاهِلُ صَخْرَةٌ لا يَنْفَجِرُ مائُها! وَشَجَرَةٌ لا يَخْضَرُّ عُودُها! وَأَرْضٌ لا يَظهَرُ عُشْبُها!» (19) .
4 ـ وَوَرد عنه (عليه السلام) أيضاً، في إشارة إلى أنّ الجاهل يعيش دائماً في حالة إفراط أو تفريط، فقال: «لا تَرى الجَاهِلَ إلاّ مُفْرِطاً أو مُفَرِّطاً» (20) .
فطبقاً للرأي المعروف عن علماء الأخلاق، أنّ الفضائل الأخلاقيّة هي الحد الأوسط بين الإفراط والتفريط، الذي ينتهي إلى السّقوط في الرذائل، ويُستفاد من الحديث أعلاه، أنّ العلاقة بين الجهل من جهة والرذائل الأخلاقيّة، من جهة اُخرى، هي علاقةٌ وطيدةٌ جدّاً.
وخُلاصة القول، أنّ الرّوايات الإسلاميّة الكثيرة أكدت على علاقة العلم بالأخلاق الحسنة، و الجهل بالأخلاق السيّئة، و كلّها تؤيد هذه الحقيقة، وهي أنّ إحدى الطّرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو الصّعود بالمستوى العلمي والمعرفي لِلأفراد، ومعرفة المبدأ والمعاد، والعلم بمعطيات الفضائل والرذائل الأخلاقية، في واقع الإنسان والمجتمع...
وبعبارة اُخرى: إنّ تدنّي المستوى العلمي بالاُمور العقائدية، كفيل بخلق محيط مناسب لنمو الرذائل، والعكس صحيحٌ فإنّ زيادة المعرفة تبعث في روح الإنسان الرّغبة والشّوق نحو ممارسة الفضيلة (21) .


(1) - سورة الجمعة، الآية : 2.
(2) - سورة الّنمل ، الآية : 55 .
(3) - سورة يوسف ، الآية : 33 .
(4) - سورة يوسف ، الآية :89 .
(5) - سورة الفتح ، الآية : 26 .
(6) - سورة البقرة ، الآية : 118 .
(7) - سورة آل عمران ، الآية : 154 .
(8) - سورة الحجرات ، الآية : 4 .
(9) - سورة الأعراف ، الآية : 179 .
(10) - سورة الأنفال، الآية : 65 .
(11) - سورة الحشر ، الآية : 14 .
(12) -  ميزان الحكمة : ج3، ص 105 .
(13) - اُصول الكافي : ج2، ص237 .
(14) - المصدر السابق : ص68، ح4.
(15) - نهج البلاغة : الخطبة ، 147 .
(16) - غُرر الحِكم : 691 .
(17) - غُرر الحِكم.
(18) - غُرر الحِكم.
(19) - غُرر الحِكم.
(20) - نهج البلاغة : الكلمات القصار، الرقم 70 .
(21) - الأخلاق في القرآن : ص150 - 160 .


  الحقوق الاجتماعية

حقوق الأبناء في القرآن والسنة (2)
 


يقول سبحانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (1) .
الأولاد الصلحاء هم زينة الحياة، وربيع البيت، وأقمار الأسرة، وأعز آمالها وأمانيها، وأجل الذخائر وأنفسها. لذلك أثنى عليهم أهل البيت وغيرهم من الحكماء والأدباء.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة» (2) .
وفي حديث آخر، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من سعادة الرجل الولد الصالح» (3) .
وقال أبو الحسن (عليه السلام): «إن الله تعالى اذا أراد بعبد خيراً لم يمته حتى يريه الخلف» (4) .

وقال حكيم في ميت: «إن كان له ولد فهو حي، وإن لم يكن له ولد فهو ميت».
وفضل الولد الصالح ونفعه لوالديه لا يقتصر على حياتهما فحسب، بل يسري حتى بعد وفاتهما وانقطاع أملهما من الحياة.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر الا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته وهي تجري بعد موته، وسنّة هدى سنّها فهي يعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له» (5) .

وعن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثم مرّ به من قابل فاذا هو لا يعذّب. فقال: يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أول وكان يعذب!. فأوحى الله اليه. انه ادرك له ولد صالح فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً، فلهذا غفرت له بما فعل ابنه. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ميراث الله من عبده المومن ولد يعبده من بعده. ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) آية زكريا على نبينا وآله وعليه السلام: «فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله ربيّ رضيا» (6)  (7) .

ومن الواضح أن صلاح الأبناء واستقامتهم لا يتسنيان عفواً وجزافاً، وانما يستلزمان رعاية فائقة واهتماماً بالغاً في إعدادهم وتوجيههم وجهة الخير والصلاح.
من أجل ذلك وجب على الآباء تأديب أولادهم وتنشئتهم على الاستقامة والصلاح، ليجدوا ما يأملون فيهم من قرة عين، وحسن هدى وسلوك.
قال الامام السجاد (عليه السلام): «وأما حق ولدك: فان تعلم انه منك، ومضاف اليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وانك مسؤول عمّا وليته من حسن الأدب، والدلالة له على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الاحسان اليه، معاقب على الاساءة اليه» (8) .

فالآباء مسؤولون عن تهذيب أبنائهم وإعدادهم إعداداً صالحاً، فان أغفلوا ذلك أساؤوا الى اولادهم، وعرضوهم لأخطار التخلف والتسيب الديني والاجتماعي.
ويحسن بالآباء أن يبادروا ابناءهم بالتهذيب والتوجيه، منذ حداثتهم ونعومة أظفارهم، لسرعة استجابتهم الى ذلك قبل تقدمهم في السن، ورسوخ العادات السيئة والاخلاق الذميمه فيهم، فيغدون آنذاك اشد استعصاءاً على التأديب والإصلاح.


حكمة التأديب:

وهكذا يجدر بالآباء ان يتحروا القصد، والاعتدال في سلطتهم، وأساليب تأديب أبنائهم، فلا يسوسونهم بالقسوة والعنف مما يعقّدهم نفسياً، ويبعثهم على النفرة والعقوق. ولا يتهاونوا في مؤاخذتهم على الاساءة والتقصير، فيستخفون بهم ويتمردون عليهم، فان «من أمن العقوبة أساء الأدب».
وخير الأساليب في ذلك هو التدرج في تأديب الأبناء وتقويمهم، وذلك بتشجيعهم على الاحسان، بالمدح والثناء وحسن المكافأة، وبنصحهم على ترك الاساءة. فان لم يجدهم ذلك، فبالتقريع الرادع، والتأنيب الزاجر.


المدرسة الأولى للطفل:

والبيت هو المدرسة الأولى للطفل، يترعرع في ظلاله، وتتكامل فيه شخصيته، وتنمو فيه سجاياه، متأثراً بأخلاق أبويه وسلوكهما. فعليهما أن يكونا قدوة حسنة، ومثلاً رفيعاً، لتنعكس في نفسه مزاياهم وفضائلهم.


منهاج التأديب:

1 - وأول ما يبدأ به في تهذيب الطفل، تعليمه آداب الأكل والشرب: كغسل اليدين قبل الطعام وبعده، والأكل بيمينه، وإجادة المضغ، وترك النظر في وجوه الآكلين، والرضا والقنوع بالمقسوم من الرزق. ونحو ذلك من الآداب.

2 - ويراض الطفل على أدب الحديث، والكلام المهذب، والقول الحسن. ومنعه عن الفحش، والبذاء، والاغتياب، والثرثرة. وما الى ذلك من مساوئ اللسان وأن يحسن الاصغاء، كما يحسن الحديث، فلا يقاطع متحدثاً حتى ينتهي من حديثه.

3 - وأهم ما يعني به في توجيه الأولاد، غرس المفاهيم الدينية فيهم، وتنشئتهم على العقيدة والايمان، بتعليمهم أصول الدين وفروعه بأسلوب يلائم مستواهم الفكري، ليكونوا على بصيرة من عقيدتهم وشريعتهم، محصنين ضدّ الشبه المضللة من أعداء الاسلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (9) .

4 - وعلى الآباء ان يروّضوا أبناءهم على التخلق بالأخلاق الكريمة والسجايا النبيلة: كالصدق، والأمانة، والصبر، والاعتماد على النفس.
وتحريضهم على حسن معاشرة الناس: كتوقير الكبير، والعطف على الصغير، وشكر المحسن، والتجاوز ما وسعهم عن المسيء، والتحنّن على البؤساء والمعوزين.

5 - ومن المهم جداً منع الأبناء من معاشرة القرناء المنحرفين الأشرار، وتحبيذ مصاحبة الأخدان الصلحاء لهم، لسرعة تأثرهم بالأصدقاء، واكتسابهم من أخلاقهم وطباعهم، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
وقد شهد الناس كثيراً من مآسي الشباب الذين انحرفوا عن النهج السوي، وتدهوروا في مهاوي الرذيلة والفساد، لتأثرهم بقرناء السوء، وأخدان الشر.

6 - وهكذا يحسن بالآباء أن يستطلعوا مواهب أبنائهم وكفاءاتهم، ليوجهوهم، في ميادين الحياة وطرائق المعاش، حسب استعدادهم ومؤهلاتهم الفكرية والجسمية: من طلب العلم، أو ممارسة الصناعة، أو التجارة. ليستطيعوا الاضطلاع بأعباء الحياة، ويعيشوا عيشاً كريماً.


(1) - سورة التحريم ، الآية : 6 .
(2) - الوافي : ج12 ، ص196، عن الكافي.
(3) - الوافي : ج12 ، ص196، عن الفقيه.
(4) - الوافي : ج12 ، ص197، عن الفقيه.
(5) - الوافي : ج13 ، ص90 ، عن الكافي.
(6) - سورة مريم ، الآيتان : 5 - 6 .
(7) - الوافي : ج12 ، ص197، عن الكافي.
(8) - رسالة الحقوق، للامام علي بن الحسين عليه السلام.
(9) - سورة التحريم ، الآية : 6 .


   حفظ القرآن

طريقة حفظ القرآن عن ظهر القلب



يرى البعض من العلماء ان أفضل و أجود و احسن طريقة لمن يريد أن يحفظ القرآن كاملا على ظهر قلبه ان يكرر كل جزء من اجزاء القرآن الثلاثين فى كل يوم لمدة أسبوع وهكذا حتى يأتى على آخره فانه سيجد فى نفسه من علائم الحفظ من الاثار ما لا ينكر وليعيد تلاوته وختمه بهذا النحو حتى يأتى على حفظه كاملا ويختلف قدر وعدد مرّات ذلك باختلاف الافراد استعداداً وملكة وقوّة وضعفاً.


