تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد الرابع والتسعون
نافذة من السماء، العدد الرابع والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد العشرون
نافذة من السماء، العدد الثالث والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
نافذة من السماء، العدد التاسع عشر
جديد مكتبات موقع جمعية القرآن الكريم
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1437 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر

العدد التاسع عشر ـ السنة السادسة

العدد التاسع عشر ـ السنة السادسة ـ ذو الحجة ١٤٣٧هـ، أيلول ٢٠١٦ م

مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

 

 

- الافتتاحية: تحدّي القرآن الكريم للإنس والجن.

- القرآن والقادة: أنس الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن وإقباله على تلاوته.

- كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) في جلسة الأنس بالقرآن.

- المسؤولية تجاه العائلة.

- التفسير والبيان: الامتحانات الإلهية.

- مفردات قرآنية: سُورَة مَرْيَم مكّية وعَدَدُ آيَاتِها ثمان وتسعُونَ آية (٩٨).

- مناهج التفسير: تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية.

- علوم قرآنيَّة: أدلّة عدم التحريف.

- قصص قرآنيَّة: قصة النبي يعقوب (عليه السلام) والنبي يوسف (عليه السلام) في القرآن.

- القرآن في نهج البلاغة: عِبَادَةُ اَللَّه وطَاعَتِهُ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ.

- الأخلاق في القرآن: دوام التّوبة ومراتبها.

- العقيدة في القرآن: العلم في القرآن الكريم.

- الأمثال في القرآن: التمثيل بالظلمات والرعد والبرق.

- المرأة في القرآن: دور الإسلام في إنقاذ المرأة.

- حفظ القرآن: كيف نساعد أطفالنا على حفظ القرآن الكريم؟.

- حوارات قرآنية: مع نور الهدى إسماعيل حافظة لكامل القرآن الكريم.

- تجويد القرآن: العوامل المساعدة لتقوية النفس.

- أشهر القرّاء المبدعين: القارىء الدكتور أحمد نعينع.

- كلام أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن.

- استفتاءات قرآنية: لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله).

- مقابلة العدد: الحافظ الإيراني محمد أمين حدادي.

- نباتات ذكرت في القرآن.

- حيوانات ذكرت في القرآن.

- أنشطة الجمعية.

- مسابقة العدد.

 

    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 


يقول سبحانه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً ﴾. صدق الله العلي العظيم

لقد افتتح تعالى الكلام بالثناء على نفسه بما نزَّل على عبده قرآناً لا انحراف فيه عن الحق بوجه وهو قيم على مصالح عباده في حياتهم الدنيا والآخرة فله كل الحمد فيما يترتب على نزوله من الخيرات والبركات من يوم نزل إلى يوم القيامة وأن ما في المجتمع البشري من الصلاح والسداد من بركات ما بثه الأنبياء الكرام من الدعوة إلى القول الحق والخلق الحسن والعمل الصالح وما يمتاز به عصر القرآن عمَّا تقدمه من الأعصار من رقي المجتمع البشري وتقدمه في علم نافع أو عمل صالح للقرآن فيه أثره الخاص وللدعوة النبوية فيه أياديها الجميلة فلله في ذلك الحمد كله. وما تقدَّم يوضح أنَّ للقرآن وزناً يعادل الخلق، وأساساً فإنَّ تربية الخلائق غير ممكنة، ما لم يُستَفَدْ بصورة تامة مِن الكتاب السماوي العظيم، أي القرآن. فالحمد هُنا لأجل نزول القرآن الخالي مِن كل اعوجاج، وتأكيد على استقامة واعتدال القرآن في مضمونه، وخلوّه مِن أي شكل مِن أشكال التناقض، وإِشارة إِلى أبدية وخلود هذا الكتاب السماوي العظيم، وكونه أسوة لحفظ الأصالة، وإِصلاح الخلل، وحفظ الأحكام الإِلهية والعدل والفضائل البشرية. هذا الكتاب هو كتاب ثابت ومحكم ومعتدل ومستقيم. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهمه والعمل به.

 

جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والإرشاد

 

    الافتتاحية

تحدّي القرآن الكريم

للإنس والجن

 

 

اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالِميْنَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ

عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّد وآلِهِ الطَّيِبيْنَ الطّاهِرِيْنَ.

لقد تحدى القرآن الكريم البشرية في آيات عديدة من سوره، منها: قوله تعالى: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ (١).

وقال سبحانه: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾ (٢).

وقال عزَّ وجل: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (٣).

القرآن تحدى بصراحة وقوة في هذه الآيات الثلاث جميع البشرية، وفي هذه الصراحة والقوّة دلالة حيّة على حقّانيته. ولم يكتف في تحدّيه بدعوة النّاس إلى أن يأتوا بمثله، بل حفّزهم وشجعهم على ذلك، وعبارات التحفيز نجدها في قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ... ﴾ ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ... ﴾ ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ... ﴾ ﴿ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ... ﴾ ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ ... ﴾ ﴿ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ... ﴾ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ... ﴾.

هذا التحفيز والحثّ والإثارة لم يصدر ضمن إطار معركة أدبية أو عقائدية، بل في إطار معركة «عقائدية» «أخلاقية» «سياسية» «اقتصادية» «اجتماعية»، ضمن إطار معركة حياة أو موت، يرتبط بمصيرها وجود هذا الدين الجديد. وعجز المعارضين أمام هذا التحدّي الحياتي الصارخ، يبيّن بشكل أوضح أبعاد المعجزة القرآنية. جدير بالذّكر أن تحدي القرآن لا ينحصر بزمان أو مكان، بل إن هذا التحدّي قائم حتى يومنا هذا الحاضر وإلى قيام الساعة.


هنا نطرح سؤالاً، لماذا لم يستطع عرب الجاهلية، وهم في قمة الأدب والفصاحة والبلاغة، أن يقبلوا تحدي القرآن الكريم فيأتوا ولو بسورة تضاهي سوره، علماً أن في كتاب الله تعالى سوراً قصيرةً قد لا يزيد بعضها على سطر واحد فقط؟! فما هو سرّ الإعجاز القرآني؟ وما هو سر التحدي الذي أعلنه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) للبشرية عبر العصور جميعاً؟! إن السر وراء ذلك يكمن في الحقائق التالية:

أولاً: إن القرآن الكريم كتاب علم ومعرفة. فالقرآن لا يقول إلاّ حقاً، ولا يقول إلاّ صدقاً؛ فكل كلمة فيه صادقة ﴿ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ (٤). فلا نجد حقيقة تاريخية سابقة أو لاحقة تكذب كتاب الله الكريم، وليس هناك قضية قرآنية واحدة من شأن الزمن أن يغيرها. فالحديث عن النجوم والطبيعة والإنسان والزمن وغير ذلك يؤكد علم القرآن وصدقه وحقانيته. ولا غرابة في ذلك أبداً، إذ الحديث هو حديث خالق النجوم والطبيعة والإنسان والزمن. وحديث الخالق حديث خلاّق بدوره، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى حديث عتيق، فيستقر في مستودعات المتاحف كما كان ذلك مصير أحاديث البشر وكتبهم فالقرآن يبقى بين الإنسانية، لا يحدثها بشيء إلاّ وصدّقته تجاربها، فانحنت إليه بالتسليم والتصديق. وكان من الطبيعي أيضاً أن يعلو علم القرآن وكنوزه على جهل الجاهلية وفقرها، إذ العلم نور والجهل ظلام، ومن شأن النور أن يطرد الظلام، مما أدى إلى انصياع الجاهليين لعلم القرآن وجهاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مدّة زمنية قصيرة جداً.

ثانياً: إن القرآن كله حكمة فهو يمنح البشرية أُصول الحياة، ولو أنها تمسكت بها لعاشت عيشة راضية في الدنيا، ولتمنّت القرب من الخالق الحكيم عزَّ وجل. والحكمة قد تختص بالطعام والشراب، فتقول كلمة واحدة تحوي جميع أصول هذين الأمرين وهي: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ ﴾ وقد تأتي في إطار العلاقات الاجتماعية العامة، فتأمر الناس بنصها القائل: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾(٥)، حيث توضح أن العدل هو صمام الأمان في طبيعة العلاقات بين أفراد الإنسانية جميعاً. وهكذا الأمر بالنسبة لسائر الحكم القرآنية الخاصة بتبين أصول الحياة.

ثالثاً: إن كتاب الله عبارة عن نصوص بلاغية تفيض بالإعجاز والتحدي، حتى إن عنوانه واسمه آية في إعجاز التعبير. فإذا أراد كاتب خبير أن يعبّر -مثلاً- عن ضرورة شرعية وإجراء القصاص، فكم سيستغرق من وقت حتى يصل إلى نص قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ (٦) بل إنّه من المستحيل أن يصل ابن آدم إلى هذا التعبير، وإن أي تعبير سيضعه قياساً بهذا التعبير القرآني سيكون فاشلاً سلفاً. وهكذا كان علم القرآن وحكمته وبلاغته وتعبيره الدقيق، آيات إعجازه الأبدية المستحيلة على تصورات الإنسان المحدودة.

اللهم إني أشهدك أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلامك الناطق على لسان نبيك وجعلته هادياً منك إلى خلقك وحبلا متصلاً فيما بينك وبين عبادك، اللهم أنر قلوبنا بالنور الذي جعلته في القرآن لأهل الإيمان، واجعلني ممن يحل حلاله ويحرم حرامه ويؤمن بمحكمه ومتشابهه واجعله أنساً في قبري وأنساً في حشري واجعلني ممن ترقيه بكل آية درجة في أعلى عليين آمين رب العالمين.
 

رئيس التحرير


(1) - سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(2) - سورة هود، الآيتان: ١٣ - ١٤.
(3) - سورة يونس، الآية: ٣٨.
(4) - سورة فصلت، الآية: ٤٢.
(5) - سورة المائدة، الآية: ٨.
(6) - سورة البقرة، الآية: ١٧٩.

 

    القرآن والقادة

 

أنس الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن وإقباله على تلاوته (٢)

 

كنا في العدد السابق قد بيّنا أقوال مجموعة من العلماء بما يخص أنس الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن وإقباله على تلاوته وفي هذا العدد أقوال مجموعة أخرى حول هذا الموضوع وهي:

ازدياد اهتمامه بالتلاوة في شهر رمضان: كان الإمام شديد الإقبال على تلاوة القرآن في شهر رمضان المبارك خاصة، ولا أتذكر أنني دخلت عليه مرة في هذا الشهرـ خاصة في شهر رمضان الأخير من حياته المباركة ولم أره يتلو كتاب الله، كنت أراه مقبلاً على تلاوته كلما دخلت عليه لأمر ما (١).
 

القرآن معه في باريس: كان الإمام ملتزماً بتلاوة جزء كامل من القرآن الكريم كل يوم من أيام إقامته في باريس، وذلك في ثمانية أوقات مخصصة لذلك (٢).

لم يفارق القرآن حتى في مرضه: كان الإمام ملتزماً بتلاوة عدد صفحات من القرآن «حزب كامل أو أكثر» كل يوم، ولم يترك تلاوة القرآن ونافلة الليل حتى في أيام حياته الأخيرة وحتى في الليلة التي أجريت له العملية الجراحية الأخيرة في صبيحتها (٣).

يلجأ إلى القرآن عند استشهاد ولده: روى الحاج السيد أحمد أن الإمام قام عند سماعه بخبر استشهاد ولده الحاج السيد مصطفى في النجف الأِشرف بالتوجه بكل صبر واستقامة إلى الجلوس في زاوية، والإقبال على تلاوة كتاب الله (٤).
 

أوقاته الثابتة لتلاوة القرآن: كان الإمام يتلو ما تيسر من القرآن في سبعة أوقات كل يوم يكمل فيها حسب قول الحاج السيد أحمد أربعة أجزاء من القرآن يومياً، وهذه الأوقات هي:

١- قبل صلاة الفجر.
٢- بعد صلاة الفجر.
٣- في الساعة التاسعة صباحاً.
٤- قبل صلاة الظهر.
٥- عصراً بعد قيامه بممارسة رياضة المشي.
٦- قبل صلاة المغرب.
٧- بعد صلاة العشاء (٥).

