تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد الرابع والتسعون
نافذة من السماء، العدد الرابع والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد العشرون
نافذة من السماء، العدد الثالث والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
نافذة من السماء، العدد التاسع عشر
جديد مكتبات موقع جمعية القرآن الكريم
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1438 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون

العدد الواحد والعشرون ـ السنة السابعة

العدد الواحد والعشرون ـ السنة السابعة ـ ذو الحجة ١٤٣٨هـ، أيلول ٢٠١٧ م

مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

 
 

 

- الافتتاحية: القرآن الكريم طريق السعادة.

- القرآن والقادة: بحث الإمام الخميني {حول التوحيد والفطرة.

- القرآن والقادة: واحدة من كلمات الإمام الخامنئي} في عيد الغدير.

- القرآن والقادة: بالاخلاص يقبل العمل وننتصر.

- التفسير والبيان: العمل الصالح المبني على الايمان هو المطلوب.

- مفردات قرآنية: سورة الأنبياء مكيّة وعددُ آياتِها مئة واثنتا عشرة آية (١١٢).

- الأمثال في القرآن: آكل الربا كالمصروع من خبط الشيطان.

- علوم قرآنيَّة: شبهات القائلين بالتحريف.

- مناهج التفسير: مناهج واتجاهات تفسير القران الكريم.

- قصص قرآنيَّة: قصة ذي القرنين (عليه السلام) في القرآن والحديث.

- القرآن في نهج البلاغة: أَهْلُ اَلْبَيْتِ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ.

- الأخلاق في القرآن: معطيات وبركات التّوبة.

- الجهاد في القرآن الكريم: لزوم جهاد النفس والأعداء والظلمة.

- استفتاءات قرآنية: لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله).

- مفاهيم قرآنيّة: التقوى في القرآن الكريم.

- تجويد القرآن: بعض أحكام والطرق الواجب اتباعها لحفص عن عاصم.

- أشهر القرّاء المبدعين: محمود خليل الحصري (من جمهورية مصر العربية).

- مقابلة العدد: مع القارئ والمدرِّس الإيراني وحيد خزاعي.

- حوارات قرآنية: مع فاطمة عباس عطية حافظة لكامل القرآن الكريم.

- حفظ القرآن: مسائل يحتاجها عشاق حفظ القرآن الكريم.

- المرأة في القرآن: دور المرأة في الجهاد على ضوء القرآن.

- كلام أهل البيت (عليهم السلام): في القرآن.

- نباتات ذكرت في القرآن.

- حيوانات ذكرت في القرآن.

- أنشطة الجمعية.

- مسابقة العدد.

 

    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 

يقول سبحانه: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾. صدق الله العلي العظيم

لا يختص القرآن الكريم في موضوعاته بأمة من الأمم كالأمة العربية مثلاً، كما لا يختص بطائفة من الطوائف كالمسلمين، بل يوجه خطابه إلى غير المسلمين كما يتكلم مع المسلمين. فالقرآن كتاب عالمي ودليلنا على هذا، الخطابات الكثيرة الموجهة في القرآن إلى الكفار والمشركين وأهل الكتاب واليهود وبني إسرائيل والنصارى.. احتج مع كل طائفة من هذه الطوائف ودعاهم إلى معارفه الحقة والتدبر في آياته الكريمة. القرآن احتج مع كل هذه الطوائف ودعاهم إلى الدين من دون أن يخصص الخطاب بالعرب وحدهم، فقال لعبّاد الأصنام: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾. وقال لأهل الكتاب: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾.

فإننا نرى أن الله تعالى لم يوجه الخطاب في هذه الآيات الكريمة وما أشبهها بقوله «فان تاب مشركو العرب» أو «يا أهل الكتاب من العرب» وامثال ذلك مما يختص بفئة معينة. نعم في بدء الإسلام ـ حيث لم تنتشر بعد الدعوة الإسلامية ولم تخرج من إطار الجزيرة العربية ـ كانت الخطابات موجهة إلى العرب، أما من السنة السادسة للهجرة حيث انتشرت الدعوة وتجاوزت الجزيرة العربية فلم يبق مجال لتوجيه الخطاب إلى أمة خاصة. بالإضافة إلى الآيات السابقة، فهناك آيات أخرى تدل على عموم الدعوة، كقوله تعالى: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾. وقوله: ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ﴾. ومن الوجهة التاريخية نرى أن كثيراً من عبدة الأصنام واليهود والنصارى لَبَّى دعوة الإسلام كما أسلمَ أيضا جماعة من قوميات غير عربية كسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وأضرابهم.
 

جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والإرشاد

 

    الافتتاحية

طـــريــــق السعــــــادة
 



اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالِميْنَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّد وآلِهِ الطَّيِبيْنَ الطّاهِرِيْنَ.

يقول سبحانه: ﴿
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (١).

ذكر المفسرون قولين بخصوص المقصود من كلمة (روح) في هذه الآية:

الأوّل: إن المقصود هو القرآن الكريم، لأنّه أساس حياة القلوب وحياة جميع الأحياء، وقد اختار هذا القول أكثر المفسّرين (٢).

ويقول الراغب في مفرداته: سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ وذلك لكون القرآن سبب للحياة الأخروية.

وهذا المعنى يتلاءم بشكل كامل مع القرائن المختلفة الموجودة في الآية مثل عبارة (كَذَلِكَ) التي تشير إلى قضية الوحي، وعبارة: ﴿
أَوْحَيْنَا ﴾ وعبارات اُخرى بخصوص القرآن وردت في نهاية هذه الآية.

وبالرغم من أن (روح) وردت غالباً بمعاني اُخرى سائر آيات القرآن، إلاّ أنّه ـ وفقاً للقرائن أعلاه ـ يظهر أنّها وردت هنا بمعنى القرآن.

كذلك قوله تعالى: ﴿
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ (٣) أن كلمة (روح) في هذه الآية، وفقاً للقرائن، وردت بمعنى (القرآن والوحي والنبوة) وفي الحقيقة فإن هاتين الآيتين تفسر إحداهما الأُخرى.

فكيف يمكن للقرآن أن لا يكون روحاً في حين إنّنا نقرأ في الآية من سورة الأنفال قوله سبحانه: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ (٤).

التّفسير الثّاني: أنّ المقصود هو (روح القدس) (أو ملك أفضل حتى من جبرائيل وميكائيل وكان يلازم النّبي دائماً).
 

ووفقاً لهذا التّفسير فإن (أوحينا) تكون بمعنى (أنزلنا) يعني أنزلنا روح القدس عليك، أو ذلك الملك العظيم (بالرغم من أنّنا لم نر كلمة (أوحينا) لهذا المعنى في الآيات القرآنية الأُخرى). ويؤيد ذلك بعض الروايات المذكورة في مصادر الحديث المعروفة، ولكن ـ كما تبين ـ فإن للتّفسير الأوّل ملائمة مع الآية لوجود القرائن المتعددة، لذا يمكن أن تكون مثل هذه الرّوايات التي تفسر الروح بمعنى روح القدس أو الملك المقرب من الخالق، إرشادًا إلى المعنى الباطني للآية.

على أية حال، فإن الآية تضيف: ﴿
مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾.
 

فهذا هو اللطف الإلهي الذي شملك أنزل عليك هذا الوحي السماوي وآمنت بكل ما يحتويه.

فالإرادة الإلهية كانت تقتضي أن يهدي عباده الآخرين في ظل هذا النور السماوي، وأن يشمل مشارق الأرض ومغاربها، بل وجميع الأزمان والأعصار حتى النهاية ـ إضافة إلى هدايتك أنت إلى هذا الكتاب السماوي الكبير وتعليماته العظيمة والرفيعة.

بعض المنحرفين فكرياً كانوا يتصورون أن هذه الجملة تبيّن أن الرّسول لم يكن يؤمن بالله قبل نبوته، في حين إن معنى الآية واضح، حيث إنّها تقول: إنّك لم تكن تعرف القرآن قبل نزوله ولم تكن تعرف تعليماته وتؤمن به وهذا لا يتعارض أبداً مع اعتقاد الرّسول التوحيدي ومعرفته العالية بأصول العبادة لله وعبوديته له.

والخلاصة، إن عدم معرفة محتوى القرآن يختلف عن موضوع عدم معرفة الله.

فحياة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مرحلة النبوة والواردة في كتب التاريخ، تعتبر دليلا حياً على هذا المعنى. والأوضح من ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وقد قرن الله به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره» (٥).

ثم يقول سبحانه في نهاية الآية: ﴿
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾.

فالقرآن نور للجميع وليس لك فحسب، وهو وسيلة لهداية البشر إلى الصراط المستقيم، وموهبة إلهية عظيمة بالنسبة للسائرين على طريق الحق، وهو ماء الحياة بالنسبة للعطاشى كي ينتهلوا منه.

وقد ورد نفس هذا المعنى بعبارة اُخرى في الآية (٤٤) من سورة فصلت حيث تقول الآية: ﴿
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾.

ثم تقول الآية مفسرة للصراط المستقيم: ﴿
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾.

وهل هناك طريق أكثر استقامة من الطريق الذي ينتهي بخالق عالم الوجود؟
 

وهل هناك أحسن من هذا الطريق؟

فالسعادة الحقيقية هي السعادة التي يدعو إليها الخالق، والوصول إليها يجب أن يكون عبر الطريق الوحيد الذي انتخبه الباريء لها.

إنَّ القرآن الكريم طريق السعادة الوحيد كتاب حي، نزل من عند الله الحي القيوم المهيمن عليه، وهو ليس كتاباً كسائر الكتب، إنما فيه ما يحتاج بنو البشر بتوفيق الله الذي أرسل الكتاب فهو الرقيب والشاهد عليه، وهو الذي يقلب القلوب والأبصار، وهو الذي يبعث النور الى الأفئدة ليفهم الناس القرآن.

إنه وحي متصل غير منفصل عن مصدره، إذ لا يزال يتنزّل ولا يزال القلب المؤمن المستضيء بنور الإيمان وضياء الرحمن يتلقاه من منبعه المقدس.
 

ومن هنا نفهم أن كتاب الله ليس كسائر الكتب، وأن فضله عليها كفضل الله على خلقه. ومن هنا نستوحي فريضة توجهنا إلى البارئ عزَّ وجل حين تلاوتنا لكلام خالقنا، وأن نعرف من يخاطبنا. فالذي يحدثنا بوحي كلامه، رقيب وشاهد وبصير ومهيمن.

ولذلك كان من لم يؤمن بالقرآن، أو كان قلبه مليئًا بالحجب، كحجاب التكبر والحسد والحقد والحرص ممنوعاً من الوصول إلى القرآن بمعانيه، على الرغم من لقلقة لسانه بألفاظه وتنقل ناظريه بين حروفه. فهذا واقع من يعيش مع الحروف والكلمات والأشكال دون المحتوى والحقيقة.

ربنا سبحانه وتعالى حينما يصف كتابه يقول: ﴿
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾، وفي آية أخرى يقول عزَّ وجل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ حينما نقرأ هذه الآيات وتربطها ببعضها عند ذلك تتكشف لقلبك حقائق وآفاقٌ جديدة وفضائل فذّة من روح القرآن.
 

ثم الله يخاطب رسوله والإنسان بصورة عامة بقوله المجيد: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ﴾ إذ إن تلك الروح يؤطرها الكتاب، الذي هو نور وضياء، يهدي الله به من يشاء من عباده. فهو ليس لكل الناس، بل هو نور لمن يريد الوصول إلى الحقيقة وتطهير قلبه للوصول إلى سبيل السلام، حيث صراط الله العزيز الحميد.
 

رئيس التحرير


(1) - سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(2) - الطبرسي في مجمع البيان، الشيخ الطوسي في التبيان، الفخر الرازي في التّفسير الكبير المراغي في تفسير المراغي وجماعة آخرون.
(3) - سورة النحل، الآية: ٢.
(4) - سورة الأنفال، الآية: ٢٤.
(5) - نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢ الخطبة القاصعة.

 

    القرآن والقادة

 

بحث الإمام الخميني (قدس سره)
حول التوحيد والفطرة


معنى الفطرة:

اعلم أن المقصود من: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هو الحال والكيفية التي خلق الناس وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم. ولذلك «تخمّرت» طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهية كما سيتبيّن فيما بعد من الألطاف التي خصّ الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ إن الموجودات الأخرى غير الإنسان إمّا أنها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة وإما أن لها حظاً ضئيلاً منها.
 

وهنا لا بُدَّ من معرفة أن الفطرة، وإن فسرت في هذا الحديث (١) الشريف وغيره من الأحاديث بالتوحيد، إلاّ أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، وفي كل مرة تفسر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن هناك تعارضاً. والدليل على أن المقام كذلك هو أن الآية الشريفة تعتبر «الدين» هو «فطرة الله» مع أن الدين يشمل التوحيد والمبادىء الأخرى.

وفي صحيحة عبد الله بن سنان فسرت الفطرة على أنها تعني «الإسلام». وفي حسنة زرارة فسرت بالمعرفة، وفي الحديث المعروف: «كلّ ُ مولودٍ يولَدُ على الفِطْرَةِ» جاءت في قبال «التهوّد» و«التنصّر» و«التمجّس». كما أن الإمام الباقر (عليه السلام) في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة. وعليه، فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المبادىء الحقة هي من الأمور التي فَطَرَ الله تعالى الإنسان عليها.
 

في تحديد أحكام الفطرة:

لا بُدَّ أن نعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان. من ناحية أنها من لوازم الوجود وقد تخمّرت في أصل الطبيعة والخلقة. فالجميع، من الجاهل والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي، مجمعون على ذلك. وليس ثمّة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلّل إليها والإخلال بها. إن اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات، التي توجب وتسبّب الخلاف والاختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها مثل هذا التأثير أبداً في الأمور الفطرية، كما إن اختلاف الإدراك والأفهام قوة وضعفاً لا تؤثر فيها. وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من أحكام الفطرة ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطرية. ولذلك تقول الآية: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢). أي أنها لا تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس. ويقول تعالى أيضاً: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣)، أي لا يغيّره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير العادات وغيرها.

ولكن مما يثير الدهشة والعجب أنه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن الأمور الفطرية، من أول العالم إلى آخره، فإن الناس يكادون أن يكونوا غافلين عن أنهم متفقون، ويظنون أنهم مختلفون، ما لم ينبههم أحد على ذلك، وعند ذلك يدركون أنهم كانوا متفقين رغم اختلافهم في الظاهر كما سيتضح ذلك فيما يأتي من البحث إن شاء الله. وهذا ما تشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: ﴿
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).

فيتضح مما سبق ذكره أن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي. إذ لا يوجد في جميع الأحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا. وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضاً يجب أن تكون من أوضح الضروريات. فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها، وجب أن يكون من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات: ﴿
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
 

الدين من الفطرة:

اعلم أن المفسرين، من العامة والخاصة، فسّروا كلٌ على طريقته، كيفية كون الدين أو التوحيد من الفطرة. ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وإنما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الشاه ابادي) الذي هو نسيج وحده في هذا الميدان. فقد أشار أن بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في بعض كتب المحققين من أهل المعارف، وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر.

إذاً، لا بُدَّ أن نعرف أن من أنواع الفطرة الإلهية ما يكون على «أصل وجود المبدأ» تعالى وتقدس ومنها الفطرة على «التوحيد» وأخرى على «استجماع ذات الله المقدسة لجميع الكمالات» وأخرى على «المعاد ويوم القيامة» وأخرى على «النبوة» و«وجود الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية». وهذه الأمور بعضها من الفطرة، وبعضها من لوازم الفطرة. فالإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة، هو الدين القيّم المحكم والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية. ولسوف نشير إلى بعض منها مما يتناسب والحديث الشريف، طالبين التوفيق من الحق تعالى (٥).


(1) - عن زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله: «فطرت الله التي فطر الناس عليها» قال: فطروا على التوحيد.
(2) - سورة الروم، الآية: ٣٠.
(3) - سورة الروم، الآية: ٣٠.
(4) - سورة الروم، الآية: ٣٠.
(5) - كتاب: التوحيد والفطرة، للإمام الخميني (قدس سره).

 

   القرآن والقادة

 

واحدة من كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله)
في عيد الغدير


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين، سيما بقية الله في الأرضين.

قال الله الحكيم في كتابه: ﴿
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ (١).
 

إنه ليوم جد عظيم وكريم، أشكر الله أن منَّ بتوفيقه وعنايته للاجتماع بكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء في يوم عيد الغدير المبارك وتحت ظلال المرقد الطاهر لسيدنا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وإحياء عيد الغدير. أبارك عيد الغدير السعيد لكم جميعاً أيها الأعزاء، ولكل الشعب الإيراني العظيم ولكافة الشيعة والمسلمين في العالم.
 

أحيي شعبنا العزيز طوال هذا العام والعام الماضي الذكرى المباركة للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان من شأن هذين العامين الذين أخذا اسمي «سنة الإمام علي» و«سنة السلوك العلوي» أن تتوجّه فيهما القلوب أكثر نحو تلك الكعبة المحبوبة في قلوب العارفين وطلاّب العدالة في العالم.

أرى لزاماً عليّ هنا وفي مطلع حديثي أن أشير باختصار إلى مفهوم الغدير. ينبغي عدم النظر لحادثة الغدير التاريخية العظيمة التي نعيّد فيها اليوم بعين الذكرى الطائفية وحسب. الغدير في معناه الحقيقي لا يختص بالشيعة. مع أن الشيعة يعيّدون في هذا اليوم بتنصيب مولى المتقين في مقام الإمامة والولاية، ويشكرون الله تعالى على ذلك، لكن يوم الغدير في حقيقته امتداد لخطّ جميع الرسالات الإلهية، وذروة هذا الخط النيّر الساطع على مرّ التاريخ. لو نظرنا إلى مضمون الرسالات الإلهية لوجدنا أن هذا الخط النيّر قد تنقّل على امتداد تاريخ النبوات والرسالات من يد إلى أخرى، إلى أن وصل إلى النبي الأكرم الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتجسّد وتبلور في نهاية حياة ذلك الإنسان العظيم على شكل حادثة الغدير.
 

هنا، أرى من الضروري الإشارة إلى أهمية دعاء الندبة، وهو في الحقيقة خُطبة غرّاء تفصح عن معتقدات الفرقة الإمامية الشيعية وآمالها وشكايتها على مرّ التاريخ. لو نظرتم لوجدتم هذا الخط الوضّاء منذ بداية دعاء الندبة: «الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك» (٢). إنه خط منير يتواصل منذ بدء تاريخ الرسالات إلى حقبة النبوة الخاتمة. مضمون الرسالة وهي عبارة عن دين الله، هو في الحقيقة صياغة وتوجيه كافة المساعي الإنسانية. الدين معناه صراط الحياة، لو نظرتم إلى مجتمع إنساني أو بلد معين، لرأيتم الأفراد في ذلك المجتمع ينشطون بأشكال مختلفة لأجل متابعة قضاياهم الشخصية والعاطفية والمعيشية والعامة. الدين يوجّه كل هذه الأنشطة ويهديها ويهبُّ لمساعدة العقل الإنساني ليستطيع الإنسان تنظيم وتنسيق هذه الأنشطة بما يضمن له سعادته في الدنيا والاخرة.

الجهود التي يبذلها البشر بعضها يتعلق بقضاياهم الشخصية والتي تشكّل جزءاً صغيراً من الأنشطة الإنسانية - كالمعيشة والمعنويات والعواطف والعلاقات الشخصية بين الأفراد - على أن الجزء الأكبر من أنشطة الإنسان هي تلك التي تتفاعل في الساحة الاجتماعية وبمساع اجتماعية، وتسمى «السياسة».. السياسات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية، والسياسات العسكرية، والسياسات الثقافية، والسياسات المدنية، والسياسات الدولية. هذا ما يشكل الجزء الأكبر من جهود الإنسان في حياته. لماذا نقول الجزء الأكبر؟ لأن هذه السياسات تقود الأفراد في أنشطتهم الشخصية باتجاهات معينة. معظم مساعي الإنسان مساعٍ توجِّه عموماً أنشطته الشخصية والصغيرة باتجاهات معينة. يرتبط الدين بكلا المجالين.. مجال الجهود والممارسات الفردية للإنسان، ومجال السياسة الذي يعدّ ساحة جداً واسعة في حياة الإنسان.

ثمة آفتان تهددان التدين والسياسة. من آفات التدين أن يترافق تديّن المجتمع أو الشخص بالانحراف أو عدم المبالاة أو التحجّر أو الجمود أو نسيان دور العقل أو الانتقائية وما إلى ذلك. الآفة الأخرى من آفات التدين هو أن يقتصر الدين على الحياة الشخصية، وينسى المساحات الواسعة لحياة الإنسان والمجتمع الجماعية أو يسكت عنها ويمرّ بها مرور الكرام.
 

وهناك خطران يهددان السياسة: الأول أن تبتعد السياسة عن الأخلاق وتخلو من المعنوية والفضيلة. بمعنى أن تتغلب الشيطنة على الساسة، وتمسك الأهواء النفسية للأشخاص بالسياسة في قبضتها، وتستحوذ مصالح الطبقات القوية المتغطرسة الثريّة على السياسة وتجرّها هنا وهناك. إذا أصيبت السياسة بهذه الآفة فسوف تتعرض كل الساحة الإنسانية الاجتماعية للمعايب والآفات. والآفة الأخرى التي تهدد السياسة هي أن يستولي عليها أشخاص قصار النظر وضعفاء وذوو طباع صبيانية، ويخرجوا زمامها من الأيدي القوية، فتقع في أيدٍ غير كفوءة.
 

ما هو سبيل العمل؟ أفضل شكل وسبيل للعمل هو أن يكون على رأس السياسة وإدارة شؤون المجتمعات أشخاص تخلو سياستهم من هاتين الآفتين. أي يتولى إدارة شؤون المجتمعات أشخاص متدينون أصحاب معنويات وأفكار دينية راقية، وبمنأىً عن الانحراف والخطأ والانتقائية والاعوجاج في النظرة الدينية، وبمعزل عن التحجر والجمود والمراوحة في فهم الدين، ولا يتخذون الدين ألعوبة في حياتهم. وأن يكونوا من الناحية السياسية أشخاصاً كفوئين مدبرين شجعاناً لا يفصلون السياسة عن المعنويات والأخلاق والفضيلة. مثل هؤلاء الأشخاص إذا أمسكوا زمام أمور المجتمع بأيديهم عندئذ سيكون المجتمع مصوناً من معظم الأخطار التي تحدق به. ما هي ذروة هذه الحالة. الذروة هي عندما يكون إنسان معصوم عن الخطأ والاشتباه على رأس السلطة السياسية والدينية. هذا معنى الإمام.
 

الإمام المعصوم إنسان سامٍ، قلبه من الناحية الدينية مرآة تعكس أنوار الهداية الإلهية، روحه متصلة بينبوع الوحي، وهدايته هداية مخلصة، ومن حيث الأخلاق الإنسانية يكون سلوكه وأخلاقه متطابقاً مع الفضيلة مئة بالمئة، ولا سبيل لهوى النفس إليه، ولا يمكن للمعاصي أن تتغلب عليه، ولا تستطيع الشهوات والنزوات الإنسانية أن تهزمه، ولا يخرجه الغضب عن سبيل الله، ومن الناحية السياسية فإن بصيرته واسعة بحيث يرى بعينه الثاقبة حتى أهدأ التحركات وأصغر الأحداث في مسرح الحياة الاجتماعية - حيث قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: «وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلَى طُولِ اَللَّدْمِ» (٣). أي إنني لست ممن يمكن إنامتهم بالهدهدات - ويبدي عن نفسه أمام أحداث الحياة والوقائع العصيبة شجاعة واقتداراً روحياً ومعنوياً، لا قيمة لروحه عنده، لكنه يرى قيمة كبيرة لأرواح الناس، حتى الناس في المناطق النائية، وحتى النساء من الأديان الأخرى، ويقول إذا مات الرجل حزناً على هذا كان محقاً. كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يتصرف أمام الأخطار بشجاعة إلى درجة قوله إنه لم يكن بمقدور أحد الاصطدام بالفتنة التي فقأت عينها، ويقصد فتنة الخوارج أو فتنة الناكثين. تلك المعنويات والدين والأخلاق والفضيلة من ناحية، وتلك البصيرة العميقة والشجاعة والتضحية والعواطف الإنسانية الرقيقة إلى جانب الصلابة والقوة المعنوية والروحية من ناحية ثانية، كل هذا ناجم عن العصمة، فقد اختاره الله تعالى لمقام العصمة ولا سبيل للذنب أو الخطأ إلى أعماله، إذا كان مثل هذا الشخص على رأس المجتمع كان ذلك الذروة المنشودة من قبل جميع الرسالات، هذا هو معنى الغدير. لقد حدث مثل هذا الحدث في الغدير.
 

لا تنظروا للغدير كمجرد عملية تنصيب أو تعريف بسيط قام بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لشخص معين. طبعاً، قام الرسول بتنصيب الإمام علي أمير المؤمنين للخلافة أمام جماعة من المسلمين بلغت عشرات الآلاف، لا شك في هذا وهو ليس بالأمر الذي يرويه الشيعة فقط، فقد روى حادثة الغدير إخوتنا أهل السنة ومحدثوهم في كتبهم بنفس الخصوصيات التي رواها بها الشيعة. (٤) ليس هذا بالشيء الذي يمكن لأحد إنكاره، بيد أن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، المسألة هي أنه منذ زمن سيدنا آدم حيث ابتدأت سلسلة النبوات والرسالات، تشكلت الحكومات النبوية على مرّ التاريخ مرات ومرات - كحكومات الأنبياء سليمان وداود وآخرين من بني إسرائيل إلى زمان نبينا - وكان الموضع الذي تمازجت فيه السياسة بالدين تمازجاً بديعاً جزلاً وفي الذروة وعلى شكل سنّة باقية تضمن هداية المجتمع هو حادثة الغدير. لذلك نقرأ في دعاء الندبة الذي ذكرته: «فَلَمَّا انْقَضَتْ اَيّامُهُ اَقامَ وَلِيَّهُ عَلِىَّ بْنَ اَبي طالِبٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِما وَآلِهِما هادِياً اِذْ كانَ هُوَ الْمُنْذِرَ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (٥)، ما أحسن أن ندقق ونتأمل جيداً في المعارف تعرض علينا رخيصةً هكذا ببركة هداية أهل البيت (عليهم السلام). دعاء الندبة كما ذكرت خطبة غرّاء تعرض تاريخ هذا الفكر وجذور هذه الحركة خلال عهود الرسالات. لو دققتم لما شاهدتم أية نقطة مثيرة للخلاف بين الشيعة والسنة في هذا الدعاء، إنما تطرح قضية الإمامة والولاية بطريقة استدلالية علمية. «اِذْ كانَ هُوَ الْمُنْذِرَ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (٦)، أي إن للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مقام الرسالة والإنذار والتبشير، وهو البادئ بالطريق والفاتح لأفق جديد أمام البشرية.
 