الطرق الرئيسية الثلاثة لحفظ القرآن الكريم

1- الحفظ المتسلسل (أو المتتالي)، وهو على هذا الشكل: أولاً قراءة آية ثم حفظها، ثم الانتقال إلى آية أخرى وحفظها أيضا، ثم قراءة الآيتين المحفوظتين الأولى والثانية، وهكذا ثم الانتقال إلى الآية الثالثة وحفظها وضمها إلى الآيتين، والاستمرار بالحفظ على هذا المنوال إلى نهاية الصفحة.

2- الحفظ المجموعي أو (الجَماعي): بمعنى حفظ الآية الأولى ثم الثانية ثم الثالثة والرابعة إلى آخر الصفحة، ثم إعادة قراءة الآيات مع بعضها وحفظها جميعاً.

3- الحفظ التقسيمي: بمعنى تقسيم الصفحة إلى عدة أقسام، وحفظ كل قسم وفق برنامج محدد، مثلا أن يقوم الشخص بحفظ سطرين أو ثلاثة أو أن يقسم الصفحة إلى قسمين أو ثلاثة ثم يحفظها وهكذا إلى تمام الصفحة. حيث إن لكتابة القسم أو الأسطر المحددة في هذا السبيل دورا مفيدا جدا في الحفظ.


دعاء لحفظ القرآن:

روى الثقة الكلينى فى الكافى بسنده عند ابى عبدالله الصادق (عليه السلام)  قال تقول: (اللهم اني اسألك ولم يسأل العباد مثلك اسألك بحق نبيك ورسولك وابراهيم خليلك وصفيك وموسى كليمك ونجيّك وعيسى كلمتك وروحك واسألك بصحف ابراهيم وتوارة موسى وزبور داود وانجيل عيسى وقرآن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكل وحي أوحيته وقضاء امضيته وحق قضيته وغنّى اغنيته وضال هديته وسائل اعطيته وأسالك باسمك الذى وضعته على الليل فأظلم وباسمك الذى وضعته على النهار فاستنار وباسمك الذى وضعته على الارض فاستقرت ودعمت به السماوات فاستقلت ووضعته على الجبال فرست وباسمك الذى ثبتت به الارزاق واسألك باسمك الذى تحيى به الموتى واسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك اسألك ان تصلى على محمد وآل محمد وان ترزقنى حفظ القرآن وأصناف العلم وان تثبتها فى قلبى وسمعى وبصرى وأن تخالط بها لحمي ودمي وعظامي ومخي وتستعمل بها ليلي ونهاري برحمتك وقدرتك فانه لاحول ولاقوة الا بك يا حي يا قيوم.

واسألك باسمك الذى دعاك به عبادك الذين استجبت لهم وانبياك فغفرت لهم ورحمتهم واسألك بكل اسم انزلته فى كتبك وباسمك الذي استقّر به عرشك وباسمك الواحد الاحد الفرد الوتر المتعال الذى يملا الاركان كلها الطاهر الطهر المبارك المقدس الحي القيّوم نور السموات والارض الرحمن الرحيم الكبير المتعال وكتابك المنزل بالحق وكلماتك التامات ونورك الاتم وبعظمتك وأركانك) (1) .


صلاة لحفظ القرآن:

قال الحافظ الطبرسى فى المكارم: صل ليلة الجمعة أو يومها أربع ركعات تقرأ فى الاولى فاتحة الكتاب و(يس) والثانية حم الدخان والثالثة حم السجدة والرابعة تبارك الملك فاذا سلمت فاحمد الله واثن عليه وصل على النبى وآله ـ صلى الله عليهم ـ واستغفر للمؤمنين مائة مرة ثم قل: (اللهم ازجرنى بترك معاصيك أبداً ما ابقيتنى وارحمنى من ان اتكلف طلب ما لا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني اللهم بديع السموات والارض ياذا الجلال والاكرام والعزة التى لاترام يا الله يا رحمن يا رحيم اسألك بجلالك وبنور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك المنزل على رسولك وترزقني أن اتلوه على النحو الذى يرضيك عني اللهم بديع السموات والارض ذا الجلال والاكرام والعز الذي لا يرام يا الله يا رحمن اسألك بجلالك وبنور وجهك أن تنور بكتابك بصرى وتطلق به لساني وتفرح به قلبي وتشرح به صدري وتستعمل به بدني وتقويني على ذلك وتعينني عليه فانه لا يعين على الخير غيرك ولا يوفّق له الا انت لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم» (2) .

لكي لا ننسى القرآن:

عن زين العابدين الامام علي بن الحسين (عليه السلام)  قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من قرأ اربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئاً يكرهه ولا يقربه الشيطان ولا ينسى القرآن (3) .
وفى الكافى روى الثقة الكلينى بسنده عن اميرالمؤمنين (عليه السلام) مرفوعاً قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اعلمك دعاءاً لاتنسى القرآن قل: «اللهم ارحمني بترك معاصيك ابداً ما ابقيتني وارحمني من تكلف مالا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني والزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن اتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم نوّر بكتابك بصري واشرح به صدري وفرج به قلبي واطلق به لساني واستعمل به بدني وقوني على ذلك واعني عليه انه لا معين عليه الا أنت لا اله الا أنت».


(1) - مكارم الأخلاق : ص341 .
(2) - مكارم الاخلاق : ص341 .
(3) - جامع الاخبار : ص53-52 .


   تجويد القرآن

المدود المتوقفة على سبب السكون


كنّا قد بدأنا في العدد السابق عن فصل جديد من فصول علم التجويد، ألا وهو فصل المد، وتعرفنا إلى السبب الأول من اسباب المد الفرعي وهو سبب الهمز. وفي هذا العدد سنتحدث عن السبب الثاني للمد الفرعي وهو سبب السكون، ونبدأ بالتعرف إلى المدود المتوقفة على سبب السكون. وهي ثلاثة:
المد العارض للسكون.
2-المد اللين.
3- المد اللازم.


المد الأول: مد العارض للسكون:

أ - مد العارض للسكون: هو ما جاء فيه بعد حرف من حروف المد حرف ساكن سكوناً عارضاً بسبب الوقف وسُمّي عارضاً لعروض الوقف بعروض السكون... ويكون في حالة الوقف لا غير أما عند الوصل فيمد مداً طبيعياً أي مقدار حركتين. ويجوز في مده وقفاً ثلاثة مقادير:
الأمثلة:
الألف:
﴿ الْأَبْرَارِ ، ﴿ الدَّارِ ،﴿ الْأَلْبَابِ .
الواو:
﴿ شَكُورٍ ، ﴿ الْبُرُوجِ ، ﴿ الْقَيُّومُ .
الياء:
﴿ قَدِيرٌ ، ﴿ نَّاصِرِينَ ،﴿ الْعَالَمِينَ .


المد الثاني: المد اللين:

مد اللين: هو ما جاء فيه قبل الواو والياء الساكنتين فتح وما بعدهما حرف ساكن سكوناً عارضاً بسبب الوقف. ويكون في حالة الوقف لا غير. ويجوز في مده وقفا ثلاثة مقادير: 2-٤-٦ حركات.
الواو:
﴿ خَوْفٍ ، ﴿ نَوْمٌ ،﴿ الْقَوْلِ .
الياء:
﴿ قُرَيْشٍ ، ﴿ الْبَيْتِ ،﴿ عَلَيْهِ .
أما علاقة مد العارض للسكون مع مد اللين فهي:
أن المد العارض للسكون يساوي أو أكبر من مد اللين، وهذه الأوجه الصحيحة لقراءتهما:

 

مد اللين مد العارض للسكون
حركتان ٢- 4- 6 حركات
54 حركات 4-6 حركات
6 حركات 6 حركات


المد الثالث: مد اللازم:

د - مد اللازم: هو ما جاء فيه بعد حرف المد حرفٌ ساكن سكوناً أصلياً (أي من أصل الكلمة) في الكلمة نفسِها. ويقسم إلى قسمين: كلمي وحرفي وكل واحد منهما ينقسم إلى مخفف ومثقل ويمد في جميع أقسامه 6 حركات وجوباً، أما الفرق بينه وبين مد المتصل هو أن العلماء اتفقوا بالنسبة للمد اللازم على مده وعلى مقداره 6 حركات بينما مد المتصل اتفقوا على مده واختلفوا على مقداره.
1- المد اللازم الكلمي: ويقسم إلى قسمين: مثقل ومخفف.
أ- المد اللازم الكلمي المثقل: هو ما جاء فيه بعد حرف من حروف المد حرف مشدد في الكلمة نفسها نحو:
﴿ دَابَّةٍ ﴾ - ﴿ تَأْمُرُونِّي ، ويمد ست حركات. وسُمِّي مثقلا لأنه ثقل بالتشديد.
أما المد في قوله تعالى «ءالذكريّن» و«ءآلله» فهو من قبيل اللازم المثقل وإن جوّز بعض العلماء تسميته بمد الفرق لقباً وليس أصلاً.
ب- المد اللازم الكلمي المخفف: هو ما جاء فيه بعد حرف من حروف المد حرف ساكن سكوناً أصلياً في الكلمة نفسها نحو:
﴿ آلْآنَ ، (وهو مد الألف التي بعدها اللام الساكنة) ولا يوجد غيرها في القرآن وقد وردت مرتين في سورة يونس (عليه السلام) في الآية ٥١ و٩١، ويجوز فيها الوجهان:
الوجه الأول ( الإبدال ): إبدال الهمزة ألِفاً ومدِّها ٦ حركات فتصبح: أ + اْلآن =( ءآلآن ).
الوجه الثاني ( التسهيل ): وهو نطق الهمزة المسَهَّلة بين الهمزة المحققة وحرف الألف. فتصبح: أ + ءَالآن = ءَالآن.


فائدة:

إذا دخلت همزة الإستفهام على همزة الوصل من لام التعريف كما في كلمة (ءآلآن) فإن العرب تبقي همزة الوصل وتغيرها بالإبدال أو التسهيل. والإبدال مقدم في الأداء عند حفص من طريق الشاطبية. وهناك أيضاً كلمتان غيرها في القرآن وهي: ﴿ آلذَّكَرَيْنِ - ﴿ آللَّهُ .
أما المد اللازم الحرفي سنتعرف إليه بكل أقسامه وأنواعه في العدد القادم بإذن الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1) .