يأنس بالاستماع للتلاوة: بعد هبوط الطائرة السمتية، رتب الأفراد المسؤولون عن تنظيم المراسم، حزاماً بشرياً متصلاً إلى محل المنصة للإحاطة بالامام وحمايته، ثم استقر الإمام ومعه الحاج السيد أحمد وعدد من العلماء على المنصة، وفي بداية المراسم قرأ أحد الأطفال الصغار بصوت جميل آيات من القرأن مع ترجمتها بالفارسية، وكلما أراد إنهاء التلاوة خاطبه الإمام بالقول: «اقرأ يا عزيزي» (٦).

ويحب القرآن: الإمام يحب القرآن كثيراً ويأنس به بشدة ولم يكن المصحف يفارقه أبداً بل كان دائماً يضعه بالقرب منه (٧).

يرفض إبعاد المصحف عنه: كان الإمام يرفض بحكم التزامه بمواساة الشعب الدخول إلى الملجأ الذي بنوه، وقد اضطررنا إلى نقل الكتب والأشياء من الرف الذي كان يجلس إلى جواره لكي لا تسقط عليه بسبب الهزات التي يوجدها القصف الجوي، لكنه رفض السماح لنا بنقل المصحف وكتاب مفاتيح الجنان لأنه كان يحرص أن يكونا في متناول يديه دائماً (٨).

يأمر بختم القرآن للآخرين: كان الإمام يأمر قبل أيام من حلول شهر رمضان بتلاوة عدة ختمات من القرآن وإهداء ثوابها إلى أشخاص معينين (٩).

يتدبر في معاني القرآن بدقة: كان الإمام يحب بعمق القرآن وتلاوته والتدبر في معانيه بدقة، وأتذكر أنني طلبت منه أن يكتب تفسيراً للقرآن فقال: «ينبغي لمن يكتب التفسير أن لا يكون له هم ولا هدف سواه في حياته، أما أنا فلدي الآن مشاغل متعددة وأعيش في حالة الكثرة» (١٠).

احترامه للقرآن: شاهدت مراراً حالة لطيفة في الإمام فيما يرتبط باحترامه للقرآن، فقد كنا أحياناً نحمل في الحقيبة بعض المصاحف لأسباب معينة ونحن ندخل على الإمام لإنجاز أعمالنا، وكنا نخرجها من الحقيبة ونضعها على الأرض مع المحتويات الأخرى للحقيبة دونما التفات لذلك فكان الإمام يقول لنا فوراً: «لا تضعوا المصحف على الأرض»، ثم يبادر إلى رفعه ووضعه على المنضدة التي بجواره، ثم انتبهنا إلى أنه كان يفعل ذلك لكي لا يكون المصحف موضوعاً على الأرض وهو يجلس على الكرسي (١١).

أنا أبارك القرآن؟!: جاءوا يوماً بعدد من المصاحف الصغيرة التي كانت تضم عدداً قليلاً من السور القرآنية لكي يوقع عليها الإمام قبل أهدائها إلى المقاتلين في الجبهات، فأخذ أحد السادة الكيس الذي يحتوي المصاحف وقربه من الإمام الذي تصوّر أن في الكيس قطعاً سكرية وأمثالها مما اعتدنا تقديمها له لكي يمسح عليها تبركاً، ولذلك فقد مدّ يده ليمسح على الكيس، لكنه لما وقع بصره على داخل الكيس قال: «ما هذه؟» قلنا: إنها مصاحف صغيرة جئنا بها لكي تباركها؟ وعندها انتفض في حالة من الاضطراب الشديد لم نرها من قبل أبداً، وسحب يده بشدة خلاف سكينته المعهودة وقال بلهجة حادة معاتباً لنا: «أنا أبارك القرآن؟! ما هذه الأفعال التي تقومون بها؟!» (١٢).

تواضعه أثناء استماع التلاوة: شاهد الجميع الإمام يوماً وهو يتجنب الجلوس على الكرسي الذي اعتاد الجلوس عليه في شرفة حسينية جمران أثناء اللقاءات العامة، وجلس على الأرض، وكان السبب هو أن الفائزين في مسابقة قراءة القرآن قد جاءوا لزيارته في هذا اللقاء وكان من المقرر أن تتلى أثناء اللقاء آيات من القرآن الكريم (١٣).

أحببتك لأنك تتلو القرآن: كنت أجلس باستمرار في حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وأتلو القرآن فيه، وكان الإمام يراني هناك ورغب في أن أعمل عنده، وقد بعث لي شخصاً يستدعيني للقائه فلم أذهب إليه لأنني تصورت أنه غير مرتاح مني ويرى أن يعاتبني، ثم جاءني الشخص نفسه وقال: إن الإمام يريد أن يلتقيك لأمر، وقلت: بالله عليك ماذا يريد مني؟ قال: والله لا علم لي بذلك، قلت: هو هو غاضب عليّ لاسمح الله؟ أجاب: لا، لا، كل ماقاله لي هو: «اذهب وَأْتِنِي بذاك الرجل الذي يجلس في الحرم».

وعندها قلت له: حسناإذهب أنت، سوف أذهب إلى سماحته بنفسي، فذهب الرجل: وعندما دخلت على الإمام سألني: «ما اسمك؟» أجبت: حاج إبراهيم خادم النجفي، فقال: هل ترغب في البقاء في هذا البيت وتساعدنا في الأعمال؟» قلت: وأي شيء أستطيع القيام به أنا ياسيدي؟ أجاب: «تشارك في القيام بالأعمال، وأطمئن من أنك ستكون هنا في راحة، ليس مهماً مقدار ما تستطيع القيام به من الأعمال، لقد أحببتك لأنك رجل مؤمن ولأنني أراك تتلو القرآن كلما دخلت الحرم للزيارة» (١٤).


(1) - حجة الإسلام والمسلمين رحيميان.
(2) - موسوعة «كوثر»، ج ٢، ص ٢٠.
(3) - حجة الإسلام والمسلمين الرسولي المحلاتي، مجلة «حوزة العدد المزدوج».
(4) - حجة الإسلام والمسلمين الآشتياني، مجلة «مرزداران /حرس الحدود»، العدد:٨٤.
(5) - السيد رحيم ميريان «أحد العاملين في بيت الإمام»، ولعل هذه الرواية هي أدق الروايات بالنسبة لأوقات ومقدار تلاوة الإمام من القرآن يومياً وهي ترتبط بالأعوام الأخيرة من حياته الشريفة أيام إقامته في طهران بعد انتصار الثورة الإسلامية. المترجم».
(6) - تقرير مراسل صحيفة كيهان، العدد الصادر بتاريخ « ١٤/١١/١٣٥٧، هـ.ش».
(7) - حجة الإسلام والمسلمين حسن الثقفي، كتاب «خطوات في أثر الشمس»، ج ١، ص١٤٣.
(8) - السيدة فرشته الإعرابي «حفيدة الإمام».
(9) - حجة الإسلام والمسلمين رحيميان.
(10) - آية الله جعفر السبحاني، مجلة «حوزة».
(11) - حجة الإسلام والمسلمين رحيميان، كتاب «حوادث خاصة من حياة الإمام الخميني»، ج٥.
(12) - حجة الإسلام والمسلمين رحيميان.
(13) - حجة الإسلام والمسلمين محمد الفاضلي الإِشتهاري، كتاب «حوادث خاصة من حياة الإمام»، ج٥.
(14) - السيد إبراهيم خادم النجفي «الخادم في بيت الإمام في النجف».

 

   القرآن والقادة

 

كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله)
في جلسة الأنس بالقرآن


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام علی سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفی محمّد وعلی آله الطيبين الطاهرين المعصومين، لاسيّما بقيّة الله في الأرضين.
 

جلسات الأنس تجمعُ المسلمين:

لقد كانت جلستنا اليوم في غاية العذوبة، جلسة حلوة ومنشودة. فقد انتهلنا من بركات التلاوات والعروض الفنية القرآنية التي ألقاها رجالنا وشبابنا الأعزاء. كما وأرحّب بالضيوف الذين وفدوا علينا من البلدان الأخرى، سواء أساتذة القرآن، أم المشاركون في المسابقات.

إن إحدى المحاسن الكبرى لهذه الجلسات والمسابقات القرآنية، هي الأنس المتبادل بين الإخوة المسلمين من مختلف البلدان مع بعضهم الآخر. فإن السياسات الاستكبارية المختلفة تسعى جاهدة لإثارة الشقاق فيما بيننا والعمل على إقصاء الشعوب المسلمة بعضها عن الآخر، بل وتأليب بعضها ضدّ الآخر. وعلى الشعوب الإسلامية أن تعمل بعكس ذلك تماماً، وأن توطّد الأنس فيما بينها بكل ما أوتيت من قوة وبما أتيح لها من سبيل. وواحدة من هذه السُبُل، هي إقامة مثل هذه الجلسات. فإن القرآن هو المحور المشترك والنعمة الإلهية الكبرى للمسلمين كافة. وعلى الجميع أن ينتهلوا معاً من بركات هذه المائدة المعنوية الإلهية. وهذه الجلسات والمسابقات القرآنية، توفّر للجميع الفرصة للنهوض بهذا العمل.
 

ثبات الأمة.. على هدي القرآن:

وإنّ من البركات الأخرى لهذه الجلسات، تعزيزُ الأنس بالقرآن لدى شبابنا ومختلف أبناء الشعب والشرائح. وهذه حقيقةإننا بعيدون عن القرآن، والأمة الإسلامية بعيدة عن القرآن، وهناك بونٌ شاسع بين واقع حياتنا والحقائق القرآنية! وما علينا إلا أن نقرّب أنفسنا منه، وإن سعادة الأمة الإسلامية مرهونة بأن تقترب بنفسها من القرآن ومفاهيمه ومعارفه ودروسه. ومن الطرق المؤدية إلى ذلك تعزيزُ الأنس بالقرآن لدى الشباب وأبناء الشعب نساءً ورجالاً. وهذه هي الأخرى من بركات هذه المسابقات. وإني أتقدّم بالشكر لأولئك الذين أقاموا هذه المسابقات، وأداروها، وتجشّموا العناء فيها.

التفتوا! هناك أموالٌ باهظة تُنفق اليوم في العالم، وأعمال كبيرة تُنجز، لتسديد ضربة للإسلام والمسلمين. فإن القوى الطاغوتية في العالم تهاب الإسلام، وتخاف من مجتمع المسلمين البالغ عدده ملياراً ونصف المليار نسمة، ولهذا باتت تبذل قصارى جهدها لاستلاب القوة من مجتمع المسلمين بطرقٍ مختلفة، فهي تعلم أن الإسلام يقف سداً أمام مطامعها. ولو علا صوت الإسلام، لما توافرت لها بعدُ إمكانية ممارسة الظلم في حق الشعوب بهذه الطريقة. لذا فهي تعمل على إخماد صوت الإسلام، من أجل أن يتسنى لها إخراج قضايا المستضعفين في العالم من الأذهان، وإيداع القضية الفلسطينية واغتصاب بلدٍ إسلاميٍّ في غياهب النسيان.. هذه هي الأهداف التي ينشدونها. فلو تمسّكنا بالقرآن وبهديِهِ، لكان بمقدورنا التغلّب على هذه المؤامرات، ولو واصلنا طريق الجهاد، لكان النصر حليفنا لا محالة. فلا بد من التمسّك بالقرآن، والعالم الإسلامي بحاجة إلى التمسّك بحبل الله، وإرساء دعائمه، وتعزيز ثباته وصموده.. هذا ما يحتاج إليه العالم الإسلامي في الوقت الراهن.
 

شرطان للتمسّك بالعروة الوثقى:

لا ينبغي لنا أن نكون ضعفاء، بل يجب علينا أن نكون أقوياء، والقوة لا تتلخص في السلاح والمال، وإنما ترتكز في الأساس على الإيمان بالله والثبات. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا ﴾. فإن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، يستتبع التمسّك بالعروة الوثقى، وهو مدعاة للقوة والاقتدار. وهذا ما يجب علينا ترويجه وبثّه في ربوع العالم الإسلامي، ويجب أن تقوم إرادتنا على ذلك. والمؤسف أن هناك في العالم الإسلامي من يتمسّك بالطاغوت بدلاً من التمسك بالقرآن، ويسعى لتطبيق السياسات الأمريكية في المنطقة، ويعمل بما يتوافق مع الميول والآراء والسياسات الأمريكية - وأمريكا هي الطاغوت الأعظم والشيطان الأكبر - ويتمسك بالطاغوت ولا يكفر به. والشرط الأول هو الكفر بالطاغوت: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ ﴾.