لكن الرسول ليس شخصاً أبدياً دائماً، والمجتمعات بحاجة إلى من يهديها، وقد قدَّر الإسلام هذا الهادي: يتعاقب المعصومون في الأجيال المتعددة تلو بعضهم، ويمسكون بزمام الأمور، ويهدون المجتمع بالتعاليم القرآنية الأصيلة الخالصة طوال عدة أجيال وقرون، ويكرسون في الواقع جميع الأفكار والخصوصيات والسلوكيات والأخلاق الإسلامية في المجتمع الإسلامي. طبعاً تبقى بعد ذلك أيضاً حجةُ الله حَيّةً بين الناس، فالعالم والبشرية غير ممكنين من دون قيام حجّة، لكن البشرية كانت ستجد طريقها، وطبعاً لم يحدث هذا، هذا هو المشروع والخارطة العامة للإسلام وهذا هو معنى الغدير.
 

الإمامة معناها ذروة المعنى المنشود لإدارة المجتمع مقابل شتى الأنواع الأخرى لإدارة المجتمع النابعة من حالات الضعف والشهوات والنخوات والجشع البشرية. عرض الإسلام أسلوب الإمامة أو وصفة الإمامة للإنسانية، بمعنى أن يكون ثمة إنسان قلبه فائض طافح بالهداية الإلهية، وعارف فاهم للمعارف الدينية: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ (٧)، ولا تكون نفسه ومطامحه وحياته الشخصية مهمة بالنسبة له، بينما حياة الناس وأرواحهم وسعادتهم هي كل شيء عنده، وهذا ما أثبته الإمام علي (عليه السلام) عملياً خلال أقل من خمسة أعوام من استلامه الحكم، إنكم تلاحظون أن فترة أقل من خمسة أعوام من حكم الإمام علي (عليه السلام) لا تزال بعد قرون طويلة من الزمن تتألق خالدةً كنموذج ومثال وشيء لن تنساه البشرية أبداً، هذه هي نتائج ودروس ومعاني وتفسير حادثة الغدير.
 

لقد وجّهنا المجتمع وقلوبنا لمدة سنتين اتخذتا عنوان الإمام علي (عليه السلام) نحو عظمة هذا المقام الشامخ وهذا الوجه الخالد في التاريخ، لكن هذا لا يعني أنه إذا انتهى هذا العام - وهو عام ٨٠ - فلن يعود من اللازم علينا التأسي بالسلوك العلوي والاستلهام من حياة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن تاريخ استهلاك هذه الأمور قد انقضى، كلا، إننا بحاجة للنظر إلى ذلك النموذج والخط والعلاقات التي كانت في حياة الإمام علي (عليه السلام) في كل لحظة من لحظات حياتنا، والاستلهام منها وتقليل المسافة بيننا وبينه تدريجياً وبقدر الإمكان.
 

أكبر خطر على نظام ودولة مثل نظامنا ودولتنا قامت على اسم الإسلام هو أن ننسى أن مثال دولتنا هو الإمام علي (عليه السلام)، وننظر للنماذج الدارجة في العالم والتاريخ ونقارن أنفسنا بها، أو ننظر لنماذج الحكم المنحرفة التي أضرت بالإنسانية دوماً وعلى مرّ التاريخ، وإذا كانت قد تقدمت في جانب من حياة الإنسان، فلقد أضرت بجانب آخر أضراراً لا تعوَّض. ينبغي أن تنصب همم الجمهورية الإسلامية على الاقتراب من ذلك النموذج الذي أُعلن عنه في الغدير وتجسّد عياناً خلال خمسة أعوام من حكم الإمام علي (عليه السلام). لو دققنا لوجدنا أن حروب الإمام علي (عليه السلام) خلال هذه الفترة القصيرة كانت كلها من أجل الحؤول دون مسخ الإمامة والولاية الإسلامية إلى تلك الأشكال المنحرفة.. تبديل الإمامة إلى ملكية وراثية، وتحويل دولة المعرفة إلى دولة الجهل، وتبديل الحكم القائم على تجاهل المصالح الشخصية إلى حكم يقف على رأسه أشخاص يفكرون أكثر ما يفكرون بمصالحهم الشخصية وجمع المال والمنال الدنيوي.
 

إذا أردنا في العصر الراهن أن نحقق في إطار الجمهورية الإسلامية سعادة هذا البلد وأن يصل شعبنا الإيراني العزيز إلى آماله ومناه المشروعة بالقدرات التي أودعها الله تعالى في جوهر هذا البلد وهذا الشعب، فيجب متابعة هذا الخط واستلهام ديننا ودنيانا عن تلك الدولة والنموذج.. السياسة غير الملوثة بالأغراض والنزوات والشهوات.. السياسة المستلهمة عن الدين والأخلاق، سياسة يتم فيها ترجيح مصالح الشعب العامة على المصالح الشخصية والفئوية والقومية ومصالح الأجانب الذين يريدون العالم كله لهم، سياسة تُضمن فيها دنيا الناس وحياتهم ومعيشتهم إلى جانب عزتهم واقتدارهم الوطني وسمعتهم العالمية وثقافتهم السامقة، وتطورهم العلمي، ورفعتهم المعنوية، واحترامهم للفضيلة والدين والأخلاق. هذا ما نحتاج إليه اليوم وهو ما يتم تأمينه من قبل حكّام وساسة يتولون المسؤوليات ويتابعون الأعمال وفقاً لرغبة الشعب وانتخابهم وإرادتهم وعواطفهم الفياضة وعقائدهم. هذا سيكون النموذج الكامل. إذا تابعنا في الجمهورية الإسلامية هذا الخط وهذا الطريق - وهذا الأمر ممكن بتوفيق من الله، وقد أحرز المسؤولون طوال هذه الأعوام الثلاثة والعشرين التجارب والنماذج اللازمة له، ويبدي أبناء الشعب رغبتهم فيه - عندها سيرضى الله، ويثق الشعب أكثر، ويتضاعف اقتدار النظام.
 

طبعاً، في السنتين الماضيتين وخصوصاً في السنة الجارية - وهي سنة السلوك العلوي - أنجزت ببركة اسم الإمام علي (عليه السلام) في هذا البلد أنشطة باتجاه الاقتراب من ذلك النموذج المتألق، ومن نماذج ذلك مكافحة الفساد الاقتصادي. وقد أبدت مكبرات الإعلام من كل أنحاء العالم وباستغراب كبير، حساسيةً بالغةً إزاء توجّه نظام الجمهورية الإسلامية هذا، وأثبتت لنا بغضبها أكثر فأكثر أن هذا الاتجاه هو الاتجاه الصحيح، مكافحة المفاسد الاقتصادية والعبث ببيت المال وعدم الالتزام المالي كانت من أول الخطوط في برامج الإمام علي (عليه السلام)، يجب علينا في نظام الجمهورية الإسلامية أن نفخر بأننا نتابع هذا الدرب ونسير فيه.
 

يقول بعضهم إنكم حين تقولون مكافحة الفساد الاقتصادي سيكون معنى ذلك توجيه الاتهامات للمدراء والمسؤولين المخلصين الدؤوبين في النظام! لا، هذا خطأ. لو كان الفساد راسخاً في أجهزة النظام المختلفة لما طرح أساساً أسم مكافحة الفساد ولا فكرتها، إنما المكافحة موجهة ضد الحالات العارضة والطارئة والمفروضة على النظام. الدليل على سلامة النظام هو أنه حينما تطرح فكرة مكافحة المفاسد الاقتصادية ينزل إلى الساحة المسؤولون رفيعو المستوى والمدراء الذين يأتون من بعدهم بكل شوق واندفاع حقيقي، معنى ذلك أن النظام استطاع بفضل الخالق تعالى وببركة الإسلام واسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) متابعة طريقه الأصلي العام على جادة الصلاح والسداد، أي نهر نظيف سليم يمكن أن تصبّ فيه بعض التيارات الملوثة هنا وهناك، ونحن نروم أن نحول دون ذلك، مدراء النظام الكبار ومسؤولوه يفرحون لمكافحة الفساد ككل أبناء الشعب، أعداء هذا الشعب والذين يريدون لنا أن لا نخوض هذه المكافحة لكي يستشري الفساد في المجتمع، يحملون مكافحة الفساد على أن المجتمع أصبح فاسداً، كلا، إننا في نظام الجمهورية الإسلامية نكافح أموراً أصبحت في الكثير من الأنظمة العالمية عرفاً وحالة دارجة، الفساد هناك راسخ ومتجذر، مكافحة الفساد خطوة وسلوك علوي وتحتاج إلى الحسم العلوي، والمسؤولون عن هذه المكافحة يجب عليهم بفضل من الله وباستلهام سيرة الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبدوا عن أنفسهم هذا الحسم وسوف يبدونه.
 

من أجل الجد والسعي في سبيل تحسين حياة المحرومين في المجتمع وهو بدوره من الخطوط الأصلية في النهج العلوي، أنجزت هذا العام - وهو عام السلوك العلوي - أعمال معينة. طبعاً، يقوم المسؤولون بالكثير من الأعمال لكنهم لا يغطونها إعلامياً، وهذا شيء حسن. نعتقد أن الوعود يجب أن لا تذكر إعلامياً، ينبغي عدم تضخيم عبارات «سوف نفعل» بالطبع، يجب أن يعلم الناس أن الأجهزة في صدد مثل هذه الأعمال، وعلى المسؤولين أن يذكروا للناس ما يحصل ويتحقق، وفي هذا المجال أيضاً لا يزال إعلامنا للأسف ناقصاً إلى حد كبير: المساعي التي بذلت هذه السنة في الحكومة والأجهزة المختلفة لتوفير فرص العمل كانت نموذجاً من هذه الأنشطة السائرة في اتجاه السلوك العلوي، هذه المساعي غير كافية طبعاً. لقد أكدت على الإخوة والمسؤولين في شتى الأقسام التنفيذية والحكومية وقلت لهم إن العمل يجب أن يتواصل حتى يؤتي نتائجه وتظهر آثاره في حياة الناس، بيد أن الانطلاق في العمل والبدء به يعدّ بحدّ ذاته حالة مباركة ومغتنمة.

هذه الخطوات طبعاً من البرامج العادية للحكومة، على أن تصاعد هذه الحركة وتميّز الأنشطة من خيرات عام السلوك العلوي ونتمنى أن تصل الأنشطة إلى نتائجها المنشودة إن شاء الله.
 

السير في هذا الطريق له أعداؤه ومعرقلوه، العدو الأكبر لهذا الطريق هو العدو الذي في داخلنا وهو: طلب الراحة، والغفلة، والكسل، والتقاعس، وتجنب الميادين الصعبة، إنه طريق يحتاج إلى الجد والجهد والجهاد، الميول البشرية المنحرفة - الميل نحو الأموال، والاحتكارات في الحياة، ومختلف أنواع الشهوات - هي عقبات هذا الطريق، وعلينا نحن المسؤولين والإخوة والأخوات مدراء الأقسام والمؤسسات المختلفة في البلاد أن نعوذ بالله تعالى ونراقب أنفسنا ونذكر بعضنا، هذا العدو الداخلي أخطر طبعاً من العدو الخارجي.
 

ولهذا الطريق أعداؤه الخارجيون أيضاً. الأعداء الخارجيون هم الذين ينظرون فيجدون إيران الإسلامية تتحول إلى نموذج في العالم الإسلامي، وهم لا يريدون ذلك. يعلمون أنه لو استطاعت الجمهورية الإسلامية معالجة قضايا الحياة والمسائل المادية والمشكلات والعقد المختلفة - التي تعاني منها جميع البلدان بدرجات متفاوتة - ووفرت للجماهير حياة مزدهرة مرفهة، فسوف يتحرك المسلمون بحرارة وانجذاب أكبر نحو هذا النموذج. لذلك يخلقون الموانع والعقبات باستمرار، منذ سنوات وأعداؤنا في الخارج يخلقون العقبات علانية وبأشكال مختلفة للحؤول دون تطور إيران في الشؤون الاقتصادية.
 

طبعاً هذه العقبات لا يمكنها أبداً صدّ الشعب والحكومة والنظام المصمَّم القاطع والمسؤولين الشجعان الحاسمين عن مواصلة العمل. والآن، حيث جرّبوا سبلاً مختلفة للحؤول دون حركة الجمهورية الإسلامية وتقدمها ولم يحققوا نتائجهم، راحوا يهددون عسكرياً، معنى التهديد العسكري أن العراقيل المتنوعة التي اختلقوها طوال الأعوام من بعد الثورة الإسلامية لم تستطع أن تحقق لهم مقاصدهم.
 

طبعاً، أقول لكم إن التهديد العسكري أيضاً لا يستطيع تحقيق مقاصدهم لهم. أنا طبعاً سوف أتحدث بالتفصيل في المستقبل القريب بفضل من الله حول تصريحات رئيس جمهورية أمريكا وبيان المثقفين التابعين للنظام الاستكباري في هذا البلد، وسوف تسمعون إن شاء الله، وإذا بقيتُ على قيد الحياة، آراءنا في هذا المضمار، لا أروم الخوض حالياً في هذه القضية، ولكن إذا أردتم معرفة خلاصة القضية، فهي أن الساسة الأمريكان والمثقفين التابعين لهم، يطرحون حالياً في ممارساتهم وتصريحاتهم الحرب باعتبارها أمراً مقدساً، وذلك بخلاف كافة دعاواهم السلمية السابقة، ويطرحون المبادىء والقيم الأمريكية كونها أمراً مطلقاً ومقدساً، على العكس تماماً مما أذاعه إعلاميّوهم طوال الأعوام المتمادية حيث كانوا يقولون إننا نؤمن بالتعددية ونحترم معتقدات الناس، كانوا يزعمون دوماً أنهم أنصار السلام، وتدخلنا في المنطقة الفلانية إنما هو لأجل السلام، وعملنا في المكان الفلاني من أجل السلام، أما اليوم فقد وصل بهم الأمر إلى تقديس الحرب في تصريحاتهم، واعتبارها أمراً مقدساً، هذا خطؤهم الكبير الذي لا ينسى والذي يبطل كل مزاعمهم الماضية في أنظار الرأي العام العالمي، لا يفهمون أية خطوة خاطئة يفرضها عليهم هوى النفس، يقطعون هذه الخطوات الواحدة تلو الأخرى ويستمرون فيها، ويعرضون لأنفسهم وجهاً عسكرية حربياً عنيفاً في العالم سوف يدينهم عليه الرأي العام العالمي في الحاضر والمستقبل، ولا مفرّ أمامهم من ذلك.

يدعون إننا نناصر الديمقراطية ونظام الحكومة المستند إلى أصوات الجماهير، ومع ذلك يدعمون العديد من الحكومات التي جاءت للسلطة عن طريق الانقلاب، أو الحكومات الاستبدادية التي لم يشارك في تشكيلها حتى صوت واحد من أصوات الشعب، هذه فضيحة لهم أمام الرأي العام، من دون أن يفهموا ويدركوا ما الذي يفعلونه تأخذهم هذه الأخطاء المتعاقبة إلى طور جديد من الأخطاء، هذه مقدمة السقوط.
 

يخاطبون بوقاحة وبدون أن يعلموا ما الذين يتفوهون به، شعباً كبيراً ذا ثقافة وشجاعة، شعباً أثبت كفاءته طوال أعوام متمادية في ساحات عدة، ويقولون له عليك أن تكون تابعاً ضعيفاً حتى لا نعاديك ولا نهددك! إذا كان الشعب الإيراني مقتدراً ومستقلاً ومتحداً ومتلاحماً فلن يرضوا عنه، رضاهم أولاً في أن يختلف الشعب الإيراني داخلياً، وينهار تلاحمه ويشتبك أفراده فيما بينهم، ويسلب بعضه الشرعية عن الآخر لأسباب معينة، ويعود ذلك الآخر فيسلب بدوره الشرعية عن الفريق الأول. وثانياً في أن يرتبط البلد بأمريكا ويكون تابعاً لها كما هو حال بلدان أخرى في المنطقة ارتهنت شعوبها المسكينة لأمريكا نتيجة سوء سياسة حكامهم. وثالثاً في أن يكون الشعب الإيراني ضعيفاً من النواحي العسكرية والسياسية ولا يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه وحدوده، إذا كان هذا، عندها سيرضى رئيس جمهورية أمريكا عن شعب إيران.
 

وجوابنا هو أن الشعب الإيراني لن يتخلى ببركة الإسلام عن عزته واستقلاله وتلاحمه ووحدته التي أحرزها، ولا عن الطريق النيّر الذي اختاره، بالاعتماد على هذا التلاحم والوحدة والقوة الذاتية والوطنية، والتاريخ العريق والقيم الخالدة والصمود الإسلامي وبالاتكال على الله تعالى، سوف يواصل هذا الطريق، ويقف بوجه التهديدات، وهو يعلم أن من يريد تجريب سيفه في هذه الصخرة القوية فلن يكون لسيفه من مصير سوى الانكسار...
 

اللهم، بمحمد وآل محمد، لا تحرمنا ظلال الإمام الحسين وأهل البيت وظلال الغدير، ربنا وفّق الشعب الإيراني وأعزّه وارفع رأسه في جميع الميادين، وقصّر أيدي الأعداء عن هذا البلد يوماً بعد يوم، ربنا اكتب الذلّ على من يحملون النوايا السيئة لهذا الشعب، اللهم قرّب يوماً بعد يوم قلوب أبناء الشعب والمسؤولين والناشطين السياسيين من الحقائق ومن بعضها، اللهم اشملنا بدعاء ولي الله الأعظم سيدنا الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) واجعلنا من جنده الحقيقيين، اللهم بمحمد وآل محمد بارك هذا العيد السعيد، عيد الغدير، وهذا اليوم الكبير على شعب إيران. ربنا، بمحمد وآل محمد و بمناسبة هذا العيد السعيد منَّ على شعب إيران بعيديّة وبشارة حقيقية.
 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٨).


(1) - سورة المائدة، الآية: ٣.
(2) - مفاتيح الجنان: دعاء الندبة.
(3) - نهج البلاغة: الخطبة ٦.
(4) - لمزيد من الاطلاع يراجع كتاب «الغدير» للعلامة الأميني.
(5) - مفاتيح الجنان: دعاء الندبة.
(6) - م س.
(7) - سورة مريم، الآية: ١٢٧.
(8) - واحدة من كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في عيد الغدير في ٠٣/٠٣/٢٠٠٢م.

 

  القرآن والقادة

 

بالإخلاص يقبل العمل وننتصر

كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)


عندما نتحدّث عن العطاء، عن البذل، عن التضحية وعن الجهد، لا يجوز أن ننسى، على الإطلاق، من هم اليوم قمّة في العطاء والبذل والجهد والتضحية. قصدتُ أولئك الذين يبذلون دماءهم في سبيل الله، وفي سبيل الإسلام، وفي سبيل الأمّة، أعني: إخواننا المجاهدين.
 

نحن اليوم أكثر أملاً:

نشعر أننا أقرب من أي وقتٍ مضى من الأهداف الإلهية، ونحن اليوم أكثر أملاً من أيّ زمنٍ مضى. مع العلم أنه لم يكن هناك زمنٌ لا أمل لنا فيه. إنّ الله عزّ وجلّ يعلم أنّ قلوب المؤمنين المجاهدين لا تعرف اليأس، لأنّ القلب الذي يسكنه الله، والروح التي تتصل به تعالى، لا يمكن أن يتسلّل إليها يأسٌ على الإطلاق.

ولذلك، لم يكن هناك زمنٌ لا أمل لنا فيه. ولكننا اليوم أكثر أملاً من أي زمنٍ مضى. عندما نتطلّع حولنا نجد أنّ دماء مجاهدينا تُنتِج، وتُنجِز، وتنتصر وتستنهض، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى الجهاد المخلص والدامي الذي يباشره شبابكم وإخوانكم ليوث المقاومة الإسلامية. لكن نحن، يبقى علينا أن نحمل هذا العطاء لنوظّفه، لنكرّسه ونقوّيه.
 

مراقبة النفس وإخلاصها:

الله تعالى، أحياناً يُجري أموراً على يدي بعض عباده غير المخلصين وذلك لما فيه خير لهذه الأمة، ولهذا الإسلام. لذا، لا يكفي أن يُجريَ الله الخير على أيدينا لنظن أن هذا دليل تام على إخلاصنا، بل يجب أن نفتّش عن إخلاصنا بشكلٍ حثيثٍ ودقيق. إذا كنا حريصين على أن تكون الآثار عظيمةً لهذا الجهاد والتضحيات والعطاءات في الآخرة، يجب أن نُخلص لله عزّ وجلّ في ما نعمل. إنّ الله غيور، إنّ الله لا يقبل أيّ شريكٍ مهما كانت نسبةُ الشراكة محدودة وضئيلة. أن يعمل أحدنا عملاً صالحاً، هذا مهم. ولكن المشكلة هي: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ (١)، يعني يجب أن تكون العبادة، ويجب أن يكون العمل خالصاً لوجه الله عزّ وجلّ. هذا ما نحتاج أن نراقب أنفسنا فيه بدقة متناهية وبشكلٍ حثيث. لأننا، إن شاء الله، إنْ تمكنّا جميعاً من أن نُخلص النية في ما نعمل لله وحده، ستكون لنا هذه الآخرة الموعودة الطيبة، وسنُقبل على عالمٍ لا يوجد في اللغة ألفاظٌ وكلماتٌ قادرةٌ على أن تصفه، لذا، تُختصر الصورة كلّها بمقولة: «فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر».

ما نحتاجه هو هذا الإخلاص، صدقات المخلِصين أقوى أثراً، دماء المخلِصين أقوى أثراً، أعمال المخلصين أقوى أثراً... ولذلك القليل من العمل مع الإخلاص خيرٌ من الكثير من العمل بلا إخلاص. ما نحتاجه هو أن نُخلص لله عزّ وجلّ في ما نعمل ليقبل الله هذا العمل.

بالإخلاص ينصرنا الله:

إنّ هذه المقاومة هي مقاومته، عزَّ وجلّ. وعندما تصبح المقاومة مقاومته هو ينصرها وهو يُعينها وهو يؤيّدها وهو الذي يقاتل بها: ﴿
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ (٢)، وعندما تُخلص المؤسسة لله، تصبح المؤسسة إلهيةً، هو يرعاها، هو يحلّ مشاكلها، هو يُخرِجها من المآزق، هو يقوّيها ويفتح أمامها الآفاق.
 

إنسان إلهي:

وعندما يصبح الإنسان مخلصاً وخالصاً لله عزّ وجلّ يصبح إنساناً لله، أو كما يقول الإمام (قدس سره) يصبح إنساناً إلهياً، قلبه وعقله وعينه ويده وسمعه وكل ما فيه إلهيّ. الله يرعاه، الله ينصره، الله يؤيّده، الله يسدّده. ألم يعدنا الله ذلك في القرآن: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (٣) ما نحتاجه، إن شاء الله، هو هذا الإخلاص الموجود عند كثيرين.

وإن كانت الرتب والدرجات والعناوين والمقامات هي شؤون اعتبارية وليست حقيقية ولا قيمة لها، أسماءً نحن سمّيناها، ما أنزل الله بها من سلطان، لكن كلما نزلنا في الرتب وكلما اقتربنا من عموم الناس أكثر، وكلما اقتربنا من هؤلاء الشباب الذين يحملون البندقية والذين يقتحمون المواقع، سنجد الإخلاص بينهم، هؤلاء الذين يقضون ساعات وأياماً طويلة في المناطق المحتلة، هؤلاء أشدُّ إخلاصاً لله ولرسوله.
 

رضا الله من رضاهم:

كذلك كلما اقتربنا من عموم الناس، من آباء الشهداء، من أمهات الشهداء، من هؤلاء المستضعفين والفقراء، وأغلبهم الذين يعيشون في أحزمة البؤس، سنجده صافياً، فإذا كنتم تبحثون عن الإخلاص وعن النقاء، إذا كنتم تبحثون عن صدق الحب لله تعالى ولرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل بيت رسول الله (عليهم السلام) فتشوا في هؤلاء عن الإخلاص، الذين لا اسم لهم ولا عنوان ولا درجة لهم. لا يُمدحون ولا يُذكرون ولا يقف لهم الناس إذا دخلوا إلى المجالس. فتشوا في قلوب هؤلاء، وفي أرواحهم. هؤلاء هم المخلصون.
 

أوصي نفسي وإخواني بالإخلاص والعيش مع المخلصين والتقرّب من هؤلاء المخلصين والتعلّم منهم. يجب أن نعرف قيمتهم وأن نقدّرهم. يجب أن نحصل على القرب منهم، على رضاهم، لأنّ في رضاهُم رضا الله عزّ وجلّ وليس لأهداف دنيوية. ما أجمل أن تدعوَ لك أم شهيد، ما أجمل أن تقوم بعملٍ يبتسم له يتيم، هنا العظمة، هنا القرب من الله، هنا الطهارة، هنا الإخلاص، هنا الاستمرار.
 

نسأل الله عزّ وجلّ لنا ولكم جميعاً حُسن العاقبة والتوفيق لكل طاعةٍ وخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٤).


(1) - سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(2) - سورة الأنفال، الآية: ١٧.
(3) - سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.
(4) - من محاضرة ألقاها سماحته بتاريخ ٤/٢/١٩٩٥. مجلة بقية الله.

 

   التفسير والبيان

 

يقول تعالى في سورة العنكبوت:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
 

نقاط وتأملات:

بيّنت الآيتان السابقتان أن الإيمان والعمل الصالح يكفّر عن الذنوب، وأن المولى سبحانه يجزي المؤمنين أحسن الذي عملوا. وبالإضافة إلى الاحسان إلى الوالدين، والابتعاد عن الشرك، وهذه الآية تشير إلى أن أهل الإيمان والعمل الصالح هم في زمرة الصالحين.

مقام الصالحين مقام رفيع، حيث نقرأ في مكان آخر أن بعض الأنبياء كإبراهيم ويوسف (عليهما السلام) طلبوا من الله أن يلحقهم بالصالحين: ﴿
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (١)، وهذا يدل على رفعة شأن هذا المقام.
 

دروس وبصائر:

يجب أن يترافق الإيمان مع العمل: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ﴾.

العمل الصالح وحده لا يدخل الإنسان في زمرة الصالحين، بل العمل الصالح النابع من الإيمان بالله تعالى، وهذا ما يعطيه قيمة حقيقية: ﴿
وَالَّذِينَ آمَنُواْ ... لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴾، وهو العمل الصالح المبني على الإيمان.

ثمَّ قال تعالى: ﴿
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) ﴾.
 

نقاط وتأملات:

ورد في الآية الأولى من هذه السورة قوله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ ... ﴾، فهل تظنون أنكم تدّعون الإيمان من دون امتحان وبلاء، أما في هذه الآية فيتحدث عن نموذج من هذا الإيمان.

في الآية يعتبر أن أذية الكفار للمؤمنين فتنة وامتحاناً، ليقول للمؤمنين إن جميع المصائب والأذية والتهكم والتهم والعذاب الذي يصيبكم من قبل المخالفين هو نوع من الامتحان والبلاء.

المراد بالعالمين الجماعات من الإنسان أو الجماعات المختلفة من أولي العقل إنساناً كان أو غيره كالجن والملك، ولو كان المراد بالصدور والبواطن وهو بعيد (٢).
 