(1) - الأستاذ الحاج عادل خليل مدير قسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم


   حوارات قرآنية

حفظة القرآن الجامعيين

 


الاسم: حوراء كامل جميل.
حافظة لكامل القرآن الكريم ومن الفائزات بجائزة سيد الشهداء.

س 1: بداية نود أن نعرّف القراء الكرام ببطاقة هويتكم الشخصية؟
العمر: 21 سنة.
البلدة: عيتا الشعب.
المستوى الدراسي: طالبة جامعية في كلية العلوم الجامعة اللبنانية.
معلمتي في دورة الحفظ: الأخت ليندا عسيلي من قبل جمعية القرآن الكريم.

س 2: متى بدأت بحفظ القرآن الكريم؟
ج: كانت البداية بتاريخ 24/1/2004م.

س 3: ما هي الطريقة المتّبعة لديك في حفظ القرآن الكريم؟
ج: تقسيم الصفحة الى أقسام وتكرار الآيات ثلاث مرّات.

س 4: ما هي الدوافع التي دفعتك الى حفظ القرآن الكريم؟
ج: السعي الى رضا الله تعالى وزيادة البركة في الدنيا والآخرة.

س 5: ما هو رأيك بمشروع الحفظ الذي تعتمده جمعية القرآن الكريم؟
ج: هو مشروع مهم جداً ويجب العمل على توسيعه ونشره في المجتمع.

س 6: هل لوالديك دور مؤثر في حفظك للقرآن؟ وهل ساعداك في الحفظ والمتابعة والإشراف؟
ج: طبعاً، كان لهم الدور في التشجيع ومتابعة الحفظ وتقديم الدعم المعنوي والنفسي والتسميع الدائم لمحفوظاتي.

س 7: ما هي الكلمة التي توجهينها لمحبي حفظ القرآن الكريم؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: أن ينيروا نفوسهم ببركة القرآن الكريم من خلال القراءة والحفظ وتفسير القرآن وأنصحهم العمل بمضامينه.

س 8: ما هو طموحك بعد حفظك للقرآن الكريم؟ وما هو هدفك في المستقبل؟
ج: تعلّم احكام التجويد والنغم والمشاركة في المسابقات الدولية والعمل على نشر أحكام القرآن وإقامة دورات للحفظ والتفسير ومساعدة جمعية القرآن الكريم على إفادة المجتمع بنور القرآن.


   أشهر القراء المبدعين

القارىء الدولي الحاج كريم منصوري

 

ولد عام 1970 م في مدينة آبادان محافظة خوذستان الايرانية.
بدأ دراسة القرآن الكريم وتعليمه مع حضور في جلسات فنية وتخصصية عام 1983م، كان عمره 14 سنة عندما درس على أساتذة كرام متخصصين كالأستاذ كروسي سيد صالح، وركابي وغيره وبعده حضر في دورات تخصصية كلاسيكية في علم التجويد وتعرّف على الالحان ونفحات علم القراءة عند أساتذة أمثال الدكتور موسوي والمرحوم اربابي والحاج خدام حسيني.
عندما رجع من المسابقة الدولية في السعودية التقى بالاستاذ برهيزكار عند سماحة السيد القائد حفظه الله تعالى فقال له دام ظله: الآن جاء الوقت لتصبح أنت مثل السيد برهيز كار، تحفظ القرآن الكريم كله لأنك قارىء دولي.
بسبب هذا الأمر وبتشويق زوجته الحافظة، حفظ القرآن الكريم في عام 1985م خلال احد عشر شهراً.
شارك في الكثير من المسابقات المحلية والدولية حصل خلالها على الدرجات العليا. سافر الى الكثير من البلدان الاسلامية والعربية لتلاوة القرآن الكريم وحضور الأمسيات القرآنية، كما لبى دعوات جمعية القرآن الكريم في لبنان وشارك في الأمسيات القرآنية في كافة المناطق.
قال عنه السيد القائد: السيد منصوري أنت تقرأ قراءة شعبية واستقبال المجتمع لتلاوتكم نعمة (إلهية) فلذا يجب أن تستمر في قراءتك حتى تقلب قلوب الناس بتلاوة القرآن.


   مقابلة العدد

القارئ سامح يحيى الشرقاوي


من جمهورية مصر العربية، باحث بجامعة الأزهر، جاء إلى لبنان بدعوة من جمعية القرآن الكريم للمشاركة بالأمسيات القرآنيَّة وقد اجرينا معه هذه المقابلة:

س 1 ـ ما هو الباعث أو المشجّع الأساسيّ لانضمامك إلى مسيرة القرآن المباركة؟
يرجع الفضل في هذا الى اصرار والدي «رحمه الله»على الحاقي بالأزهر الشريف، هذا بالاضافة الى روابط أسريّة حيث أن «جدي»من عظماء الأزهر الشريف بالاضافة الى وجود أخي فضيلة القارىءالشيخ «محمد يحيى الشرقاوي».

س 2 ـ ما هي التّخصّصات الّتي حصلت عليها خلال رحلتك مع القرآن الكريم؟
لقد حصلت على اللسانس في اللغة العربية جامعة الأزهر كما انني متعب بتمهيدي ماجستير ثم اصول اللغة وهو المتعلق بالقراءات القرآنية ولهجات العرب «وهذا هو موضوع بحثي، كما أنني عيّنت قارءاً بوزارة الأوقاف المصرية.

س 3 ـ ما هي أهمّ النّشاطات القرآنيّة الّتي تقوم بها خلال الأسبوع؟
أحمد الله تعالى حيث انني أحرص على ملازمة كتاب الله تعالى بالقراءة او التدبر أو المدارسة، حيث ان دراستي تتعلق بكتاب الله وأحكامه، كما أنني ملتزم بقراءة يوم الجمعة في أحد المساجد المصرية.

س 4 ـ ما هو مقدار حفظكم للقرآن الكريم؟
أحمد الله عزَّ وجل حيث أنعم علينا بحفظ القرآن الكريم كاملاً، هذا بالاضافة الى تخصصي الجامعي.

س 5 ـ برأيك ما هي مواصفات الحافظ النّموذجيّ؟
اولاً: الحافظ لكتاب الله تعالى لا بد وان يتخلق بأخلاق القرآن حتى يكون مثلاً يحتذى به في المجتمع كما أنه يجب على الحافظ للقرآن الكريم أن يتعهد القرآن بالحفظ والمراجعة والتلاوة لأنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها ويكفيه شرفاً وفضلاً أنه مع السفرة الكرام البررة.

س 6 ـ ما هو دور المسابقات القرآنيّة في إيجاد روح التّنافس لدى الشّباب في تلاوة القرآن؟
للمسابقات القرآنية دور عظيم في إذكاء روح التنافس بين محبي القرآن الكريم حيث يأمل الجميع في تحقيق الغلبة والظفر وهو تنافس محمود خاصة أنه في مجال القرآن لأنه ما معنى أن يمتلك الإنسان المال وليس في قلبه شيء من القرآن يقول الشاعر:
وما يغنيك تشييد المباني
اذا بالجهل نفسك قد هدمت.

س 7 ـ برأيك ما هي الأمور الّتي يجب أن يتبّعها القرّاء للوصول إلى القمّة في التّلاوة؟
حتى يصل قارىء القرآن إلى القمة في تلاوته عليه أن يلتزم بأحكام القرآن وآدابه وألاّ يفرط باستعمال المقامات الموسيقية حتى لا تخرج عن سياق القرآن، وأن يستحضر قلبه وروحه عند التلاوة لأن ما خرج من القلب وصل الى القلب.

س 8 ـ من هو القارئ المفضّل لديك والّذي تستمتع باستماع أو تقليد تلاوته؟ ولماذا؟
قبل أن اذكر القارىء المفضل عندي أحب أن أشير أن قرّاء القرآن جميعهم يقطفون من بستان واحد ولكل قارىء أدائه الخاص ونهجه المميز إلاّ أني أحب الشيخ «محمد رفعت، محمد الليثى، محمد الشرقاوي» لاحساسهم المتميز وقوتهم في الأداء.

س 9 ـ برأيك ما هي المميّزات الّتي يجب أن يتحلّى بها معلّم أو مدرّس القرآن؟
معلم القرآن الكريم لا بد وأن يتحلى بحسن الخلق حتى تعظم صورته عند غيره، وخاصة وهو معنيّ بكتاب الله الذي يدعوا الى الحسن ومكارم الأخلاق، وأن يترفع عن الرذائل التي تحط من قدره وهيبته وهنا يقول الشاعر: يا أيها العالم المرضى سيرته * أبشر فأنت بغير الماء ريّان.

س 10 ـ ما هي الأساليب التي يجب إتّباعها مع الأطفال لتنشئتهم تنشئة قرآنيّة؟
الأطفال في هذه السن المبكرة لهم طبيعتهم الخاصة ولذا يجب مسايرة هذه الطبيعة ويكون ذلك بتشجيعهم مادياً ومعنوياً وهو ما يعرف بأسلوب الترغيب كأن تقول للطفل إن حفظت جزءاً من القرآن تكون لك مكافأة عظيمة دون تسميتها حتى يكون الطفل مهتماً باتمام الحفظ حتى يحصل على ما وعدت ثم تتعهد بالمراجعة.

س 11 ـ كيف يساعد التّدبّر في القرآن الكريم على تزكية النّفس الإنسانيّة؟
القرآن الكريم جاء أساساً لتطهير النفس الانسانية حيث قال تعالى «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين «كما حثنا الله تعالى على التدبر في التفكر في كتاب الله فقال تعالى «أفلا يتدبرون القرآن «بلى وذم الله تعالى الذين يقرؤون القرآن ولم يتفكروا فيه قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا وقال الامام جعفر رضي الله عنه: «عجبت لمن يقرأ القرآن ولم يعلم تأويله. كيف يتلذذ بتلاوته؟!» ولذا يجب علينا التدبر والتفكر في كتاب الله تعالى.

س 12 ـ ما هي الآية القرآنيّة الشّريفة الّتي كان لها تأثير عليك واستفدت منها عمليًّا في حياتك؟
تلك الآية هي قوله تعالى:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً حيث ايقنت كل الايقان بأن الدار الآخرة أعدها الله تعالى لعباده المتواضعين الذين لا يترفعون على خلق الله ولا يفسدون في الأرض ولذا يقول الشاعر: أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الانسان إحسان.

س 13 ـ ماذا تفهم من قوله سبحانه: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ؟
أي أن الله تعالى أخبر بني اسرائيل في التوراة أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويطغون ويفجرون على الناس بل وعلى الأنبياء فإذا جاء وقت أولى الإفسادتين سلط الله عليهم جنداً من خلقه أولى قوَّة وسلطة فيهلكون أرضهم وبيوتهم وحكم الله لا يقبل النقض.