إن وقوف الشعب الإيراني في وجه أطماع أمريكا وجَشَعها، هو العنصر الأساس لاقتدار هذا الشعب. فإننا اليوم شعبٌ مقتدر. وقضية الإسلام في إيران تختلف عن قضية الشخصية الدينية الفلانية أو الشخصية السياسية الفلانية، فإننا دولة، لها إمكانياتها، ولها شعبها البالغ ثمانين مليون نسمة، ولها سلاحها واقتصادها وسياستها وعلمها.. هذه هي الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن. والأعداء يخافون من الإسلام المقتدر الشجاع، ولهذا السبب تجدهم يهابون الجمهورية الإسلامية ويهاجمونها. فإن هجومهم علينا ناجم عن خوفهم وذعرهم وعلمهم بأن مواقف الجمهورية الإسلامية تترك تأثيرها في العالم، وذلك لأننا نتحدث إلى الشعوب الإسلامية بصدق، ونتعامل معها بصدق، ونعمل بما نقوله ونتابعه، ولم تتمكن وعود الطواغيت من خداع الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني؛ لا وعودهم خدعتنا ولا تهديداتهم أخافتنا، فإننا لا نهاب تهديداتهم ولا تنطلي علينا وعودهم. وهذا هو الأمر الضروري الذي تجب متابعته، وهو الشيء الذي تحتاج إليه الأمة الإسلامية: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ومن يفعل ذلك: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾.


والمؤسف أن بعض الدول الإسلامية تخون شعوبها، وتخون الأمة الإسلامية، وتمهّد الأرضية للتوغّل الأمريكي، وتمدّ يد العون إلى الطاغوت الأعظم المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية، وتتّبع سياساتها. وهذه هي الـمُلمّة التي ألـمّت اليوم بالمسلمين وبمنطقتنا. وهي جريمة كبرى يقترفونها.

والواجب الملقى على أعناق المجتمع الإسلامي أجمع والأمة الإسلامية جمعاء، في الدرجة الأولى هو الجهاد في سبيل تنوير الأفكار وتوعيتها. والمسؤولية هذه تقع على عاتق العلماء والمثقفين والدارسين وكل من له منبر، فليعملوا على إنارة الأفكار وتبيان حقائق العالم الإسلامي للناس، والتنوير هذا جهاد. فالجهاد لا يقتصر على رفع السلاح والنضال في ميدان القتال، وإنما يشمل الجهاد الفكري والجهاد العملي والجهاد التبييني والتبليغي والجهاد المالي أيضاً.

اليوم، وبسبب أننا لم نؤدِّ هذه الفريضة - فريضة التبيين - بشكل صحيح، وقع بعضهم في ضلالة، وراحوا يعملون ضدّ الإسلام، زاعمين أن عملهم هذا يصبّ في خدمة الإسلام. وهؤلاء هم الجماعات الإرهابية في منطقتنا، الذين سلبوا الأمن والاستقرار من الشعوب المسلمة، وأخذوا يحاربون المسلمين بالنيابة عن العدو. فإن هذه الجماعات الإرهابية المقرّبة من الوهابية، قد أخذت على عاتقها عناء العدو، وباتت تنفّذ بالنيابة عنه ما كان يصبو إليه، وتثير الخلاف والشقاق بين المسلمين. فإن انشغل المسلمون بالاقتتال فيما بينهم، سوف تُرمى القضية الفلسطينية في بقعة النسيان، وهذا ما باتوا يطبّقونه بالفعل.

فلا بد من التبيين والتوعية والعمل، وعليكم أن تستثمروا هذه المحافل والاجتماعات القرآنية. وأنتم الوافدون من شتى البلدان، قوموا بإرشاد شعوبكم وتوعيتهم على أساس التعليمات القرآنية والجهاد القرآني والتبيين الذي ينشده القرآن: ﴿   لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾.. هذا ما يجب عليكم بيانه وإيضاحه لهم.
 

النصر للإسلام!

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمهّد السبيل لحركة الأمة الإسلامية. فلو جاهدنا وتحركنا وأخلصنا نياتنا، سوف ينصرنا الله عزّ وجلّ، وإن تقاعسنا ولم نؤدّ الواجب الذي في أعناقنا، لا ينبغي بطبيعة الحال أن نتوقّع النصر الإلهي. فإن الله يساعد الذين يعملون ويجتهدون، وينصر الشعوب التي تتحرك وتبذل جهدها، فلنجاهد ولنتحرّك، لنفوز بنصرة الله تعالى.
 

وكلّي يقينٌ بأن النصر للإسلام، وأن جبهة الكفر بكل ما تنطوي عليه من سعة وبهرجة وعربدة، سوف تُرغم في نهاية المطاف على التراجع أمام الأمة الإسلامية وأمام جبهة الإسلام المناضلة والمجاهدة. ﴿ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾، وهذه هي سنّة الله التي لا يعتريها شكّ وريب. والشرط الوحيد فيها أن نتحرك ونبذل مجهودنا، ولو قمنا بذلك، فإن سنة الله تقضي بأن العدو يجب أن يتراجع، وهو سيتراجع بالفعل.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُحيينا وإياكم مع القرآن، وأن يُميتنا وإياكم مع القرآن، وأن يحشرنا وإياكم في يوم القيامة مع القرآن.

والسلام عليکم ورحمة الله وبرکاته (١)


(1) - كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) في جلسة الأنس بالقرآن الكريم ١٨/٥/٢٠١٦.

 

 

  القرآن والقادة

 

من كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)

المسؤولية اتجاه العائلة


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : في إحدى خُطبه: «فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ اَلطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ اَلْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ اَلْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا وَ تَلْهُو عَمَّا يُرَادُ» (١) وهو الذبح.

إنَّ الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عبثاً، وكذلك الإنسان، بمعنى أنَّ هذا الإنسان غير متروك ليحيا حياته بطريقة عبثية، بل هو مسؤول ويُسأل عن أفعاله.

يقول تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾ (٢)، كل الناس مسؤولون عن أفعالهم، وطبعاً، هناك استثناءات كالصبي والصبية غير المكلَّفين، والمجنون. أما الكلام هنا فعمّن تتوفّر فيهم الصفات التي حدّدها الله للإنسان المسؤول، يقول تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏ ﴾ (٣)، أي عن عملهم بالتكاليف‏ الإلهيّة، ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيَّته» (٤). فالأمير على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيّته. والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم. والمرأة راعية بعلها وولدها، وهي مسؤولة عنهما.

وفي كلام آخر لأمير المؤمنين (عليه السلام) : «اتقوا الله في بلاده وعباده، فإنَّكم مسؤولون عن البقاع والبهائم» (٥). وهذا ما نسميه اليوم: الثروات الطبيعية والحيوانية.. ومسؤولية الإنسان متعدّدة الاتجاهات: فهناك مسؤوليات اتجاه نفسه وبدنه وحاجاته الجسدية، واتجاه روحه وحاجاته الروحية والنفسية. وهناك مسؤولية اتجاه عائلته والأقرباء، وأهل قريته ووطنه، ومسؤولية اتجاه البشرية. وهناك مسؤولية اتجاه الدين والقيم.. ويجب أن يتحمل الإنسان مسؤوليته بقدر ما يستطيع، لأن الله لا يُحمِّل نفساً إلا وسعها.
 

هذا يعني:
١- أن يعرف الإنسان تكليفه والمسؤوليات الملقاة على عاتقه.
٢- أن يعرف شكل وروح المسؤولية ليبادر ويعمل ويتحمَّل ويجاهد في تحمّلها..
٣- أن يعمل ما تقتضيه هذه المسؤولية، حتى إذا سُئل- يوم القيامة- تكون أجوبته كفيلة بأن تُدخله الجنة.
 

المسؤولية تجاه العائلة:

أما موضوع حديثنا فهو المسؤولية اتجاه العائلة. وهذا الموضوع ينبع من باب الحاجة إلى التوجيه النبويِّ الرسالي، نتيجة ابتعاد مجتمعاتنا عن القيم الدينية والإلهية، ونتيجة تطوّر عالم الاتصالات وغزو التقاليد الغربية لمجتمعاتنا وتقاليدنا، فالوارد إلينا هو خطر ومدمّر.

تتضمّن العائلة أو الأسرة، التي يسمّيها الإسلام بالحلقة الأضيق، الأب والأم والزوجة والأولاد. وهناك شبهة عند الناس في هذا الموضوع، فهم يفترضون أن الحلقة الأضيق هي الزوجة والأولاد. وبعضهم يفترضون أنهم عندما يستقلون‏ في حياتهم، فالوالد والوالدة أصبحا خارج الدائرة الأضيق، وهذا فهم خاطئ.

نأتي إلى النظرة الإسلامية في الموضوع الاجتماعي، إن على صعيد الفرد أو على صعيد العائلة، فرؤية الإسلام ترتكز إليهما بلحاظ:

١- أنّ الفرد هو أصل الإنسان، لذلك نجد كل تعاليم الإسلام وتشريعاته، وتعاليم الأنبياء (عليهم السلام) ، كلها تركّز على تربيته وتنشئته.
٢- أن العائلة هي في نظر رسالات السماء أساس تكوين أي مجتمع إنساني، وفي أي مدينة أو أي وطن. أمّا في حالة أفراد مفكّكين، فيفقد المجتمع البشري طبيعته وينتج بدلًا عنه مجتمع منحرف لا يستطيع الاستمرار والبقاء.

فالعائلة، ولو في إطارها الضيّق، عندما تكون متعاونة متراحمة، فهي تشكل خلايا البيئة الاجتماعية السويّة، وهذا ينعكس على المجتمع كله. من هنا تأتي التعاليم والرسالات لتؤكِّد على الزواج، الذي هو مستحب، بل واجب في بعض الأحيان. الإسلام يتحدّث عن انتقاء الزوج والزوجة، وتسهيلات الزواج، وتقديمات الزواج، والحفاظ على الأسرة وبقائها، وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة، كما يذكر تعقيدات موضوع الطلاق.
 

أزمة العائلة في الغرب‏:

ابتلاءاتنا في المجتمع، هي فيما يأتينا من الغرب؛ ففي الغرب هناك مأساة على المستوى النفسي، برغم التطور العلمي الهائل والحجم العسكري المتزايد، وسنشهد، خلال السنوات المقبلة، أزمات حادة جداً في‏ هذه الدول. إنّ ما نقرؤه من تقارير ودراسات حول مجتمعاتهم، والذي يعكسونه في الأفلام السينمائية التي يصدّرونها إلى العالم العربي والإسلامي، كله يتحدث عن تفكّك الأسرة، وارتفاع هائل في نسبة العزوبية. فلا يوجد تكوين أسرة وعائلة طالما يظن الرجل والمرأة أنهما يستطيعان تأدية حاجاتهما الجسدية خارج إطار الأسرة، نتيجة الإباحية التي تنتشر في تلك المجتمعات. وهناك ارتفاع في نسبة الطلاق، ونسبة المولودين خارج الزواج الشرعي، حتى خارج الزواج المدني المتداول عندهم. وهذا ما يؤدي إلى آثار روحية واجتماعية وأمنية سيئة جداً.
 

هناك، عندما يكبر الوالدان، لا يسأل الأولاد عنهما، وإن سألوا يرمونهما في دور العجزة. وعندما يموتان تتكفل البلدية بدفنهما. وهذا ما يُريدون نقله إلينا! وإذا دخلنا إلى الدائرة الأضيق (الأسرة) عندنا، ومن خلال بعض التوجيهات النبوية والإسلامية، يمكن تجزئة هذه الدائرة الصغرى إلى ثلاثة أجزاء:

١- الوالدان.
٢- الأولاد.
٣- الزوج والزوجة (٦).

وسنكمل الحديث في العدد القادم إن شاء الله تعالى.


(1) - نهج البلاغة: الشريف الرضي، ج ٣، كتاب رقم ٤٥، ص ٧٢.
(2) - سورة الصافات، الآية: ٢٤.
(3) - سورة الحجر، الآيتان: ٩٢- ٩٣.
(4) - بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج ٧٢، ص ٣٨.
(5) - نهج البلاغة: م. س، ج ٢، خطبة رقم ١٦٧، ص ٨٠.
(6) - مجلة: بقية الله.