دروس وبصائر:

بعض الناس يظهرون الإيمان باللسان فقط وليس بالقلب: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾.

الإيمان يتبعه- أحياناً كثيرة- أذى الناس، لذلك يجب التحمل والصبر: ﴿
آمَنَّا ... أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾.

المؤمن مقاوم: ﴿
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا ﴾ (٣). غير أن المنافق لا يستطيع التحمل والمقاومة: ﴿ فَإِذَا أُوذِيَ ... جَعَلَ ... ﴾.

الإيمان الحقيقي يظهر عند الصّعاب: ﴿
فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾.

المنافق انتهازي يسعى وراء منافعه الشخصية فإذا انتصر المؤمنون عدّ نفسه منهم، وأصر على الاستفادة من المزايا والغنائم: ﴿
لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾.

إنّ التظاهر بالإيمان وإضمار النفاق والفكر لا ينفع عند الله سبحانه، لأن الله يعلم ما في الصدور وأخفى عن ذلك: ﴿
أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾.

ثمَّ قال سبحانه: ﴿
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) ﴾.
 

نقاط وتأملات:

بعدما بينت الآية السابقة كيف يتصرف المنافقون عند تقلب الأمور ويدعون بإصرار أنهم يؤازرون المؤمنين وأنهم معهم (عند النصر): ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾. لكن الله تعالى يؤكد في هذه الآية أنه يعلم الجميع: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾، وحرف «اللام» و «النون» الثقيلة في «ليعلمن» للتأكيد.

صحيح أن الله سبحانه يعلم الذين آمنوا ويعلم المنافقين ويعلم ما في الصدور والضمائر، مع ذلك يريد الله أن يميز بين المؤمنين والمنافقين بالفتنة والامتحان.
 

دروس وبصائر:

إذا علم الإنسان وتيقن أن الله سبحانه يعلم باطنه كما ظاهره، فيجب أن يخرج من حالة النفاق: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾.

واحدة من فلسفة الامتحان الإلهي التمييز بين صفوف الناس، بين المؤمنين والمنافقين: ﴿
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾.

ثمَّ قال عزَّوجل: ﴿
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) ﴾.
 

نقاط وتأملات:

المنحرفون يدعون المؤمنين إلى ارتكاب المعاصي ويشجعونهم على الانحراف، فيقولون لهم اتبعوا سبيلنا في الانحراف ونحن نحمل آثامكم وخطاياكم، في حين إنه لا يمكن لأحد أن يحمل وزر أحد آخر.

أسلوب الكفار الذين يحبون أن يضل المؤمنون عن جادة الصواب ويعودوا عن إيمانهم على عدة مراحل:

يمنعون المؤمنين ويردونهم عن إيمانهم بالأذية والصدّ: ﴿
يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (٤).

يردون المؤمنين عن إيمانهم بالحرب والقتال: ﴿
وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ (٥).

ج- يقولون لهم اتبعونا فقط: ﴿
اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ﴾، فإن فعلتم فلن تتعرضوا للأذى، ونحن نحمل آثامكم وخطاياكم: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾.

د- إذا لم تنفع جميع الأساليب الآنفة الذكر، عندها يميلون إلى المداهنة وتصبح أمانيهم أن يلين المؤمنون ويغضّوا الطرف عن التكاليف السماوية من أجلهم: ﴿
وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ (٦).
 

دروس وبصائر:

الأعداء لا يتركونكم ويعملون على تحقيق أهدافهم، ومنها صرفكم وصدّكم عن الدين، فالمسلم المؤمن عرضة للفتنة والعذاب الجسدي من قبل الكفار: ﴿ فِتْنَةَ النَّاسِ ﴾، وكذلك عرضة للهجوم الثقافي والتبليغي والحرب النفسية أيضاً: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ﴾.

إن الارتداد عن الإيمان إلى الشرك والكفر إثم كبير، والكفار يدّعون أنهم يستطيعون جبران هذا الاثم بحمله عنهم: ﴿
وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾.

في الرؤية الإسلامية للكون والوجود لا يمكن لأحد أن يحمل خطايا آخر: ﴿
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ (٧)، أما في عقيدة الآخرين وفكرهم فالأمر ليس كذلك: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾.

إنّ وعود الشيطان والكفار واهية ولا أساس لها: ﴿ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ ﴾، الشيطان أيضاً يأمر الإنسان بالكفر وارتكاب المعاصي، ولكن بعدما يكفر الإنسان يتبرأ الشيطان منه ومن عمله: ﴿
إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ ﴾ (٨) (٩).


(1) - سورة يوسف، الآية: ١٠١. والشعراء، الآية: ٨٣.
(2) - راجع تفسير الميزان، ح ١٦، ص ١٠٦.
(3) - سورة ابراهيم، الآية: ١٢.
(4) - سورة هود، الآية: ١٩. والأعراف،الآية: ٤٥.
(5) - سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
(6) - سورة القلم، الآية: ٩.
(7) - سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(8) - سورة الحشر، الآية: ١٦.
(9) - نفسير سورة العنكبوت: لسماحة الشيخ قراءتي.

 

   مفردات قرآنية

سورة الأنبياء مكّيّة وعددُ آياتِها مِئة واثنتا عشرة آية

فضل سورة الأنبياء:

روي عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل تلاوة هذه السورة أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حساباً يسيراً، وصافحه وسلّم عليه كلّ نبي ذكر اسمه في القرآن»(١).
 

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «من قرأ سورة الأنبياء حبّاً لها كان كمن رافق النبيّين أجمعين في جنّات النعيم، وكان مهيباً في أعين الناس حياة الدنيا» (٢).
 

إنّ جملة «حبّاً لها» مفتاح في الواقع لفهم معنى الرّوايات التي وصلتنا في مجال فضل سورة القرآن، وهي تعني أنّ الهدف ليس هو التلاوة وتلفّظ الكلمات فقط، بل عشق المحتوى، ومن المسلّم أنّ عشق المحتوى بلا عمل لا معنى له، وإذا ما ادّعى شخص أنّه يعشق السورة الفلانيّة، ويخالف عمله مفاهيمها، فإنّه يكذب. لأنّ القرآن كتاب عقيدة وعمل، والقراءة مقدّمة للتفكير والتدبّر، وهو مقدّمة للإيمان والعمل!.
 

الآيات من (١) إلى (٥):

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ﴾.
 

اللغة والبيان:

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ اقترب افتعل من القرب والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم يعني يوم القيامة كما قال «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» أي دنا وقت محاسبة الله إياهم ومسألتهم عن نعمه هل قابلوها بالشكر وعن أوامره هل امتثلوها وعن نواهيه هل اجتنبوها وإنما وصف ذلك بالقرب لأنه آت: (وكل ما هو آت قريب) ولأن أحد أشراط الساعة مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت أنا والساعة كهاتين». وأيضا فإن الزمان يقرب بكثرة ما مضى وقلة ما بقي فيكون يسيرا بالإضافة إلى ما مضى ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ من دنوها واقترابها ﴿ مُّعْرِضُونَ ﴾ عن التفكر فيها والتأهب لها وقيل عن الإيمان بها وتضمنت الآية الحث على الاستعداد ليوم القيامة ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم ﴾ يعني القرآن ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ أي محدث التنزيل مبتدأ التلاوة كنزول سورة وآية بعد آية ﴿ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ أي لم يستمعوه استماع نظر وتدبر وقبول وتفكر وإنما استمعوه استماع لعب واستهزاء وذكر أنَّ معناه يستمعون القرآن مستهزئين غافلة قلوبهم عما يراد بهم ﴿ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى ﴾ أي تناجوا فيما بينهم يعني المشركين وبالغوا في إخفائها ثم بين من هم فقال ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ أي أشركوا بالله ثم بين سبحانه سرهم الذي تناجوا به فقال ﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ أي أنه آدمي مثلكم ليس مثل الملائكة ﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أي أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر نفروا الناس عنه بشيئين (أحدهما) أنه بشر (والآخر) أن ما أتى به سحر، وقيل إن أسروا معناه أظهروا هذا القول فإن هذا اللفظ مشترك بين الإخفاء والإظهار والأول أصح ثم أمر سبحانه نبيه فقال ﴿ قَالَ ﴾ قل لهم يا محمد ﴿ رَبِّي ﴾ الذي خلقني واصطفاني ﴿ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي يعلم أسرار المتناجين لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ لأقوالهم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بأفعالهم وضمائرهم ﴿ بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ بل للإضراب عما حكى سبحانه أنهم قالوه أولا وللإخبار عما قالوه ثانيا أي قالوا: إن القرآن تخاليط أحلام رآها في المنام ﴿ بَلِ افْتَرَاهُ ﴾ أي ثم قالوا: لا بل افتراه أي تخرصه وافتعله ﴿ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ أي ثم قالوا بل هو شاعر وهذا قول المتحير الذي بهره ما سمع فمرة يقول سحر ومرة يقول شعر ومرة يقول حلم ولا يجزم على أمر واحد وهذه مناقضة ظاهرة، ﴿  فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ معناه فليأتنا بآية ظاهرة يستدركها الخاص والعام كما أتى بها الأولون من الأنبياء كآية مثل الناقة والعصا، وذِكْرُ أنهم اقترحوا بالآيات التي لا يكون معها إمهال وفي قوله سبحانه ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾ دلالة ظاهرة على أن القرآن محدث لأنه تعالى أراد بالذكر القرآن بدلالة قوله ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقد وصفه بأنه محدث ويوضحه قوله ﴿ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ ﴾.
 

محتوى السورة:

١ ـ إنّ هذه السورة كما تدلّ عليها تسميتها هي سورة الأنبياء، لأنّ اسم ستّة عشر نبيّاً قد جاء في هذه السورة، بعضهم بذكر نماذج وصور من حالاتهم، وبعضهم كإشارة، وهم: موسى ـ هارون ـ إبراهيم ـ لوط ـ إسحاق ـ يعقوب ـ نوح ـ داود ـ سليمان ـ أيّوب ـ إسماعيل ـ إدريس ـ ذو الكفل ـ ذو النون (يونس) ـ زكريا ـ يحيى (عليهم السلام)، وبناءً على هذا فإنّ عمدة البحوث المهمّة في هذه السورة تدور حول مناهج الأنبياء. وإضافة إلى هؤلاء الأنبياء، فإنّ هناك أنبياء آخرين لم تذكر أسماؤهم صريحاً في هذه السورة، لكن قد ورد الكلام حولهم، كرسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام).
٢ ـ إضافة إلى ما مرّ، فإنّ خاصية السور المكّية التي تتحدّث عن العقائد الدينيّة، وبالأخصّ المبدأ والمعاد، منعكسة تماماً في هذه السورة.
٣ ـ بحثت هذه السورة كذلك عن توحيد الخالق، وأنّه لا خالق ولا معبود سواه، وكذلك عن خلق العالم على أساس الهدف والتخطيط، ووحدة القوانين الحاكمة على هذا العالم، وكذلك وحدة مصدر ومنبع الحياة والوجود، وكذلك إشتراك الموجودات في مسألة الفناء والموت.
٤ ـ وتحدث جانب آخر من هذه السورة عن انتصار الحقّ على الباطل، والتوحيد على الشرك، وجنود الحقّ على جنود إبليس.
٥ ـ والذي يلفت النظر هنا أنّ هذه السورة تبتدىء بتهديد الناس الغافلين الجاهلين بالحساب الشديد، وتنتهي بتهديدات أُخرى في هذا المجال أيضاً.
إنّ الأنبياء الذين وردت أسماؤهم في هذه السورة، ذُكر تفصيل حياة ونشاطات بعضهم في سورة أُخرى، إلاّ أنّ التأكيد في هذه السورة كان أغلبه على أنّ هؤلاء العظام عندما كانوا يبتلون بالضائقات والمواقف الصعبة، كانوا يمدّون يد التوسّل والاستعانة نحو لطف الله وعونه، وكيف أنّ الله سبحانه كان يفتح أمامهم الطرق المغلقة، وينجّيهم من الدوامات وتلاطم أمواج البلايا. فإبراهيم حين اُبتلي بنار نمرود، ويونس حينما حلّ في بطن الحوت، وزكريا عندما رأى أنّ شمس عمره قد أوشكت على الغروب ولا خليفة له يكمل مسيره. كما أنّها تتكلّم على سائر الأنبياء عند وقوعهم في المشاكل الصعبة العسيرة (٣).


(1) - تفسير نور الثقلين: ج٣، ص٤١٢.
(2) - المصدر السابق.
(3) - المصادر الأساسية: مجمع البيان والأمثل وتفسير النور الثقلين.

 

  التمثيل  في القرآن



يقول سبحانه: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (١).
 

مفردات الآية:

(الربا) الزيادة كما في قولهم ربا الشيء يربو إذا زاد، والربا هو الزيادة على رأس المال، فلو أقرض أحد أحداً عشرة إلى سنة فأخذ منه في نهاية الأجل أكثر ممّا دفع فهو ربا إذا شرطه في العقد.

و (التخبّط) والخبط بمعنى واحد، وهو المشي على غير استواء، يقال: خبط البصير إذا اختلّت جهة مشيه، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: هو يخبط خبطة عشواء، أي يضرب على غير اتساق. وعلى هذا فالمراد من قوله: ﴿
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ ﴾ أي يخبطه الشيطان ويضربه، وبالتالي يصرعه.

و (السَلَف) أي الماضي يقال سلف يسلف سلوفاً، ومنه الأمم السالفة أي الماضية. وأمّا قوله: ﴿
مِنَ الْمَسِّ ﴾ فالظرف متعلق بيقوم، أي لا يقومون إلاّ كما يقوم المصروع من المسّ.
 

بيان وجه التمثيل: أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام من يخبطه الشيطان فيصرعه، فكما أنّ قيامه على غير استواء فهكذا آكل الربا. فالتشبيه وقع بين قيام آكل الربا وقيام المصروع من خبط الشيطان، وهنا سؤالان:

الأوّل: ما هو المراد من أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام المصروع؟
الثاني: ما هو المراد من كون الصرع من مس الشيطان؟
 

أمّا الأوّل: فقد اختلف فيه كلمة المفسرين على وجوه:

١ ـ ذهب أكثرهم إلى أنّ المراد قيامهم يوم القيامة قيام المتخبطين، فكأنّ آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فيعرفه أهل الموقف أنّه آكل الربا في الدنيا. وعلى ضوء هذا فيكون معنى الآية انّهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بمسٍّ.
 

٢ ـ إنّهم إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً ﴾ إلاّ آكلة الربا فانّهم يقومون ويسقطون، لأنّه سبحانه أرباه في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون. ويؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أُسري بي إلى السماء رأيت رجالاً بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء ياجبرئيل؟ قال: هؤلاء آكلة الربا.
 

٣ ـ إنّ المراد من المسّ ليس هو الجنون، وإن كان المسّ يستعمل فيه، بل المراد من تبع الشيطان وأجاب دعوته، كما هو الحال في قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ (٢)، وذلك لأنّ الشيطان يدعو إلى طلب اللّذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مسّ الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة يجرّه الشيطان إلى اتّباع النفس والهوى، وتارة تجرّه الفطرة إلى الدين والتقوى فتضطرب حياته ويسودها القلق. فلا شكّ أنّ آكل الربا يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً عليها، ولذلك تكون حياته الدنيوية حياة غير منظمة وعلى غير استواء.
 

وهناك وجه رابع ذكره السيد الطباطبائي (قدس سره) وهو: إنّ الإنسان الممسوس الذي اختلّت قوته المميزة لا يفرق بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، والخير والشر، فهكذا حال المرابي في أخذه للربا، فإنّ الذي تدعو إليه الفطرة أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه مما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه. وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة، فهذا شيء ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة، فإنّ ذلك ينجرّ من جانب المرابى إلى اختلاس المال من يد المدين وتجمّعه وتراكمه عند المرابي، فإنّ هذا المال لا يزال ينمو ويزيد، ولا ينمو إلاّ من مال غيره، فهو بالانتقاص والانفصال من جانب، والزيادة والانضمام من جانب آخر، وينجرّ من جانب المدين المؤدي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايداً لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة، وكلما زاد المصرف أي نما الربا بالتصاعد زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه وفي ذلك انهدام حياة المدين، فالربا يضادّ التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الاِلهية.

وهذا هو الخبط الذي يبتلى به المرابي كخبط الممسوس، فإنّ المراباة يضطره أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرّق بين البيع والربا، فإذا دُعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع، أجاب: إنّ البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع، ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم: ﴿
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾ (٣).
وهناك سؤال: وهو أنّه لماذا قيل البيع مثل الربا بل كان عليهم القول بأنّ الربا مثل البيع، لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب عليهم أن يشبهوا الربا بالبيع، لا على العكس.
والجواب انّهم شبهوا البيع بالربا لأجل المبالغة وهو انّهم جعلوا حلّية الربا أصلاً، وحلّية البيع فرعاً، فقالوا: إنّ البيع مثل الربا. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
 

وأمّا الأمر الثاني وهو كون الجنون معلولاً لوطأة الشيطان ومسّه، فنقول:

إنّ ظاهر الآية أنّ الجنون نتيجة تصرف الجن في المجانين، مع أنّ العلم الحديث كشف علّة الجنون وهو حدوث اختلالات في الأعصاب الإدراكية، فكيف يجمع بين مفاد الآية وما عليه العلم الحديث، وهذا من قبيل تعارض النقل والعقل؟ وأجاب عنه بعض المفسرين بأنّ هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامّة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين، ولا ضير في ذلك، لأنّه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأً غير مطابق للواقع.

حقيقة معنى الآية هو أنّ هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس، وأمّا كون الجنون مستنداً إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن، لأنّ الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده، أو على عبده المؤمن (٤).

وأجاب عنه السيد الطباطبائي (قدس سره) بأنّ الله تعالى أجلّ من أن يستند في كلامه إلى الباطل، ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلاّ مع بيان بطلانه ورده على قائله، وقد قال تعالى في وصف كلامه: ﴿
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ (٦).

وأمّا انّ استناد الجنون إلى تصرف الشيطان وذهاب العقل ينافي عدله تعالى، ففيه انّ الإشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلى الأسباب الطبيعية فانّها مستندة أخيراً إلى الله تعالى مع إذهابها العقل (٧).

وهناك كلام آخر للسيد الطباطبائي{ ولعلّه يقلع الشبهة: إنّ استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان، كما أنّ أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب (عليه السلام) إذ قال: ﴿
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ (٨)، وإذ قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ (٩) والضرّ هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان (١٠).


(1) - سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(2) - سورة الأعراف، الآية: ٢٠١.
(3) - الميزان: ج٢ / ص٤١١٣.
(4) - نقله في الميزان: ج٢ / ص٤١٣ ولم يذكر المصدر، وفي تفسير المنار: ج٣ / ص٩٥ ما يقرب من ذلك نقله عن البيضاوي في تفسيره.
(5) - سورة فصلت، الآية: ٤٢.
(6) - سورة الطارق، الآيتان: ١٣.
(7) - الميزان: ج٢-ص٤١٢.
(8) - سورة ص، الآية: ٤١.
(9) - سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.
(10) - الميزان: ج٢-ص٤١٣.

 

  علوم قرآنية


هنا شبهات يتشبث بها القائلون بالتحريف لا بد لنا من التعرض لها ودفعها واحدة واحدة:
 

سبق الحديث أنَّ المحقيقين في علوم القرآن وعلماء الإسلام أكّدوا سلامة القرآن الكريم من التحريف، ومن المؤسف أنَّ بعض محدّثي الشيعة وعددًا من أهل السنّة عند التعامل مع ظاهر بعض الروايات أصدروا على أساسها حكماً متعجّلاً بدون دراستها وتقييمها من حيث السند والدلالة. ورغم أن الميرزا النوري أعرب عن ندمه بعد تأليفه لكتاب فصل الخطاب ومشاهدة نتائجه ؛ ورغم مرور أكثر من مئة سنة على تأليف هذا الكتاب، ولكن لازالت تهمة التحريف توجّه على أساس هذا الكتاب إلى بعض المذاهب الإسلامية من قبل بعض المغرضين والمغرمين بإيقاع الفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية.
 

الشبهات الاثنتا عشرة:

ذكر الميرزا النوري في الباب الأوّل من كتابه أموراً تدلُّ على وقوع التحريف في الكتاب وهي بإيجاز كما يلي:

1- هناك روايات تشير إلى أنَّ كل ما وقع في الأمم السالفة، يقع في هذه الأمة بما في ذلك وقوع التحريف في الكتاب.
2- كيفية جمع القرآن في صدر الإسلام تستلزم عادة وقوع التغيير والتحريف فيه.
3- ما ذكره أهل السنَّة في منسوخ التلاوة لابد وأن يكون مما نقّص من القرآن (1).
4- كان لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) مصحفاً خاصاً يخالف الموجود في الترتيب، وفيه زيادة على القرآن الحالي.
5- كان لعبد الله بن مسعود مصحفاً معتبراً فيه ما ليس في القرآن الموجود.
6- إنَّ المصحف الموجود غير مشتمل لتمام ما في مصحف أُبي بن كعب المعتبر.
7- إنَّ الخليفة الثالث لما جمع القرآن أسقط بعض الكلمات والآيات.
8- هناك أخبار كثيرة دالة صريحاً على وقوع النقصان في القرآن رواها أهل السنَّة.
9- إنَّ الله تعالى ذكر أسماء أوصيائه وشمائلهم في كتبه السالفة فلا بد أن يذكرها في كتابه المهيمن عليها.
10- رغم أنَّ القرآن نزل على قراءة واحدة، ولكن ثبت القراءات في الحروف والكلمات وغيرها.
11- هناك أخبار كثيرة دالة صريحاً على وقوع النقصان في القرآن عموماً.
12- وجود أخبار في خصوص تحريف بعض الآيات.
 

الردُّ بإيجاز على بعض هذه الشبهات هو:

الشبهة الأولى جوابها: يقولون إنَّ هناك روايات في حد التواتر نقلها الشيعة والسنَّة تفيد أنَّ كل ما وقع في الأمم السابقة لابد وأن يقع مثله في هذه الأمة، وبما أنَّ كتبهم السماوية قد حُرّفت، فلابد من وقوع التحريف في القرآن أيضاً وإلّا فلن تكون هذه الأحاديث صحيحة، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ ما كان في الاُمم السالفة، فإنّه يكون في هذه الأُمّة مثلُهُ، حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقُذّة» (2).
 

وجواب هذه الشبهة هو: رغم أنَّ ظاهر هذه الطائفة من الروايات عام إلّا أنها لا تشتمل حتماً على كل الجزئيات والتفاصيل، فالكثير من الحوادث التي وقعت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمة كالتثليث، وعبادة العجل، وقصّة السامري، وغرق فرعون، ورفع عيسى إلى السماء، والتحريف بالزيادة في كتبهم، وما شابه ذلك، وعلى هذا الأساس فالمراد من ذلك المشابهة في بعض الوجوه وليس التطابق في كل الأمور، وكلام الرسول هذا عام يمكن تخصيصه واستثناء تحريف القرآن منه، استناداً إلى الآية الشريفة: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (3).
 

وجواب الشبهة الأخرى هو أنهم قالوا إنَّ الروايات تدل على أنَّه كان لعلي بن أبي طالب مصحفاً غير المصحف الموجود، وأنه لزم داره بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجمع القرآن، وعندما عرضه على القوم لم يقبلوه منه، وجاء في بعض الروايات أنَّ قرآن علي (عليه السلام) كان يشتمل على أشياء غير موجودة في القرآن الذي بأيدينا، وهذا ليس إلّا تحريف القرآن.
 

وجواب هذه الشبهة هو: أنَّ البحوث السابقة قد بيّنت بشكل كامل تاريخ وخصائص مصحف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد كانت لمصحف علي (عليه السلام) مزايا خاصّة مثل ذكر شأن نزول الآيات، وتفسيرها، وتبيين الناسخ والمنسوخ، وتبويبه حسب ترتيب نزول الآيات والسُوَر، وما شابه ذلك غير أنَّ فقدان هذه المزايا في القرآن الحالي لا يعني نقصه وتحريفه والدليل على ذلك أنَّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يُشِر في خلافته إلى وجود تحريف في القرآن، قال آية الله الخوئي{ في الرد على الروايات التي ادُّعي أنها تشير إلى التحريف (4).
 

هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن وكثير من هذه الروايات ضعيفة السند ومجموعة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد السيّاري، الذي اتفق علماء الرجال على فساد مذهبه، ومن علي بن محمد الكوفي الذي ذكر علماء الرجال أنَّه كذّاب وفاسد المذهب. وهو يرى أنَّ الروايات تُقسم إلى أربع مجموعات نتناول هنا ذكر مجموعتين منها:
 

1- الروايات التي ورد فيها لفظ التحريف، كالرواية المنقولة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: أصحاب العربية يحرفون كلام اللّه عزَّ وجل عن مواضعه.
 

وظاهرها أنَّ التحريف يُراد به هنا اختلاف القراءات، وليس حذف شيء من القرآن.

أو ما نقله أبو ذر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: إنَّ هناك من يقولون يوم القيامة: أمّا الأكبر فحرّفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأمّا الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه.

ولفظ التحريف في مثل هذه الروايات ليس بمعنى النقص، وإنّما يراد به حمل الآيات على غير معانيها، والتفسير بالرأي، والدليل على ذلك ما روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال تعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية».

2- الروايات التي دلّت على أنَّ بعض الآيات ذُكرت فيها أسماء الأئمة (عليهم السلام) وأنَّ أعداءهم قد حرّفوها، ومثل هذه الروايات تتحدث عن شأن نزول الآيات.
 

فلو جاء فيها مثلاً عبارة «نزلت في علي»، فهذا لا يعني أنَّ اسمه كان فيها ثمَّ حُذف منها.

قال مؤلف كتاب البيان: ومما يدل على أنَّ اسم علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يذكر صريحاً في القرآن، حديث الغدير، فإنَّه صريح في أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما نصب علياً بأمر الله، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس، ولو كان اسم علي مذكوراً في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين ولما خشي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من إظهار ذلك ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ ولاسيما أنَّ حديث الغدير كان في حجّة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد نزول عامة القرآن وشيوعه بين المسلمين.
 

وأما جواب الشبهات الأخرى من قبيل وقوع التحريف بسبب كيفية جمع القرآن في عهد الخليفة الثالث، أو مُصحف عبدالله بن مسعود، وأبي بن كعب، أو اختلاف القراءات فهو واضح جداً، ويتبيّن من خلال إلقاء نظرة أُخرى على المواضيع المتعلّقة بجمع القرآن ومزايا مصاحف الصحابة وأسباب ظهور اختلاف القراءات، عدم وجود علاقة بينها وبين التحريف.
 