س 14 ـ من خلال عملكم القرآنيّ وتجربتكم كيف نفهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»؟
أي أن خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن الكريم لا في غيره وأنه خير الكلام كلام الله وخير الناس بعد الأنبياء من اشتغل بكتاب الله لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلو بعدي ابداً كتاب الله وعترتي وقال الناظم في كتاب الله: «وخير كتاب لا يمل حديثه * وترداده يزداد فيه تجملاً».

س 15 ـ ما هي الإرشادات لمجاميع القرّاء والمسابقات القرآنيّة الدّوليّة والمحلّيّة؟
يجب على قارىء القرآن أن يتخلق بأخلاق القرآن ويتأدب بآدابه حتى يكون صورة مشرّفة لغيره في المجتمع كما يجب عليه الالتزام بأحكام القرآن والحرص على تطبيقها من مد وادغام ووقف وابتداء. أما بالمسابقات القرآنية فيجب فيها الحرص على مكافأة الحفاظ والقرَّاء لأن هذا يفتح مجالاً للتنافس في حفظ الله وإتقانه.

س 16 ـ تزورون لبنان بدعوة من جمعيّة القرآن الكريم للمشاركة في الأمسيات القرآنيّة، فحبّذا لو تحدّثنا عن تقييمك لآثار هذه الأمسيات لدى الشّباب والمجتمع الّذي يواجه العدوّ الصّهيونيّ وكيانه؟
لقد وجدت في هذا البلد الشقيقة عناية غير مسبوقة بالقرآن الكريم وقرائه وحفاظه حيث يهتمون بقارىء القرآن وحافظه اهتماماً بالغاً، إضافة إلى أنهم يعدون جيلاً جيداً من القرَّاء والحفاظ في هذا البلد العريق ضف على هذا ما وجدته في قلوب شبابهم وشيوخهم وأطفالهم من بغض للعدو الصهيوني وحب للشهادة في سبيل الله.

س 17 ـ ما هو تأثير القرآن الكريم على العلاقات بين الدّول الإسلاميّة؟ وما هو رأيك بالنّشاطات القرآنية في لبنان ومدى انعكاسها على المستوى الدّولي ؟
للقرآن الكريم دور رائد في توثيق العلاقات بين الدول الاسلامية حيث تجتمع على مائدته أجناس البشر من عرب وعجم ومشرق ومغرب ولذا يقول الشاعر: وإن كتاب الله أوثق شافع * وأغنى غناءاً واهباً متفضلاً، وتقوم جمعية القرآن الكريم في لبنان بدور عظيم في توثيق تلك العلاقات حيث التقيت شخصياً بقرَّاء وحفَّاظ للقرآن الكريم من «العراق وإيران ولبنان ومصر» وهذا له تأثير عظيم في جمع الشمل في المجتمع الإسلامي.

س 18 ـ ما هو دور وسائل الإعلام في العالم الإسلاميّ لتغطية ونشر النّشاطات والثّقافة القرآنيّة؟
للإعلام دور رائد في تغطية ونشر النشاطات والثقافة القرآنية حيث يعكس هذا صورة الاسلام أمام العالم، كما أنه يساهم في إبراز الصورة الحقيقية والتشريعات التي جاء بها هذا الدين الحنيف كما أن النشاطات الثقافية القرآنية لا تقل قيمة عن المباريات الرياضية وغيرها بل لا تقارن بها في الأصل.

س 19 ـ كيف يمكن للبرامج القرآنية أن تساعد على تقديم الصّورة الحقيقيّة للإسلام أمام العالم؟
يمكن للبرامج القرآنية أن تبرز صورة الاسلام الحقيقية امام العالم، وذلك إذا كان هذا هو هدفها الأساس بأن تستضيف العلماء الأعلام المشهور بوسطيتهم البعيدين عن العصبية المذهبية لأن هناك وللأسف بعض البرامج الدينية التي صارت مجالاً خصباً لنشر الفتنة مما أساء صورة الإسلام أمام العالم.

س 20 ـ كيف نستفيد من البرامج القرآنيّة لتقوية الوحدة الإسلاميّة بين المسلمين؟
نستفيد من هذه البرامج اذا كان هو منها الاساس هو تقوية الوحدة بين المسلمين، ولذلك يجب علينا أن نتخذ تلك البرامج التي تتمتع بالمصداقية والأمانة قال الشاعر:

اخذ قرينك واصطفيه تفاخراً * إن القرين إلى المقارن ينسب
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحباً * إن الكذوب شين جراً يصحب.

س 21 ـ ما هو واجب ودور النّاشطين القرآنيّين في مواجهة ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلاميّ؟
الارهاب ظاهرة سيئة أصابت العالم الاسلامي، ولقد حاربها الله ورسوله قال الله تعالى:
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ... وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)  : «من روع مؤمنا لم يؤمن الله روعته يوم القيامة، ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام ذل وخزي يوم القيامة» فإذا كان الله ورسوله حاربا الارهاب فيجب على كل مسلم اتباع الله ورسوله.

س 22 ـ ما هي نصيحتكم لحفّاظ وقرّاء القرآن الكريم ولمن لديه رغبة في حفظه وتلاوته؟
أولاً: لا بد وأن يخلصوا النية لله تعالى، وأن يتخلقوا بأخلاق القرآن الكريم، حتى لا يصدق فيهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
 «رب حامل للقرآن والقرآن يلعنه» .ثانيا: لا بد من مراجعة القرآن الكريم لأنه أشد تفلتاً من الإبل في عقالها، ثالثاً: لا بد من تدبره قال الامام جعفر رض الله عنه «عجبت لمن يقرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يتلذذ بتلاوته».

س 23 ـ نطلب منكم نصيحة للشّباب والمجتمع في لبنان ليصبحوا مجتمعًا عاملاً بالقرآن؟
اولاً لا بد وان يلتزموا بكتاب الله وتقواه لقوله تعالى:
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً .
ولقول الشاعر:
من يتق الله يحمد في عواقبه  * ويكفه شر من عزّوا ومن هانوا
ثانياً: الاعتصام بحبل الله تعالى والتمسك بسنة رسول الله واتباع آله الطاهرين، ونبذ مظاهر الخلاف والتطرف لقوله تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي آل بيتي» ولقول الشاعر:
واشدد يديك بحبل الله معتصماً * فإنه الركن إن خانتك أركان (1) .


(1) - أجرى الّلقاء مدير قسم العلاقات العامة الحاج عباس عساف.


   أهل البيت (عليهم السلام)

القرآن في كلام أهل البيت (عليهم السلام)


1- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  : «إن أحق الناس بالتخضع في السر والعلانية لحامل القرآن، وإن أحق الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن،» ثم نادى بأعلى صوته: «يا حامل القرآن تواضع به، يرفعك الله، ولا تعزز به، فيذلك الله، يا حامل القرآن تزين به لله، يزينك الله به، ولا تزين به للناس، فيشينك الله به، من ختم القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه، ولكنه لا يوحى إليه، ومن جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه، ولا يغضب فيمن يغضب عليه، ولا يحد فيمن يحد، ولكنه يعفو، ويصفح، ويغفر، ويحلم لتعظيم القرآن، ومن أوتي القرآن فظن أن أحداً من الناس أوتي أفضل، مما أوتي فقد عظم ما حقر الله وحقر ما عظم الله» (1) .

2- وقال  (صلى الله عليه وآله وسلم)  : «يأتي على الناس زمان بطونهم آلهتهم، ونساؤهم قبلتهم، ودنانيرهم دينهم، وشرفهم متاعهم، لا يبقى من الايمان إلاّ اسمه، ومن الإسلام إلاّ رسمه، ومن القرآن إلاّ درسه، مساجدهم معمورة، وقلوبهم خراب عن الهدى، علماؤهم أشر خلق الله على وجه الأرض، فإن كان كذلك ابتلاهم الله باربع خصال: جور من السلطان، وقحط من الزمان، وظلم من الولاة والحكام». فتعجب الصحابة وقالوا: يا رسول الله، أيعبدون الأصنام؟! قال: «نعم، كل درهم عندهم صنم» (2) .

3- عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «من قرأ القرآن وهو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة، يقول: يا ربّ، إنّ كلّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلّغ به أكرم عطائك، قال: فيكسوه الله العزيز الجبّار حلّتين من حلل الجنّة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثمّ يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا ربّ، قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا، فيعطى الأمن بيمينه، والخلد بيساره، ثمّ يدخل الجنّة فيقال له: اقرأ (آية) فاصعد درجة ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك ؟ فيقول: نعم، قال: ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقّة من شدّة حفظه أعطاه الله عزّ وجلّ أجر هذا مرّتين» (3) .

4- وعنه (عليه السلام) قال: «المروءة مروتان مروة الحضر و مروة السفر فأما مروة الحضر فتلاوة القرآن و حضور المساجد و صحبة أهل الخير و النظر في الفقه و أما مروة السفر فبذل الزاد و المزاح في غير ما يسخط الله و قلة الخلاف على من تصحبه و ترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم» (4) .

5- عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في تفسيره: عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  قال: «حملة القرآن، المخصوصون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلمون كلام الله، المقربون عند الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا, وعن قارئه بلوى الاخرة والذي نفس محمد بيده لسامع آية من كتاب الله وهو معتقد (إلى أن قال) : « اعظم اجرا من ثبير ذهبا يتصدق به، ولقارئ آية من كتاب الله معتقداافضل مما دون العرش الى اسفل التخوم» (5) .


(1) - مستدرك الوسائل : ج4 ص244 باب4 ح4604 56 .
(2) - جَامِعُ الأخْبَارِ : 356 .
(3) - وسائل الشيعة : ج6 ، ص178 .
(4) - الأمالي للمفيد : 43 المجلس السادس .
(5) - وسائل الشيعة : ج6 ، ص176 .


   رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته في القرآن الكريم


الْحَمْدُ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل.