 

   التفسير والبيان



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾
 


ملامح السورة:

نزلت هذه السورة في مكة، وعدد آياتها تسعة وستون آية، في الآية الواحدة والأربعين يشبه المولى تعالى بناء الشرك ببيت العنكبوت في وهنه وضعفه، لذلك سميت السورة بسورة العنكبوت، والعديد من سور القرآن سميت بأسماء الحيوانات التي ذكرت فيها كالنمل والفيل والنحل والبقرة، فسورة البقرة سميت بذلك لمناسبة ورود قصة بقرة بني اسرائيل، والنحل لمناسبة ذكر بيان حياة هذه الحشرة العجيبة، كذلك بالنسبة الى سورة النمل ومناسبة قصة النملة وحديثها مع سليمان (عليه السلام) ، أما سورة الفيل فالقصة معروفة وشاهدها حملة أبرهة على مكة وركوبه وأصحابه على الفيلة. أما المواضيع التي طرحت في هذه السورة فهي مواضيع تتكلم عن: الإيمان بالله، تكليف البشر، الامتحان الإلهي، تاريخ بعض الأنبياء، بالإضافة إلى النهي عن المجادلة بغير التي هي أحسن، وطرح مسألة الاعتماد على غير الله سبحانه وتعالى.

نقاط وتأملات:

كلمة «فتن» في الأصل بمعنى: إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويقال «فتنة» للامتحان والبلاء، ليمتحن جوهر الإنسان فيميز الخبيث من الطيب.
 

دروس وبصائر:
١- الإيمان ليس باللسان والشعارات فقط، ولا بد من امتحان كل من يدعي الإيمان: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ... وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ لا يكفي الادعاء بالإيمان بل يجب رؤية العمل والحكم عليه.
٢- الامتحان والبلاء سنة إلهية مستمرة طوال التاريخ: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾.
٣- الحوادث ليست صدفة، بل امتحانات وفتنة لها أسبابها ومسبباتها ﴿ فَتَنَّا ﴾.
٤- معرفة التاريخ والحوادث السابقة تُعدّ الناس وتؤهلهم لقبول الحوادث الواقعة: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾.
٥- دليل الامتحانات الإلهية تَحقق العلم الإلهي الأزلي وعينيته، وتمييز المؤمنين الحقيقيين من الكاذبين، وتفتّح الاستعدادات الباطنية وإظهارها الى حيز الفعلية: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ .. الَّذِينَ صَدَقُواْ ... الْكَاذِبِينَ ﴾.
 

الامتحانات الإلهية:

إن جميع مجالس القوننة والبرلمانات في العالم تضع نوعين من القوانين ويتم تصويبهما:
الأول: القانون الداخلي الذي يلزم المجلس نفسه به، لإدارة أمور المجلس الداخلية.
الثاني: القوانين التي يصدرها لإدارة البلاد ويلزم الحكومات بتنفيذها.
 

والله تعالى وضع نوعين من القوانين:
الأول: القوانين التي ألزم الناس بإجرائها وأوجبها عليهم، والتي يطلق عليها اسم الأحكام والتكاليف.
والثاني: القوانين التي ألزم نفسه بها وكتبها على نفسه، والتي يطلق عليها السنن الإلهية، مثل الرزق: ﴿ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ (١)، والهداية: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ (٢).
 

ومن البرامج والقوانين التي كتبها الله على نفسه: الامتحان والبلاء (الفتنة). بحيث يمتحن الناس ويمحصهم، وقد ورد في الآيات القرآنية أمثلة كثيرة في هذا المورد: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم ﴾، والبلاء يشمل الجميع.

لكن السؤال الذي يُطرح هو التالي:
 

١- لماذا يبتلي الله عزَّ وجل الناس، ما دام يعلم ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وعلمه وسع كل شيء؟
الجواب: الامتحان الإلهي ليس للعلم، بل للتعليم، بمعنى تعليم الإنسان وتعريفه ليميز المدّعين الصادقين من المدّعين الكاذبين، فجميع المؤمنين يدّعون أنهم مطيعون لله سبحانه ويعملون بأوامره ونواهيه، لكن عند الامتحان تظهر حقيقة الأمر، ويُعلم من هو الصادق ومن الكاذب.

إضافة إلى ذلك، فإن العقاب والثواب لا يكون على أساس العلم، بل على أساس العمل الذي يصدر عن هذا الإنسان، فكلنا يعلم أن النّجار يعلم كيفية صنع الأبواب والنوافذ، لكنا لا نعطيه أجراً على علمه هذا، بل نعطيه الأجر عندما يصنع لنا الباب أو النافذة، فإذا لم يصنع شيئاً لم نعطه. والله سبحانه، كذلك، يمتحن الإنسان لكي يرى عمله فيعطيه ما يتناسب وفعله من أجر أو عقاب.
 

١- ما هي وسائل الامتحان؟
الجواب: إن جميع أمور الحياة من خير وشر يمكن أن تكون وسائل للامتحان والبلاء. يقول تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ﴾ (٣). فالإنسان معرض للبلاء في حالات الفقر والعوز والضيق، كما في حالات الوسعة والغنى والرفاه، في التعب وفي الراحة، فيمتحن في حالات الضيق والفقر، أيصبر أم يكفر ويخرج عن جادة الطريق، كذلك في حالات الرفاه والسعة، أيشكر فيساعد الآخرين، أو ينشغل بنفسه ويفكر بحاله فقط.

٢- كيف تكون ردة فعل الإنسان في حالات الابتلاء الإلهي؟  

الجواب: الناس عند البلاء عدة أصناف:

الصنف الأول: تكون ردة فعلهم عند البلاء سلبية، يصيحون ويندبون ويجزعون: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾ (٤).
الصنف الثاني: هم الصابرون: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ (٥).
الصنف الثالث: يقبلون على البلاء بأرواحهم وقلوبهم ويسلمون أمرهم إلى مولاهم: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ﴾(٦).
 

ومثال ذلك أعضاء الأسرة عند تناول الطعام الذي يخالطه الفلفل والبصل مثلاً، فنرى أن ردة فعلهم متفاوتة: فالأطفال عندما يتذوقون الفلفل والبصل يصرخون ويصيحون، والأكبر سناً منهم يأكلون الفلفل ويتحملون طعمه، أما الأب فيمنح المال ويأكل الفلفل والبصل وهو سعيد.
 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) ﴾.
 

نقاط وتأملات:
* ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أن المراد من «لقاء الله» في الآية يوم القيامة.
 

دروس وبصائر:

١- ارتكاب المعاصي والذنوب وتكرارها يؤثر في فكر الإنسان وتصوره، ويجعله أسير التصورات والأوهام: ﴿  أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾.
٢- يمكن معالجة التصورات والأوهام بذكر الموت وتذكر المعاد. وليعلم الجميع سواء المؤمنين الذين يتعرضون للبلاء والامتحان أم الكفار والمخالفين، أن الفرص لا تدوم، والمهل لها انقضاء، وأن لطف الله سبحانه وقهره آت لا محال: ﴿  أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ  ... أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ... مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ اللَّهِ ... ﴾.
٣- الجميع في معرض البلاء، فلا المؤمنون متروكون من دون امتحان، ولا المخالفون ناجون من الانتقام الإلهي: ﴿ يَسْبِقُونَا ﴾، يخيّل إلى العاصين أن يد القهر الإلهية لن تصل إليهم!: ﴿ أَمْ حَسِبَ ﴾.
٤- يجب رفض الأفكار والتصورات الباطلة ووسمها بالسوء: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾.

الله تعالى يسمع مقالنا في إظهار الإيمان، ويعلم ما يدور في أذهاننا وما نتصور ونخفي في بواطننا: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (٧).


(1) - سورة هود الآية: ٦.
(2) - سورة الليل الآية: ١٢.
(3) - سورة الأنبياء الآية: ٣٥.
(4) - سورة المعارج الآية: ٢٠.
(5) - سورة البقرة، الآية: ١٥٥.
(6) - سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(7) - نفسير سورة العنكبوت: لسماحة الشيخ قراءتي.

 

   مفردات قرآنية

 


سورة مريم مكية مكّية وعَدَدُ آيَاتِها ثمان وتسعُونَ آية (٩٨)

 

فضل السورة:

روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأها أُعطي من الأجر بعدد مَن صدّق بزكريا وكذب به، ويحيى ومريم وموسى وعيسى وهارون وإِبراهيم وإِسحاق ويعقوب وإِسماعيل عشر حسنات، وبعدد من ادعى لله ولداً، وبعدد من لم يدع ولداً» (١).

وقال الإِمام الصادق (عليه السلام) : «من أدمن قراءة سورة مريم لم يمت في الدنيا حتى يصيب منها ما يغنيه في نفسه وماله وولده وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم (عليهما السلام) وأعطي من الأجر في الآخرة ملك سليمان بن داود في الدنيا» (2).

محتوى السورة:

تتحدث هذه السورة عن قصص زكريا ومريم والمسيح (عليهم السلام) ويحيى وإِبراهيم (عليهما السلام) بطل التوحيد، وولده إِسماعيل (عليه السلام)، وإِدريس (عليهم السلام) وبعض آخر من كبار أنبياء الله، الجزء الأهم في هذه السورة، ويحتوي على أُمور تربوية لها خصوصيات مهمّة، كما وتتحدث عن المسائل المرتبطة بالقيامة، وكيفية البعث، ومصير المجرمين، وثواب المتقين، وأمثال ذلك. وأخيراً تحكي الآيات عن الإِشارات المرتبطة بالقرآن، ونفي الولد عن الله سبحانه، ومسألة الشفاعة، وتشكل بمجموعها برنامجاً تربوياً مؤثراً من أجل دفع النفوس الإِنسانية إِلى الإِيمان والطهارة والتقوى.

الآيات من (٦٤ - إلى - ٧٢):

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (64) رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (65) وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً (68) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً (70) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72) ﴾

اللغة والبيان:

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل (عليهم السلام): ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزل ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ الآية أي إذا أمرنا نزلنا عليك، وقيل إنه قول أهل الجنة إنا لا نتنزل موضعا من الجنة إلا بأمر ﷲ تعالى ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ معناه له ما بين أيدينا من أمر الآخرة وما خلفنا أي ما مضى من أمر الدنيا وما بين ذلك أي ما بين النفختين ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ قيل هذا تمام حكاية قول الملائكة وقول أهل الجنة وقيل بل تم الكلام قبله، ثم أخبر الله سبحانه عن نفسه ومعناه أنه سبحانه ليس ممن ينسى ويخرج عن كونه عالما لأنه عالم لذاته ﴿ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي خالقهما ومدبرهما ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ من الخلائق والأشياء ﴿ فَاعْبُدْهُ ﴾ وحده لا شريك له ﴿ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ أي اصبر على تحمل مشقة عبادته ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ أي مثلا وشبيها، وقيل هل تعلم أحداً يسمى إلهاً خالقاً رازقاً محيياً مميتاً قادراً على الثواب والعقاب سواه حتى تعبده فإذا لم تعلم ذلك فالزم عبادته وهذا استفهام بمعنى النفي أي لا تعلم من يسمى بلفظة الله.

لما تقدم ذكر الوعد والوعيد والبعث والنشور حكى سبحانه عقيبة قول منكري البعث ورد عليهم بأوضح بيان وأجلى برهان فقال ﴿ وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ هذا استفهام المراد به الإنكار والاستهزاء أي أإذا ما مت أعادني الله حيا فقال سبحانه مجيبا لهذا الكافر ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ﴾ أي أولا يتذكر هذا الجاحد حال ابتداء خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة ﴿ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ معناه ولم يك شيئاً كائناً أو مذكوراً، ثم حقق سبحانه أمر الإعادة فقال ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ يا محمد ﴿ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ﴾ أي لنجمعنهم ونبعثنهم من قبورهم مقرنين بأوليائهم من الشياطين ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّا ﴾ والمعنى يجثون حول جهنم متخاصمين ويتبرأ بعضهم من بعض لأن المحاسبة تكون بقرب جهنم ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ أي لنستخرجن من كل جماعة ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾ أي الأعتى فالأعتى منهم، والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو التمرد في العصيان وقيل يبدأ بالأكثر جرما فالأكثر ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً ﴾ أي لنحن أعلم بالذين هم أولى بشدة العذاب وأحق بعظيم العقاب وأجدر بلزوم النار.