خلاصة الكلام:

هنا عدّة أمور بالنسبة لادِّعاء تحريف القرآن ينبغي معرفتها وهي:

1- من يدّعون تحريف القرآن إنَّما خدعوا بظواهر بعض الآيات.
2- التماثل والاشتراك بين الأمة الإسلامية والأمم السابقة تماثل في الجملة وليس بالجملة، وهو لا يشمل الكثير من الأمور ومنها تحريف القرآن.
3- الإضافات التي كانت في مصحف علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كَانَت تتعلق بشأن النزول، والتفسير، وتبيين الآيات، وبيان الناسخ والمنسوخ، وما شابه ذلك.
4- الكثير من روايات التحريف نقلت عن أحمد بن محمد السياري، أو عن علي بن أحمد الكوفي، وكانا كلاهما فاسدي المذهب وكذّابيْن.
5- نظراً إلى الشواهد الموجودة في بعض الروايات، فإنَّ المراد من التحريف هو تحريف المعنى، وهو ما ذُكر صراحة في عدد من الروايات.
6- الروايات الدالّة على أنّ اسم الأئمة (عليهم السلام) كان موجوداً في القرآن، أو التي تشير إلى أنَّ كذا آية نزلت بشأن الإمام علي (عليه السلام)، تدل كلّها على شأن النزول، ولا تعني أنَّ اسم الأئمة كان جزءاً من الآية.

7- يُستفاد من الأدلة القطعيّة من الكتاب والسنَّة والعقل والشواهد التاريخيَّة وغير التاريخيَّة بطلان الاستناد إلى كيفية جمع القرآن في عهد الخليفة الثالث للقول بالتحريف، أو اختلاف القراءات أو الزيادة والنقصان في بعض مصاحف الصحابة كمصحف عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب واضحة تماماً، وتبعث على الإيمان المضاعف بالبشارة الالهية بحفظ القرآن الكريم (5).


(1) - نذكّر بأنَّ الميرزا نفسه قال ببطلان هذا المعتقد.
(2) - البيان: ص240.
(3) - سورة الحجر، الآية: 9.
(4) - البيان: ص226 - 233.
(5) - دروس في علوم القرآن الكريم: (إصدارات جمعية القرآن الكريم).

 

  مناهج التفسير

مناهج واتجاهات تفسير القران الكريم
 

تعريف المنهج والاتجاه التفسيري:

أمَّا المنهج التفسيري: وهو تبيين طريقة كل مفسر في تفسير القرآن الكريم، والأداة والوسيلة التي يعتمد عليها لكشف الستر عن وجه الآية أو الآيات؟ فهل يأخذ العقلَ أداةً للتفسير أو النقل؟ وعلى الثاني فهل يعتمد في تفسير القرآن على نفس القرآن، أو على السنّة، أو على كليهما، أو غيرهما؟ وبالجملة ما يتخذه مفتاحاً لرفع إبهام الآيات، وهذا هو ما نسمّيه المنهج في تفسير القرآن في كتابنا هذا.
 

وأمَّا الاتجاه التفسيري: المراد منه المباحث التي يهتم بها المفسّر في تفسيره مهما كان منهجه وطريقته في تفسير الآيات، مثلاً تارة يتجه إلى إيضاح المادة القرآنية من حيث اللغة، وأُخرى إلى صورتها العارضة عليها من حيث الإعراب والبناء، وثالثة يتجه إلى الجانب البلاغي، ورابعة يعتني بآيات الأحكام، وخامسة يصبّ اهتمامه على الجانب التاريخي والقصصي، وسادسة يهتم بالأبحاث الأخلاقية، وسابعة يهتم بالأبحاث الاجتماعية، وثامنة يهتم بالآيات الباحثة عن الكون وعالم الطبيعة، وتاسعة يهتم بمعارف القرآن وآياته الاعتقادية الباقية عن المبدأ والمعاد وغيرهما، وعاشرة بالجميع حسبما أُوتي من المقدرة. ولا شك أنّ التفاسير مختلفة من حيث الاتجاه والاهتمام، إمّا لاختلاف أذواق المفسرين وكفاءاتهم ومؤهّلاتهم، أو لاختلاف بيئاتهم وظروفهم، أو غير ذلك من العوامل التي تسوق المفسر إلى صبِّ اهتمامه إلى جانب من الجوانب المذكورة أو غيرها. ولا ريب في تأثير الاعتقادات الدِّينية، الكلاميّة، والاتجاهات العصريّة وأساليب كتابة التفسير على تفسير المفسر.

الفارق بين المناهج والاتجاهات:

في المنهج التفسيري: يستخدم المفسِّر لرفع إبهام الآيات أحد الأدوات التفسيرية ؛ وهي إما العقل أو النقل أو كليهما؟ فيعتمد في تفسير آيات القرآن على نفس القرآن الكريم، أو على السنّة الشريفة، أو على كليهما، أو غيرهما؟ مثلاً: يستخدم العلامة الطبطبائي (قدس سرّه) في تفسير الميزان النقل في كشف الآيات القرآنية فيعتمد على الآية لتوضيح الآية.
 

وأمّا في الاتجاهات التفسيريّة: فالمفسِّر يبحث في تفسيره عن اهتماماته بحسب قدرته؛ فيتّجه إلى إيضاح المادّة القرآنية تارة من حيث اللغة، وأُخرى يعتني بآيات الأحكام، وثالثة يصبّ اهتمامه على الجانب التاريخي والقصصي، أو يهتمّ بالأبحاث الأخلاقيّة وغيرها. إن شئت أن تفرق بين البحثين فنأتي بكلمة موجزة، وهي أنّ البحث في المناهج بحث عن الطريق والأُسلوب، والبحث في الاهتمامات والاتجاهات بحث عن الأغراض والأهداف التي يتوخّاها المفسر، وتكون علة غائية لقيامه بالتأليف في مجال القرآن.
 

نشوء وتطوّر مناهج التفسير:

القرن الأول الهجري: كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعتمد في تفسير القرآن على نفس القرآن، فنشأت طريقة تفسير القرآن بالقرآن، وتصدّى أهل البيت (عليهم السلام) وعدد من الصحابة لتفسير القرآن بالقرآن مع الاستفادة من المنهج الروائي وقد تورّطت مجموعة بتفسير القرآن طبقاً لميولها، فنشأ التفسير بالرأي. الذي تصدّ له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام).
 

القرن الثاني الهجري: برزت مناهج وأساليب أُخرى بين المسلمين بشكل تدريجي، نتيجة ترجمة آثار وكتب الحضارتين اليونانية والفارسية ونفوذ أفكارهم. وبسبب ظهور المباحث الكلاميّة والفلسفيّة تكونت الاتجاهات التفسيريّة الكلاميّة، فكانت كلّ فرقة من فرق المسلمين تفسّر القرآن طبقاً لآرائها.
 

القرن الثالث والرابع: بدأت تظهر أساليب جديدة في التفسير على يد العرفاء والمتصوّفة. أدت إلى تطوّر المنهج الإشاري في التفسير.
ومن كتبت بعض التأليفات في التفسير الروائي مثل: تفسير العيّاشيّ، والقمّيّ، والطبري، كما ظهرت التفاسير الفقهيّة على شكل تفسير آيات الأحكام مثل: أحكام القرآن للجصّاص.
القرن الخامس والسادس: ظهرت التفاسير الجامعة الاجتهادية مثل: التبيان، ومجمع البيان؛ وذلك بالاستفادة من العقل والاجتهاد ومراعاة جوانب متعدّدة في التفسير.
القرن العاشر حتّى الحادي عشر: لم تزال طريقة التفاسير الجامعة الاجتهادية متداولة وظهرت التفاسير التالية: الدرّ المنثور، والبرهان، ونور الثقلين.
القرن الأخير: تطوّرت أساليب ومناهج جديدة في التفسير مثل طريقة التفسير العلمي والاتجاه الاجتماعي.
 

أسباب نشوء الاتجاهات والمناهج:

1- ترابط الآيات القرآنية: بحيث أن بعضها يفسر بعضًا، وهذا أدى إلى ظهور منهج تفسير القرآن بالقرآن.
2- الأمر باتباع الرسول في تفسير القرآن: لأنه المبين له وهذا كان سبب في نشوء تفسير القرآن بالروايات.
3- معتقد المفسر: حيث لجأت كل فرقة لتصحيح معتقدها إلى القرآن ؛ كما نرى في مسألة الجبر والتفويض ومسألة الشفاعة؛ ومن التفاسير التي اهتمت بذلك: التفسير الكبير للفخر الرازي وتفسير البيضاوي.
4- الاعتماد على الآراء الشخصية: طبقا للمصالح الشخصية وهذا كوّن ما يعرف بتفسير الرأي.
5- نفوذ الأفكار غير الإسلامية: بسبب حركة الترجمة للكتب اليونانية وغيرها وهذا سبب في نمو العلوم التجريبية والعقلية.
6- اختلاف المصادر والأدوات: بعض المفسرين مال إلى العقل واتجه إلى المنهج العقلي وبعضهم اتجه إلى النقل واعتمد عليه مثل تفسير نور الثقلين.
7- الاتجاهات العصرية للمفسر: الرغبة والحاجة ألجأ المفسر إلى اتخاذ طابع في تفسيره يناسب الاتجاه. المعاصر في زمنه كمن يعيش في بلد تكون الحاجة ماسة للمسائل الأخلاقية والتربوية وقد يتجه المفسر إلى الاتجاه الاجتماعي لحل مشاكلها ومن أبرز التفاسير في ذلك: الأمثل للشيخ ناصر مكار الشيرازي.
8- تخصص المفسر: مثل تفسير الكشاف للزمخشري الذي كان تخصصه الأدبي طاغي على هذا التفسير.
9- أسلوب الكتابة.
 

تنقسم المناهج التفسيريّة إلى قسمين:

أولا: المنهج النقلي.
1- تفسير القرآن بالقرآن.
2- التفسير الروائي.
 

ثانيا: المنهج العقلي:
1- التفسير العلمي (العلوم التجريبية).
2- التفسير العقلي (الاجتهادي).
3- التفسير الإشاري (العرفان).
4- التفسير بالرأي.
 

المنهج الكامل في التفسير:

هو المنهج الّذي يستفيد من جميع هذه الطرق (المناهج المذكورة سابقاً غير التفسير بالرأي، وبعض طرق التفسير الإشاري والعلمي) لكي يتبيّن مقصود الآيات بصورة كاملة من جميع الجوانب.

إنّ التفسير الصحيح والمعتبر هو الّذي يستفيد من جميع هذه المناهج (الخمسة) في مكانها المناسب. وقد لا يكون هناك استخدام لبعض المناهج في بعض الآيات، فمثلاً قد لا توجد رواية في تفسير بعض الآيات أو لا توجد إشارة علميّة (العلوم التجريبية) في بعض الآيات، فإذاً المنهج الكامل المستخدَم في مورد تلك المجموعة من الآيات هو الّذي يمكن أن يستفيد قدر الإمكان، من المناهج المناسبة والمتعدِّدة.
 

طرق كتابة التفسير:

الطريقة الأولى: قد يكتب التفسير ترتيبيّا؛ أي تفسير القرآن آية آية، من أوّله إلى آخره، مثل تفسير: (مجمع البيان، والميزان، والأمثل).

أو قد يكون موضوعيّاً فيختار المفسِّر موضوع ويجمع كلّ ما يتعلّق به في جميع الآيات والسور ثمّ يخرج بنتيجة معيّنة مثل: (تفسير نفحات القرآن، لآية الله مكارم الشيرازي).

الطريقة الثانية: وربَما يُكتَب التفسير بصورة مختصرة أو متوسطة أو مفصّلة؛ أي من حيث الحجم والكميّة مثل تفاسير المرحوم الفيض الكاشاني: (الأصفى، والمصفّى، والصافي) والتفاسير الثلاثة للمرحوم الطبرسي { (جوامع الجامع، ومجمع البيان، والكافي الشافي) فالأوّل مختصر والثاني متوسّط والثالث مفصّل.

الطريقة الثالثة: ربَما يأتي التفسير على شكل متن وشرح فتكون الآية متناً والتفسير شرحاً للآية، وقد يختلط التفسير بالآيات بصورة مزجيّة مثل: (تفسير شُبَّر ونفحات الرحمن للنهاوندي).

الطريقة الرابعة: وفي بعض الأحيان يكون التفسير شاملاً لجميع آيات القرآن مثل تفسير مجمع البيان للطبرسي، وأُخرى ناقصاً ومُشتملاً على سورة واحدة أو عدد من السور، مثل: (تفسير أحكام القرآن للراوندي الّذي يشتمل على الآيات الفقهية فقط وتفسير آلاء الرحمن للبلاغي) (1).


(1) - أهم المصادر : المناهج التفسيرية في علوم القرآن ، ودروس في المناهج والاتجاهات التفسيرية للقرآن .

 

   معجم المفسرين

الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين

 

العنوان المعروف: تفسير القرآن الكريم، المعروف بـ ((تفسير صدر المتألهين)).

المؤلف: محمد بن ابراهيم صدر الدين الشيرازي المعروف بـ ((صدر المتألهين)).

عدد المجلدات: 7 مجلدات.

تاريح التأليف: 1030هـ.

طبعات الكتاب: بيروت، الطبعة الأولى، ايران، قم، سنة 1322هـ - 1901م، الطبعة الثانية، ايران، قم، سنة 1408 هـ - 1366ش.

حياة المؤلف:
هو صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي القوّامي، المشهور على لسان الناس بـ ((الملا صدرا)) وعلى لسان تلامذة مدرسته بـ ((صدر المتألهين)).
كان من عظماء الفلاسفة الإلهيين، الحكيم الذي جمع بين مشرب المشاء والإشراق، ولد بشيراز سنة 979هـ - 1571م، وعاش فيها عنفوان شبابه، ثم سافر إلى أصفهان واستفاد من أستاذيه الشيخ البهائي والسيد الداماد، ثم ذهب إلى قم، وانعزل فيها للعبادة والرياضة، ثم رجع إلى شيراز واشتغل فيها بالتدريس والتأليف. أسس مدرسة في الفلسفة والحكمة الإلهية، والحركة الجوهرية، وتشكيك الوجود، وحدوث العالم الجسماني، واتحاد العاقل والمعقول والنفس، جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، والمعاد الجسماني..
 

أهم آثاره ومؤلفاته:

1_ الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، وهو من أهم كتبه الذي حوى جميع تأليفاته.
2- المبدأ والمعاد.
3- أسرار الآيات وأنوار البيّنات.
4- الحكمة العرشية على الطريقة العرفانية.
5- مفاتيح الغيب.
6- شرح أصول الكافي، وغيرها من مؤلفاته ورسائله القيّمة في المعارف الإلهية.
 

تعريف عام: كان تفسيره يشتمل على تفسير جملة من السور والآيات ولكنه لم يكتمل، ويظهر أنه ألفه وكان ينوي تأليف تفسير كامل فلم يمهله الأجل، وتفسيره غير مرتب على النسق الموجود في المصحف الشريف.. ولكنه تفسير مبسّط، تعرض فيه لمعنى مفردات الآية، واختلاف القراءات وذكر الأقوال ونقدها، ثم تعرض للمباحث الإشراقية والعرفانية والفلسفية بعقليته وسمو نفسه وحرية تفكيره وحسن بيانه.

منهجه في التفسير: كان تفسير((صدر المتألهين)) على منهج سائر مؤلفاته، منهجاً عرفانياً، إشارياً، معنوياً.. ومرجعه في أوائل المباحث وذكر معاني الكلمات والقراءات: تفسير مجمع البيان والبيضاوي والكشاف.

مميزات منهجه: اهتمامه بالتفسير الإشاري، فنراه يستخرج من كثير من الآيات المباحث العرفانية والفلسفية، بعد ما يبين النصوص القرآنية بياناً ظاهرياً يخضع لقواعد الأدب ويعترف بالمعنى الظاهر.

 

   قصص قرآنية

 




قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُواْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ (١).

كلام حول قصة ذي القرنين:في القرآن والحديث:
 

١ - قصة ذي القرنين في القرآن:

لم يتعرض لاسمه ولا لتاريخ زمان ولادته وحياته ولا لنسبه وسائر مشخصاته على ما هو دأبه في ذكر قصص الماضين، بل اكتفى على ذكر ثلاث رحلات منه: فرحلة أولى إلى المغرب ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ (حامية) ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾، ورحلة ثانية إلى المشرق ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾، ورحلة ثالثة ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾، فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض، وعرضوا عليه أن يجعلوا له خرجا على أن يجعل بين القوم وبين يأجوج ومأجوج سدا، فأجابهم إلى بناء السد ووعدهم أن يبني لهم فوق ما يأملون، وأبى أن يقبل خرجهم وإنما طلب منهم أن يعينوه بقوة، وقد أشير منها في القصة إلى الرجال وزبر الحديد والمنافخ والقطر. والخصوصيات والجهات الجوهرية التي تستفاد من القصة هي أولا: أن صاحب القصة كان يسمى قبل نزول قصته في القرآن - بل حتى في زمان حياته - بذي القرنين كما يظهر في سياق القصة من قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾ ﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ﴾ ﴿ قَالُواْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ﴾. وثانيا: أنه كان مؤمنا بالله واليوم الآخر ومتدينا بدين الحق كما يظهر من قوله: ﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ وقوله: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ... ﴾ إلخ، ويزيد في كرامته الدينية أن قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ يدل على تأييده بوحي أو إلهام أو نبي من أنبياء الله كان عنده يسدده بتبليغ الوحي. وثالثا: أنه كان ممن جمع الله له خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا فالملك العظيم الذي بلغ به مغرب الشمس ومطلعها فلم يقم له شيء وقد ذلت له الأسباب، وأما خير الآخرة فبسط العدل وإقامة الحق والصفح والعفو والرفق وكرامة النفس وبث الخير ودفع الشر، وهذا كله مما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ مضافا إلى ما يستفاد من سياق القصة من سيطرته الجسمانية والروحانية. ورابعا: أنه صادف قوما ظالمين بالمغرب فعذبهم. وخامسا: أن الردم الذي بناه هو في غير مغرب الشمس ومطلعها، فإنه بعدما بلغ مطلع الشمس ﴿ أَتْبَعَ سَبَباً (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾. ومن مشخصات ردمه - مضافا إلى كونه واقعا في غير المغرب والمشرق - أنه واقع بين جبلين كالحائطين، وأنه ساوى بين صدفيهما، وأنه استعمل في بنائه زبر الحديد والقطر، ولا محالة هو في مضيق هو الرابط بين ناحيتين من نواحي الأرض المسكونة.
 

ذو القرنين في الحديث:

- روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران: فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، والكافران نمرود وبخت نصر، واسم ذي القرنين عبد الله بن ضحاك بن معد (٢).

- وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله عزّوجل حجة على عباده، فدعا قومه إلى الله وأمرهم بتقواه فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زمانا حتى قيل: مات أو هلك بأي واد سلك؟ ثم ظهر ورجع إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنته، وإن الله عزّ وجل مكن لذي القرنين في الأرض وجعل له من كل شيء سبباً، وبلغ المغرب والمشرق، وإن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقي منهلاً ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه، ويظهر الله عزّوجل له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، فيملأ الأرض به عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما (٣).

- وعنه (عليه السلام): إن ذا القرنين لم يكن نبياً ولا رسولاً، كان عبداً أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، دعا قومه فضربوه على أحد قرنيه فقتلوه، ثم بعثه الله فضربوه على قرنه الآخر فقتلوه (٤).
- وعنه (عليه السلام) - لما سئل عن ذي القرنين ما كان قرناه؟-: لعلك تحسب كان قرنه ذهبا أو فضة، أو كان نبياً؟! بل كان عبدا صالحا بعثه الله إلى أناس فدعاهم إلى الله وإلى الخير، فقام رجل منهم فضرب قرنه الأيسر فمات، ثم بعثه فأحياه وبعثه إلى أناس فقام رجل فضرب قرنه الأيمن فمات، فسماه ذا القرنين (٥).

- وعنه (عليه السلام) - لما سئل عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ وعن قرنه أمن ذهب كان أم من فضة؟ -: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة، ولكنه كان عبداً أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصحه الله، وإنما سمي ذا القرنين لأنه دعا قومه إلى الله عزّوجل فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا، ثم عاد إليهم فضرب على قرنه الآخر، وفيكم مثله (٦).
- وعن الإمام الباقر (عليه السلام): إن ذا القرنين لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله، وناصح لله فناصحه الله، أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه فغاب عنهم زماناً، ثم رجع إليهم فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنته (٧).
- وعن الإمام الباقر والصادق (عليه السلام) - لما سئلا عن منزلتهما وعمن يشبهان ممن مضى -: صاحب موسى وذو القرنين، كانا عالمين ولم يكونا نبيين (٨).
 

٢ - ذكرى ذي القرنين والسد ويأجوج ومأجوج:

في أخبار الماضين لم يذكر القدماء من المؤرخين في أخبارهم ملكا يسمى في عهده بذي القرنين أو ما يؤدي معناه من غير اللفظ العربي، ولا يأجوج ومأجوج بهذين اللفظين، ولا سدا ينسب إليه باسمه، نعم ينسب إلى بعض ملوك حمير من اليمنيين أشعار في المباهاة يذكر فيها ذا القرنين وأنه من أسلافه التبابعة، وفيها ذكر سيره إلى المغرب والمشرق وسد يأجوج ومأجوج، وسيوافيك نبذة منها في بعض الفصول الآتية. وورد ذكر «مأجوج» و «جوج ومأجوج» في مواضع من كتب العهد العتيق، ففي الإصحاح (٩) العاشر من سفر التكوين من التوراة: وهذه مواليد بني نوح: سام وحام ويافث، وولد لهم بنون بعد الطوفان بنو يافث جومر ومأجوج ومادي وباوان ونوبال وماشك ونبراس. وفي كتاب حزقيال (١٠) الإصحاح الثامن والثلاثون: وكان إلى كلام الرب قائلا: يابن آدم اجعل وجهك على جوج أرض مأجوج رئيس روش ماشك ونوبال، وتنبأ عليه وقل: هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك ياجوج رئيس روش وماشك ونوبال وارجعك وأضع شكائم في فكيك واخرجك أنت وكل جيشك خيلا وفرسانا كلهم لابسين أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف، فارس وكوش وفوط معهم كلهم بمجن وخوذة، وجومر وكل جيوشه، وبيت نوجرمه من أقاصي الشمال مع كل جيشه شعوبا كثيرين معك. قال: لذلك تنبأ يابن آدم وقل لجوج: هكذا قال السيد الرب في ذلك اليوم عند سكنى شعب إسرائيل آمنين، أفلا تعلم وتأتي من موضعك من أقاصي الشمال إلخ. وقال في الإصحاح التاسع والثلاثين ماضيا في الحديث السابق: وأنت يابن آدم تنبأ على جوج وقل: هكذا قال السيد الرب، ها أنا ذا عليك ياجوج رئيس روش ماشك ونوبال وأردك وأقودك واصعدك من أقاصي الشمال، وآتي بك على جبال إسرائيل، وأضرب قوسك من يدك اليسرى واسقط سهامك من يدك اليمنى، فتسقط على جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك أبذلك مأكلا للطيور الكاسرة من كل نوع ولوحوش الحفل، على وجه الحفل تسقط لأني تكلمت بقول السيد الرب، وأرسل نارا على مأجوج وعلى الساكنين في الجزائر آمنين فيعلمون أني أنا الرب إلخ. وفي رؤيا يوحنا في الإصحاح العشرين: ورأيت ملاكا نازلا من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده، فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة، وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكيلا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة، وبعد ذلك لابد أن يحل زمانا يسيرا. قال: ثم متى تمت الألف سنة لن يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض جوج ومأجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر، فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم، وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيعذبون نهارا وليلا إلى أبد الآبدين. ويستفاد منها أن «مأجوج» أو «جوج ومأجوج» أمة أو أمم عظيمة كانت قاطنة في أقاصي شمال آسيا من معمورة الأرض يومئذ، وأنهم كانوا أمما حربية معروفة بالمغازي والغارات. ويقرب حينئذ أن يحدس أن ذا القرنين هذا هو أحد الملوك العظام الذين سدوا الطريق على هذه الأمم المفسدة في الأرض، وأن السد المنسوب إليه يجب أن يكون فاصلا بين منطقة شمالية من قارة آسيا وجنوبها كحائط الصين أو سد باب الأبواب أو سد «داريال» أو غير هذه. وقد تسلمت تواريخ الأمم اليوم من أن ناحية الشمال الشرقي من آسيا وهي الأحداب والمرتفعات في شمال الصين كانت موطنا لأمة كبيرة بدوية همجية لم تزل تزداد عددا وتكثر سوادا فتكر على الأمم المجاورة لها كالصين، وربما نسلت من أحدابها وهبطت إلى بلاد آسيا الوسطى والدنيا وبلغت إلى شمال اوربه، فمنهم من قطن في أراض أغار عليها كأغلب سكنة اوربه الشمالية فتمدين بها واشتغل بالزراعة والصناعة، ومنهم من رجع ثم عاد وعاد (١١). وهذا أيضا مما يؤيد ما استقربناه آنفا أن السد الذي نبحث عنه هو أحد الأسداد الموجودة في شمال آسيا الفاصلة بين الشمال وجنوبه (١٢).
 

دروس وعبر من القصة:

١ ـ إِنَّ أوّل درس تعلمنا إِيَّاه أنَّ عمل هذه الدنيا لا يتمّ دون توفير أسبابه، لذا فإِنَّ الله تبارك وتعالى وهَب الوسائل والأسباب لتقدم وانتصار ذي القرنين في علمه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾.
٢ ـ بالرغم مِن أنَّ غروب الشمس في عين من ماء آسن سببهُ خطأ في الباصرة واشتباه مِنها، إِلاَّ أنَّ المعنى الذي نلمحهُ مِن هذا المثال هو إِمكان تغطية الشمس مع عظمتها بالعين الآسنة ومثلها في ذلك مثل ذلك الإِنسان العظيم الذي يسقط وينهار بسبب خطأ واحد فتغرب شخصيته من انظار الناس.
٣ ـ لا تستطيع أي حكومة أن تنتصر بدون ترغيب الأنصار والأتباع، ومعاقبة المذنبين والمخطئين، وهذا هو نفس الأساس الذي اعتمد عليه ذو القرنين حيثُ قال: ﴿
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾.
٤ ـ التكليف الشاق والتصعُّب في الأُمور وتحميل الناس ما لا يطيقون، كل هذه الأُمور لا تناسب الحكومة الإِلهية العادلة أبداً، ولهذا السبب فإِنَّ ذا القرنين بعد أن صرّح بمعاقبة الظالمين وتشويق الصالحين، أضاف: ﴿
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ حتى يمكن إِنجاز الأعمال عن شوق ورغبة.
٥ ـ الحكومة الكبيرة ذات الإِمكانات الواسعة لا تتغاضى عن التفاوت والاختلاف القائم في حياة الناس وتُراعى شرائط حياتهم المُختلفة، ولهذا السبب فإِنَّ «ذو القرنين» صاحب الحكومة الإِلهية والذي واجهته أقوام مُختلفة، كانَ يتعامل معَ كل مجموعة بما يُناسب حياتها الخاصّة، وبذلك كان الجميع منضوين تحت لوائه.
٦ ـ إِنَّ «ذو القرنين» لم يستبعد حتى تلك المجموعة التي لم تكن تفهم الكلام، أو كما وصفهم القرآن: ﴿
لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ بل إِنَّهُ استمع إِلى مشاكلهم، ودأب على رفع احتياجاتهم بأي أُسلوب كان، وبنى لهم سداً محكماً بينهم وبين أعدائهم اللدودين (يأجوج ومأجوج).
٧ ـ الأمن هو أوّل وأهم شرط مِن شروط الحياة الإِجتماعية السالمة، لهذا السبب تحمَّل «ذو القرنين» أصعب الأعمال وأشقها لتأمين أمن القوم مِن أعدائهم.
٨ ـ الدرس الآخر الذي يمكن أن نتعلمهُ مِن هذه القصّة، هو أنَّ أصحاب المشكلة الأصليين معنيين بالدرجة الأُولى في الاشتراك في الجهد المبذول لحل مُشكلتهم.
٩ ـ الزعيم الإِلهي والقائد الرّباني لا يلتفت إِلى الجزاء المادي والنفع المالي وإِنّما يقتنع بما حباه الله، لذا رأينا «ذو القرنين» عندما اقترحوا عليه الأموال قال: ﴿
مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ وهذا النمط مِن السلوك يخالف أساليب السلاطين وولعهم العجيب بجمع الثروة والأموال.
١٠ ـ إِحكام الأُمور هو درسٌ آخر نستفيده مِن هذه القصّة، فذو القرنين استفاد مِن القطع الحديدية الكبرىْ في بناء السد، وقد وصلها بالنّار، ثمّ غطّاها بالنحاس المذاب كي تمتنع عن التلف والصدأ إِذا تعرضت للهواء والرطوبة.
١١ ـ مهما كان الإِنسان قوياً ومُتمكناً وصاحب قدرة واستطاعة في إِنجاز الأعمال، فعلية، أن لا يغتر بنفسه، وهذا هو درسٌ آخر نتعلمهُ مِن قصة «ذو القرنين».
١٢ ـ كل شي إِلى زوال مهما كان محكماً وصلداً. هذا هو الدرس الأخير في هذه القصة.