إنّ القرآن هو الكتاب النازل على رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من عند الله تبارك وتعالى، وقد تكفّل عزَّ وجل صيانته وحفظه من كل تغيير أو تبديل، فهو مصون من التحريف وانّه لا يتمكّن أحد من أن يتلاعب فيه، قال سبحانه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (1) وقال: ﴿ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (2) وقال: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (3) لقد آمن المسلمون أنه المصدر الأول للفكر والاحكام والتشريع، فمنه يستوحي الانسان أصول العقيدة، وتستنبط احكام الشريعة، ومفاهيم الحضارة، ومنهاج الحياة، ومعايير السلوك والاخلاق.
ولهذا كان لزاماً علينا أن نأخذ عقائدنا وأحكامنا ومفاهيمنا أولاً من القرآن الكريم، ثم ينظر إلى العِدْل الثاني من الثقلين، وأي مفهوم من المفاهيم أو حكم من الأحكام أو أي عقيدة تتناقض مع القرآن الكريم فنضرب بها عرض الحائط.
وفي الوقت نفسه كثرت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القالة والكذابة حتى اختلط الحابل بالنابل وشوهت سمعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وألصق به وبسيرته العطرة الشيء الكثير.
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القدوة لكل الأمة بل البشرية، فحينئذ يجب علينا أن ندرس حياته ونتعرف على سيرته المعطاءة من المصدر الأول من كلام الله قبل كلام البشر.


بداية لمحة عن حياته:
اسمه ونسبه (صلى الله عليه وآله وسلم):
النبي محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، وينتهي نسبه الشريف إلى النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام).
كنيته (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقبه:
 كنيته أبو القاسم، أبو إبراهيم، ولقبه المصطفى.


تاريخ ولادته (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانها:
 17 ربيع الأوّل 40 عام قبل البعثة النبوية، الموافق 571 ميلادي، مكّة المكرّمة.
وهو العام الذي يُسمّى بـ(عام الفيل)، حيث تعرّضت فيه مكّة لعدوان أبرهة الحبشي صاحب جيش الفيل، فجعل الله كيدهم في تضليل، كما ورد في سورة الفيل من القرآن الكريم.


أُمّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته:
 أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف، زوجته السيّدة خديجة بنت خويلد الأسدي، أُمّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وله زوجات أُخر.
مدّة عمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ونبوّته:
عمره 63 سنة، ونبوّته 23 سنة.


حمله (صلى الله عليه وآله وسلم):
حملت به أُمّه أيّام التشريق، وقالت: فما وجدت له مشقّة حتّى وضعته.
ثمّ خرج أبوه عبد الله وأُمّه حامل به في تجارة له إلى الشام، فلمّا عاد نزل على أخواله بني النجّار بالمدينة، فمرض هناك ومات، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حمل.
وكان أبوه عبد الله فقيراً، لم يخلّف غير خمسة من الإبل وقطيع غنم وجارية اسمها بركة، وتكنّى أُمّ أيمن، وهي التي حضنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (4) .
ننقل عددا من الآيات القرآنية التي تحدثت عن الرسول العظيم وعالمية رسالته لنرى مدى تعظيم المولى سبحانه وتبجيله له.


أسماؤه (صلى الله عليه وآله وسلم):
محمد: وقد ذكر في القرآن الكريم أربع مرات وإليك ذلك:
﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ (5) ، ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ (6) ، ﴿ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ (7) ، ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ (8) .
أحمد: وذكر مرة واحدة في القرآن الكريم حكاية عن نبي الله عيسى  (عليه السلام):
﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (9) .
وعَدَّ بعضهم من أسمائه: طه:
﴿ طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (10) . يس: ﴿ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (11) .


عالمية رسالة النبي في القرآن:
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (12) .
أمر الله سبحانه نبينا أن يخاطب جميع الخلق من العرب والعجم فقال «قل يا أيها الناس إني رسول الله» أرسلني «إليكم جميعا» أدعوكم إلى توحيده وطاعته واتباعي فيما أؤديه إليكم و إنما ذكر جميعا للتأكيد وليعلم أنه مبعوث إلى الكافة.
وقال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (13) . «وما أرسلناك» يا محمد بالرسالة التي حملناكها «إلا كافة للناس» أي عامة للناس كلهم العرب والعجم وسائر الأمم.
وقال تعالى:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (14) . أي نزّل القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل والثواب والخطأ في أمور الدين بما فيه من الحث على أفعال الخير والزجر عن القبائح والشر على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «ليكون» محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوته القرآنيَّة لجميع المكلفين من الإنس والجن، مخوفاً بالعقاب وداعياً لهم إلى الرشاد.
وقال تعالى:
﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ (15) . وفي قوله «ومن بلغ» دلالة على أنه خاتم الأنبياء ومبعوث إلى الناس كافة.
وقال تعالى:
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (16) . وضع الله تعالى على الناس شهيداً على هذا الارسال العالمي.
وقال تعالى:
﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (17) .
«هذا» إشارة إلى القرآن «بيان للناس» أي دلالة وحجة لهم كافة؛ وإنما خص المتقين به مع كونه بيانا وهدى وموعظة للناس كافة لأن المتقين هم المنتفعون به والمهتدون بهداه والمتعظون بمواعظه.
وقال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (18) . لقد بعث الله تعالى رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) لتحقيق هدفين أساسيين، هما:
1- توفير فرصة الهداية للناس حتى يتم الحجة عليهم. والهدى هو الوصول الى الحقيقة، ولا يصل البشر الى الحقيقة إلاّ بالعلم بها والتسليم القلبي لها. ذلك لأن العلم الذي لا يشفعه الإيمان لا يكفي، إذ يبقى الجحود والغفلة حاجزاً بين البشر وبين الحقيقة.
2- إقامة سلطة الحق؛ سلطة العدالة والقانون؛ سلطة القيم والمبادئ، وذلك في مقابل سلطة القوة التي هي شريعة الغاب ومنطق الجبارين. ومن الواضح إن المجتمع إما تسوده شريعة الغاب أو شريعة الله؛ شريعة الحق أو شريعة الباطل، لأن الله تعالى الذي خلق الحياة، منح قدراً من الحرية للناس، إلا أن العاقبة هي للحق. ولقد تنامت أمواج الرسالة في العالم منذ انبعاث الرسول العظيم محمد بن عبد الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) والى اليوم. أوليس ذلك دليلاً على تحقق وعد الله في ظهور الإسلام على الدين كله؟
ونظير الآية السابقة قوله تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (19) .


عموم الخطاب للناس كافة:
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(20) . هذا الخطاب متوجه إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم إلا من ليس بمكلف من الأطفال والمجانين؛ وروي عن ابن عباس والحسن أن ما في القرآن من «يا أيها الناس» فإنه نزل بمكة وما فيه من «يا أيها الذين آمنوا» فإنه نزل بالمدينة.
ونظير الآية السابقة في عموم الخطاب للناس قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً (21) .
وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  (22) .


محاولة الهداية عامة لكل الناس:
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (23) . قد توجه الخطاب إِلى عامّة الناس، مبيناً أنّ الله قد بعث من جانبه نبيّاً يحمل معه الدلائل والبراهين الواضحة، وبعث معه النور المبين المتجسد في القرآن الكريم الذي يهدي الناس إِلى طريق السعادة الأبدية.
وقال تعالى:
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (24) .
وقال تعالى:
﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (25) .
وقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ (26) .


سياسة التغيير:
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (27) . خاطب تعالى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)موضحاً له الأسلوب وسياسة التغير فقال: ادفع بحقك باطلهم وبحلمك جهلهم وبعفوك اسائتهم، فانك إذا دفعت خصومك بلين ورفق ومداراة صار عدوّك الذي يعاديك في الدّين بصورة وليّك القريب فكأنه وليّك في الدّين وحميمك في النسب، وما يلقّيها أى ما يلقّي هذه الفعلة وهذه الحالة التي هي دفع السيئة بالحسنة إلاّ الذين صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه، وما يلقّيها أى هذه الخصلة الاّ ذو نصيب وافر من العقل والرّأي.


بعض مكارم أخلاق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
أ‌- العفو عن الآخرين:
ب‌- الأمر بالمعروف:
ت‌- الإعراض عن الجاهلين:
قال تعالى:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (28) .
خُذِ الْعَفْوَ: أي خذ ما عافاك من أفعال الناس وأخلاقهم وما يأتي منهم من غير كلفة، ولا تداقهم، واطلب الميسور منهم ونحوه قوله  (عليه السلام) (يسروا ولا تعسروا ) أمر - سبحانه - بالتسامح وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء.
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: بالمعروف والجميل من الأفعال والحميد من الخصال.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ: ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، وأعرض عمّا يسوءك منهم.
وقيل: إنه لما نزلت الآية سأل جبرائيل، فقال: لا أدري حتى أسأل، ثم أتاه فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تَصِلَ من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال الصّادق (عليه السلام): إنّ الله أمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها (29) .
نسأل الله أن يوفّقنا لخدمة القرآن، وللسير على هديه إنّه حميد مجيد، وسلام الله عليكم وعلى عباد الله الصالحين ورحمته وبركاته.


(1) - سورة الحجر ، الآية : 9 .
(2) - سورة فصّلت ، الآية : 42 .
(3) - سورة البروج ، الآية : 21- 22 .
(4) - اُنظر: أعيان الشيعة : ج1/ص218.
(5) - سورة آل عمران ، الآية : 144 .
(6) - سورة الأحزاب ، الآية : 40 .
(7) - سورة محمد ، الآية : 2 .
(8) - سورة الفتح ، الآية : 29 .
(9) - سورة الصف ، الآية : 6 .
(10) - سورة طه ، الآيتان : 1 – 2 .
(11) - سورة يس ، الآية : 1 - 2 .
(12) - سورة الأعراف ، الآية : 158 .
(13) - سورة سبأ ، الآية : 28 .
(14) - سورة الفرقان ، الآية : 1 .
(15) - سورة الأنعام ، الآية : 19 .
(16) - سورة النساء ، الآية : 79 .
(17) - سورة آل عمران ، الآية : 138 .
(18) - سورة التوبة ، الآية : 33 . والصف ، الآية : 9 .
(19) - سورة الفتح ، الآية : 28 .
(20) - سورة البقرة ، الآية : 21 .
(21) - سورة البقرة ، الآية : 168 .
(22) - سورة النساء ، الآية : 1 .
(23) - سورة النساء ، الآية : 174 .
(24) - سورة البقرة ، الآية : 185 .
(25) - سورة إبراهيم ، الآية : 1 .
(26) - سورة اروم ، الآية : 58 .
(27) - سورة فصّلت ، الآية : 34 .
(28) - سورة الأعراف ، الآية : 199 .
(29) - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة خوئي: ج1 ، ص188 .


   حيوانات ذكرت في القرآن الكريم

الذئب في القرآن الكريم


فقد ذُكر الذئب في القرآن الكريم ثلاث مرات في سورة يوسف، عندما قال والد النبي يوسف (عليه السلام) لأبنائه: أنه خائف على ولده من أن يأكله الذئب إن ذهب معهم، فطمئنوه أن هذا لن يحصل، وعندما ذهبوا مع أخيهم ألقوه في الجب وعادوا قائلين لأبيهم أن الذئب أكله، حيث جاء:
﴿ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (1) .