ثم بين سبحانه أحوالهم يوم الحشر فقال ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ أي ما منكم أحد إلا واردها، والهاء في واردها راجعة إلى جهنم، روى أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد عن أبي سمينة قال: اختلفا في الورود فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأومى بإصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردها ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ وروي مرفوعا عن يعلى بن منبه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سئل عن معنى الآية فقال: إن الله تعالى يجعل النار كالسمن الجامد ويجمع عليها الخلق ثم ينادي المنادي أن خذي أصحابك وذري أصحابي قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فوالذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها. وقوله ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي كائناً واقعاً لا محالة قد قضى بأنه يكون ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ ﴾ الشرك وصدقوا ﴿ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ ﴾ أي ونقر المشركين والكفار على حالهم ﴿ فِيهَا ﴾ أي في جهنم ﴿ جِثِيّاً ﴾ أي باركين على ركبهم، وقيل جماعات، وقيل المراد بالظالمين كل ظالم وعاص، ثم قال سبحانه ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ معناه وإذا يتلى على الكافرين آياتنا المنزلة في القرآن ظاهرات الحجج والأدلة يمكن تفهم معانيها ﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً ﴾ أي قال الذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا أنبياءه للذين صدقوا بذلك مستفهمين لهم وغرضهم الإنكار أي الفريقين أي أنحن أم أنتم خير منزلاً ومسكناً أي موضع إقامة ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيّا ﴾ أي مجلساً وإنما تفاخروا بالمال وزينة الدنيا ولم يتفكروا في العاقبة ولبسوا على الضعفة بأن من كان ذا مال في الدنيا فكذلك يكون في الآخرة.

سبب النّزول:

ذكر جماعة من المفسّرين في سبب نزول هاتين الآيتين (٦٤ - ٦٥)، أنّ الوحي انقطع أيّاماً، ولم يأت جبرئيل رسول الوحي الإِلهي إِلى النّبي، فلمّا انقضت هذه المدّة قال له: قال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما منعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا»، فنزلت الآية: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ (٣).

وقيل احتبس الوحي أياماً لما سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فشق ذلك عليه فلما أتاه جبرائيل استبطأه فنزلت: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ الآية (٤).

الآيات الأُولى (٦٦) على رأي جماعة من المفسّرين نزلت في شأن «أُبي بن خلف»، أو «الوليد بن المغيرة»، حيث أخذوا قطعة من عظم منخور، ففتّوه بأيديهم ونثروه في الهواء حتى تطايرت كل ذرة منه إِلى جهة، وقالوا انظروا إِلى محمّد الذي يظن أن الله يحيينا بعد موتنا وتلاشي عظامنا مثل هذا العظم! إِن هذا شيء غير ممكن أبداً. فنزلت هذه الآيات وأجابتهم، جواباً قاطعاً، جواباً مفيداً ومعلماً لكل البشر، وفي جميع القرون والأعصار (٥).


(1) - مجمع البيان:ج٣، ص٥٠٠.
(2) - المصدر السابق.
(3) - تفسير نور الثقلين: ج٣، ص٣٥٢، عن مجمع البيان، وتفسير القرطبي، الجزء ١١، ص ٤١٦.
(4) - مجمع البيان: موضع التفسير.
(5) - الأمثل: ج٩، ص٤٨٤.

 

  الأمثال في القرآن


 

التمثيل بالظلمات والرعد والبرق

 

قال تعالى:

﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (١) .

مفردات الآيات:

كصيّب: المطر، وكلّ نازل من علوّ إلى أسفل، يقال فيه: صاب يصوب، وهو عطف على قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ﴾، ولما كان المثل هنا أيضاً مثلاً للمنافقين، فمقتضى القاعدة أن يقول (وكصيّب) مكان (أو كصيّب) ولكن ربّما يستعمل (أو) بمعنى (و) قال الشاعر:

نال الخلافة أو كانت له قدرا        كما أتى ربّه موسى على قدر
 

ويحتمل أن يكون (أو) للتخيير، بأن مَثل المنافقين بموقد النار، أو بمن وقع في المطر.

والرعد: هو الصوت الذي يُسمَع في السحاب أحياناً عند تجمعه.
 

والبرق: هو الضوء الذي يلمع في السحاب غالباً، وربما لمع في الأُفق حيث لا سحاب، وأسباب هذه الظواهر اتحاد شحنات السحاب الموجبة بالسالبة كما تقرر ذلك في علم الطبيعيات.
 

والصاعقة: نار عظيمة تنزل أحياناً أثناء المطر والبرق، وسببها تفريغ الشحنات التي في السحاب بجاذب يجذبها إلى الأرض.
 

والإحاطة بالشيء: الاِحداق به من جميع الجهات.
 

والخطف: السلب والأخذ بسرعة، ومنه نهي عن الخطفة بمعنى النهبة.
 

قوله: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ ﴾ بمعنى إذا خفت ضوء البرق.
 

بيان حقيقة التمثيل:

بيان حقيقة التمثيل الوارد في الآية، يوضح حال المنافقين، فإنّ حال المشبه يعرف من حال المشبه به، فالمهم هو التعرّف على المشبه به.

والإمعان في الآيات يثبت بأنّ التمثيل يُبْتَدأ من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ وينتهي بقوله: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾، وأمّا قوله: ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ جملة معترضة جيء بها في أثناء التمثيل، وقوله بعد انتهاء التمثيل: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾، يرجع إلى المشبه.

هذا ما يرجع إلى مفردات الآيات وكيفية انسجامها، والمهمّ هو ترسيم ذلك المشهد الرهيب.

فلنفترض أنّ قوماً كانوا يسيرون في الفلوات وسط أجواء سادها الظلام

الدامس، فإذا بصيّب من السماء يتساقط عليهم بغزارة، فيه رعود قاصفة وبروق لامعة تكاد تخطف الأبصار من شدتها وصواعق مخيفة، فتولاّهم الرعب والفزع والهلع ممّا حدا بهم إلى أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم خشية الموت للحيلولة دون سماع ذلك الصوت المخيف، فعندئذٍ وقفوا حيارى لا يدرون أين يولّون وجوهم، فإذا ببصيص من البرق أضاء لهم الطريق فمشوا فيه هنيهة، فلما استتر ضوء البرق أحاطت بهم الظلمة مرة أخرى وسكنوا عن المشي.

ونستخلص من هذا المشهد أنّ الهول والرعب والفزع والحيرة قد استولى على هؤلاء القوم لا يدرون ماذا يفعلون، وهذه الحالة برمَّتها تصدق على المنافقين، ويمكن تقريب ذلك ببيانين:

البيان الأوّل: التطبيق المفرق لكلّ ما جاء من المفردات في المشبه به، كالصيّب والظلمات والرعد والبرق، على المشبَّه، وقد ذكر المفسرون في ذلك وجوهاً أفضلها ما ذكره الطبرسي (قده) تحت عنوان الوجه الثالث.

وقال: إنّه مثل للإسلام، لأنّ فيه الحياة كما في الغيث الحياة، وشبه ما فيه من الظلمات بما في إسلامهم من إبطان الكفر، وما فيه من الرعد بما في الإسلام من فرض الجهاد وخوف القتل، وبما يخافونه من وعيد الآخرة لشكّهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم وموارثتهم، وما فيه من الصواعق كما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. ويقوى ذلك ما روي عن الحسن (عليه السلام) انّه قال: (مثل إسلام المنافق كصيّب هذا وصفه) (٢).

وربّما يقرّر هذا الوجه بشكل آخر، وهو ما أفاده المحقّق محمد جواد البلاغي (المتوفّى ١٣٥٢ هـ‍) فقال: الإسلام للناس ونظام اجتماعهم كالمطر الصيّب فيه حياتهم وسعادتهم في الدارين وزهرة الأرض بالعدل والصلاح والأمن وحسن الاجتماع، ولكن معاندة المعاندين للحق وأهله جعلت الإسلام كالمطر لا يخلو من ظلمات شدائد وحروب ومعاداة من المشركين ورعود قتل وقتال وتهديدات مزعجات لغير الصابرين من ذوي البصائر والذين ارخصوا نفوسهم في سبيل الله ونيل السعادة، وفيه بروق من النصر وآمال الظفر واغتنام الغنائم وعزّ الانتصار والمنعة والهيبة، فهم إذا سمعوا صواعق الحرب أخذهم الهلع والحذر من القتل وشبهت حالهم في ذلك بأنّهم ﴿  يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ  ﴾ أجل: ﴿ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ وخوفاً من أن تخلع قلوبهم من هول أصواتها، وسفهاً لعقولهم أين يفرون عن الموت وماذا يجديهم حذرهم والله محيط بالكافرين (٣).

وهذان التقريران يرجعان إلى التطبيق المفرّق كما عرفت.

البيان الثاني: التطبيق المركّب، وهو أنّ الغاية من وراء هذا التمثيل أُمور ثلاثة ترجع إلى بيان حالة المنافقين.

وقبل أن نستوعب البحث عنها نذكر نص كلام الزمخشري في هذا الصدد.

قال الزمخشري: والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطّونه أنّ التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به وهو القول الفصل والمذهب الجزل (٤).

إذا عرفت ذلك، فإليك البحث في الأمور الثلاثة:

الأوّل: إحاطة الرعب والهلع بالمنافقين إثر انتشار الإسلام في الجزيرة العربية ودخول القبائل فيه وتنامي شوكته، مما أوجد رعباً في قلوبهم وفزعاً في نفوسهم المضطربة، ويجدون ذلك بلاءً أحاط بهم كالقوم الذين يصيبهم الصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق وإليه أشار قوله سبحانه: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾.

الثاني: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان يخبرهم عن المستقبل المظلم للكافرين والمدبرين عن الإسلام والإيمان خصوصاً بعد الموت صار ذلك كالصاعقة النازلة على رؤوسهم فكانوا يهربون من سماع آيات الله ويحذرون من صواعق براهينه الساطعة، مع أنّ هذا هو منتهى الحماقة، لأنّ صمّ الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾.

الثالث: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوهم إلى أصل الدين ويتلوا عليهم الآيات البيّنة ويقيم لهم الحجج القيّمة، فعندئذٍ يظهر لهم الحق، فربّما كانوا يعزمون على اتّباعه والسير وراء أفكاره، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما يعودون إلى تقليد الآباء، وظلمة الشهوات والشبهات، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾.

إلى هنا تمّ التطبيق المركب لكن في مقاطع ثلاثة.

ثمّ إنّه سبحانه أعقب التمثيل بقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي انّه سبحانه قادر أن يجعلهم صمّـاً وعمياًحتى لا ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تجدي هداية هادٍ.

وذهاب سمعهم وأبصارهم نتيجة أعمالهم الطالحة التي توصد باب التوفيق

أمامهم فيصيرون صمّـاً وبكماً وعمياً.

ثمّ إنّ الآيات القرآنية تفسر تلك الحالة النفسانية التي كانت تسود المنافقين في مهجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانوا في حيطة وحذر من أن تنزل عليهم سورة تكشف نواياهم، كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ (٥).

ومن جانب آخر يشاهدون تنامي قدرة الإسلام وتزايد شوكته على وجه يستطيع أن يقطع دابرهم من أديم الأرض، يقول سبحانه: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً (60) مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً ﴾ (٦).

هذا بعض ما يمكن أن يقال حول التمثيل الوارد في حق المنافقين، ولكن المهمَّ تطبيق هذا التمثيل على منافقي عصرنا، فدراسة حال المنافقين في عصرنا هذا من أهم وظيفة المفسّر، فإنّ حقيقة النفاق واحدة، ترجع إلى إظهار الإيمان وإبطان الكفر لغاية الإضرار بالإسلام والمسلمين، وهم يقيمون في خوف ورعب، وفي الوقت نفسه صم بكم عمي فهم لا يرجعون (٧).


(1) - سورة البقرة، الآيتان: ١٩ - ٢٠.
(2) - مجمع البيان: ج١، ص٥٧.
(3) - آلاء الرحمن: ج١، ص٧٤.
(4) - الكشاف: ج١، ص١٦٢ - ١٦٣.
(5) - سورة التوبة، الآية: ٦٤.
(6) - سورة الأحزاب، الآيتان: ٦٠ - ٦١.
(7) - أهم المصادر: مجمع البيان، الأمثل، الأمثال في القرآن.