(1) - سورة الكهف، الآية: ٨٣، ٨٤.
(2) - الخصال: ٢٥٥ / ١٣٠.
(3) - كمال الدين: ٣٩٤ / ٤.
(4) - البحار: ١٢ / ١٧٨ / ٥ وص ١٩٦ / ٢٤ وص ١٩٧/٢٦.
(5) - البحار: ١٢ / ١٧٨ / ٥ وص ١٩٦ / ٢٤ وص ١٩٧ / ٢٦.
(6) - علل الشرائع: ٣٩ / ١.
(7) - كمال الدين: ٣٩٣ / ١.
(8) - البحار: ١٢ / ١٩٧ /٢٥.
(9) - كتب العهدين مطبوعة بيروت سنة ١٨٧٠، ومنها نقل سائر ما نقل في هذه الفصول.
(10) - وكان بين اليهود أيام اسارتهم ببابل.
(11) - وذكر بعضهم أن يأجوج ومأجوج هم الامم الذين كانوا يشغلون الجزء الشمالي من آسيا، تمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المنجمد الشمالي، وتنتهي غربا بمايلي بلاد تركستان. ونقل ذلك عن فاكهة الخلفاء وتهذيب الأخلاق لابن مسكويه ورسائل إخوان الصفا.
(12) - الميزان: ١٣ / ٣٧٨، انظر تمام الكلام.

 

   القرآن في نهج البلاغة



«وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثاقِ الْكِتابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى نَبَذَهُ، فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظاهِرُهُمْ عَنْ باطِنِهِمْ، لا يُخالِفُونَ الدِّينَ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شاهِدٌ صادِقٌ، وَصامِتٌ ناطِقٌ».
 

الشرح:

«وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ» أي الصواب والحق «حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى تَرَكَهُ» إشارة إلى أن التولي لأولياء اللّه لا يتم إلا بالتبري من أعداء اللّه وأهل الضّلال. واعلموا أنّ وجوب متابعة الرّشد والهدى، ولزوم مجانبة الضّلالة والرّدى أمر عقلي لا يحتاج إلى التّنبيه عليه ولا الإشارة إليه فالفعل الحسن حسن، والقبيح قبيح وهذا أمر واضح، ويجب على العاقل سلوك طريق الهداية، وترك مقاصد الضّلال، إلاّ أنّ المهمّ تشخيصهما، وكلّ يدّعي الهداية، ويأنف أن يقال له: أنت على الغواية، ولذا قال تعالى على لسان رسوله للكفّار: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢). والضالّ المضلّ يرى نفسه مهتدياً هادياً، قال تعالى حكاية عن فرعون إنّه قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (٣). «وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثاقِ الْكِتابِ» ميثاق الكتاب: هو أن لا تقولوا على اللّه الا الحق، الذي من جملته الولاية والطاعة لاهلها «حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى نَقَضَهُ» ونشر ضده «وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِى نَبَذَهُ» وراء ظهوره والأخذ به والضمائر راجعة إلى الكتاب أو الميثاق: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ برعاية المباني المنزلة والمعاني المقصودة. وإنما غرضه (عليه السلام) بالفقرات الثّلاث أنّ المتقدّمين عليه كانوا تاركي الرّشد وناقضي الميثاق، ونابذي الكتاب، وحيث لم يعرفوهم بذلك لم يعرفوا الرّشد «فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ» ذلك: إشارة إلى حصر ما هو علم القرآن عند من ذاق طعمه، والمراد: أنّهم (عليهم السلام) أهل خبرة بهذه الأمور «فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ» الجهل للمبالغة إذ بهم حياة العلم وبقاؤه وزوال الجهل وفناؤ، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال الحارث: سألت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الآية؟ فقال: «والله إنا نحن أهل الذكر، نحن أهل العلم، نحن معدن التأويل والتنزيل». «يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ» الخطاب للعلماء لأنهم يعلمون أن حكمهم لكونه متينا لا يمكن دفعه في مقام المناظرة وبذلك يعلمون إجمالا أن علمهم في غاية الكمال لا يبلغها عقول غيرهم وذلك كما يعلم الفصحاء إعجاز القرآن ولا يقدرون على العلم بتفاصيله والإتيان به. وأبرز مصاديق هؤلاء العلماء أهل البيت (عليهم السلام) فقد قال عاصم بن حمزة: إنّ غلاماً وامرأة أتيا عمر فقال الغلام: هذه والله أمي، حملتني في بطنها تسعاً، وأرضعتني حولين كاملين فانتفت مني وطردتني، وزعمت أنها لا تعرفني ; فأتوا بها مع أربعة إخوة لها، وأربعين قسّامة يشهدون لها أن هذا الغلام مدع ظلوم يريد أن يفضحها في عشيرتها، وأنّها بخاتم ربها ولم يتزوج بها أحد. فأمر عمر بإقامة الحد عليه، فرأى علياً (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين احكم بيني وبين أمي. فجلس (عليه السلام) موضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام): «لكِ ولي؟». قالت: نعم، هؤلاء الأربعة إخوتي. فقال (عليه السلام): «حكمي عليكم جائز وعلى أختكم؟». قالوا: نعم. فقال (عليه السلام): «أُشهِدُ الله وأُشهِدُ من حضر، أني زوجت هذه الامرأة من هذا الغلام بأربعمئة درهم، والنقد من مالي، يا قنبر عليّ بالدراهم»، فأتاه بها فقال: «خذها فصبها في حجر امرأتك، وخذ بيدها إلى المنزل». فصاحت المرأة: الأمان يا ابن عم رسول الله، هذا والله ولدي، زوجني إخوتي هجيناً فولدت منه هذا، فلما بلغ وترعرع أنفوا، وأمروني أن أنتفي منه وخفت منهم. فأخذت بيد الغلام فانطلقت به، فنادى عمر: لولا علي لهك عمر (٤).

«وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ» أي صمتهم يخبركم عن حكم منطقهم، يعني أن حكم منطقهم صواب وحقيقة.

«وَظاهِرُهُمْ عَنْ باطِنِهِمْ» إذ استقامة الباطن وتخلقه بالاخلاق الفاضلة والعقايد الصالحة سبب لاستقامة الظاهر فاستقامة الظاهر دليل على استقامة الباطن دلالة الاثر على المؤثر، وحيث إنّهم (عليهم السلام) لم يكونوا متصنّعين، ولا مستعملين للسّياسة الدّنيويّة يفهم كلّ عاقل أنّ باطنهم موافق لظاهرهم، وقد أخبر عزّوجلّ عن بواطنهم في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ (٥).
 

«لا يُخالِفُونَ الدِّينَ» في شيء من الأقوال والأعمال والأحكام بل قولهم وفعلهم وحكمهم موافق لما أنزل الله عزَّوجل، قال النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المتواتر عنه فيهم (عليهم السلام): إنّهم لن يفترقوا عن كتابه تعالى حتّى يردا عليه الحوض (٦). وقال في أمير المؤمنين (عليه السلام) في المتواتر أيضا: إنّه مع الحقّ، والحقّ معه يدور حيثما دار (٧). «وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ» أي لا يخالفون بعضهم بعضا في شيء من أموره فقول الأول مثلا قول الآخر وبالعكس، حيث إنّهم (عليهم السلام) يقولون ما يقولون عن النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل (عليه السلام) عن اللَّه عزَّ وجلّ، فكيف يحصل بينهم اختلاف؟ وإنّما يحصل الإختلاف بين الّذين يقولون بآرائهم، ولقد أجاد من قال:

ووال اناسا قولهم وحديثهم _ روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
 

وأمّا اختلاف الأخبار المرويّة عنهم حتّى صنّف محمّد بن الحسن الطّوسي فيها كتابا سمّاه الاستبصار في ما اختلف من الأخبار، فمن قبل الرّواة أو لصدورها تقيّة، أو للافتراء عليهم (عليهم السلام) ونحوها.
 

«فَهُوَ بَيْنَهُمْ شاهِدٌ صادِقٌ، وَصامِتٌ ناطِقٌ» ظاهر السّياق رجوع الضمير في الكلام إلى الدّين، و يمكن رجوعه إلى القرآن لاتّحادهما في الخارج، قال السّروي: إنّهم (عليهم السلام) خصّوا بالعلوم، لأنّهم لم يدخلوا مكتبا ولا تعلّموا من معلّم، ولا تلمّذوا لفقيه ولا تلقّنوا من راو، وقد ظهرت في فرق العالمين منهم العلوم، ولم يعرف إلاّ منهم لأنّهم أخذوا عن النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك كان حال جدّهم عليه و(عليهم السلام) حين علم منشأه بين قريش لم يدخل مكتبا ولا قرأ على معلّم، ولا استفاد من حبر، وأتى النّاس بالقرآن العظيم بما فيه من أسرار الأنبياء وأخبار المتقدّمين، فعلم العقلاء أنّ ذلك من عند اللَّه تعالى، وليس من تلقاء نفسه، فأولاده قوم بنور الخلافة يشرقون، وبلسان النّبوّة ينطقون، وقد جمعوا ما رووا عنهم، وسمّوا ذلك بالاصول، سبعمئة أصل ويزيد على ذلك ويتضمّن علوم الدّين، والآداب والحكم والمواعظ وغير ذلك إلى أن قال فإذا ثبت علوم هؤلاء الّتي لم يأخذوها عن رجال العامّة، ولا رئي أحد منهم يختلف إلى متقدّم من أهل العلم، وأنّ كثيرا من فتاويهم يخالف ما عليه العامّة، ولم يدّع مدّع قطّ أنّهم اختلفوا إلى أحد من مخالفيهم ليتعلّموا منه، والموافق لهم معلوم حاجته إليهم، دلّ ذلك على أنّ اللَّه تعالى أفردهم ليكشف عن استحقاقهم الإمامة، وأنّهم أحقّ بالتّقدّم لحاجة النّاس إليهم، وغنائهم عنهم، وجروا في ذلك مجرى الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أغناه اللَّه بما علموا عنه من أخبار سوالف الأمم... (٨) قال الصّوري:
 

آل النّبيّ هم النّبيّ وإنّما       بالوحي فرّق بينهم فتفرّقوا
أبت الإمامة أن تليق بغيرهم   إنّ الرّسالة بالإمامة أليق
 

«وَصامِتٌ ناطِقٌ» صامت بالنسبة إلى من لم يعرفوه حيث إن النطق معهم عبث، ناطق بالنسبة إلى من عرفوه وهم أهل الذكر (عليهم السلام) وقد روي عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل أنه قال بعد وصف القرآن بما وصف ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه وفيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون فلو سألتموني عنه لعلمتكموه (٩) (١٠).


(1) - ملخّص ما في تفسير الأمثل مع تغير طفيف.
(2) - سورة سبأ، الآية: ٢٤.
(3) - سورة غافر، الآية: ٢٩.
(4) - المناقب: ١/٤٩٤.
(5) - سورة الإنسان، الآيات: ٨ ـ ١٠.
(6) - انظر إلى حديث الثقلين.
(7) - أخرج هذا المعنى الترمذي في سننه: ج٥: ص٦٣٣، ح ٣٧١٤، وغيره.
(8) - المناقب: ج١، ص٢٥٤.
(9) - أهم المصادر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، في ظلال نهج البلاغة، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.
(10) - بقلم: الشيخ فادي الفيتروني.

 

   الأخلاق في القرآن



إذا كانت التّوبة توبةً حقيقيةً وواقعيةً ونابعةً من الأعماق، فلابدّ من أن تقع مورد القَبول من قبل الله تعالى، العَفوّ الغَفور، وستنشر خيرها وبركاتها على صاحبها في حركة الحياة، وتُغطَّي على ما صدر منه من معاصي، أدّت به إلى السّقوط في منحدر الضّلال والزّيغ. مثل هذا الإنسان، يعيش أجواء الحَذر الدّائم من مجالس السّوء والعصيان، ومن كلٍّ عوامل الذّنب والوساوس، والتّداعيات الاُخرى، الّتي توقعه في وحلّ المعصية مرّةً اُخرى. ويعيش حالة الخجل والنّدم، ويدأب باستمرار لتحصيل رضا الله تعالى، وجبران ما فاته من الطّاعات. هذه هي العلاقات الفارقة لهم، عن المتظاهرين والمرائين.
 

قال قسم من المفسّرين، في معرض تفسيرهم للآية الشّريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ (١).

قالوا: إنّ المراد من التّوبة النّصوح، هي تلك التّوبة التي تفعّل في الإنسان عناصر الخير من موقع النّصيحة، وتتجلى في روح التّائب على مستوى حثها له، للقضاء على جذور العصيان في باطنه، قضاءً تامّاً بلا رجعة بعدها.
 

وفسّرها قسم آخر، بالتّوبة الخالصة، وقال آخرون إنّ: «النّصوح» من مادّة «النّصاحة»، وهي بمعنى الخِياطة والتّرقيع، لما حدث من تمزيق، وبما أنّ الذّنوب: الإيمان والدّين فتقوم التّوبة بتوصيلها ببعض، وتعيد التّائب إلى حضيرة الأولياء، كما تجمع الخياطة بين قطع الثّوب (٢).
 

إنّ بركات وفوائد التّوبة جمّةٌ لا تُحصى، وقد أشارت إليها الرّوايات والآيات العديدة، ومنها:

١ ـ تمحو وتُفني الذّنوب، كما ورد في ذيل الآية: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾، ثمَّ قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣).
٢ ـ تمنح التّائب بركات الأرض والسّماء، كما ورد في الآيات (١٠ و١١ و ١٢) من سورة نوح(عليه السلام): ﴿
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾.
٣ ـ تبدل التّوبة السّيئات حسنات، كما ورد في سورة الفرقان الآية (٧٠): ﴿
إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
٤ ـ يتعامل الله مع هذا الإنسان، من موقع السّتر على الذّنوب، وينسي الملائكة الكاتبين ذنبه، ويأمر أعضاء بدنه بالستر عليه يوم القيامة، وكتمان أمره، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إِذا تابَ العَبْدُ تَوبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللهُ وَسَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ»، فَقُلْتُ: وَكَيفَ يَسْتُرُ؟ قَالَ: «يُنْسِي مَلَكَيهِ ما كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ: اُكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَهُ، وَيُوحِي إِلى بِقاعِ الأَرْضِ: اُكْتُمِي ما يَعْمَلُ عَلَيكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى اللهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيسَ عَلَيهِ شَيءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَيء مِنَ الذُّنُوبِ» (٤).
٥ ـ التّائب الحقيقي، يُحبّه الله تعالى، لدرجة أن ورد في الحديث: «إِنّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ أَعطَى التّائِبِينَ ثَلاثَ خِصال، لَو أَعطى خِصْلَةً مِنْها جَمِيعَ أَهْلِ السَّمواتِ والأَرضَ لَنَجَوا بِها».وبعدها يشير إلى الآية الشريفة: ﴿
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٥). وقال: «مَنْ أَحَبَّهُ اللهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ».

ثمّ يُعرّج على الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦)» (٧).
 

إلى هنا نصل إلى خاتمة بحثنا، في الخطوة الاُولى لتهذيب الأخلاق، وهي التّوبة، وتوجد مطالب اُخرى في هذا المجال، يمكن الاستفادة منها في بحوث مُستقلة.

نعم، فإنّه ما لم ينجلِ عن القلب والروح صدأ الذُنوب، ويتحرك الإنسان لتطهير النّفس من مخلفات المعصية بماء التّوبة، فلن يشرق القلب بنور ربّه، ولن يتمكن هذا الإنسان من السّير على خطّ الإيمان، والسّلوك إلى الله تعالى والفوز بجواره، ولن يذوقَ طعم التجلّيات العرفانيّة، في حركة الحياة المعنويّة.

هذا هو أوّل محطٍّ للرحال، وأهمّها، ولا يمكن تخطّيه إلاّ بعزم صادق وإرادة راسخة، يدعمها لطفٌ إلهي وتوفيقٌ ربّاني، ولا يُلقّيها إلاّ ذو حظٍّ عظيم.
 

الخطوة الثّانية: المشارطة:
 

الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق، في خطّ الالتزام الدّيني بعد التّوبة: «المشارطة»: والقصد منها هو الاشتراط على النّفس وتذكيرها وتنبيهها، وأفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر، والتنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة، الكبيرة العظيمة عند الله تعالى، فيذكّر نفسه ويوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير والصّلاح، فإذا ما انقضى العُمر فلن يفيد النّدم، ولا يمكن الاستدراك، وليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٨)، فإذا ما ضاع العُمر، فلن ينفع شيءٌ بعده: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ (٩). وعليه أنّ يُحدِّث نَفسه، ويقول لها: تصوّري أنّ العُمر قد انقضى، وزالت الحُجب وتجلّت الحقائق المُرّة، وبرزت مَعالم العَذاب، وهَولِ المطّلع، ومُنكَر وَنكير، فحينئذ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ، وتقولين: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (١٠).

وعلى فرض أنّك لم تسمعي جواب: «كلاّ»، وأعادوكِ إلى الدنيا فهل ستتعظين وتُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب الله؟ ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة: العَين والاُذن واللّسان واليّد والرّجل والبطن والفَرج، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم وفي خدمتك، فلا تقحميها في المعاصي، فإنّ لجهنَّم سبعة أبواب، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس، يدخلون جهنّم منها، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم، والهدف المرسوم لها، وبذلك توصَد أبواب جهنم دونها، وتفتح أبواب الجنان لها؟.

ويُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه، للاستعانة بها في طريق الطّاعة لا المعصية، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً.
 

ونَجد في أدعية الإمام السجاد(عليه السلام)، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على الله. ففي الدّعاء، رقم (٣١) المعروف بدعاء التّوبة، يقول الإمام(عليه السلام) «وَلَكَ يا رَبِّ شَرطِي أَلاّ أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ، وَضَماني أَنْ لا أَرجَعَ في مَذْمُومَكَ وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعاصِيك».

وكذلك الحال في الآيات القرآنية، فإنّ أصحاب الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كانوا من خلال ارتباطهم مع الله تعالى، بنحو من العهدِ والميثاقِ، يُطبّقون نوعاً من المُشارطة على أنفسهم، في خط الرّسالة والمسؤولية، ففي الآية (٢٣) من سورة الأحزاب، نقرأ: ﴿
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ (١١).
 

وكان بعضهم الآخر، ينقضون العهد مع الباري تعالى، بعد توكيدها، فورد في سورة الأحزاب، الآية (١٥): ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾.

وَوَرَد في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى، وَمَنْ كانَ في نَقْص فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ»(١٢). «فالمُشارطة» إذن: هي من الخُطى المهمّة لَتِهذيب الأخلاق، ولولاها لتراكمت سُحب الغفلة والغُرور، على قلب وروح الإنسان، ولَحادَت به عن الطرّيق القويم، والجادّة المستقيمة (١٣).
 

الخطوة الثّالثة: المراقبة

وخطوات أخرى تأتي إن شاء الله تعالى.


(1) - سورة التحريم، الآية: ٨.
(2) - بحار الأنوار: ج٦، ص١٧.
(3) - سورة التحريم، الآية: ٨.
(4) - اُصول الكافي: ج٢، ص٤٣٠، باب التوبة، ح١.
(5) - سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(6) - سورة غافر، الآية: ٧ الى ٩.
(7) - اُصول الكافي: ج٢، ص٤٣٢.
(8) - سورة العصر، الآية: ١ و ٢.
(9) - سوره العصر، الآية: ٣ و ٤.
(10) - سورة المؤمنون، الآية: ١٠٠.
(11) - بحار الأنوار: ج٦٧، ص٦٤.
(12) - بحار الأنوار: ج٦٧، ص٦٤.
(13) - الأخلاق في القرآن.

 

   الجهاد في القرآن الكريم

 

اللغة:

* اجْتَبَاكُمْ: اختاركم.
*
حَرَجٍ: ضيق.

(الجهاد الأكبر) و(الجهاد الأصغر):

يصدر الله عزَّ وجل أمره الخاص بالجهاد بالمعنى الشامل للكلمة، فيقول عزّ من قائل: ﴿
وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. ومعظم المفسّرين لم يخصّوا هذه الآية بالجهاد المسلّح لأعداء الله، بل فسّروها بما هي عليه من معنىً لغوي عامّ، بكلّ نوع من الجهاد في سبيل الله والاستجابة له وممارسة أعمال البرّ والجهاد مع النفس (الجهاد الأكبر) وجهاد الأعداء والظلمة (الجهاد الأصغر).

نقل العلاّمة الطبرسي (رحمه الله) في «مجمع البيان» عن معظم المفسّرين قولهم: إنّ القصد من «حق الجهاد» الإخلاص في النيّة والقيام بالأعمال لله خالصة. ولا شكّ في أنّ حقّ الجهاد له معنىً واسع يشمل الكيف والنوع والمكان والزمان وسواها، ولكن مرحلة «الإخلاص في النيّة» هي أصعب مرحلة في جهاد النفس، لهذا أكّدتها الآية، لأنّ عباد الله المخلصين فقط هم الذين لا تنفذ إلى قلوبهم وأعمالهم الوساوس الشيطانية، رغم قوّة نفاذها وخفائها.

والقرآن المجيد يبدأ تعليماته الخمسة من الخاصّ إلى العامّ، فبدأ بالركوع فالسجود، وانتهى بالعبادة بمعناها العامّ الذي يشمل أعمال الخير والطاعات والعبادات وغيرها. وفي آخر مرحلة تحدّث عن الجهاد والمساعي الفرديّة والجماعية باطناً وظاهراً، في القول والعمل، وفي الأخلاق والنيّة.

والاستجابة لهذه التعليمات الربّانية مدعاة للفلاح.

ولكن قد يثار سؤال هو: كيف يتحمّل الجسم النحيف هذه الأعمال من المسؤوليات والتعليمات الشاملة الوسعة؟ ولهذا تجيب بقيّة الآية الشريفة ضمناً عن هذه الاستفهامات، وأنّ هذه التعليمات دليل الألطاف الإلهيّة التي منّها سبحانه وتعالى على المؤمنين لتدلّ على منزلتهم العظيمة عنده سبحانه. فتقول الآيّة أوّلا: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. أي حمّلكم هذه المسؤوليات باختياركم من بين خلقه.

والعبارة الاُخرى قوله جلّ وعلا: ﴿
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي إذا دقّقتم جيداً لم تجدوا صعوبة في التكاليف الربّانية لانسجامها مع فطرتكم التي فطركم الله عليها، وهي الطريق إلى تكاملكم، وهي ألذّ من الشهد، لأنّ كلّ واحدة منها له غاية ومنافع تعود عليكم.

وثالث عبارة: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ إنّ إطلاق كلمة «الأب» على «إبراهيم (عليه السلام)»، إمّا بسبب كون العرب والمسلمين آنذاك من نسل إسماعيل (عليه السلام)غالباً، وإمّا لكون إبراهيم (عليه السلام) هو الأب الروحي للموحّدين جميعاً على الرغم من خلط المشركين دينه الحنيف بأنواع من الخرافات الجاهلية آنذاك.

ويليها تعبير: ﴿
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أي هو سمّاكم المسلمين في الكتب السماوية السابقة، وفي هذا الكتاب السماوي أيضاً (القرآن)، وإنّ المسلم ليفتخر بأنّه قد أسلم نفسه لله في جميع أوامره ونواهيه.

وقد اختلف المفسّرون لمن يعود ضمير (هو) في العبارة السابقة، فقال بعضهم: إنّه يعود إلى الله تعالى، أي إنّ الله سمّاكم في الكتب السماوية السابقة والقرآن بهذا الاسم الذي هو موضع فخركم، ويرى آخرون أنّ ضمير (هو) يعود إلى إبراهيم (عليه السلام) ويستدلّون بالآية (١٢٨) من سورة البقرة حيث نادى إبراهيم (عليه السلام) ربّه بعد إتمامه بناء الكعبة قائلا: ﴿
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.

ونحن نرى أنّ التّفسير الأوّل أصوب، لأنّه ينسجم مع آخر الآية ذاتها حيث يقول: ﴿
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أي هو سمّاكم المسلمين في الكتب السماوية السابقة والقرآن المجيد، وهذا القول يناسب الله عزّوجلّ ولا يناسب إبراهيم (عليه السلام) (١).

وخامس عبارة خصّ بها المسلمين وجعلهم قدوة للأُمم الأُخرى هي قوله المبارك: ﴿
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.

و«الشهيد» هو الشاهد، وهي كلمة مشتقّة من شهود، بمعنى اطّلاع المرء على أمر أو حدث شهده بنفسه. وكون الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على جميع المسلمين يعني اطلاعه على أعمال اُمّته، وينسجم هذا المفهوم مع حديث (عرض الأعمال) وبعض الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك، حيث تعرض أعمال اُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه في نهاية كل أسبوع فتطلع روحه الطاهرة عليها جميعاً، فهو شاهد على اُمّته. وذكرت بعض الأحاديث أنّ معصومي هذه الأُمّة الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) هم أيضاً شهود على أعمال الناس، نقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قوله: «نحن حجج الله في خلقه ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته» (٢).