الذئب: وأصله الهمزة والأنثى ذئبة، وجمع القلة أذؤب، وجمع الكثرة ذئاب وذؤبان. ويسمى الخاطف والسيد والسرحان وذؤالة والعملس والسلق، والأنثى سلقة والسمسام، وكنيته أبو مذقة.. ومن كناه الشهيرة أبو جعدة ومن كناه أبو ثمامة وأبو جاعد وأبو رعلة وأبو سلعامة وأبو العطلس وأبو كاسب وأبو سبلة. ومن أوصافه الغبش، وهو لون كلون الرماد يقال: ذئب أغبث وذئبة غبشاء.
وللأسد والذئب في الصبر على الجوع ما ليس لغيرهما من الحيوان، والذئب موصوف بالانفراد والوحدة، ولا يعود إلى فريسة شبع منها أبداً. ومن عجيب أمره أنه ينام بإحدى مقلتيه والأخرى يقظى حتى تكتفي العين النائمة من النوم، فيفتحها وينام بالأخرى ليحترس باليقظى ويستريح بالنائمة وصف، في أبيات مشهورة منها:
ونمت كنوم الذئب في ذي حفيظة... أكلت طعاماً دونه وهو جائع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع


الأمثال:
وصفته العرب بأوصاف مختلفة فقالوا: «أغدر من ذئب». «واختل وأخبث وأخون وأجول وأعتى وأعوى وأظلم وأجرأ وأكسب وأجوع وأنشط وأوقح وأجسر وأيقظ وأعق وألأم من ذئب». وقالوا: «أخوك، أم الذئب» وقالوا: «أخف رأساً من الذئب». لأنه ينام بإحدى مقلتيه.. وقالوا في الدعاء على العدو: رماه الله بداء الذئب أي الجوع، وقالوا: الذئب يكنى أبا جعدة كما تقدم، وقالوا: «من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم». أي ظلم الغنم، ويجوز أن يراد به ظلم الذئب، حيث كلفه ما ليس في طبعه.


المواصفات الجسدية:
تختلف أحجام وأوزان الذئاب بشكلٍ كبير عبر موطنها، الذئاب العربية والهندية يصل معدل وزنها إلى 25 كيلوغراماً (55 رطلاً).
والذئاب قادرة على اجتياز مسافات شاسعة عن طريق الخبو بسرعة 10 كيلومترات في الساعة، ويُعرف بأن سرعتها تصل إلى حدود 65 كيلومتراً في الساعة خلال مطاردتها لطريدتها. تصلح أكفّ الذئاب للتنقّل فوق أنواع مختلفة من الأراضي وخصوصاً فوق الثلوج، كما أن لها شريطاً منسوجاً خفيفاً بين كل إصبع ليساعدها على التنقل فوق الثلج بشكلٍ أسهل نسبيّاً من طرائدها.
تُعد الأكف الأمامية أكبر حجما من الخلفية، وفيها إصبع خامس يُسمى بالزمعة.
يُساعد شعر الأكف الخشن والمخالب المثلمة الذئب على التمسّك بالأسطح الزلقة، وتضمن أوعية دمويةً خاصة عدم تجمّد بطانيات القدم السفلية عند السير على هكذا أسطح باردة. كما وتمتلك الذئاب غدد مفرزة للروائح بين أصابعها تساعدها على ترك علامات كيميائيّة خلفها أثناء سيرها مما يجعلها تتنقّل في نطاق شاسع بتزامن مع ترك رسائل لأفراد القطيع الأخرى عن أماكن تواجدها.
تُعتبر الذئاب في فلسطين وجنوب لبنان مميزة عن غيرها بسبب كون اصبعيها المتوسطين متصلين ببعضهما البعض، وهي سمة كان يُعتقد بأنها خاصة بالكلاب البرية الأفريقية.
يُغطي جسم الذئاب معطفاً ثخيناً يتألف من طبقتين: الأولى تتكون من شعر عازل خشن يمنع تسرب الماء ودخول التراب، والثانية عبارة عن طبقة داخلية من الشعر عازلة للماء والحرارة. تطرح الذئاب الطبقة الأخيرة على شكل خصل كبيرة من الفراء في أواخر الربيع أو أوائل الصيف.
غالباً ما يكون لون الطبقة الداخلية من الفراء رماديّاً، بغض النظر عن لون الطبقة الخارجية. للذئاب أهابات صيفية وشتوية مميزة، تتبدل الواحدة منها وتحل الأخرى بدلاً منها في فصليّ الربيع والخريف.
يرمز لون فراء الذئب إلى البيئة التي تقطنها جمهرته؛ فجميع الذئاب البيضاء، على سبيل المثال، تكون مألوفة أكثر في المناطق ذات الغطاء الثلجي الدائم. يُصبغ فراء الذئب المتقدم في السن بلون رمادي، مما يدفع البعض إلى القول أن الذئاب «تشيب».
لأنياب الذئب الطويلة أهمية كبرى، إذ أن الحيوان يستخدمها للإمساك بطريدته وإخضاعها. تُعد أسنان الذئب أسلحته وأدواته الرئيسية، والذئب قادر على أن يعض بقوة تصل إلى 10,000 كيلوباسكال (1,500 رطل)، وهذا يُشكل ضعفيّ قوة عض كلب مستأنس يصل إلى ذات الحجم.
تتزاوج الذئاب عادةً في الفترة الممتدة بين شهريّ كانون الثاني (يناير) ونيسان (أبريل). يولد بطن واحد من الجراء غالباً في قطيع الذئاب، تدوم فترة الحمل بين 60 و 63 يوماً. يُسمّى صغير الذئب باللغة العربية جرواً أو السمع أو الجرموز. تولد الجراء عمياء، صمّاء، معتمدةً بشكل كلي على والدتها، وتبلغ زنة الواحد منها 0.5 كيلوغرامات (رطلاً واحداً). يتراوح عدد الجراء في البطن بين 5 و 6 عادةً.
تبدأ الجراء بالاستقلال شيئاً فشيئاً خلال المدة التي تقضيها تحت الأرض، ومن ثم تبدأ باستكشاف المنطقة الخارجية المحيطة بالجحر، وتجول على بعد ميل منه عندما تبلغ حوالي 5 أسابيع من العمر. تبدأ الجراء بالاقتيات على اللحم المتقيأ، بعد أن تكون قد أمضت أسبوعين من التغذي على حليب والدتها. وتُفطم الجراء ما أن تبلغ 10 أسابيع. تبقى الأم لوحدها مع صغارها خلال الأسابيع الأولى من حياتها، إلا أن معظم أفراد القطيع تُساهم في نهاية المطاف بتربية الجراء بطريقة أو بأخرى. تُنقل الصغار إلى موقع يُسمّى «بموقع لقاء» بعد أن تبلغ شهرين من العمر، حيث يمكنها أن تبقى بأمان ريثما يذهب معظم الأفراد البالغين للصيد، ويبقى إلى جانبها ذئب بالغ أو اثنين للحفاظ عليها. وبعد بضعة أسابيع يُسمح للجراء بأن تنضم لباقي القطيع في الصيد إن كانت قادرةً على ذلك. يؤدي سماح الأفراد البالغة للصغار بالتقاتل فيما بينها للحصول على امتيازات عند الطريدة، كموقع الاقتيات الأفضل والأجزاء الأكثر تغذية وعصارة من غيرها، إلى توليد مراتب اجتماعية ثانوية بينها، الأمر الذي يسمح لها بالتمرن على أداء إيماءات الهيمنة والخضوع التي ستحتاج إليها للبقاء في القطيع مستقبلاً. تبقى الجراء مجرّد مشاهدة متقدة خلال الصيد إلى أن تبلغ حوالي 8 شهور، أي الفترة التي تصل فيها إلى الحجم المناسب الذي يسمح لها بالمشاركة بالصيد بفعالية.


الأمراض:
تشمل الأمراض التي تمّ توثيق نقلها من قبل الذئاب: البروسيلا، حمى الأرانب، داء البريميات، الحمى القلاعية، والجمرة الخبيثة. تُعد الذئاب الرمادية حاملةً أساسية لداء الكلب في كل من روسيا، إيران، العراق، أفغانستان، والهند. تُصبح الذئاب المصابة بهذا الداء عدائية بشكل استثنائي وتستطيع أن تعض وتصيب عدد من الأشخاص بجروح خلال هجوم واحد. كانت العدوى المنقولة من قبل الذئب إلى الإنسان عن طريق العض مميتة على الدوام قبل أن يتم اكتشاف لقاح لها، فاليوم يُمكن معالجة الجروح التي تسبب بها ذئب مُكلب بسهولة، إلا أن تلك التي تسبب بها هجوم شديد يُمكن أن تؤدي إلى الوفاة حالاً، وكذلك إذا كان العض قد تناول المناطق القريبة من الرأس، فعندئذ ينتشر الداء بشكل سريع للغاية لا يُمكن للعلاج أن يُجاريه. تتركز هجومات الذئاب المُكلبة في الشتاء والربيع.
عادةً ما يتألف القطيع من ذكر مسيطر وأنثاه وصغارهما، مما يجعل القطيع عبارة عن «أسرة نواتية». يحوي القطيع عادةً ما بين ذئبين و 20 ذئباً، وغالباً ما يتكون القطيع النمطي من 8 أفراد.
تبقى الذئاب مع والديها حتى تبلغ سنتين من العمر في العادة. تُساعد صغار العام الفائت أبويها على تربية صغار العام التالي، وتُعد الجراء خاضعة بشكل كلّي لوالديها، وتبقى هكذا حتى بعد بلوغها.
غالباً ما يقتل أفراد القطيع أي ذئب منهم يتصرف بطريقة غريبة، كالجراء المصابة بالصرع، أو البالغ المصاب بطلق ناري أو المجروح بواسطة شرك.
تقوم الذئاب، كغيرها من الكلبيات، بتعليم أي شيء تستولي عليه من الحوز إلى الطرائد، برائحتها. يُعد البول أكثر الوسائل المستعملة عند هذه الحيوانات في تعليم ما تملكته، ويرش الزوجان المسيطران بولهما بعد أن يرفعا إحدى قوائمهما الخلفية، بينما يقوم باقي أفراد القطيع بالتبول عن طريق القرفصاء، ويُرش البول على حدود الحوز وأماكن تخزين الطعام والطرائد التي سبق واصطادها القطيع.
تُساعد علامات البراز أيضاً الذئاب عند التنقل، فتمنعها من عبور ذات المنطقة أغلب الأحيان، كما تسمح لكل ذئب على حدى من معرفة موقع أفراد القطيع بحال كان قد انفصل عنه لبعض الوقت. وأهم وظيفة يؤديها التعليم سواء بالبول أو البراز، هو إعلام قطعان الذئاب المنافسة أن هذه المنطقة مأهولة وأن عليها عبورها بحذر.
للذئاب غدد منتجة للروائح على جميع أنحاء جسدها، بما في ذلك عند قاعدة الذيل، بين الأصابع، وفي عيونها، أعضائها التناسلية، وجلدها. تُميز الفيرومونات المنبعثة من هذه الغدد كل ذئب عن الأخر. يقوم الذئب المسيطر بفرك جسده على جسد ذئب أخر خاضع ليُحدده على أنه من نفس القطيع. قد تقوم الذئاب بخدش الأرض بمخالبها لتُعلمها بفيروموناتها عوضاً عن رشها بالبول.
تُظهر قطعان الذئاب، التي يزيد عدد أفرادها عن اثنين، تعاوناً استراتيجيّاً قليلاً عند صيد الفرائس الكبيرة، عادةً ما تحاول الذئاب إخفاء نفسها عند الاقتراب من طريدتها، وهي تنتظر غالباً حتى تبدأ الأخيرة بالرعي وتنشغل به حتى تنقض عليها. تُقدم الذئاب على تمزيق البطن والبدأ بالاقتيات فوراً، تتواصل الذئاب مع بعضها عن طريق البصر بواسطة مجموعة من التعابير الوجهية والوضعيات الجسدية، التي تتراوح من الإشارات المتقنة البسيطة، كرفع البطن، إلى تلك البارزة للعيان، كالتدحرج على ظهورها وإظهار بطنها لتبين خضوعها الكامل.