 

  مناهج التفسير



ففي هذا المنهج يهتم المفسّـر اهتماماً شديداً بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها، لأنّه ينبعث عن تحريف القراءة، تحريف اللفظ القرآني المنزل، ومن ثمّ تحريف المعنى.

فالحرص على سلامة المنطق حرص على سلامة معنى النص القرآني، وصيانته من الشبهة أو التحريف.

والاهتمام بالقراءة يستدعي منطقياً الاهتمام بالصنعة النحوية، في النص القرآني إذ إنّ هذا الاهتمام بضبط أواخر الكلمات، إنّما يقصد أساساً إلى المعنى، فعلى المعنى يدور ضبط الكلمة وإعرابها، فالفاعل يرفع والمفعول به ينصب وما لحقه من الجر بسبب من أسبابه يجر.

فالتفات النحويين إلى إعراب القرآن كان التفاتاً طبيعياً، لأنّ الغاية من وضع النحو هو خدمة معنى القرآن وتحليته.

ففي ضوء ضبط القراءة ثم ضبط الإعراب القرآني، يتضح مفاد الآية في هذا الإطار الخاص، مضافاً إلى تحقيق مفردات الآية لغوياً، وتوضيح معانيها الأصيلة.
 

وعلى هذا النمط تجد التفاسير الآتية:

١ - «معاني القرآن»: تأليف ابن زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفّى ٢٠٧ هـ) ففسر مشكل إعراب القرآن ومعانيه على هذا المنهج، وقد طبع الكتاب في جزأين، حقّقهما محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي. ويبدو من ديباجة الكتاب أنّ الفرّاء شرع في تأليفه سنة (٢٠٤ هـ). والكتاب قيّم في نوعه، وإن كان غير واف بعامة مقاصد القرآن الكريم.

٢ - «مجاز القرآن»: لأبي عبيدة معمر بن المثنى (المتوفّى ٢١٣ هـ) وقيل غير ذلك. يقول في مقدّمة الكتاب: قالوا: إنّما أُنزل القرآن بلسان عربي ومصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أُخرى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ (١) فَلم يحتج السلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي أن يسألوا عن معانيه، لأنّهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العرب من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني. وهذا يعرب عن أنّه كان معتقداً بأنّ الإحاطة باللغة العربية، كافية في إخراج معاني القرآن وهو كما ترى.
 

نعم القرآن نمط من التعبير العربي لكن ليس كل تعبير عربي غنياً عن البيان، خصوصاً في مجال التشريع والتقنين الذي نرى تفصيله في السنّة.

ولا يقصد أبو عبيدة من المجاز ما يقابل الحقيقة، بل يريد ما يتوقف فهم الآية على تقدير محذوف، وما شابه ذلك، وهو على غرار «مجازات القرآن» للشريف الرضي (رضوان الله عليه) ولكن الشريف خصّص كتابه بالمجاز بشكله المصطلح.

مثلاً يقول أبو عبيدة: ومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر، قال: ﴿ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاصْبِرُواْ ﴾ (٢)، فهذا مختصر فيه ضمير مجازه: ﴿ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ ﴾ ثم اختصر إلى فعلهم وأضمر فيه وتواصوا أن امشوا أو تنادوا أن امشوا أو نحو ذلك.
 

وفي آية أُخرى: ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً ﴾ (٣)، فهذا من قول الكفّار، ثم اختصر إلى قول الله، وأُضمر فيه قل يا محمّد، ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ﴾ (٤)، فهذا من كلام الله.

ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمر، قال: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ (٥)، فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية، ومَن في العير. وقد طبع الكتاب وانتشر.

٣ - «معاني القرآن»: لأبي إسحاق الزَّجَّاج (المتوفّـى ٣١١ هـ) يحدّد ابن النديم تاريخ تأليف هذا الكتاب في نص قرأه على ظهر كتاب المعاني: ابتدأ أبو إسحاق إملاء كتابه الموسوم بمعاني القرآن في صفر سنة ٢٨٥ هـ وأتمّه في شهر ربيع الأوّل سنة ٣٠١ هـ. والكتاب بعد مخطوط ومنه نسخ متفرقة في المكتبات.

٤ - «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: تأليف الشريف الرضي أبي الحسن، محمد بن الحسين (٣٥٩ - ٤٠٦ هـ). يقول في أوّله: إنّ بعض الإخوان جاراني وذكر ما يشتمل عليه القرآن من عجائب الاستعارات وغرائب المجازات، التي هي أحسن من الحقائق مَعْرضاً، وأنفع للعلة معنى ولفظاً، وإنّ اللفظة التي وقعت مستعارة لو أوقعت في موقعها، لفظة الحقيقة لكان موضعها نابياً بها، ونصابها قلقاً بمركّبها، إذا كان الحكيم سبحانه لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه، ولكن لأنّها أجلى في أسماع السامعين، وأشبه بلغة المخاطبين، وسألني أن أجرد جميع ما في القرآن في ذلك على ترتيب السور ليكون اجتماعه أجل موقعاً وأعم نفعاً، وليكون في ذلك أيضاً فائدة أُخرى.

(إلى أن قال) وقد أوردت في كتابي الكبير «حقائق التأويل في متشابه التأويل» طرفاً كبيراً من هذا الجنس، أطلتُ الكلام والتنبيه على غوامض العجائب التي فيه من غير استقصاء أوانه (٦).

وبهذا البيان امتاز نمط هذا التأليف عمّا ألّفه أبو عبيدة وأسماه بمجاز القرآن. فالشريف يروم من المجاز القسم المصطلح، ولكنّ أبا عبيدة يروم الكلام الخارج على غير النمط العادي من حذف وتقدير وتأخير، وإضمار وغير ذلك.
 

خلاصة القَوْل:

الصورة الثالثة من المناهج التفسيرية النقلية: تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية.

هذا المنهج يهتم المفسّر اهتماماً شديداً بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها، لأنه ينبعث عن تحريف القراءة، تحريف اللفظ القرآني المنزل، ومن ثم تحريف المعنى.

فالحرص على سلامة المنطق حرص على سلامة معنى النص القرآني، وصيانته من الشبهة أو التحريف، والتفات النحويين إلى إعراب القرآن كان التفاتاً طبيعياً، لأنَّ الغاية من وضع النحو هو خدمة معنى القرآن وتحليته.

ففي ضوء ضبط القراءة ثم ضبط الإعراب القرآني، يتضح مفاد الآية في هذا الإطار الخاص، مضافاً إلى تحقيق مفردات الآية لغوياً وتوضيح معانيها الأصيلة.

وعلى هذا النمط تجد تفسير «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى، فمثلاً من مجاز ما حذف وفيه مضمر، قال: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ (٧)، فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية، ومَن في العير (٨).


(1) - سورة إبراهيم، الآية:٤.
(2) - سورة ص، الآية: ٦.
(3) - سورة البقرة، الآية: ٢٦.
(4) - سورة البقرة، الآية: ٢٦.
(5) - سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(6) - تلخيص البيان في مجازات القرآن: ٢، طبع عالم الكتب.
(7) - سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(8) - المصدر: دروس في مناهج التفسير (جمعية القرآن الكريم).

 

   معجم المفسرين

تفسير آيات الأحكام

 


العنوان المعروف: تفسير آيات الأحكام.
 

المؤلف: السيد محمد حسين الطباطبائي اليزدي (قدس سره).

تاريخ التأليف: ١٣٨٥هـ.
 

المجلدات: مجلد واحد (١).
 

طبعات الكتاب: الطبعة الأولى، النجف الأشرف، سنة ١٣٨٥هـ - الطبعة الثانية، قم، سنة ١٣٩٦هـ.
 

المؤلف: ولد عام ١٣٣٢هـ في النجف الأشرف في بيت الفقاهة والعلم، توفي والده وكان عمره حين وفاته أربع سنين، تكفلته والدته المكرمة، فقامت بتربيته أحسن قيام، درس المقدمات والسطوح العالية في النجف الأشرف، وحضر بحث الخارج فقهاً وأصولاً على أقطاب العلم، كالسيد محسن الطباطبائي الحكيم والأستاذ الشيخ محمد علي الخرساني.
توفي في بغداد ليلة ٢١ من رمضان المبارك سنة ١٣٨٦هـ، فنقل جثمانه إلى النجف الأشرف وشيع تشيعاً مهيباً تتقدمه المواكب العزائيّة، ودفن في مقبرة جدّه المرحوم.
 

أهم آثاره ومؤلفاته: ١- تفسير آيات الاحكام. ٢- التحفة الحسينيّة في الإمامة. ٣- تقريرات الأصول والفقه.
 

تعريف عام: تفسيره تفسير فقهي موجز.. مع المقارنة بالمذاهب الأربعة على أساس ترتيب السور والآيات غير مبوب بأبواب الفقه، وغير مستوعب جميع الآيات، بل تعرض لكل آية فيها تعلق بالأحكام.
 

ابتدأ تفسيره بذكر مقدمة في فضل القرآن، وكيفية نزوله، واشتماله على المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ و... وحجية ظواهر القرآن، ولزوم عرض الحديث على القرآن، ولزوم الأخذ من العترة الطاهرة R بمفاد حديث الثقلين وغير ذلك من المباحث.
 

منهجه في التفسير: وأما منهجه في التفسير فكان يبدأ بذكر اسم السورة، مدنية كانت أو مكيّة، وعدد آياتها، ثم بيان مفردات الآيات التي لها تعلق بالأحكام، وذكر الحكم، وبيان الفائدة.
 

الخلاصة: كان التفسير يقوم على تفسير آيات الأحكام، مع العناية بالتفسير البياني والأدبي، مع المقارنة بين الآراء من غير تعصب في بيانه، ولا يستطرد للمباحث غير الواردة في الآية.

 

   علوم قرآنية

 


قد توهّم بعضهم وقوع التحريف في كتاب الله العزيز استناداً إلى جملة من الأخبار الظاهرة في نقص القرآن، وهي إمّا أخبار غير معتبرة سنداً، أو أنّها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، أو أنّها مؤوّلة بنحوٍ من الاعتبار، وإلاّ فقد نصّ المحقون من علماء المسلمين على أن يُضْرَب بها الجِدار وعرض الحائط ولا يعول عليها.

والآن نسلط الضوء على قسم من أدلّة سلامة القرآن الكريم من التحريف منها:
 

أولاً - الدليل القرآني:

ومثال ذلك آية الحفظ وآية لا يأتيه الباطل: قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿ ... وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ ﴾ (٢)

تحدّث القرآن الكريم في الآيتين السابقتين عن سلامة القرآن من التحريف وأعلن هذا المعنى بعبارات تبعث على الاطمئنان ومليئة بالتأكيد.

جاءت الآية الأولى على شكل جملة اسمية تبدأ بـ ((إنَّ)) وبالضمير المنفصل ((نحن)) ولام التأكيد، وَوُضِعَت كل عوامل التأكيد إلى جانب بعضها لبيان هذه الحقيقة المهمة والخالدة.

والعزيز من العزّة بمعنى المنعة، وتختلف مواضع استخدامها، ففي اللغة العربية يُقال لما لا يقع تحت تأثير عامل خارجي ((عزيز)). ووصف القرآن بالعزيز أنه منيع ولا يخضع لعوامل أُخرى ولا يتأثّر بها، والجمل اللاحقة في هذه الآية توضيح لهذا المعنى: ﴿ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ ﴾ هذا البيان تنزيه للقرآن من كلّ باطل، والحقيقة هي أنَّ القرآن يتّخذ موقفاً دفاعياً إزاء الباطل، وآياته وعباراته على درجة من الثبات والمِنعة بحيث يعجز الباطل عن النفوذ إليها.

والتغيير والتبديل سواء بالزيادة أم بالنقيصة في الآيات، إنّما يعني أنَّ ما حصل فيه التغير شيء آخر غير القرآن، وهو أمر باطل، وعلى هذا الأساس فنفي الباطل يعني نفي أي نوع من التغيير والتحريف، إذاً هذه الآية تنفي أي احتمال للتحريف بالزيادة أو التحريف بالنقصان.