في الحقيقة إنّ المخاطب في عبارة «لتكونوا» وحسب ظاهر الكلمة هو الاُمّة جميعاً، وقد يكون المراد قادة هذه الأُمة، فمخاطبة الكلّ وإرادة الجزء أمر متعارف في المحادثة اليومية. ومثال ذلك ما جاء في الآية (٢٠) من سورة المائدة: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً﴾. حيث نعلم أنّ عدداً قليلا منهم أصبحوا ملوكاً.

وهناك معنى آخر لكلمة شهود، هي «الشهادة العمليّة» أي كون أعمال الفرد انموذجاً للآخرين وقدوة لهم، وهكذا يكون جميع المسلمين الحقيقيين شهوداً، لأنّهم اُمّة تقتدي بهم الأُمم بما لديهم من دين يمكنهم أن يكونوا مقياساً للسمو والفضل بين جميع الأُمم.
 

وجاء في حديث عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا بعث الله نبيّاً جعله شهيداً على قومه، وإنّ الله تبارك وتعالى جعل اُمّتي شهداء على الخلق، حيث يقول: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾» (٣).

أي كما يكون النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوة وأُسوة حسنة لأُمّته، تكونون أنتم أيضاً أُسوة وقدوة للناس، وهذا التّفسير لا يناقض الحديث السابق فجميع الأُمّة شهداء، والأئمّة الطاهرين شهود ممتازون على هذه الأُمّة.

وإعادة الآية في ختامها بشكل مركّز الواجبات الخمسة في ثلاث جمل هي: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ فانّ الله هو قائدكم وناصركم ومعينكم: ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.

والحقيقة أنّ جملة: ﴿
فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ دليل على عبارة: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي إنّ الله أمركم بالاعتصام به لكونه خير الموالي وأجدر الأعوان.

ربّنا: تفضّل علينا بالتوفيق للإعتصام بذاتك المقدّسة، ولنكون أُسوةً في الارتباط بالخالق والخلق، وقدوة وشاهداً على الآخرين، ربّنا: انصرنا على أعدائك وأعداء دينك الذين أرادوا بالإسلام والقرآن كيداً، فأنت نعم المولى ونعم النصير. ربّنا: كما دعوتنا في قرآنك الكريم وفي كتبك السماوية الأُخرى، فوفّقنا للتسليم لأمرك، وامحض لنا طاعتك، يا أرحم الراحمين.
 

فوائد وأحكام:

هذه أيضاً دالّة على وجوب الجهاد; لصيغة الأمر الدالِّ على الوجوب.
﴿وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ

ثمّ اعلم: أنَّ الجهاد هنا يحتمل ثلاثة معان:

١ ـ الجهاد مع الكفّار في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله.
٢ ـ الجهاد مع النفس الأمّارة واللّوَّامة في نصرة النفس العاقلة المطمئنَّة، وهو الجهاد الأكبر، ولذلك ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنّه رجع من بعض غزواته فقال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٤).
٣ ـ الجهاد بمعنى رتبة الإحسان، كما قال سبحانه:
﴿
وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٥).
ومعنى رتبة الإحسان هو أن تعبد ربَّك كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، ولذلك قال: ﴿
حَقَّ جِهَادِهِ﴾، أي: جهاداً حقّاً كما ينبغي، بجدّ النفس وخلوصها عن شوائب الرياء، والسمعة مع الخشوع والخضوع.
وقوله: ﴿
فِي اللَّهِ﴾، أي: في عبادة الله.
﴿
هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، أي: اختاركم على الموجودات، وجعلكم خلائف في الأرض، وسلّم إليكم مفتاح الخير والشرِّ.
 

قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: صعوبة وضيق، جواب سؤال مقدّر، تقديره: أنَّ حقَّ جهاده إنّما يتمكّن منه بعض الناس، لا كلّهم، بل لا يكاد يقدر عليه أحد، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا أُحصي ثناءً عليك» (٦)، فكيف يؤمر به الكلُّ؟ أجاب: بأنّه لم يجعل عليكم حرجاً،  و﴿مِنْ﴾ زائدة، بل كلُّ واحد عليه الاجتهاد قدر تمكّنه، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٧) (٨).


(1) - سورة الحج، الآية: ٧٨.
إنّ هذا الدين سمّاه القرآن المجيد بصراحة واضحة (الإسلام) كما جاء في الآية الثّالثة من سورة المائدة ﴿
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. كما ذكرت آيات عديدة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره (أوّل المسلمين) الأنعام، ١٤. الزمر، ١٢.
(2) - كتاب «إكمال الدين» للشيخ الصدوق حسبما نقل عنه تفسير نور الثقلين، ج٣، ص٥٢٦. كما أكّدت ذلك أحاديث أُخرى في هذا المجال.
(3) - تفسير البرهان: ج٣، ص١٠٥.
(4) - الكافي ـ الفروع: ج٥، ص١٢، والرواية هكذا: «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بسرية، فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر...».
(5) - سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.
(6) - سنن النسائي: ج١، ص١٠٢.
(7) - سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(8) - المصادر الأساسية: الأمثل، مجمع البيان، كنز العرفان.

 

 استفتاءات قرآنية


سؤال: ما هي أجزاء القراءة؟

الجواب: القراءة في الصلوات الواجبة اليوميّة في الركعتين الأوليين تجب قراءة الحمد والأحوط وجوباً قراءة سورة كاملة بعدها.

في الركعتين الأخيرتين تجب قراءة الحمد وحدها أو التسبيحات الأربع مرّة واحدة، وإن كان الأحوط استحباباً ثلاث مرات.
أ- في الركعتين الأوليين من الصلوات الواجبة اليوميّة تجب بعد تكبيرة الإحرام قراءة سورة الحمد ثمّ سورة كاملة بعدها على الأحوط وجوباً، ولا يكفي قراءة آية أو عدّة آيات.
ب - في الركعتين الأخيرتين من الصلاة يتخيّر بين قراءة الحمد إخفاتاً من دون سورة أو التسبيحات الأربع (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر).
 

سؤال: ما هي أحكام القراءة في الأخيرتين؟

الجواب:
أ- يكفي قراءة التسبيحات الأربع مرّة واحدة في الركعتين الأخيرتين، وإن كان الأحوط استحباباً التكرار ثلاث مرات.
ب- من لم يعلم أنّه أتى بالتسبيحات الأربع ثلاث مرّات أو أقلّ أو أكثر فلا يجب عليه شيء، نعم إذا لم يركع بعد فيمكنه البناء على الأقل في التسبيحات ويكرّرها حينئذٍ الى أن يتيقّن أنّه قالها ثلاث مرات.
ج - من اعتاد على قراءة التسبيحات الأربع في الأخيرتين فأراد قراءة الحمد مكانها ولكنّه غفل وقرأ التسبيحات، كانت صلاته صحيحة، وهكذا الحال لو كان معتاداً على قراءة الحمد وأراد قراءة التسبيحات مكانها.
د- إذا اشتبه الشخص في أثناء الصلاة، فقرأ الحمد والسورة في الأخيرتين والتفت الى ذلك بعد الفراغ من الصلاة فصلاته صحيحة ولا شيء عليه.
هـ- إذا شك المصلّي وهو واقف في أنّه هل قرأ الحمد أو التسبيحات أم لا؟ يجب عليه قراءة الحمد أو التسبيحات، ولكن لو حصل له الشكّ المذكور عند الاستغفار المستحب فلا يجب عليه شيء.
ز- إذا دخل في ركوع الركعة الثالثة أو الرابعة فشكّ في أنّه هل أتى بالتسبيحات أو الحمد أم لا؟ فلا يعتني بشكّه، نعم لو حصل له الشكّ المذكور قبل وصوله الى حدّ الركوع فالأحوط وجوباً أن يقوم ويقف ويأتي بالحمد أو التسبيحات.
 

سؤال: هل يجب الجهر أو الإخفات بالحمد والسورة في الركعتين الأوليين؟

الجواب:
- في صلاة الصبح والمغرب والعشاء يجب على الرجل المصلّي الجهر بالقراءة.
- يجوز للمرأة المصلّية الجهر بالقراءة أو الإخفات بها، ولكن لو كان هناك أجنبي يسمع صوتها فالأفضل لها الإخفات بالقراءة.
- في صلاة الظهر والعصر يجب الإخفات بالقراءة سواء كان المصلّي رجلاً أم امرأة، إلّا في البسملة (١).


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: إصدار جمعية القرآن الكريم.

 

  مفاهيم قرآنية


يقول الله عزّوجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).

لقد حارب الإسلام العصبية والعنصرية الجاهلية بكل أشكالها والوانها وفي أية صورة ليجمع المسلمين في العالم من أي قوم وقبيلة وعرق تحت لواء واحد لا لواء القومية ولا سواه لأن الإسلام لا يوافق على هذه النظريات المحدودة التي يسعى إليها الناس أكثرهم..

ثم إن معرفة معيار القيم التي يسعى إليها الناس تختلف باختلاف الثقافات وربما أخذت القيم الكاذبة مكاناً بارزاً ولم تبق للقيم الحقة من مكان فجماعة ترى بأن قيمتها الواقعية في الانتساب إلى العائلة المعروفة والطائفة كذلك، ولذلك فإنهم من أجل أن تعلوا سمعه عائلتهم وطائفتهم.. يظهرون نشاطات وفعاليات عامة ليكونوا برفعة العائلة والطائفة..

ولكن ما أحسن أن يبنى المجتمع على أساس معيار القيم الإسلامية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وأن تطوى القيم الكاذبة من قومية ومال وثروة ومناطقية وطبقية من هذا المجتمع..
أجل التقوى الإلهية والاحساس بالمسؤولية الداخلية والوقوف بوجه الشهوات والالتزام بالحق والصدق والطهارة والعدل فهذه وحدها معيار القيم الإنسانية... وسيأتي بيان مكانة التقوى في القرآن إنشاء الله تعالى.
 

*مفهوم التقوى:

التقوى من الوقاية، بمعنى الحفظ أو التحفظ والامتناع والصيانة وشرعاً: بمعنى عقل النفس ومنعها عن كل ما تسوء وعاقبته وذلك بالامتناع عن مخالفة الخالق تبارك وتعالى في الأوامر والنواهي.
بمعنى آخر امتثال أوامر الله واجتناب ما نهى عنه.
والمتقون: هم الذين تقبلوا الإسلام في جميع أبعاده وقد شبه عبد الله بن المعتز التقوى بحالة رجل يسير على طريق شائكة، ويسعى إلى أن يضع قدمه على الأرض بتأنٍ وحذر، كي لا تأخذه الأشواك، أو تتعلق بثيابه، يقول:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقــــى
واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقـرنّ صغيـرة إن الجبال من الحصــى

هذا التشبيه يفيد أيضاً أن التقوى لا تعني العزلة والانزواء عن المجتمع، بل تعني دخول المجتمع وخوض غماره، مع الحذر من الإصابة بلوثته إن كان المجتمع ملوثاً.
بشكل عام، حالة التقوى والضبط المعنوي، أوضح آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، ومعيار فضيلة الإنسان وافتخاره ومقياس شخصيته في الإسلام حتى أضحت الآية السابقة شعاراً إسلامياً خالداً.
 

*التقوى وفوائدها كما يشير القرآن الكريم:

١- التقوى وصية الله تعالى لبني آدم في تمام الكتب السماوية، كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ (٢).
٢- التقوى سبب الحفظ والحصانة من كيد الشياطين كما في قوله سبحانه: ﴿
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ (٣).
٣- التقوى مورد مدح الله تعالى وثنائه كما في قوله سبحانه: ﴿
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).
٤- التقوى سبب العون والتأييد الإلهي في كل الأمور كما في قوله تعالى: ﴿
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ (٥).
٥- التقوى سبب النجاة والرزق الحلال من حيث لا يتوقع الشخص: ﴿
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٦).
٦- بسبب التقوى يطهر الله تعالى عمل العبد من النقص والعيب كما في قوله تعالى: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧).
٧- التقوى سبب مغفرة الذنوب: يقول تعالى: ﴿
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٨).
٨- التقوى سبب محبة الله: تعالى يقول تعالى: ﴿
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
٩- التقوى سبب زيادة العز والكرامة عند خالق العالم: يقول تعالى: ﴿
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٩).
١٠- التقوى سبب إفاضة نور المعرفة والعلم: بحيث يستطيع المؤمن أن يميز بين الحق والباطل يقول تعالى: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ (١٠).
١١- التقوى سبب بشارة الملائكة ساعة الموت: كما يقول تعالى: ﴿
الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١١).
١٢- التقوى سبب الخلاص من العذاب: يقول تعالى: ﴿
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ (١٢).
ويقول سبحانه: ﴿
وَاتَّقُواْ يَوْماً لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (١٣).
يفهم بوضوح أن التقوى هي سبيل نجاة الإنسان من النار والعذاب الإلهي وهي سبيل فلاحه في الدنيا والآخرة ويقول عزّ وجل في كتابه المجيد أيضاً: ﴿
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (١٤). نعم فالذنوب هي التي تقيد الإنسان وهي التي تمنع أنعم الله.
١٣- التقوى سبب قبول الأعمال: يقول تعالى: ﴿
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٥)، إلى غير ذلك من الفوائد للتقوى التي نستفيدها من القرآن الكريم.
 

*اختصاص هداية القرآن للمتقين:

يقول سبحانه: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١٦) لماذا خصت الآية القرآنية المتقين بالهداية مع أن القرآن هداية للعالمين للبشرية جمعاء.
السبب هو أن الإنسان لا يتقبل هداية الكتب السماوية ودعوة الأنبياء، ما لم يصل إلى مرحلة معينة من التقوى وهي مرحلة التسليم أمام الحق وقبول ما ينطبق مع العقل والفطرة، بعبارة أخرى الناس على قسمين:
قسم يبحث عن الحق ويحمل مقداراً من التقوى يدفعه لأن يقبل الحق أنى وجده.
وقسم لجوج متعصب قد استفحلت فيه الأهواء ولا يبحث عن الحق بل يسعى في إطفاء نوره حيثما وجده ومن المسلم به أن أفراد القسم الأول هم الذين يستفيدون من القرآن وقول الحق.
 

خصائص خمس للمتقين:

ثم يتابع الله عزَّ وجل فيقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدىً مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٧). لقد طرحت الآيات هذه خمس خصائص للمتقين وهي على الشكل التالي:

الإيمان بالغيب.
الارتباط بالله سبحانه من خلال الصلاة.
الارتباط بالناس من خلال ما ينفقون من أموالهم.
الإيمان بجميع الأنبياء وبرسالاتهم الإلهية.
الإيمان بيوم القيامة.

كل عمل لا بد أن يقترن بالتقوى:

يقول الله سبحانه: ﴿
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١٨).
النظرة القرآنية تجاه الأعمال تؤكد صراحة أن العمل المرتكز على التقوى يحظى بمباركة الله تعالى ورضاه ورضا رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)،على العكس من العمل الذي لا يرتكز على التقوى فإنه لن يحقق شيئاً وإن كان في الظاهر جيد.

فقد شبهت الآية الكريمة العمل الذي لا يرتكز على التقوى ببناء يقام على حافة جرف هارٍ يقع في مجرى الطوفان فهل يمكن لهكذا بناء أن يصمد ويقاوم الطوفان؟ فمن يرتكب الذنوب كالغيبة والكذب والإهانة المتبادلة والطعن وإثارة الشائعات والتهاون اتجاه الفرائض وغيرها من الذنوب شخص لا يستند على أساس قوي ولا ثابت وهي شبيهة إلى حد بعيد ببناء يقام على شفا جرف هارٍ.
فكل عمل لا يستند على التقوى لن يحظى برضا الله سبحانه وقبوله فتنبه.
 

أوصاف أخرى للمتقين:

يقول الله عزَّ وجل: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٩).
وقال تعالى أيضاً: ﴿
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢٠).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “ يا أبا ذر، إن المتقين الذين يتقون الله من الشيء الذي لايُتّقى منه، خوفاً من الدخول في الشبهة “ الخبر.
 

رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا: أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ اَلْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ (عليه السلام) عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ يَا هَمَّامُ اتَّقِ اَللَّهَ وَأَحْسِنْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا اَلْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمُ الاِقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ وَلَوْلاَ الْأَجَلُ اَلَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ اَلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.. (٢١).
 

قصة بلال الحبشي والمقياس الحقيقي للانسان:

يذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بلالاً بعد فتح مكة أن يؤذن فصعد بلال وأذن على الكعبة فقال «عتاب بن أسيد» الذي كان من الأحرار: أشكر الله أن مضى أبي من هذه الدنيا ولم ير مثل هذا اليوم. وقال «الحارث بن هشام» أيضاً ألم يجد رسول الله غير هذا الغراب الأسود للأذان؟! فنزلت الآية السابقة وبينت معيار القيم الواقعية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢٢).

نسأل الله سبحانه الإيمان والتقوى والورع إنه خير مجيب ومعين (٢٣).


(1) - سورة الحجرات، الآية: ١٣.
(2) - سورة النساء، الآية: ١٣١.
(3) - سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.
(4) - سورة آل عمران، الآيات: ٣- ١٨٦.
(5) - سورة النحل، الآية: ١٢٨.
(6) - سورة الطلاق، الآيتان: ٢-٣.
(7) - سورة الاحزاب، الآيتان: ٧٠- ٧١.
(8) - سورة الاحزاب، الآية: ٧١.
(9) - سورة الحجرات، الآية: ١٣.
(10) - سورة الانفال، الآية: ٢٩.
(11) - سورة يونس، الآيتان: ٦٣-٦٤.
(12) - سورة مريم، الآية: ٧٢.
(13) - سورة البقرة، الآية: ٤٨.
(14) - سورة الاعراف، الآية: ٩٦.
(15) - سورة المائدة، الآية: ٢٧.
(16) - سورة البقرة، الآيتان: ١-٢.
(17) - سورة البقرة، الآيات: ٢- ٥.
(18) - سورة التوبة، الآية: ١٠٩.
(19) - سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(20) - سورة الذاريات، الآيتان: ١٥- ١٩.
(21) - نهج البلاغة:الخطبة /٩٣.
(22) - سورة الحجرات، الآية: ١٣.
(23) - مفاهيم قرآنيّة (إعداد جمعية القرآن الكريم).

 

  دروس في علم التجويد

بعض أحكام والطرق الواجب اتباعها
لحفص عن عاصم من طريق طيبة النشر



استكمالاً لبحثنا حول الأحكام والطرق التي اتبعها حفص عن عاصم في روايته من طريق الشاطبية والأحكام الواجبة والجائزة تلاوة في هذا الإطار.
نتحدث اليوم عن بعض أحكام والطرق الواجب اتباعها لحفص عن عاصم عن طريق طيبة النشر.
فمن القواعد المقررة أن مرتبة القصر في المنفصل لحفص عن عاصم رحمهما الله من هذا الطريق يأتي عليها مرتبتان من مراتب المتصل المتقدمة وهما: التوسط والإشباع.
والقصر في المنفصل عام باستثناء ما جاء في كلمة التوحيد في عموم القرآن الكريم، فإن بعضاً من أهل الأداء ذهب فيه الى التوسط، وهو المسمى عندهم بمد التعظيم – وتقدم الكلام عليه في المبحث الرابع.


فإذا قُرئ لحفص بالقصر المطلق أي قصر المنفصل مع كلمة التوحيد ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مع التوسط في مد المتصل (٤ حركات) يتعين الأخذ بعشرة أحكام وجوبا، ويجوز الوجهان أو أحدهما في حكم واحد.

أما الأحكام العشرة الواجبة فهي:

١- عدم أخذ الغنة في اللام والراء عند إدغام النون الساكنة والتنوين فيهما، نحو: ﴿
مِّن رَّبِّهِمْ﴾ - ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾.
٢- الأخذ بوجه الصاد في قوله تعالى ﴿
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ البقرة: ٢٤٥، وقوله سبحانه في ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ الأعراف: ٦٩، وقوله سبحانه في ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ الغاشية: ٢٢.
٣- الأخذ بوجه السين في قوله تعالى ﴿
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الطور:٧ ٣.
٤- الإبدال ألفا مع الإشباع في قوله تعالى: ﴿
آلذَّكَرَيْنِ﴾ الأنعام: ١٤٣، ١٤٤، و﴿آلْآنَ﴾ يونس: ٥١، ٩١ و﴿آللَّهُ﴾ يونس: ٥٩ و النمل: ٥٩.
٥- الإدغام في قوله سبحانه ﴿
ارْكَب مَّعَنَا﴾ هود: ٤٢.
٦- الإظهار في النون من﴿
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ يس: ١، ٢ و ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ القلم /١.
٧- السكت فقط على ﴿
عِوَجَاً ، مَّرْقَدِنَا ، مَنْ رَاقٍ ، بَلْ رَانَ﴾.
٨- الأخذ بوجه التوسط فقط في «عين» من فاتحة مريم والشورى.
٩- فتح الضاد في المواضع الثلاثة من كلمة ﴿
ضَعْفٍ﴾ الرُّوم: ٥٤.
١٠- الأخذ بوجه الإسكان في اللام الثانية وقفا من كلمة ﴿
سَلَاسِلَاْ﴾ الإنسان: ٤.

أما الحكم الجائز فيه الوجهان، أو الاقتصار على أحدهما فهو التكبير لأواخر سور الختم.(من سورة الضحى الى الناس) (١).


(١) - الأستاذ الحاج عادل خليل مدير قسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم.

 

 أشهر القراء المبدعين

القارىء الشيخ محمود خليل الحصري

(من جمهورية مصر العربية)


ولادته: ولد فضيلة الشيخ القارىء محمود خليل الحصري في غرة ذي الحجة سنة ١٣٣٥ وهو يوافق ١٧ من سبتمبر عام ١٩١٧، بقرية شبرا النملة، مركز طنطا بمحافظة الغربية بمصر. وحفظ القرآن الكريم وسنه ثمان سنوات، ودرس بالأزهر، ثم تفرغ لدراسة علوم القرآن لما كان لديه من صوت متميز وأداء حسن، وكان ترتيبه الأول بين المتقدمين لامتحان الإذاعة سنة (١٣٦٤ = ١٩٤٤) وكان قارئا بالمسجد الأحمدي، ثم تولى القراءة بالمسجد الحسيني منذ عام (١٣٧٥ = ١٩٥٥) وعين مفتشاً للمقارىء المصرية ثم وكيلا لها، إلى أن تولى مشيخة المقارىء سنة (١٣٨١ = ١٩٦١).


وكان أول من سجل المصحف الصوتي:

المرتل برواية حفص عن عاصم سنة (١٣٨١ = ١٩٦١) وظلت إذاعة القرآن بمصر تقتصر على صوته منفردا حوالي عشر سنوات، ثم سجل رواية ورش عن نافع سنة (١٣٨٤ = ١٩٦٤) ثم رواية قالون والدوري سنة (١٣٨٨ = ١٩٦٨) وفي نفس العام: سجل المصحف المعلم وانتخب رئيسا لاتحاد قرّاء العالم الإسلامي.ورتل القرآن الكريم في كثير من المؤتمرات، وزار كثيرا من البلاد العربية والإسلامية الآسوية والإفريقية، وأسلم على يديه كثيرون.
 

وهو أول من نادى بإنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم:

ترعى مصالحهم وتضمن لهم سبل العيش الكريم، ونادى بضرورة إنشاء مكاتب لتحفيظ القرآن فى جميع المدن والقرى، وقام هو بتشييد مسجد ومكتب للتحفيظ بالقاهرة.

وكان حريصاً في أواخر أيامه على تشييد مسجد ومعهد ديني ومدرسة تحفيظ بمسقط رأسه قرية شبرا النملة. وأوصى في خاتمة حياته بثلث أمواله لخدمة القرآن الكريم وحُفَّاظه، والإنفاق في كافة وجوه البر. توفي مساء يوم الإثنين ١٦ المحرم سنة ١٤٠١ وهو يوافق ١٩٨٠/١١/٢٤، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
 

وله أكثر من عشر مؤلفات فى علوم القرآن الكريم منها:

أحكام قراءة القرآن الكريم.
القراءات العشر من الشاطبية والدرة.
معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء.
الفتح الكبير في الإستعاذة والتكبير.
أحسن الأثر في تاريخ القراء الأربعة عشر.
مع القرآن الكريم.
قراءة ورش عن نافع المدني.
قراءة الدوري عن أبي عمرو البصري.
نور القلوب في قراءة الإمام يعقوب.
السبيل الميسر في قراءة الإمام أبي جعفر.
حسن المسرة في الجمع بين الشاطبية والدرة.
النهج الجديد في علم التجويد.
رحلاتي في الإسلام. وله مقالات عديدة فى مجلة لواء الإسلام.

أما قراءته فتمتاز بأشياء منها:
متانة القراءة ورزانة الصوت، وحسن المخارج التي صقلها بالرياضة. العناية بمقادير المدود والغنات ومراتب التفخيم والترقيق، وتوفية الحركات. الاهتمام بالوقف والابتداء حسبما رسمه علماء الفن.

 

  مقابلة العدد

مقابلة مع المدرس والقارئ الإيراني وحيد خزاعي

 

مقابلة مع القارئ والمدرِّس الإيراني وحيد خزاعي، زار لبنان بدعوة من جمعية القرآن الكريم وقد أجرينا معه هذه المقابلة وأجابنا عن الأسئلة التالية:

س ١ – حدِّثنا عن تجربتكم مع القرآن الكريم؟
ج ١ – أشكركم في البداية على هذا اللقاء، وتجربتي القرآنية اتجهت نحو التخصص في تلاوة القرآن بطريقة التحقيق، وأدرِّس تلاوة القرآن في المدارس أثناء العام الدراسي، ولكن ما يهمني أكثر من أي شيء آخر هو أن تكون حياتنا حياةً إلهية ونقية صافية.

س ٢ ـ ماذا تحفظ من كتاب الله عزَّ وجلّ؟
ج ٢ ـ أنا أحفظ الآيات القرآنية بشكل موضوعي، وأحفظ الكثير من المقاطع التي أقرؤها في الاحتفالات والأمسيات القرآنية، وقد وفقني الله لحفظ الجزأين الأول والأخير وما زلت أتابع حفظ القرآن وأحاول أن أكمله في وقت قريب بإذن الله.

س ٣ ـ ما هي البلدان التي سافرتم إليها؟
ج ٣ ـ لبنان هو أوّل بلد سافرت إليه.

س ٤ ـ كيف تقيّمون الأمسيات القرآنية التي شاركتم فيها في لبنان؟
ج ٤ ـ خلال زيارتي للبنان كنت أقرأ في الأمسيات القرآنية في كل يوم مرة أو مرتين، وبرأيي فإن هذه الأمسيات توجِد الإلفة أكثر بين الناس وتوحِّد بعضهم مع البعض الآخر وتجمعهم حول مائدة القرآن المباركة.

س ٥ ـ كيف تقيّم الحضور الشعبي في الأمسيات القرآنية؟
ج ٥ ـ لقد كان حضور الناس حضوراً مميزاً في الأمسيات التي أقيمت في المدن والقرى المختلفة من لبنان حيث كنت أرى الحضور العفوي والمتشوِّق لاستماع تلاوات القرّاء والحفاظ وفرق التواشيح.