الذئب في الروايات:
قصّة استرجاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاتي حليمة من الذئب، وأنّه لمّا دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قام الذئب وردّهما وقبّل قدم النبي وقال: يا محمّد، إعذرني فإنّي لا أعلم أنّهما لك (2) .
ادخال الله ذئباً الجنّة لما أحزن الشرطيّ الظالم.
أخذ الذئب ولداً صغيراً لامرأة تصدّقت، فبعث الله جبرئيل أن يأخذ الولد من فم الذئب ويدفعه إلى اُمّه، فأخذه ودفعه إليها وقال لها: يا أمة الله، أرضيت لقمة بلقمة (3) .


(1) - سورة يوسف ، الآيات : 12 - 17 .
(2) - مستدرك سفينة البحار : ج3 ، ص419 .
(3) - ممستدرك سفينة البحار : ج3 ، ص421 .


   نباتات ذكرت في القرآن الكريم

العدس في القرآن الكريم


بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ذكر العدس في القرآن الكريم مرة واحدة وفي سورة واحدة قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (1) .


ما هو العدس:
العدس من أقدم الأغذية التي عرفتها الشعوب وهو من أعظم مصادر الغذاء وهو نبات ينتمي إلى فصيلة النباتات القرنية، بذوره مستخدمة في اعداد الأطعمة، وينمو في مصر وجنوبي أوروبا و الولايات المتحدة وغربي آسيا. بذورة ذات لون بني يميل إلى الحمرة، أو رمادي أو أسود. ولايزيد قطرها إطلاقًا عن 13ملم.


فوائده الغذائية والعلاجية:
فوائد العدس كثيرة من سرعة نمو الاطفال وتقوية العظام والاسنان ويحفظها من النخر ومكافحة فقر الدم والسرطان والامساك الى خفض الســـكر في الدم وحماية البنكرياس والحماية من خطورة ارتفاع الكوليسترول وضغط الدم فيحمي بذلك من تصلب جدران الشرايين ويحمي من الجلطات.
وتناول العدس يجعل الجهاز العصبي يعمل بكفاءة عالية ويحسن المزاج ويعمل على اعتدال الشهية.
ويوصف أكل العدس لذوي الصحة الجيدة والذين يبذلون جهدا كبيرا في اعمالهم لان المئة غرام تعطي 350 سعرا حراريا ولاحتوائه على الحديد والكالسيوم والفسفور يعتبر غذاء جيدا للمرأة الحامل وغناه بحمض الفوليك يمنع حدوث التشوهات الخلقية في الجنين.
يحمي من السرطان أكدت دراسة علمية حديثة ان شوربة العدس تقي من الاصابة بالاورام السرطانية التي تنشأ في الجسم وأوضحت الدراسة ان احد مكونات العدس «النيوسيتول بيتا كيوفوسفات» الذي يعتبر مضادا لنمو الاورام السرطانية.

وتنصح الدراسة بتناول شوربة العدس مع الكركم (2) حيث ان تناولها يفيد في زيادة المواد المضادة للسرطان لان الكركم يحتوي على مضادات الاكسدة القوية التي تحمي الحمض النووي «DNA» من التلف وتمنع انقسام الخلايا الشاذ الذي ينتج عنه نشوء الأورام والسرطانات.
والألياف النباتية المتوافرة في العدس تحمي من خطورة الاصابة بسرطان القولون وتخفض الكوليسترول في الدم.

يقوي الجهاز العصبي:
توافر الفيتامينات والاملاح المعدنية والاحماض الأمينية يعمل على كفاءة اداء الجهاز العصبي لوظائفه في توصيل الاشارات العصبية عبر الاعصاب وتنشيط المحطات العصبية.
واحتواء العدس على حمض الفوليك ضروري لحماية القناة العصبية التي تغطي الحبل الشوكي.
وتناول العدس مهم للرياضيين حيث انه يخفض مستويات حمض اللاكتيك الذي يتراكم في العضلات بعد اداء التمرينات الرياضية ويسبب ألم العضلات وتشنجها.

يحمي القلب والشرايين:
أكدت الدراسات الحديثة ان تناول العدس بأشكاله وانواعه المختلفة الغنية بالالياف النباتية يخفض نسبة الكوليسترول في الدم وذلك بمنع امتصاص املاح الصفراء مرة اخرى من الامعاء وهي تكون نواة الكوليسترول.
والألياف النباتية تنظم امتصاص السكر من الامعاء فلا يحدث اجهاد للبنكرياس من استجابته لارتفاع السكر المفاجئ بعد الطعام الامر الذي يتطلب افراز كميات كبيرة من الانسولين وذلك بجهد البنكرياس ويؤدي الى فشله في النهاية والاصابة بالسكري.
واحتواء العدس على حمض الفوليك الذي يحمي القلب والشرايين من خطورة واضرار الهموستين على الشرايين وبمكوناته وعناصره الغذائية كذلك يدر البول ويخفض ضغط الدم المرتفع.
وانتهت دراسات كثيرة الى ان تناول العدس يؤدي الى خفض الاصابة بأمراض القلب والشرايين بنسبة 82 في المئة.


مكونات العدس الغذائية
ومكونات العدس تجعله من الأطعمة المهمة لدى كل الشعوب وهو من المحاصيل البقولية الهامة التي تستعمل في تغذية الإنسان لاحتوائه على كمية وافرة من البروتين 25% تقريباً وعلى نسبة عالية من الكربوهيدراتية تقرب من 46% وهو يعادل اللحم في قيمته الغذائية فيما لو أضيف إليه الخبز وقد قدر أحد العلماء بأن (وزناً واحداً من العدس + وزناً واحداً من الخبز) يساوي وزناً واحداً من اللحم. هذا بالإضافة لاحتوائه على بعض العناصر المعدنية كالحديد والنحاس وعلى بعض العناصر اللامعدنية كالفوسفور والكالسيوم وعلى بعض الفيتامنيات وخاصة فيتامين ب1 مما يجيز استعماله في تخفيف أثر مرض البربري. ويحتوي على نسبة عالية من فيتامين «A» اللازمة لسلامة البصر والجلد وعمليات النمو وحيوية الجسم والحفاظ على الخصوبة.
وكذلك يحتوي على الكالسيوم والفسفور والاملاح المعدنية التي تساعد على تقوية العظام وسلامة الاسنان والغضاريف ومكونات الدم.ويعتبر العدس مصدراً للألياف الغذائية بنوعيها القابلة للذوبان وغير القابلة للذوبان.


كيف يؤكل العدس؟
ويؤكل العدس مطهياً مع الأرز أو مع البرغل بحبوبه الصحيحة (المجدرة) أو يؤكل بحبوبه المجروشة (الحساء) كما يقدم مسلوقاً مع المقبلات.


فوائد أخرى للعدس:
تستعمل عروشه الخضراء علفاً للبقر الحلوب، كما تستعمل في تسميد الأرض الفقيرة بالأزوت وبالمواد العضوية وذلك بقلبها في التربة عندما تكون في طور الإزهار. كما أنَّ تبن العدس من التبون الجيدة التي تتغذى عليها الأغنام والماعز، وفي الطب يستعمل العدس كملين وكمكمدات.
العناصر التي يحتويها العدس في 100 غرام من الحبوب:
بروتين 23.7
كربوايدرات 45.0
رطوبة 12.2
دهن 1.3
رماد 2.2
ألياف 3.2
مواد أخرى 12.4


العدس في أقوال المعصومين (عليهم السلام) :
1- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أكل العدس يرق القلب ويسرع الدمعة.
2- عن فرات بن أحنف أن بعض بني إسرائيل شكا إلى الله قسوة القلب وقلة الدمعة، فأوحى الله عز وجل إليه أن كل العدس فأكل العدس فرق قلبه وكثرت دمعته.
3- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شكا رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قساوة القلب فقال له: عليك بالعدس فإنه يرق القلب ويسرع الدمعة.
4- عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: أكل العدس يرق القلب ويسرع الدمعة.
5- عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل: عليك بالعدس فكله فإنه يرق القلب ويسرع الدمعة فقد بارك عليه سبعون نبيا.
6- عن موسى بن جعفر، عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) قال: يا علي عليك بالعدس فإنه مبارك مقدس وهو يرق القلب ويكثر الدمعة وإنه بارك عليه سبعون نبيا (3) .


(1) - سورة البقرة ، آية : 61.
(2) - لكُرْكُمُ : هو الزَّعْفرانُ وفي الحديث : «عادَ لَوْنُهُ كالكُرْكُمةِ» ، والكُرْكُمانيّ : دواءٌ مَنْسبوبٌ إلى الكُرْكُمِ وهو نَبْتٌ شبيهٌ بالكمُّون يُخْلط بالأدوية .
(3) - الوسائل : ج 25 ، ص 127 – 136 .