ومن المحتمل أن يثار إشكال على النحو التالي: إنَّ الاستدلال بهاتين الآيتين على عدم حصول تحريف في القرآن، لا يصح إلّا إذا ثبت أنَّ هاتين نفسيهما من القرآن، فمن أين نعلم أنَّ هاتين الآيتين من القرآن، وليستا آيتين محرفتين؟ والجواب عن هذا الاشكال:

أ- كلامنا في هذا المجال موجّه إلى مدّعي التحريف، وهؤلاء لا يذهب أي منهم إلى القول بالتحريف بالزيادة، وعلى هذا الأساس فإنَّ عدم الزيادة في القرآن أمر متفق عليه.

ب- يُفهم بكل وضوح من آيات التحدّي في القرآن أنَّ ما بين أيدينا هو القرآن المنزل من عند الله ؛ لأنَّ الإتيان بمثله غير ممكن. ورغم أنَّ آيات التحدّي لايمكن أن يثبت بواسطتها عدم نقص القرآن، ولكن يمكن إثبات عدم إضافة شيء إليه، وعلى هذا الأساس فالآيتان المذكورتان سالمتان من احتمال التحريف، ويمكن من خلال البرهنة على صحّتهما إثبات عدم وجود نقص في القرآن بناءً على مفادهما.

ثانياً - الدليل الروائي:

أ- حديث الثقلين المتواتر المنقول عن طريق العامّة والخاصّة (٣).

الحديث مع ما فيه من اختلاف طفيف في الألفاظ والتعابير يكشف عن ثلاثة أمور هي:

الأول: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إني تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي».

الثاني: «ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا».

الثالث: «أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».

هذا الحديث شاهد تام ودليل قاطع على سلامة القرآن من التحريف، وهو يعلن أنَّ القرآن باقٍ في الناس إلى يوم القيامة؛ لأنَّ القرآن لو كان محرّفاً لما أمكن التمسك به ولا بالعترة؛ لأنَّ العترة لا تعتبر حجّة مستقلّة بمعزل عن القرآن، فإن كانت العترة باقية، والقرآن غير موجود فمعنى ذلك افتراق العترة عن القرآن، فلا بد من وجود القرآن لكن لا يفترقا.

التدقيق في حديث الثقلين يبيّن أنَّ القرآن والسنّة مترابطان مع بعضهما ويستلزم كل واحد منهما وجود الآخر، بحيث لو تعرّض أحدهما للتحريف والضياع لضاع الآخر.

فالقرآن باعتباره الثقل الأكبر يحتاج إلى الحديث لتبيين وشرح حدوده وثغوره ومعانيه - وإن كان أصل حجيّته ذاتياً - والأحاديث والروايات باعتبارها الثقل الأصغر تحتاج إلى القرآن في أصل اعتبارها. والحقيقة هي أنَّ القرآن والعترة متمازجان ومتداخلان باعتبارهما حجة واحدة، ويكمّل أحدهما الآخر، ولا يعقل التمسّك بأحدهما دون الآخر، ولو كان كل من القرآن والحديث مطروحين كحجّتين ودليلين مستقلين عن أحدهما الآخر، لكان من المتيسّر التمسّك بأحدهما عند انعدام وجود الآخر، بينما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا.

ب - الروايات التي وصلتنا من الأئمة توصينا بالرجوع إلى القرآن عند الفتن والشدائد (٤)، ووصفوا القرآن بأنّه ملاذ حصين. فإذا كان الكتاب نفسه لم يسلم من فتن الزمان، كيف يمكنه حماية الآخرين من أضرار الفتن؟

ج- الدليل الآخر على سلامة القرآن من التحريف، هو عرض الروايات على القرآن. فقد جاءت عن
الأئمة (عليهم السلام) أحاديث قالوا فيها ما جاءكم منّا اعرضوه على القرآن فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه (٥). وقالوا أيضاً: وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف (٦)، أو: ما لم يوافق كتاب الله من الحديث فهو زخرف (٧).

وجاء في الروايات تعابير أُخرى مشابهة لما ذكر سابقاً، حتى إنها بلغت حد الاستفاضة. وإليكم مجموعة أخرى من هذه الروايات:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ على كلّ حقٍّ حقيقةً وعلى كلِّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه (٨).

يفهم من مجموع هذه الروايات أنَّ ما هو حق وله أصالة، هو القرآن الكريم.

فالقرآن لا يمكن لأحد الإتيان بمثله، بينما يمكن وضع ما يشبه حديث المعصومين، وعلى هذا الأساس فإنَّ ميزان ومعيار الحق من الباطل هو القرآن الكريم، وفي ضوء ذلك فإنَّ كلّ رواية تحدّثت بشكل أو آخر عن تحريف القرآن، إذا تعذّر تأويلها وتوجيهها، فهي استناداً إلى هذه المجموعة من الروايات، باطلة وموضوعة ولا اعتبار لها.
 

ثالثاً - الدليل العقلي:

القرآن كتاب أُنزل لهداية الناس، وتصرّح آياته بأنَّ الله تعالى يعتبر الإنسان مضطراً للرجوع إليه، كما أنَّ الضرورة العقلية تقتضي أن تكون المعارف الدينية، والأصول العامة، ودستور الإسلام مدوّنة في كتاب بين يدي الإنسان، مثلما كان عليه الحال في الأديان السابقة. ومن غير المعقول أن يضع الله كتاباً بين أيدي الناس ثم يتركهم ليزيده مَنْ يشاء منهم، ويُنقص منه من يشاء. وبعبارة أُخرى يصبح هذا الأمر بمثابة نقض للغرض الإلهي ؛ لأنَّه لو وقع التحريف في كتاب يُعتبر هدىً للناس ونذيراً للعالمين، ولكل العصور والأجيال، فمعنى ذلك أنَّ الهدف من إنزاله لم يتحقق، ولا يبقى له أي اعتبار.
 

رابعاً - التحليل التاريخي:

الدليل الآخر على عدم التحريف، هوالتحليل التاريخي لمكانة القرآن بين المسلمين، فالتاريخ يشهد أنه كانت لحفظ وقراءة القرآن مكانة متميّزة لدى المسلمين، منذ البداية وإلى الآن، بحيث هبّ مسلمو صدر الإسلام بشغف لا يوصف إلى حفظه وتعليمه وتعلّمه بعد مدّة قصيرة من نزول آياته التي نزلت بشكل تدريجي، وكان هناك كُتّاب خاصِّين لكتابة القرآن، وكان لقُرّائه أعلى منزلة في الوسط الاجتماعي، وبالتزامن مع اتساع الفتوحات الإسلاميّة في زمن الخليفة الأول والخليفة الثاني، وإقبال الشعوب الأخرى على الإسلام والقرآن ابتداءً من قلب أوربا وإلى شبه القارة الهندية، غدا القرآن يُتلى في كل البلاد والبيوت، فإذا كان القرآن قد أودع على هذا النحو في الصدور، واستُنسخت منه نسخ لا تُعد ولا تُحصى، فهل يمكن أن يتعرّض للزيادة أو النقصان على يد فرد أو أفراد، ويشهد الآخرون هذه الخيانة ويسكتون عنها ! وإذا كان هذا لا يُرجى من عامّة الناس، فهل من المنطقي أن يشهد جهاز الخلافة الإسلاميّة وأمثال علي بن أبي طالب (عليه السلام) تحريف كتاب الله ولا يتصدّون له؟ في حين إنه (عليه السلام) كان يتعامل بحساسيّة فائقة مع مسائل من فروع الدين، ويقول مثلاً حول بيت مال المسلمين وما يتعرّض له من حيف وميل:

«وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ» (٩).

هكذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتعامل مع أموال المسلمين، فما بالك بالقرآن والمساس به، وهو ما يرى الإمام نفسه حارساً له ومدافعاً عنه، وتطرّق في كلمات عديدة إلى وصفه، وتبيينه، وذكر فضله، وهكذا انتهج سائر الأئمة هذا المنهج واتّبعوا هذه السيرة مع القرآن، وأثبتوا عملياً سلامة القرآن من التحريف (10).

(للموضوع تتمة ...)


(1) - سورة الحجر، الآية: ٩.
(2) - سورة فصّلت، الآيتان: ٤١ - ٤٢.
(3) - لمزيد من الاطلاع: الغدير وعلوم القرآن عند المفسرين:ج١، ص١٨٧ - ٢٠٦.
(4) - أصول الكافي: كتاب فضل القرآن، ج٤، ص٣٩٨.
(5) - وسائل الشيعة: ج١٨، ب٩ من أبواب صفات القاضي، ح١٩، ٢٩، و٣٥.
(6) - المصدر السابق: ص١٤.
(7) - المصدر السابق: ص١٢.
(8) - المصدر السابق: ص١٠.
(9) - نهج البلاغة: الخطبة ١٥.
(10) - دروس في علوم القرآن الكريم: (إصدارات جمعية القرآن الكريم).

 

   قصص قرآنية



يقول سبحانه: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ (1) . فكل من إبراهيم ويعقوب L وصّيا أَبْنَاءهُما بالقول: ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. لعلّ القرآن الكريم، بنقله وصية إبراهيم (عليه السلام)، يريد أن يقول للإنسان إنه مسؤول عن مستقبل أبنائه، عليه أن يهتم بمستقبلهم المعنوي قبل أن يهتم بمستقبلهم المادي.

يعقوب كإبراهيم وصّى أيضاً أبناءه، بنفس هذه الوصايا، وأكد لأبنائه أن رمز نجاحهم يتلخص في جملة واحدة، هي التسليم لربّ العالمين.
 

ربّما يعود ذكر اسم يعقوب هنا من بين سائر الأنبياء، إلى أن اليهود والنصارى كانوا يعتقدون بانتسابهم إلى يعقوب بشكل من الأشكال، فأرادت الآية أن توضح لهم أن خط الشرك الذي يسلكونه لا يتناسب مع منهج يعقوب، وهو منهج التسليم المحض لربّ العالمين.

وقال تعالى مبيناً قصّة النبي يعقوب ويوسف (عليهما السلام) وقد عبر عن القصّة بـ(أحسن القصص)، والقرآن خطا أحسن الخطوات في بيان التواريخ والقصص في سبيل التعليم والتربية، ولا سيّما إذا التفتنا الى هذه النقطة، وهي أنّ القرآن لا يذكر الوقائع التاريخية في أيّ مجال بشكل عار من الفائدة، بل يذكر معطياتها بشكل يُنتفع بها تربوياً: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾.
 

بداية الاحداث:

بدأ القرآن بذكر قصّة يوسف من رؤياه العجيبة ذات المعنى الكبير، لأنّ هذه الرؤيا في الواقع تعدّ أوّل فصل من فصول حياة يوسف المتلاطمة.

جاء يوسف (عليه السلام) في أحد الأيّام صباحاً الى أبيه وهو في غاية الشوق ليحدثه عن رؤياه، وليكشف ستاراً عن حادثة جديدة لم تكن ذات أهمية في الظاهر، ولكنّها كانت إِرهاصاً لبداية فصل جديد من حياته: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾.

المؤامرة المشؤومة:

من هنا تبدأ قصّة مواجهة إِخوة يوسف (عليه السلام) واشتباكهم معه فتشير الآيات إلى الدروس التربوية الكثيرة التي توحيها القصّة، إِذ تقول: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مَّنْهُمْ لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾.

بعد أن صوّب إِخوة يوسف اقتراحَ أخيهم في عدم قتل يوسف، وإِلقائه في الجبّ، أخذوا يفكرون في كيفية فصل يوسف عن أبيه لذلك أقدموا على تخطيط آخر، فجاؤوا الى أبيهم بلسان ليّن يدعو إلى الترحم، وفي شكل يتظاهرون به أنهم مخلصون له وحدثوا أباهم: و﴿ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾.
 

إصرار أبناء يعقوب (عليه السلام) بأخذ يوسف (عليه السلام) معهم:

وأخيراً انتصر إِخوة يوسف وأقنعوا أباهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، فباتوا ليلتهم مطمئني البال بانتظار الصبح لتنفيذ خطتهم وإِزاحة أخيهم الذي يقف عائقاً في طريقهم... وكان قلقهم الوحيد أن يندم أبوهم ويسحب كلامه ووعده بإِرسال يوسف معهم. فجاؤوا صباحاً الى أبيهم فأمرهم بالمحافظة على يوسف، وكرر توصياته في شأنه، فأظهر الأبناء طاعتهم لأبيهم وأبدوا احترامهم الفائق ومحبتهم العميقة، وتحركوا إلى خارج المدينة.