س ٦ ـ كيف وجدت حضور الجيل الشاب في الأمسيات القرآنية؟
ج ٦ ـ في الحقيقة أقول لكم إن إحدى الدوافع الكبيرة التي شجعتني كثيراً على التلاوة في الأمسيات القرآنية هو حضور الشباب اللبنانيين الغيارى، حيث إنني رأيت فيهم الأدب والعلم والإرادة ولهم الأثر الكبير في الحفاظ على مستقبل بلدهم لبنان العزيز، وأتمنى لكم ولهم السلامة والنصر.

س ٧ ـ ما هي نصيحتكم لقرّاء القرآن حتى يصبحوا قرّاءً مجيدين؟
ج ٧ ـ النقطة الأساسية التي يمكنني أن أقولها للإخوة القرّاء هي أن يتعلموا على يدي قارئ وأستاذ ذي علم وتجربة، وأن يتعرّف كل واحد منهم إلى قدراته وقابلياته، وبرأيي المتواضع وأهم من كل ذلك أن يكون القارئ قرآنياً ومتخلقاً بأخلاق القرآن.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).


(١) - أعدّها مسؤول العلاقات الحاج عباس عساف.

 

  حوارات قرآنية

حفظة القرآن الجامعيين

 

حوار قرآني أجرته أسرة جمعية القرآن الكريم مع حافظة كامل القرآن الأخت فاطمة عباس عطية.


نبذة مختصرة: فاطمة عباس عطيه هي طالبة جامعية وفقها الله للحفظ والنجاح في المسابقة السنوية لجائزة السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه) لحفظة القرآن الكريم الجامعيين لعام 2015م .


س 1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ...﴾ .
ج : أي أن نرتبط بدين الله عزَّوجل ونتعاون على نشره ونكون يد واحدة في ذلك.


س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (ص) : " إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً؟ 
ج : أي أن الرسول (ص) يشير إلى عظمة حافظ القرآن وحامله لأنَّ نعمة حفظ القرآن هي نعمة ربانية أفضل من كل النعم .


س 3: مروي عن أبي عبد الله (ع) أنَّ : " الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (2) الكرام البررة (3) "، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ 
ج : طبعاً هذا الحديث يشعرني بالفخر الكبير في مجال التواضع لله سبحانه وتعالى لأنه نعمة منه سبحانه لنرقى إن شاء الله في الآخرة .

س 4: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج : إن لجائزة سيد الشهداء الأثر العظيم في تشجيع الحفاظ على المثابرة الكبيرة بهدف تثبيت المحفوظات بشكل جيد وممتاز نظراً لقيمتها المعنويّة في نفسية الحافظ.


س 5: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج : أنا أنصح طلاب الجامعات أن لا يفوتهم حفظ كتاب الله سبحانه لأنَّ له أثر عظيم في حياتنا فضلاً عن الدرجة العظيمة يوم القيامة إن شاء الله تعالى .


س 6: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج : أسمى آيات الشكر والامتنان لسماحة السيد حسن نصرالله حفظه الله شاكرين دعمه لهذا المشروع العظيم وجعله الله ذخراً دائماًً للوطن والأمة.


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة.
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.

 

  حفظ القرآن

مسائل يحتاجها عشاق حفظ القرآن الكريم

 

من الضرورة بمكان مراعاة المسائل الواردة أدناه، من أجل بلوغ القمة الرفيعة لهداية كتاب الله وتجرع شراب المعرفة من كأس هذا الذكر المبين، وذلك من طريق آياته المحببة التي تداعب القلوب وتجذبها:
 

١- الالتفات الى الأمور المعنوية:
القرآن بحر المعنويات الذي لا حد له ولا قعر، وسماء لا متناهية من الروحانية، لذلك يجب تصفية الباطن من الملوثات وصقل الروح بالمعنويات الروحانية من أجل بلوغ هذا المصباح المنير الدائم التلألؤ والضياء. إن بجعل الأمور المعنوية عنواناً، يصبح قلب الإنسان الترابي جاهزاً لقبول حفظ الكتاب السماوي.
أ - خلوص النية: ﴿
وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١).
ب - الطهارة: ﴿
لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢).
ج - خشوع القلب: ﴿
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٣).
د - التوكل: ﴿
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤).
هـ - التوسل: ﴿
وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٥)
و - الدعاء: ﴿
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ (٦)

٢- الداعي والمحفز:
يقول الإمام علي (عليه السلام): «العلم داعي الفهم» (٧).
من الأمور المهمة التي يحتاجها أي عمل- ومن جملته حفظ القرآن- المحفز. وهذا الأمر يجب أن يستمر حتى النهاية من أجل التوفيق في إنجاز كامل الحفظ، ويدخل في هذا المضمار (المحفز) المطالعة والاستماع إلى روايات المعصومين التي تتحدث عن فضيلة الحفظ، لأن المعصومين هم معادن العلم والرحمة والحكمة الإلهية، كذلك الاستماع إلى بيانات وإرشادات العلماء والحكماء الكبار، لاسيما حامل لواء القرآن: القائد الحكيم وحامي الحافظين والداعم لهم قائد الأمة الاسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) الذي يفيض على حافظي القرآن تشويقاً وتشجيعاً لحفظ الآيات الكريمة، ويحفزهم على تقوية العلاقة وإيجاد الدافع في الحفظ للوصول إلى المنازل المقصودة من (حفظ كامل القرآن).

٣ - الارادة:
يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) «أصل العزم الحزم وثمرته الظفر» (٨).
يجب على الراغبين في حفظ القرآن الكريم أن يعلموا أن الرغبة والعلاقة ليست كافية في الحفظ، بل إن الارادة والعزم من ضروريات هذا العمل، إن طي هذا الطريق المزهر والوصول إلى حفظ كلام الخالق الذي يحرك الأرواح ويعرج بها نحو الملكوت يلزمه إرادة راسخة، وعدم الرضوخ إلى الارتخاء أو الكلل أو الملل أو الركود أثناء المسير في طريق الحفظ. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): إن الإرادة من العباد الضمير وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عزَّوجل فالإرادة للفعل إحداثه، إنما يقول له: «كن فيكون» بلا تعب ولا كيف (٩).

٤ - التركيز:
يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «حق العلم أن تفرغ له قلبك وتحضر ذهنك وتذكّر له سمعك وتشحذ له فطنتك» (١٠).
من البديهي القول إن التركيز وجمع الحواس وتمركزها يعد من أهم العوامل للوصول إلى الكيفية المطلوبة لحفظ الآيات في الذهن، لذلك، يجب اجتناب كل ما يعد مانعاً في التركيز (كالحفظ في مكان مكتظ بالناس أو في الضوضاء و..).

٥- وضع البرنامج:
يقول الإمام علي (عليه السلام): «وامضِ لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه» (١١).
إن وضع البرنامج الدقيق والمناسب له تأثير كبير غير قابل للانكار في دفع الحافظ باتجاه هدفه العالي وهو حفظ القرآن الكريم- (البشارة الإلهية)- في ذهنه، لذلك يجب تنظيم برنامج متكامل وجامع وشامل للحفظ والتكرار والعمل والالتزام به لضمان التوفيق في عمله.

٦- النظم:
يقول الإمام علي (عليه السلام): «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم امركم» (١٢).
بعد تنظيم البرنامج الدقيق والكامل يجب على الحافظ أن يتعهد العمل به ويعاهد نفسه على ذلك، ويراعي النظم في البرنامج بحيث يكون أولوية بالنسبة إليه، لأن من دون النظم يبقى البرنامج بلا فائدة ويذهب العمل هباءً منثورا.


٧- الثقة والاعتماد على النفس:
يقول صادق أهل البيت (عليه السلام): «احمل نفسك بنفسك فإن لم تفعل لم يحملك غيرك» (١٣).
إذا لم يكن طي طريق الحفظ معتمداً على القدرات الذاتية وواثقاً بها، بحيث يواصل المسير حتى نهايته بعناية الله تعالى والاعتماد على الجهد الفردي، فإن الحافظ في وسط الطريق سوف يتعب ويستسلم إلى الملل، ومن المحتمل أن يتوقف عن متابعة البرنامج ويعطل الحفظ.

٨- الجهد المستمر:
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه» (١٤).
إن المداومة على برنامج الحفظ والاستمرار ببذل الجهد والمرور على الآيات أمر ضروري، هذا بالإضافة إلى المسائل التي ورد ذكرها، لأن التوقف، خصوصاً، في التكرار يسبب نسيانها، كذلك فإن العجلة تعد مانعاً مهماً في التسلط على المحفوظات، لذلك يجب التقدم بالبرنامج بشكل هادىء، واجتناب أي نوع من العجلة أو التوقف.

٩- الخط المناسب:
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من أجود كتابك» (١٥).
من المسائل المهمة اختيار نسخة من القرآن الكريم بخط جميل وحجم مناسب، لأن ذلك موجب للحفظ بكيفية أفضل. ويجب أن يكون الخط مناسباً لا كبيراً ولا صغيراً، كذلك الاستفادة من خط ثابت (خط واحد) فهذا يعد أكثر نظماً في الحفظ.


(1) - سورة البينة، الآية: ٥.
(2) - سورة الواقعة، الآية: ٧٩.
(3) - سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.
(4) - سورة الطلاق، الآية: ٣.
(5) - سورة المائدة، الآية: ٣٥.
(6) - سورة الفرقان، الآية: ٧٧.
(7) - علم وحكمت: ج١، ص ٧٤.
(8) - ترجمة ميزان الحكمة: ج٨، ص ٣٧٥٦.
(9) - نور الثقلين: ج٤، ص٣٩٧، ح٩٦.
(10) - احقاق الحق، ج١٢، ص ١٨.
(11) - نهج البلاغة، رسالة: ٥٣، ص ١٠٢٢.
(12) - نهج البلاغة، كتاب ٤٧، ص ٤٢١.
(13) - الكافي، ج ٢، ص ٤٥٤.
(14) - نهج البلاغة، الحكمة ٣٧٨، ص ٥٢٥.
(15) - الكافي: ج٢، ص٦٧٣.

 

   المرأة في القرآن

دور المــــرأة في الجهاد على ضوء القرآن

 

كانت المرأة المسلمة تذهب إلى ساحات الجهاد لتشجع إخوتها وأولادها على خوض غمار الحرب، وهي معهم تطبب وتداوي وتسقي العطشى وتعين المصاب. ولا يزيدها فَقْدُ الأولاد والأخوة والأعمام إلا حرصاً على الإسلام وتفانياً فيه. وقد كانت المرأة المسلمة تسمع بأذنيها نعي أعزائها وأحبائها، وهي في شوق وتلهف- في الوقت نفسه- للاطمئنان على سلامة رسول الله (١). ومع ذلك «ليس في الإسلام على المرأة جهاد، إلا حينما يكون كيان الإسلام في خطر أكيد» (٢).

نعم قد تخرج المرأة مع الرجال إلى ساحات الحرب، لكن هذه الحالات استثنائية وليست عامة. ولقد كانت بعض النسوة تخرج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحرب للمساعدة ومداواة الجرحى وطلب الماء للمحاربين، وفي بعض الحالات النادرة مشاركتهن في الحرب، كما حصل مع أم عمارة حين رأت الخطر الذي يتهدد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاندفعت للدفاع عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لذلك يعد خروجها استثنائياً ولضرورة خاصة. أما خروج السيدة زينب (عليه السلام) ونساء الامام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء فأمر آخر، لأن فيه حكمة ومشيئة إلهية، وهذا الخروج له بحثه الخاص.

على أن دور المرأة في إعداد الرجال الأقوياء والأشداء وتشجيعهم على الذهاب إلى سوح القتال ومجاهدة الأعداء ليس بأقل من دور الرجل في الجهاد. يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣).

وكلمة القوة تشمل القوة العسكرية والقدرات الاقتصادية والثقافية والسياسية، وأهم عنصر في القوّة إعداد الرجال للحرب، لأنّ العنصر البشري، هو كلمة الفصل في الحروب جميعها. فكلمة «قوّة» وإن قصرت لفظا، إلّا أنّها ذات معنى واسع وشامل ومغزى عميق، فهي لا تختص بأجهزة الحرب والأسلحة الحديثة لكل عصر فحسب، بل تتسع لتشمل كلّ أنواع القوى والقدرات التي يكون لها أثرا ما في الانتصار على الأعداء، سواء من الناحية المادية أم الناحية المعنوية» (٤). من هنا فإن للمرأة دورها في كلّ هذه المجالات، خصوصاً إعداد الأبناء (الرجال) وتربيتهم تربية صالحة، ليصبحوا فيما بعد رجالاً أشداء، يذودون عن الحمى.

لقد تجلى دور المرأة المجاهدة بأبهى صورة في لبنان وفلسطين وإيران، حيث نشاهد المرأة المسلمة المؤمنة تدفع أبناءها وزوجها إلى ساحة الحرب بكل إرادة واختيار، بل وهي فرحة مسرورة، ثم تستقبل هؤلاء الأبطال الشهداء المخضبين بدمائهم، بنثر الورود والزغاريد، مرفوعة الرأس وهي تقول: بيض الله وجهك كما بيّضت وجهي عند سيدة نساء العالمين. وهذه النماذج كثيرة رأيناها في لبنان وفلسطين وإيران. من هنا فإن إعداد الرجال يعد أهم قوة في الاستعداد للحرب ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم﴾.

هذا هو دور المرأة المسلمة المجاهدة. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ، يحكي نساء بطلات قمن بأعمال تنوء تحتها ثقلها الرجل، وأظهر مثال على ذلك، سيرة بطلات كربلاء، وعلى رأسهن البطلة زينب الحوراء(عليه السلام)، حيث لم يشهد التاريخ مثلها أبداً. بالرغم من ذلك كله تبقى المشاركة المباشرة في المعارك والحروب من شأن الرجال، غير أن للمرأة جهاداً من نوع آخر لا يقل أهمية عن جهاد الرجل، لا بل قد يفوقه من حيث الأهمية.

جهاد المرأة حسن التبعل (٥):

يقول تعالى: ﴿
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ (٦)

في الدر المنثور، أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بين أصحابه. فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك واعلم _نفسي لك الفداء_ أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب، سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي. إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقسورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً، أو مرابطاً حفظنا لكم اموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة مثل هذا، فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها، ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً (٧).

وورد عن أنس، قال: جئن النساء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، أفما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى (٨). يستفاد من هذه الأحاديث ومن نظائرها أيضا:

أولا: أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في الإسلام أن تشتغل بتدبير أمور المنزل الداخلية، وتربية الاولاد.
ثانيا: أن من السنة المفروضة في الإسلام منع النساء من القيام بأمر الجهاد والقضاء والولاية.
ثالثا: أن الإسلام لم يهمل أمر حرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل الله، دون تداركها وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا وفضائل فيها مفاخر حقيقية، كما أنه جعل حسن التبعل- مثلا- جهادا للمرأة.

مما لا ريب فيه، أن حسن تبعل الزوجة وكرم أخلاقها، يشد أزر الزوج، ويرفع معنوياته، ويمده بطاقات جسمية ونفسية ضخمة، تضاعف من قدرته على مواصلة الكفاح والجهاد في سبيل العيش، ويزيده قوّة وصلابة على معاناة الشدائد والأزمات، كما أن شراستها وتمردها يوهن كيانه، ويضعف طاقاته، ويهرمه قبل أوان الهرم، وفي التاريخ دلائل وشواهد على ذلك. منها: قصة الأخوة الثلاثة من بني غنام، حينما جاءهم نفر يحكمونهم في مشكلة أعياهم حلها، فانتهوا إلى واحد منهم، فرأوا شيخاً كبيراً، فقال لهم: ادخلوا إلى أخي فلان فهو أكبر مني، فاسألوه. فدخلوا عليه، فخرج شيخ كهل، فقال سلوا أخي الأكبر مني. فدخلوا على الثالث، فإذا هو في المنظر أصغر. فسألوه أولاً عن حالهم، ثم أوضح مبيناً لهم، فقال: أما أخي الذي رأيتموه أولاً، هو الأصغر، فإن له امرأة سوء تسوؤه وقد صبر عليها مخافة أن يبتلي ببلاء لا صبر له عليه، فهرمته. وأما أخي الثاني فإن عنده زوجة تسوؤه وتسره، فهو متماسك الشباب. وأما أنا، فزوجتي تسرني، ولا تسوؤني، لم يلزمني منها مكروه قط منذ صحبتني؛ فشبابي معها متماسك (٩). فجهاد المرأة حسن التبعل، يعني حسن معاشرة بعلها وحفظ ماله وعرضه، وإطاعته فيما يأمر به، وترك الغيرة فإنها باب الطلاق.


(1) - المرأة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وشريعته، الشهيدة بنت الهدى، ص ٣٤- ٣٥.
(2) - الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) السيد جعفر مرتضى، ج ٦، ص ٢٠٧- ٢٠٨.
(3) - سورة الأنفال، آية: ٦٠.
(4) - الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏٥، ص ٤٧١.
(5) - ورد هذا الحديث عن طريق السنة والشيعة في التفاسير وكتب السيرة وهو حديث مشهور.
(6) - سورة النساء، آية: ٣٤.
(7) - السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور، دار المعرفة، بيروت، ط٢، ج٢، ص١٥٣. وقد نقلت هذه الرواية أكثر التفاسير الشيعية والسنية.
(8) - المصدر نفسه، ج٢، ص١٥٣.
(9) - أخلاق أهل البيت (عليه السلام)، ص ٣٧٦.

 

   كلام أهل البيت (عليهم السلام)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

للقرآن الكرَيم مكانة كبرى عند أهل بيت النّبوّة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وخزان العلم، ومنتهى الحلم، وقادة الأمم، وأولياء النعم، وعناصر الابرار، ودعائم الاخيار، وصفوة الملك الجبار، وصفوة المرسلين، وخيرة رب العالمين. ـ بدءًا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ومروراً بفاطمة الزّهراء (عليها السلام) ثمّ الحسنين والأئمّة التّسعة مِن وُلْد الحسين ـ فمكانته عندهم (عليهم السلام) أعظم وأكبر من أي أحد من الخلق، ومنزلته لديهم أسمى وفاقت ما لهذا الكتاب العظيم من المكانة والمنزلة عند غيرهم من المسلمين قاطبة. والآن للقرآن الكرَيم عند المسلمين أيضاً الاهتمام الكبير والمميز والذي لم يكن لأيّ كتابٍ آخر سواه. فمنذ نزوله على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أحبُّوه، وتَلَوْا ما تيَسَّر لهم منه آناء اللّيل وأطراف النّهار، وحَفِظُوا آياته، وحَفَّظوهُ أبنائهم، واعتنَوا بتفسيره، واستجلاء مقاصده. وقد كان هذا طبيعيّاً، فهو كتاب الله العظيم، المستجِمع لجميع عناصر الرّوحانية والجمال، وهو الذي أوجدَ منهم اُمةً عظيمةَ الشّأن، منيعة الجانب، سامية الحضارة، محترمةً بين الشّعوب والأمم، وقد بين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) عظمة القرأن وضرورة توقيره والاهتمام به وإليكم بعضها.

تعظيم وتوقير القرآن الكريم:

١- عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، انه قال: «القرآن أفضل كل شيء دون الله، فمن وقّر القرآن فقد وقّر الله، ومن لم يوقّر القرآن فقد استخفّ بحرمة الله، حرمة القرآن على الله كحرمة الوالد على ولده» (١).
٢- وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الله عزَّ وجل: «يا حملة القرآن، تحببوا إلى الله تعالى، بتوقير كتابه، يزدكم حبا، ويحببكم إلى خلقه» (٢).
٣- وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ وَالْهَادِي اَلَّذِي لاَ يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ اَلَّذِي لاَ يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ (٣) فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ اَلدَّاءِ وَهُوَ اَلْكُفْرُ وَاَلنِّفَاقُ وَاَلْغَيُّ وَاَلضَّلاَلُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ اَلْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ وَمَنْ مَحَلَ (٤) بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثِةِ اَلْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ» (٥).
 

آداب قراءة القرآن:

٤ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نظّفوا طريق القرآن! قيل: يا رسول الله وما طريق القرآن؟ قال: أفواهكم، قيل: بماذا؟ قال: بالسواك» (٦).
٥ ـ وعنه (عليه السلام) قال: «حدّثني أبي، عن جدي، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) ـ في حديث الأربعمئة ـ قال: لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتّى يتطهّر» (٧).
٦ ـ وعن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته أقرأ المصحف ثمّ يأخذني البول فأقوم فأبول وأستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرأ فيه؟ قال: «لا، حتّى تتوضّأ للصلاة» (٨).
٧ ـ وعن أبي عبدالله (عليه السلام)، أنه كان من دعائه إذا أخذ مصحف القرآن والجامع، قبل أن يقرأ القرآن، وقبل أن ينشره، يقول حين يأخذه بيمينه: «بسم الله، اللهم إنّي أشهد أنّ هذا كتابك المنزل من عندك، على رسولك محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتابك الناطق على لسان رسولك، فيه حكمك، وشرائع دينك، أنزلته على نبيّك، وجعلته عهداً منك إلى خلقك، وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك، اللهم إنّي نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراءتي تفكّراً، وفكري اعتباراً. واجعلني ممّن اتّعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قراءتي كتابك، على قلبي ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبّر فيها، بل اجعلني أتدبّر آياته وأحكامه، آخذاً بشرائع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة، ولا قراءتي هذرمة (٩)، إنّك أنت الرؤوف الرحيم» (١٠).

فضل قراءة القرآن:

٨ ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من قرأ القرآن وهو شابٌّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عزَّوجلَّ مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة، يقول: يا ربّ إنَّ كلَّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي فبلّغ به أكرم عطاياك. قال: فيكسوه الله العزيز الجبّار حلّتين من حلل الجنّة ويوضع على رأسه تاج الكرامة ثمَّ يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا ربّ قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا فيعطى الأمن بيمينه والخلد بيساره ثمَّ يدخل الجنّة، فيقال له: اقرأ واصعد درجة، ثمَّ يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك؟ فيقول: نعم. قال: ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقّة من شدَّة حفظه أعطاه الله عزّوجلّ أجر هذا مرَّتين»(١١).
٩ ـ عن معاوية بن عمّار، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «من قرأ القرآن فهو غنيٌّ، ولا فقر بعده وإلاّ ما به غنىً» (١٢).
١٠ ـ عن عبدالله بن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من قرأ القرآن قائماً في صلاته كتب الله له بكلّ حرف مئة حسنة، ومن قرأه في صلاته جالساً كتب الله له بكلّ حرف خمسين حسنة، ومن قرأه في غير صلاته كتب الله له بكلّ حرف عشر حسنات» (١٣).
١١ ـ عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «ثلاث يذهبن بالبلغم: قراءة القرآن، واللبان(١٤)، والعسل» (١٥).
١٢ ـ عن علي (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قارئ القرآن والمستمع، في الأجر سواء» (١٦).
١٣ ـ عن أبي هارون قال: كنت ساكناً دار الحسن بن الحسين فلمّا علم انقطاعي إلى أبي جعفر وأبي عبداللهL أخرجني من داره، قال: فمرّ بي أبو عبدالله (عليه السلام) فقال: «يا أبا هارون، بلغني أنّ هذا أخرجك من داره؟» قلت: نعم، قال: «بلغني أنّك كنت تكثر فيها تلاوة كتاب الله، والدار إذا تلي فيها كتاب الله كان لها نور ساطع في السماء، وتعرف من بين الدور» (١٧).
١٤ ـ عن سليمان بن داود، رفعه إلى علي بن الحسين L قال: «عليك بالقرآن، فإنّ الله خلق الجنة بيده، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، جعل ملاطها (١٨) المسك، وترابها الزعفران، وحصبائها اللؤلؤ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن، فمن قرأ القرآن قال له: اقرأ وارق، ومن دخل منهم الجنة، لم يكن أحد في الجنة أعلى درجة منه، ما خلا النبيّون والصدّيقون» (١٩).
١٥ ـ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أفضل العبادة قراءة القرآن» (٢٠).
١٦ ـ وعنه: قال (عليه السلام) «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها» (٢١).
١٧ ـ قال الحسن بن علي (عليهما السلام): «من قرأ القرآن كانت له دعوة مجابة، إمّا معجّلة وإمّا مؤجّلة» (٢٢).
١٨ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا سلمان عليك بقراءة القرآن، فإنّ قراءته كفّارة للذنوب، وسترة من النار، وأمان من العذاب، ويكتب لمن يقرأ بكل آية ثواب مئة شهيد، ويعطى بكلّ سورة ثواب نبي، وتنزل على صاحبه الرحمة، وتستغفر له الملائكة، واشتاقت إليه الجنة، ورضي عنه المولى» (٢٣).
١٩ ـ وعنه: قال الإمام علي (عليه السلام): «ليكن كلّ كلامكم ذكر الله وقراءة القرآن، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل: أيّ الأعمال أفضل عند الله؟ قال: قراءة القرآن، وأنت تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى» (٢٤).
٢٠ ـ عن الإمام الرضا (عليه السلام) يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيباً من القرآن، فإنّ البيت إذا قرئ فيه القرآن يسّر على أهله، وكثر خيره، وكان سكّانه في زيادة، وإذا لم يقرأ فيه القرآن ضيّق على أهله، وقلّ خيره، وكان سكّانه في نقصان» (٢٥).
٢١ ـ وعنه: قال (عليه السلام): «لقارئ القرآن بكلّ حرف يقرأه في الصلاة قائماً مئة حسنة، وقاعداً خمسون حسنة، ومتطهّراً في غير صلاة خمس وعشرون حسنة، وغير متطهّر عشر حسنات، أما إنّي لا أقول: (المر)، بل له بالألف عشر، وباللام عشر، وبالميم عشر، وبالراء عشر» (٢٦).


(1) - جامع الاخبار: ١١٥ / ٢٠١.
(2) - مستدرك الوسائل: ج٤، ص٣٥٢.
(3) - اللأواء: الشدّة وضيق المعيشة. النهاية في غريب الحديث ٤: ٢٢١.
(4) - محل: محل فلان بفلان، إذا قال عليه قولاً يوقعه في مكروه. مجمع البحرين ٥: ٤٧٢ ـ محل.
(5) - نهج البلاغة ٢: ١١١ / خطبة ١٧١.
(6) - المحاسن: ٥٥٨ / ٩٢٨.
(7) - الخصال: ٦٢٧.
(8) - قرب الاسناد: ٣٩٥ / ١٣٨٦.
(9) - الهذرمة: السرعة في القراءة. الصحاح ٥: ٢٠٥٧ ـ هذرم.
(10) - إقبال الأعمال: ١١٠.
(11) - الكافي ٢: ٦٠٣ / ٤.
(12) - الكافي ٢: ٦٠٥ / ٨.
(13) - الكافي ٢: ٦١١ / ١.
(14) - اللبان: ضرب من العلك، يؤخذ من نبات يفرز مادة صمغية، و يسمى الكندر أيضا.
(15) - الجعفريات: ٢٤١.
(16) - الجعفريات: ٣١.
(17) - رجال الكشي ٢: ٤٨٦ / ٣٩٥.
(18) - الملاط: الطين الذي يجعل بين سافي البناء، يملط به الحائط. الصحاح ٣: ١١٦١ ـ ملط.
(19) - تفسير القمّي ٢: ٢٥٩.
(20) - مجمع البيان ١: ١٥.
(21) - مجمع البيان ١: ١٦.
(22) - دعوات الراوندي: ٢٤ / ٣١.
(23) - جامع الأخبار: ١١٣ / ١٩٧.
(24) - نفس المصدر: ١١٦ / ٢٠٨.
(25) - عدّة الداعي: ٣٢٨ / ٦.
(26) - نفس المصدر: ٣٢٩ / ذيل ح ٨.