    أنشطة الجمعية


بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.
يقول تعالى:
﴿ ... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أي آمنوا بهذا النبي - الذي نعيش ذكرى ولادته - وصدقوه في نبوته وعظموه ووقروه ومنعوا عنه أعداءه «ونصروه» عليهم «واتبعوا» القرآن الذي هو نور في القلوب كما أن الضياء نور في العيون ويهتدي به الخلق في أمور الدين كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا «الذي» أنزل عليه وفي زمانه وعلى عهده ويروى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأصحابه: «أي الخلق أعجب إيمانا قالوا الملائكة، فقال: الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون، قالوا: فالنبيون، قال: النبيون يوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون، قالوا: فنحن يا نبي الله، قال: أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون، إنما هم قوم يكونون بعدكم يجدون كتاباً في ورق فيؤمنون به، فهو معنى قوله «واتبعوا النور الذي أنزل معه» «أولئك الظافرون بالمراد الناجون من العقاب الفائزون بالثواب».
فنحن في جمعية القرآن الكريم نرجوا من الله تعالى أن نكون من هؤلاء الذين اتبعوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والنور ونسأله سبحانه أن يوفقنا لنشره وتعليمه من خلال نشاطها وإليكم بعضها:

 1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:

أقام القسم التعليمي المركزي برامجه في غضون الأشهر الثلاثة الماضية وهي على الشكل التالي:
1 - الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
2 - التلاوة الصحيحة.
3 - التجويد بكل مستوياته.
4 - فن التلاوة ( الصوت والنغم).
5 - مجمع قرَّاء القرآن والقارئات في كل لبنان .
6 - المفاهيم القرآنيَّة.
7 - علم التفسير ومناهجه.
8 - إعداد المدرس القرآني.
9 - علم الوقف والإبتداء.
10 - أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
11 - الورش التعليميَّة (مهارات وتقنيات) وستبقى هذه الدورات مستمرة خلال الأشهر القادمة ولغاية آخر شهر شباط 2014م.

 

2- نشاط قسم التحفيظ للقرآن الكريم:

1- أقامت جمعية القرآن الكريم 33 دورة صيفية الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم في كل مراكزها اللبنانية، وعدد المنتسبين المشاركين فيها بلغ ما يقرب من 400 مشارك، حفظوا خلال الفترة الممتدة من تموز إلى 7 أيلول جزئين من القرآن الكريم، وقد قسمت على المناطق بالشكل التالي:
منطقة بيروت 4 دورات - منطقة النبطية 10 دورات - منطقة صور 10 دورات - منطقة بعلبك 5 دورات - منطقةالهرمل 4 دورات.
2- كما وأقامت الجمعية دورة تخصصية في أساليب الحفظ في مركزية الجمعية وبحضور الأستاذ المتخصص السيد مهدي الحسيني وقد شارك في الدورة التخصصية معلمات وطلاب الحفظ من أجل الاستفادة من خبراته المتعلقة بإدارة صف الحفظة وكيفية أساليب الحفظ.

 

3- نشاط قسم النشاطات القرآنية:


تدعوكم جمعية القرآن الكريم للمشاركة بالمسابقة القرآنيَّة السنويَّة السادسة عشرة في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره في الفئات التالية:
فئتا التلاوة مجوداً، ومرتلاً للإخوة.
فئة التلاوة للأخوات مرتلاً.
فئة الحفظ في: 5 – 10 – 20 – 25 – 30 جزءاً.
فئة التفسير في سورتي الكوثر والقدر.
تاريخ اجراء المسابقة في منطقتي بعلبك والهرمل ابتداءً من تاريخ 24/ 11/2003م صباحاً.
في مناطق: بيروت، النبطية، صور، ابتداءً من تاريخ 26/ 11/2003م صباحاً.
التصفيات النهائية: لمنطقتي بعلبك والهرمل في 13/12/2003م. لمناطق بيروت، النبطية، صور، في 15/12/2003م. ويمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في كافة المناطق اللبنانية.

 4- نشاط قسم الدراسات القرآنية:


قسم الدراسات القرآنية:
تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من طباعة الإصدارات التالية:
طباعة مجلة هدى القرآن العدد (11).
مجلة نافذة من السماء العدد (13).
أريج القرآن أصبحنا في العدد (76).
وهناك كتب الآن تحت الطباعة.
 



   مسابقة العدد


1 – فالقرآن يبشر اُولئك الذين يسعون لكسب مرضاة الله...بنعم عظيمة ثلاثة، منها.
أ - الهداية إِلى سبل السلامة.
ب - النجاة من ظلمات الكفر والهداية إِلى النور.
ج - كلاهما صحيح.
 

2 - أكمل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من اغتاب مسلماً أو مسلمةً لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة»؟
أ - ثلاثن يوماً وليلة.
ب - أربعين يوماً وليلة.
ج - خمسين يوماً وليلة.


3 - أوّل من وجه أنظار المسلمين إلى الجانب الاجتماعي من التفسير هو:
أ - الإمام الشيخ محمد عبده.
ب - السيد جمال الدين الأسد آبادي.
ج - كلاهما صحيح.


4 - من القائل: أنَّ جمع القرآن مصحفاً واحداً، انما كان بعدما قُبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا اشكال:
أ - العلّامة الطباطبائي (قد).
ب - العلّامة الحلي(قد).
ج - كلاهما صحيح.
 

5 - هل يصح شرعاً كتابة ألف وثلاثة نقاط بدل لفظ الجلالة المشار إليه أم لا؟
أ - ممنوع منه شرعاً.
ب - لا مانع منه شرعاً.
ج - محرم شرعاً.


6 - قال الإمام الصّادق (عليه السلام): «...وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها» الآية هي:
أ - خُذِ الْعَفْوَ.
ب - وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.
ج - كلاهما صحيح.


7 - تكملة قول الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بالقرآن فما وجدتم آية نجا بها من كان قبلكم.............»:
أ - فالتزموا به.
ب - فاعملوا به.
ج - فاسلكوه.


8 - من القائل: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»؟
أ - الإمام الصادق (عليه السلام).
ب - الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ج - الإمام الحسين (عليه السلام).


9 - القائل: «القرآن هو الحبل المتصل بين الخالق والمخلوق» هو:
أ -الامام الخميني
(قده).
ب - الامام الخامنئي
(دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


10 - القائل: «أحب الخلق إلى الله، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطبه الله تعالى
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ » هو:
أ -الامام الخميني
(قده).
ب -الامام الخامنئي
(دام ظله).
ج -سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد (11)

الفائزون: الأولى: ليندا محسن زراقط.
الثانية: زهراء حسن الدوراني.
الثالث: زينب علوية.
يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


تسلية وفائدة قرآنية
 

أفقيَّاً:
1 - المقصود في الآية الشريفة: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ﴾.
2 - قوم اشتهروا بكثرة قتل الآنبياء.
3 - عدد آيات سورة الفجر.
4 - صلة القرابة بين النبي لوط (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام).
5 - سورة من السور التي تبدأ بكلمة (قل).
6 - المقصود بروح القدس في قوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾.
7 - السور التي تتحدث عن أحكام الحرب والجهاد، المكية أو المدنية.
8 - سورة من السور التي ذكر فيها اسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
9 - اسم لأكبر السور في القرآن.
10 - سورة لا يوجد فيها حرف الدال.


عاموديَّاً
1 - الصفة العظيمة التي ذكرها القرآن في حق النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 - سورة سميت باسم قوم أجانب.
3 -سورة قال عنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (شيبتني).


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (10)

 

ج1 - تكملة قول الإمام علي (عليه السلام) قال: عليكم بكتاب الله، فإنه الحبل المتين،......» هو::
ب - والنور المبين والشفاء النافع.

ج2 - معنى لفظة «يُفْلِحُ» هو:
أ - الفوز والنجاح.
ب - الظفر والسعادة

ج3 - المذهب الذي يقول: «بجواز التكليف بما لا يطاق» هو:
أ - مذهب الأشعري.

ج4 – كان يعرف انقضاء سورة:
أ - بنزول بسم الله الرحمن الرحيم.
ب - حتّى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

ج5 - حروف المد الثلاثة، هي:
ب - الألف والواو والياء.

ج6 - القائل: «أدبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءة القرآن» هو:
أ - الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ج7 – تكملة قول الإمام الصادق (عليه السلام): «اقرؤوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم،...................: هي:
ج - فانها سورة الحسين (عليه السلام).

ج8 – ما هو حكم مسّ الضمائر العائدة الى ذات الباري تعالى كالضمير في جملة «بسمه تعالى»؟
ب - ليس للضمير حكم لفظ الجلالة.

ج9 – القائل: «فلا تكونوا من طلاّب الدنيا، وكونوا طلاّباً للآخرة» هو:
ج سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).

ج10 – القائل: «حفظ القرآن الكریم نعمة كبیرة» هو:
ب - الامام الخامنئي (دام ظله).


 


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد (9):

 

أفقياً:
1 - الطيور التي حطمت جيش أبرهة هي: طيور أبابيل.
2 - السورة التي تسمى بسورة «المودة» هي: الممتحنة.
3 - اسم مركب وصفة ليوم القيامة هي: يوم الفصل.
4 - القوم الذين كان نبيهم صالحاً (عليه السلام) هم: قوم ثمود.
5 - سورة ذكرت فيها «إذا» (12 مرة) في بداية (12 آية) منها هي: التكوير.
6 - السوة التي تسمى بالجامعة هي: الشعراء.
7 - قوم كانوا يسجدون للشمس هم: قوم سبأ.
8 - معنى كلمة الزرع هي: الحرث.
9 - تكملة لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ... ﴾ لِبَاسًا.
10 - تكملة لقوله تعالى: ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ ... ﴾ سَرَابًا.


عاموديَّاً
1 - المرأة التي تضع الأشواك على طريق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي: أم جميل.
2 - أغنى الناس في بني اسرائيل هو: قارون.
3 - سورة من السور التي تسمى بأسماء الأنبياء هي: نوح (عليه السلام).
4 - كلمة بدأت بها أولى الآيات المنزلة هي: اقرأ.
5 - معنى كلمة «سلطاناً» هو: حجة.


ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.

عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت: 278845/01 - النويري: 663914/01 - كيفون: 270158/05
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - الغسانية: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

08-01-2014 | 10-13 د | 7247 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1604079 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2018-12-05 الساعة: 09:03 بتوقيت بيروت