 

    نباتات ذكرت في القرآن الكريم

الريحان في القرآن الكريم
 


ذكر الريحان في القرآن الكريم مرتين، مرة في سورة الرحمن الآية (١٢) حيث قال الله جلَّ من قائل: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ومرة في سورة الواقعة في الآية (٨٩) حيث قال جلَّ وعلا: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.

الوصف النباتي: الريحان أحد النباتات العطرية وقد أطلق عليه لقب “العشبة الملكية”، وله أنواع عديدة، ولكل نوع عدة أسماء. وتكاد جميع الأنواع تتشابه في التركيب الكيميائي وفي التأثير الدوائي وهو نبات يانع جميل أوراقه بسيطة وأزهاره كثة متجمعة في نوارات مكتظة على هيئة حماحم بألوان مختلفة فمنها البنفسجي الزاهي والأبيض. وقد عرف الريحان بأنه كل نبت طيب الريح وكل بلد تخصه بشيء يهم شؤون حياتها وقد استعمل الريحان كتابل لعدة قرون.

الجزء الفعال:
زيت الريحان سائل أبيض اللون له رائحة ذكية مميزة، يحتوي على الأوسيميسن Ocimene، كما أن زيت الريحان الكافوري (Ocimum killimandsc haricum) وهو سائل أصفر اللون له رائحة الكافور Camphor لاحتوائه على هذه المادة.
 

زراعة الريحان:
تتم زراعته في الأماكن الباردة، موسم زراعته في منتصف الربيع في مكان داخلي. تبذر الحبوب مباشرة في التربة في الأماكن الدافئة مع الابتعاد كلية عن تعرضه للثلوج أو الصقيع حتى تنبت أول أربعة أوراق حقيقية منه، كما يمكن أخذ شتلات منه وزراعتها في قصارى أخرى. وبمجرد نمو النباتات تشذب الأوراق العليا لتسمح بنمو العديد منها. ويمكن الحصاد المتكرر للأوراق الخارجية للريحان طيلة عمر النبات.
 

أهم فوائده:
يستعمل في العطور، كما يستعمل كطارد للغازات فيزيل المغص المعوي، كما أنه مدر للبول.
وفي علاج الدوسنتاريا، وفي الهند يستعمل لعلاج الإسهال المزمن. يدخل في التركيبات الخاصة بالروماتزم ونزلات البرد وفي علاج الكدمات والتهاب المفاصل.
وعلاج التهابات اللثة وقرحة الفم، لعلاج نزلة البرد والثآليل والبثور والديدان المعوية ومغلي أوراق الريحان يعالج الإلتهاب الرئوي ونزلات البرد ويفيد في حمى الملاريا.
وزيته يعالج حب الشباب وبه مواد ضد السرطانات لأنها تنشط جهاز المناعة بزيادة الأجسام المضادة ٢٠٪. وبه مضادات أكسدة وفيتامين ج وفيتامين A يحميان تلف الخلايا.
كما يستخدم الريحان لعلاج آلام الاذن والامراض الجلدية. ينشط الشهية ويحسن الهضم ومضاد للتشنج، وفي الطب الصيني يستخدم الريحان على نطاق واسع حيث يستخدم لمشاكل الكلى..
وقيل عنه في الطب القديم، إن شمه ينفع الصداع، وهو يجلب النوم وبذره حابس للاسهال الصفراوي، ومسكن للمغص، ومقوٍ للقلب ونافع للأمراض السوداوية. وقيل زهرته منشطة ومهضمة وهي أحسن ما يوصى به لتمدد المعدة وارتخائها، واخذ نقيع الأوراق والازهار بارداً يمنع القيئ وساخناً يمنع المغص.

أما في الطب الحديث فيعتبر من المنبهات الهاضمة ومضاد للتشنج وقد قامت شركات كبيرة في الولايات المتحدة بزراعة واستثمار انواع الرياحين حيث يستخلص زيته العطري بشكل تجاري ويصدر إلى معظم بلدان العالم، كما تستخدم اوراقه طازجة أو منقوعة أو مغلية لعلاج كثير من الامراض. ويوجد منه مستحضرات كثيرة تستخدم على نطاق واسع لتطبل البطن والشبع ولتنشيط الشهية ولتحسين عملية الهضم وكمدر. وفي الطب الصيني يستخدم الريحان على نطاق واسع حيث يستخدم لمشاكل الكلى وتقرحات اللثة.
وفي الطب الهندي يستخدم الريحان لعلاج آلام الاذن والمفاصل والامراض الجلدية والملاريا. أما زيت الريحان النقي المفصول من النبات فيستخدم في النطاق الشعبي لعلاج الجروح وآلام الروماتزم والبرد واحتقان المفاصل وآلامها والاجهاد. كما يستخدم منقوع ورق الريحان لمنع تساقط الشعر. ولأن الريحان او زيت الريحان يحتوي على نسبة من مركب الاستراجول فإنه ينصح بعدم استخدامه من قبل النساء الحوامل كما ينصح بعدم استخدامه من قبل الاطفال تحت سن الثانية. يستعمل الريحان مع الغذاء كتابل جيد حيث تضاف أوراقه إلى السلطات ويدخل كثيراً في عمل الحساء والسجك وتدخل أوراقه الأطعمة المطبوخة ويستعمل زيته الطيار في العطورات والمشروبات.

استخدامات الريحان في الطعام:
يستعمل في المشروبات المختلفة وفي الأطعمة المطبوخة والصلصات وتضاف أوراقه الطازجة للأطعمة في الدقائق الأخيرة من طهيها. يستخدم مع الطماطم ويعطيها مذاقاً طيباً. يضاف للمايونيز كصوص للأسماك. يزين به أطباق الخضراوات والدجاج والبيض. تتبل به أوراق الخس حتى يمكن حشوها لأنها بذلك تعطي نفس مذاق محشي ورق العنب.

استخدامات أخرى:
- لتعطير دورات المياه بإضافته إلى أوراق الورد المجففة وبعض من التوابل.
- وضع أوراق الريحان على فحم الشواية لطرد البعوض.
- وضع أوراقه على النافذة لطرد الحشرات الطائرة.
- ويستخدم لاعطاء الملابس والاثاث رائحة عطرية فواحة حيث يوضع داخل الملابس وبين ثنايا الفراش. الريحان.. ينشط الشهية ويحسن الهضم ومضاد للتشنج..

الريحان في الروايات:
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الاترجة ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها (١).
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحواميم ريحان القرآن فاذا قرأتموها فاحمدوا الله واشكروه كثيراً بحفظها وتلاوتها، إنّ العبد ليقوم يقرأ الحواميم فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر والعنبر، وإنّ الله عزّ وجلّ ليرحم تاليها وقارئها، ويرحم جيرانه وأصدقاءه ومعارفه، وكلّ حميم أو قريب له، وإنّه في القيامة ليستغفر له العرش والكرسي وملائكة الله المقربون (٢).


(1) - بهج الصياغة في شرح نهج البلاغة: ج١٣، ص٥٣.
(2) - وسائل الشيعة: ج٦، ص١٤٧.

 

   حيوانات بحرية ذكرت في القرآن الكريم

ذكر الوحوش المفترسة في القرآن
 


يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (١).
 

مفهوم الوحوش:

الوحوش: الوَحْش، كالأسد والنمر والفهد والثعلب وابن آوى وغيرها، كلُّ شيء من حيوان البَرّ مما لا يَسْتأْنس مُؤنث وهو وَحْشِيّ والجمع وُحُوشٌ لا يُكسّر على غير ذلك حمارٌ وحْشَيٌّ وثورٌ وَحْشِيٌّ كلاهما منسوب إِلى الوَحْشِ ويقال حمارُ وَحْشٍ بالإِضافة وحمارٌ وحْشِيٌّ ابن شميل يقال للواحد من الوحْشِ هذا وحْشٌ ضَخْم وهذه شاةٌ وَحْش والجماعة هي الوَحْشُ والوُحُوش والوَحِيش، وكل شيء يسْتَوْحِشُ عن الناس فهو وَحْشِيّ وكل شيء لا يَسْتَأْنس بالناس وَحْشِيٌّ. قال بعضهم إِذا أَقبل الليلُ استأْنس كلُّ وَحْشِيٍّ واسْتَوْحَش كل إِنْسِيّ والوَحْشةُ الفَرَقُ من الخَلْوة يقال أَخذَتْه وَحْشةٌ وأَرض مَوْحُوشةٌ كثيرة الوَحْشِ واسْتَوْحَشَ منه لم يَأْنَسْ به فكان كالوَحْشيّ (٢).

كيف يقتل الوحش فريسته؟

تبين أنَّ الوحوش المفترسة تقتل فريستها بطريقة الخنق، وإن كانت معلومة جديدة على العلماء ولكنّها ليست كذلك على كتاب الله سبحانه. الحيوانات المفترسة حيَّرت الباحثين في طريقة عملها، فكيف يستطيع النمر مثلاً قتل الضحية خلال زمن قصير نسبياً؟ لقد وجد العلماء وبعد دراسات ومراقبة طويلة ما يلي: إن تصميم أسنان هذه الحيوانات مناسب جداً لأداء المهمة، فهناك نابان بارزان في الفك العلوي ونابان بارزان في الفك السفلي، وبقية الأسنان صغيرة، لماذا؟ الذي لفت انتباه العلماء هو لماذا تستسلم الفريسة بسهولة للحيوان المفترس؟ لقد تبيَّن أن هذه الوحوش تقوم بغرز أنيابها في رقبة الضحية وتطبق أسنانها الصغيرة على القصبة الهوائية فتمنع الأكسجين من الدخول للدماغ وتموت الضحية مختنقة! إذاً الاكتشاف الجديد يقول بأن الوحوش المفترسة تقتل الفريسة بطريقة الخنق، وهذه المعلومة حديثة جداً ولم يكن لأحد علم بها قبل مئة سنة مثلاً! يقول العلماء اليوم في مقالة بعنوان «استراتيجية الصيد عند القطط الكبيرة»: يختار الحيوان المفترس منطقة الحنجرة ليطبق فكيه عليها ليخنق الفريسة بشدة، مع الفريسة الصغيرة فإن عضة من الرقبة لقطع الحبل الشوكي. سبحان الله، من الذي علم الوحش المفترس كل هذه التقنيات والهداية؟ أليس هو الله تعالى القائل: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٣) ؟! وقال تعالى : ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤) .
 

فقد تحدث القرآن عن اللحوم التي حرم الله أكلها، فحرَّم لحم الخنزير وحرَّم الميتة وحرَّم “المنخنقة” والحقيقة هذا التعبير عجيب، يقول تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥).
والسؤال: كيف علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الوحوش المفترسة تخنق فريستها خنقاً؟!
ملاحظة: إن القرآن يحوي إشارات خفية يفهمها كل قارئ على مر العصور، ولذلك فإن كلمة: ﴿
الْمُنْخَنِقَةُ﴾ تتضمن إشارة إلى الحيوانات التي تخنقها السِّباع، ومنها ما يأكل بعضها السبع، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.
والآية لا تدل فقط على الحيوانات التي تخنقها السباع، بل كل حيوان يموت خنقاً.
 

هل هناك حشر للحيوانات؟

قد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٦).
قال العلامة الطباطبائي (قدس سره): أما السؤال الأول: (هل للحيوان غير الإنسان حشر؟) فقوله تعالى في الآية: ﴿
ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يتكفل الجواب عنه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. وقال أيضا: «وببلوغ البحث هذا المبلغ، ربما لاح أن للحيوان حشرا، كما إن للإنسان حشرا، فإن الله سبحانه يعد انطباق العدل والظلم والتقوى والفجور على أعمال الإنسان، ملاكا للحشر، ويستدل به عليه كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾(٧).
 

الوحوش في الروايات:

ثمّة أحاديث إِسلامية كثيرة حول بعث الحيوانات، من ذلك ما روي عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إِذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «أتدرون فيما انتطحتا؟» فقالوا: لا ندري، قال: «ولكن الله يدري وسيقضي بينهما» (٨).
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير هذه الآية أنّه قال: «إِنّه يحشر هذه الأُمم يوم القيامة ويقتص من بعضها لبعض حتى يقتص للجماء من القرناء» (٩).
وفي الآية (٥) من سورة التكوير يقول سبحانه: ﴿
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ وهي دليل آخر على ذلك.
 

الفطرة العجيبة في الوحوش والسباع في دفن موتاها وستر جيفها:

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فكّر يامفضّل ! في خلقة عجيبة جعلت في البهائم، فإنّهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلاّ فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شيء؟ وليست قليلة فتخفى لقلّتها ; بل لو قال قائل: إنّها أكثر من الناس لَصَدق. فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظبا والمها والحمير والوعول والأيائل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض، وكذلك أسراب الطير من الغربان والقطا والإوزّ والكراكي والحمام وسباع الطير جميعاً وكلّها لا يرى منها شيء إذا ماتت إلاّ واحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع، فإذا أحسّوا بالموت كمنوا في مواضع خفيّة فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتّى تفسد رائحة الهواء ويحدث الأمراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعلموه بالتمثيل الأوّل الذي مثّل لهم كيف جعل طبعاً وادّكاراً في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرّة ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد» (١٠).


(1) - سورة التكوير، الآية: ٥.
(2) - لسان العرب.
(3) - سورة هود الآية: ٦.
(4) - سورة طه، الاية: ٥٠.
(5) - سورة المائدة، الآية: ٥.
(6) - سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(7) - سورة ص، الآية: ٢٨.
(8) - تفسير مجمع البيان، ونور الثقلين في تفسير الآية المذكورة.
(9) - تفسير المنار، ذيل الآية، والجماء عكس القرناء: الحيوان الفاقد للقرن.
(10) - بحار الأنوار: ج٣، ص٩٩.

 

    أنشطة الجمعية

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

يقول سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾.

عندما نطلع على القرآن الكريم نكتشف أنَّ الأنبياء (عليهم السلام) أكثر الناس حباً للعلم لذا يُطالبون بعلم أكثر:

إن الآية التي قدّمناها والتي تجعل الرسول مخاطباً بها، تقول: إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رغم مقامه العلمي العظيم كان مأموراً بطلب العلم أكثر، وهذا يكشف عن أن الإنسان لا تتحدد دراسته بمرحلة من المراحل، بل إن طريق العلم مستمر وليس له نقطة انتهاء.

ويوضح سبحانه ذلك في قصة النبي موسى (عليه السلام) والخضر بقوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾. فموسى (عليه السلام) بالرغم من أنه من أولي العزم وبالرغم من انشراح صدره بمقتضى الآية: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، وبمقتضى الآية: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾، وبالرغم من هذا المقام العلمي الرفيع، كان مطالباً بأن يخضع أمام «الخضر» ويتعلم منه كالتلميذ. وعلى أي حال، فإن هذه الآيات أدلة واضحة على إمكانية وضرورة المعرفة، والسعي المستمر في طريق التعلم وطلب المعرفة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة».

ونحن في جمعية القرآن نسأل الله سبحانه أن يزيدنا علماً وبصيرةً وفهماً ودقّة وتأمّلاً في المعارف القرآنية والقضايا العلميّة والتحقيقيّة والمسائل العقائديّة والأخلاقية وغيرها، ونسعى من أجل أن نحصل على درجات القرب من الله بالاستفادة من العلوم المتصلة بالقرآن وعلومه وضرورة فهمها والعمل بها وتعليمها للآخرين ضمن نشاطات تقوم بها الجمعية وإليكم بعض هذه الأنشطة التي تصب في هذا الاتجاه.

 

1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:

يستمر القسم التعليمي نشاطه السنوي عبر برامجه التعليمية ودوراته في لبنان وفق رؤية البرنامج السنوي الذي يتضمن العناوين التالية:

١. الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
٢. التلاوة والتجويد للمرحلة الابتدائية المتوسطة والتخصصية.
٣. الصوت والنغم للمرحلة الابتدائية المتوسطة والتخصصية.
٤. مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
٥. مناهج التفسير وتفسير الجزء الثامن من القرآن الكريم.
٦. تفسير سورة النور.
٧. العلوم القرآنيَّة.
٨. علم الوقف والإبتداء.
٩. أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
١٠. أساليب تدريس التجويد وحفظ القرآن.
١١. الورش التعليميَّة.

١٢. الدورات المركزيَّة المغلقة في العناوين التالية:
أ. تأهيل القرَّاء والقارئات.
ب. تأهيل معلمي التجويد والوقف والإبتداء.
ج. تأهيل الحكّام في المسابقات القرآنيَّة.
د. أساليب تدريس حفظ القرآن.
ه. أساليب تدريس التفسير والعلوم القرآنيَّة.

 

2- نشاط قسم النشاطات القرآنية:

- في رحاب أيام وليالي شهر رمضان المبارك، وبالتنسيق مع وحدة الأنشطة الثقافية في حزب الله، أقامت جمعية القرآن الكريم سلسلة من الأمسيات والحفلات القرآنية التي في كافة المناطق اللبنانية، حيث استضافت عدداً من كبار القراء والحفاظ وفرق التواشيح الدينية من لبنان وسوريا، وقد أدركنا المحبة من الحضور للقرآن الكريم والأنس به.

- تصدرت جمعية القرآن الكريم تمثيل لبنان في المسابقات العالمية للقرآن الكريم التي أقيمت في الجمهورية الإسلامية في ايران حيث انتدبت المحكم الحاج عادل خليل لفرع التحكيم والأخ محمد عز الدين لفرع القراءة والأخ حسين الحاج لفرع الحفظ والأخت بلقيس حرب لفرع الحفظ للأخوات. والأخ حسن دهيني لفرع القراءة للمكفوفين والطالب حسين غانم لفرع القراءة والطالب نايف الدلباني والطالبة غدير غنام لفرع الحفظ والطالبة فاطمة يونس لفرع القراءة لمسابقة الطلبة وقد نال حسين غانم وفاطمة يونس المرتبة الثالثة واختتمت المسابقة بلقاء مع سماحة القائد السيد علي الخامنئي (دام ظله).


 

 

3- نشاط قسم تحفيظ القرآن الكريم:

- أقامت جمعية القرآن الكريم وجمعية المعارف الثقافية والتعبئة التربوية في حزب الله احتفالاً تكريمياً للفائزين بجائزة الشهيد السيد عباس الموسوي (رض) لحفظة القرآن الكريم والقرّاء الجامعيين لعام ٢٠١٧م وقد تخلل الحفل توزيع الجوائز والدروع والشهادات للفائزين وكلمة راعي الحفل الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله (حفظه الله).
 

4- نشاط قسم الدراسات القرآنية:

تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من طباعة الإصدارات التالية:
_ طباعة مجلة هدى القرآن العدد (٢١).
_ مجلة نافذة من السماء العدد (٢٤).
_ أريج القرآن العدد (٩٥).

 

   مسابقة العدد



١ – ما الذي يدخل الإنسان في زمرة الصالحين؟
أ _ العمل الصالح وحده.
ب – العمل الصالح النابع من الإيمان بالله تعالى.
ج – كلاهما صحيح.

٢ – هل المراد من الجهاد في هذه الآية ﴿وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هو.
أ _ جهاد الأعداء والظلمة.
ب _ تشمل كلّ نوع من الجهاد في سبيل الله بما في ذلك الجهاد مع النفس.
ج – كلاهما صحيح.

٣ – (التخبّط) والخبط من قوله: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ هل هو بمعنى واحد.
أ – المشي على غير استواء.
ب –المشي على استواء.
ج- كلاهما خطأ.

٤_ ما هو تعريف المنهج التفسيري؟
أ _ هو تبيين طريقة كل مفسر في تفسير القرآن الكريم.
ب - المباحث التي يهتم بها المفسّر في تفسيره.
ج – كلاهما صحيح.

٥ – ما هو اسم ذي القرنين كما ورد في الرواية؟
أ _ عبد الله بن ضحاك بن معد.
ب – عبد الله بن معد بن ضحاك.
ج – كلاهما خطأ.

٦ – أكمل الحديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ....، وَمَنْ كانَ في نَقْص فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ».
أ – الموت.
ب – الهَوى.
ج _ الهَوى والموت.

٧ – هل يكفي قراءة التسبيحات الأربع في الركعتين الأخيرتين؟.
أ _ مرّة واحدة.
ب – الأحوط استحباباً التكرار ثلاث مرات.
ج _ كلاهما صحيح.

٨ – من المسائل التي يحتاجها عشّاق حفظ القرآن الكريم هي:
أ _ الالتفات الى الأمور المعنوية.
ب - الداعي والمحفز والارادة.
ج _ كلاهما صحيح.

٩ – من القائل: «الأبعاد السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، العسكرية، الثقافية، والحرب والصلح في القرآن»؟
أ - الإمام الخميني (قدس سره).
ب - الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).

١٠ – من القائل: «إنّّني أشعر أنَّ من حفظ القرآن وأنس به كان به أقرب إلى فهم المعارف الإسلامية ممن لم يأنس به»؟
أ - الإمام الخميني (قدس سره).
ب - الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


 
 

أفقيَّاً

١ _ اسم اوّل من ترجم القرآن إلى اللاتينية:
٢ _ كلمة وردت في القرآن الكريم معناها. قرى قوم لوط:
٣ _ عدد المرات التي وردت كلمة الصيام في القرآن الكريم:
٤ _ عدد مرة ورد اسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم:
٥ _ عدد المرات التي ورد اسم (رمضان):
٦ _ اسم من أسماء يوم القيامة في القرآن الكريم أخره نون:
٧ _ نبات فيه يائين ورد ذكره في القرآن الكريم:
٨ _ جمع حيوان برمائي ورد ذكره في القرآن الكريم.
٩ _ معدن يدخل في كثير من الصناعات ـ غير الحديد ـ ورد اسمه في القرآن مرة واحدة:
١٠ – النبي الذي قال في القرآن الكريم: «هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي» .

عاموديَّاً

١ _ من أي مذهب القائل: يا آل بَيتِ رَسولِ اللّه‏ِ حُبُكُم فَرضٌ مِنَ اللّه‏ في القرآنِ أنزَلُه؟
٢- إذا حذفنا حرفا من كلمة مدينة أصبح اسم مدينة وردت في القرآن:
٣- الحروف المقطعة في سورة النمل:


 

 

 

 

 

 

يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (٢٠)

١ – من هم «الأبرار» هم؟
أ - هم أصحاب النفوس الزكية الأبية الطاهرة.
ب – معتنقي العقائد الحقّة , وملتزمي العبادات الصحيحة.

٢ – المراد من الجهاد في هذه الآية ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ هو:
أ - الجهاد في سبيل بناء الذات وإعمار النفس وإصلاحها.
ب - الجهاد ضد الأعداء الخارجيين.

٣ – المقصود من دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل » هو:
ب – ابن عباس.

٤- تدرّج نزول القرآن أتاح للمسلمين:
أ - تعلّم آياته بسهولة.
ب - السعي إلى حفظه وقراءته.

٥ – لمّا اشتدّ الضيق بأرض كنعان، بحيث اضطرّ يعقوب أن يرسل جميع أولاده إلى مصر ما عدا:
ب – بنيامين الذي أبقاه عنده بعد غياب يوسف.

٦ – تكملة الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من مجلس يجتمع فيه........ فيقومون على غير ذكر اللّه تعالى إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة» هي.
ب – أبرار أو فجّار.

٧ – سورتان بحكم السورة الواحدة، فلا يكفي الإتيان بسورة واحدة منها بعد الحمد بالصلاة هما:
أ - {الضحى} و {ألم نشرح}.
ب - {الفيل} و {لإيلاف}.

٨ –المراحل التي من الضروري مراعاتها في الحفظ الموضوعي هي:
أ - الحفظ التثبيت.
ب - التلاوة المفاهيم.

٩ – القائل: «إنّ تلاوة القرآن بالصوت الجميل واللحن الجيّد، إلى جانب مراعاة آداب وأعراف التلاوة، إنّما هي مقدمة لنفوذ مفاهيم القرآن إلى القلوب».
ب - الإمام الخامنئي دام ظلُّه.

١٠ – القائل: «إنّ الإرشاد والتوجيه الإلهي للإحسان بالوالدين، له مساحته الإنسانية»؟
ج - سماحة السيد حسن نصر الله ( حفظه الله ).


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد (٢٠):
 

أفقيَّاً

١ - سورتان وقعتا في جزء واحد، رقم الجزء، هو: الخامس عشر.
٢ - تسمية الجيش الذي توجه إلى تبوك، هو:جيش العسرة.
٣ - غزوة تبرعت لها النساء المسلمات بحليهن، هي: غزوة تبوك.
٤ - نبي ولد بلا أب، هو:النبي أدم.
٥ - عدد أيام خلق السماوات والأرض، هو:ستة أيام.
٦ - آية فيها رقم ثلاثة بأي سورة؟ بسورة: المجادلة.
٧ - في كم يوم خلقت الأرض كما ورد في القرآن؟ في يومين.
٨ - سورة حملة اسم أصل من أصول الدين، هي: التوحيد.
٩ - اسم سورة تسمى بأحد أيام الأسبوع، هي:الجمعة.
١٠- اسم سورة من سور العزائم أخرها تاء مربوطه، هي:السجدة.

عاموديَّاً

١ - قوم النبي صالح (عليه السلام)، هم: قوم ثمود.
٢- اسم الطير الذي علم قابيل كيف يدفن جثة أخيه، هو: الغراب.
٣- تكملة قول الإمام الصادق(عليه السلام): «لا تدعوا قراءة سورة (...) فإن الله تعالى يحبها ويحب من قرأها »، هو: طه

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.


أرقام هواتف جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد:

الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتستراد المطار - سنتر صولي - 274721/01 تلفاكس: 545723/01
بـيــروت: 278845/01 - النويري: 653914/01 - خلدة: 806587/05
النبـطيـة: 764749/07 - بريقع: 542403/07 - الغازية: 225121/07 - مشغرة - القطراني: 651915/08
صـــــور: 349292/07 - شحور: 675170/03 - جويا: 411355/07 - الشعيتية: 086049/03 - بنت جبيل: 452116/07
بـعلـبـك: 373786/08 - قصرنبا: 910410/08 - النبي شيث: 335013/08 - شمسطار 330209/08
الهــرمل: 200235/08 - العين: 430717/71 - القصر: 468090/03
 

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

07-10-2017 | 11-58 د | 46 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1113224 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2017-10-07 الساعة: 11:58 بتوقيت بيروت