يقال: إِنّ أباهم ودعهم إلى بوابة المدينة ثمّ أخذ منهم يوسف وضمّه إلى صدره ودمعت عيناه، ثمّ أودع يوسف عندهم وفارقهم، ولكن يعقوب كان يودعهم بنظراته، وكان إِخوة يوسف لا يقصرون عن مدارة أخيهم يوسف وإِظهار عنايتهم به ومحبتهم له طالما كانت تلاحظهم عينا أبيهم، ولكن ما إن غاب عنهم أبوهم واطمأنوا الى أنّه لا يراهم، حتى انفجرت عقدتهم وصبوا «جام غضبهم» وحقدهم وحسدهم المتراكم لعدّة سنوات على رأس يوسف، فالتفّوا حوله يضربونه بأيديهم ويلتجىء من واحد لآخر ويستجير بهم فلا يجيرهُ أحد منهم.

نقرأ في رواية أنّ يوسف كان يبكي تحت وابل اللكمات والضربات القاسيّة، ولكن حين أرادوا أن يلقوه في الجبّ شرع بالضحك فجأة... فتعجب إِخوته كثيراً وحسبوا أن أخاهم يظنّ الأمر لا يعدو كونه مزاحاً... ولكنّه رفع الستار عن ضحكه وعلّمهم درساً كبيراً إِذ قال: لا أنسى أنني نظرت أيها الإِخوة إلى عضلات أيديكم القويّة وقواكم الجسدية الخارقة، فسررت وقلت في نفسي: ما عسى أن يخشى ويخاف من الحوادث والملمّات من كان عنده مثل هؤلاء الإِخوة، فاعتمدت عليكم وربطت قلبى بقواكم، والآن وقد أصبحت أسيراً بين أيديكم وأستجير بكم من واحد للآخر فلا أُجار، وقد سلطكم الله عليّ لأتعلم هذا الدرس، وهو ألاّ أعتمد وأتوكّل على أحد سواه... حتى ولو كانوا إِخوتي. وعلى كل حال فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاؤُواْ عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾.
 

نحو أرض مصر:

قضى يوسف في ظلمة الجب الموحشة والوحدة القاتلة ساعات مرّةً، ولكنّه بإِيمانه بالله وسكينته المنبثقة عن الإِيمان شع في قلبه نور الأمل، وألهمه الله تعالى القوة والقدرة على تحمّل الوحدة الموحشة، وأن ينجح في هذا الامتحان. ولكنّ الله أعلم كم يوماً قضى يوسف في هذه الحالة؟ قال بعض المفسّرين: قضى ثلاثة أيام، وقال آخرون: يومين. وعلى كل حال تبلج النّور: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾.
 

في قصر عزيز مصر:

انتهت حكاية يوسف مع إِخوته الذين ألقوه في غيابة الجبّ، بدأ فصل جديد من حياة هذا الغلام الحدث في مصر... فقد جيء بيوسف الى مصر وعرض للبيع، ولما كان تحفة نفيسة فقد صار من نصيب «عزيز مصر» الذي كان وزيراً لفرعون أو رئيساً لوزرائه، لأنّه كان يستطيع أن يدفع قيمة أعلى لغلام ممتاز من جميع الجهات، والآن لنَر ما الذي حدث له في بيت عزيز مصر؟ يقول القرآن الكريم في شأن يوسف: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾.
 

العشق الملتهب:

لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب، بل أسر قلب امرأة العزيز كذلك وأصبح متيّماً بجماله!. وامتدّت مخالب العشق إلى أعماق قلبها، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يوماً بعد يوم ويزداد اشتعالا... لكنّ يوسف هذا الشابّ الطاهر التقي، لم يفكّر بغير الله، ولم يتعلّق قلبه بغير عشق الله سبحانه. وهناك اُمور أُخرى زادت من عشق امرأة العزيز ليوسف.. فمن جهة لم تُرزق الولَد، ومن جهة أُخرى انغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ... ومن جهة

ثالثة عدم ابتلائها بأيّ نوع من البلاء كما هي حال المتنعّمين، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة.. كلّ ذلك ترك امرأة العزيز الفارغة من الإيمان والتقوى تهوي في وساوسها الشيطانية إلى الحضيض، بحيث أفضت ليوسف أخيراً عمّا في قلبها وراودته عن نفسه.

واتّبعت جميع الأساليب والطرق للوصول إلى هدفها، وسعت لكي تلقي في قلبه أثراً من هواها وترغيبها وطلبها، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾.
 

فضيحة امرأة العزيز!!

المقاومة الشديدة التي أبداها يوسف جعلت امرأة العزيز آيسة منه تقريباً.. ولكن يوسف الذي انتصر في هذا الدور على تلك المرأة المعاندة أحسّ أنّ بقاءه في بيتها في هذا المزلق الخطر غير صالح، وينبغي أن يبتعد عنه، ولذلك أسرع نحو باب القصر ليفتحه ويخرج، ولم تقف امرأة العزيز مكتوفة الأيدي، بل أسرعت خلفه لتمنعه من الخروج، وسحبت قميصه من خلفه فقدّته: ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾.
 

مؤامرة أُخرى:

بالرغم من أنّ عشق امرأة العزيز المذكور آنفاً كان مسألة خصوصية بحيث أكّد حتّى العزيز على كتمانها، ولكن حيث إنّ هذه الأسرار لا تبقى خافية، ولا سيّما في قصور الملوك وأصحاب المال والقوّة التي في حيطانها آذان صاغية فسوف تتسرّب إلى خارج القصر كما يقول القرآن في هذا الشأن: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾.
 

السّجن بسبب البراءة:

انتهى المجلس العجيب لنسوة مصر مع يوسف في قصر العزيز في تلك الغوغاء والهياج، ولكنّ خبره بالطبع وصلَ إلى سمع العزيز.. ومن مجموع هذه المجريات اتّضح أنّ يوسف لم يكن شابّاً عادّياً، بل كان طاهراً لدرجة لا يمكن لأي قوّة أن تجرّه إلى الانحراف والتلوّث، واتّضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة، فتمزّق قميصه من دُبر، ومقاومته أمام وساوس نسوة مصر، واستعداده لدخول السجن وعدم الاستسلام لتهديدات امرأة العزيز بالسجن والعذاب الأليم، كلّ هذه الأُمور أدلّة على طهارته لا يمكن لأحد أن يسدل عليها الستار أو ينكرها!. ولازم هذه الأدلّة إثبات عدم طهارة امرأة العزيز وانكشاف جريمتها، وعلى أثر ثبوت هذه الجريمة فإنّ الخوف من فضيحة جنسية في اُسرة العزيز كان يزداد يوماً بعد يوم. فكان الرأي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو إبعاد يوسف عن الأنظار لينسى الناس اسمه وشخصه، وأحسن السبل لذلك إيداعه قعر السجن المظلم أوّلا، وليشيع بين الناس أنّ المذنب الأصلي هو يوسف ثانياً، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾.
 

السّجن أو مركز التّربية:

حين هيّأ يوسف في البحث السابق قلوب السجينين لقبول حقيقة التوحيد، توجّه إليهما وقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾.
 

رؤيا ملك مصر وما جرى له:

بقي يوسف (عليه السلام) سنين في السجن المظلم كأي إنسان منسيّ، ولم يكن لديه من عمل إلاّ بناء شخصيته، وإرشاد السجناء وعيادة مرضاهم وتسلية الموجَعين منهم. حتّى غيّرت (حظّه وطالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر.. ولم تغيّر هذه «الظاهرة» حظّه فحسب، بل حظّ اُمّة مصر وما حولها.

لقد رأى ملك مصر الذي يقال أنّ اسمه هو «الوليد بن الرّيان» - وكان «عزيز مصر وزيره» - رأى هذا الملك رؤيا مهولة، فأحضر عند الصباح المعبّرين للرؤيا ومن حوله فقصّ عليهم رؤياه: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ (2).

أما بقية القصة فيأتي في العدد اللاحق بعون الله تعالى.


(1) - سورة البقرة، الآيتان: ١٣٢، ١٣٣.
(2) - سورة يوسف، الآيات: ٣ - ٤٩.



 

   القرآن في نهج البلاغة

عِبَادَةُ اَللَّه وطَاعَتُهُ

بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «فَبَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ اَلْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَمِنْ طَاعَةِ اَلشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ اَلْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ اَلْحَقِّ وَلاَ أَظْهَرَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَلاَ أَكْثَرَ مِنَ اَلْكَذِبِ عَلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَلاَ أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلاَ فِي اَلْبِلاَدِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَلاَ أَعْرَفَ مِنَ اَلْمُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ اَلْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لاَ يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فِي اَلنَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ اَلضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ اَلْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلْفُرْقَةِ وَاِفْتَرَقُوا عَنِ اَلْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَلَيْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اسْمُهُ وَلاَ يَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَزَبْرَهُ...».


رواه آخر (الروضة) في خبره (٥٨٦) عن أحمد بن محمد، عن سعد بن المنذر بن محمد، عن أبيه عن جدّه، عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواها غيره، وذكر أنّه خطب بذي قار إلخ، ومنه يظهر أنّه (عليه السلام) خطب به في خروجه إلى الجمل.

يقول (عليه السلام) «فَبَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ اَلْأَوْثَانِ» جمع الوثن، قال الجوهري: الوثن كلّ ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم، قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي ألْقِ هذا الوثن عنك.

«إِلَى عِبَادَتِهِ» قال سبحانه: ﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ (١).

«وَمِنْ طَاعَةِ اَلشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ» القرآن الكريم يسمّي طاعة الشيطان «عبادة»، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ (٢).

«بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ» أي: جعله محكماً. قال عزَّ وجل: ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (٣).

«لِيَعْلَمَ اَلْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ» قال عزَّ وعلا: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾(٤). وقال جلَّ وعلا: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (٥).

«فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ» في (تفسير) القمي في قوله تعالى: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾(٦) كان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً من دهاة العرب وكان من المستهزئين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد في الحجرة ويقرأ القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد وقالوا يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمّد، أشعر هو أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه فدنا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له أنشِدْنِي من شعرك قال: ما هو بشعر ولكن كلام اللّه الذي ارتضاه ملائكته وأنبياؤه ورسله وقال اتل علي منه شيئا فقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «حم السجدة» فلمّا بلغ إلى قوله: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾(٧) فاقشعر الوليد، وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته، ومر إلى بيته ولم يرجع إلى قريش فمشوا إلى أبي جهل فقالوا يا أبا الحكم إنَّ أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد أما تراه لا يرجع إلينا فعدا أبو جهل إلى الوليد فقال: يا عم نكست رؤوسنا، وأشمت بنا عدوّنا، وصبوت إلى دين محمد؟ قال: ما صبوت إلى دينه ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعر منه الجلود فقال له أبو جهل أَخَطْب هو؟ قال لا، إن الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا. قال أفشعر؟ قال لا أما أني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها وما هو بشعر قال فما هو؟ قال دعني أفكر فيه فلمّا كان من الغد. قالوا يا أبا عبد شمس ما تقول فيه قال: قولوا هو سحر فإنّه آخذ بقلوب الناس، فأنزل تعالى: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ (٨) إلخ. «وَكَيْفَ مَحَقَ» أي: أبطل ومحا. «مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ» أي: العقوبات. قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ... ﴾ (٩). «وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ» قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾(١٠) وقال سبحانه: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُواْ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾(١١). وقال عزَّ وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾(١٢). «وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ اَلْحَقِّ وَلاَ أَظْهَرَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَلاَ أَكْثَرَ مِنَ اَلْكَذِبِ عَلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)» في (تفسير القمي) في قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ... ﴾(١٣) عن ابن عباس، قال: حججنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه، فقال ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان فقال بلى فقال: إنَّ من أشراطها إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر، ولا يستطيع أن يغيّر قال: وإنَّ هذا لكائن؟ قال: بلى إن عندها يليهم أمراء جورة ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة، قال: إنَّ هذا لكائن؟ قال: بلى، إن عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، قال: وإنَّ هذا لكائن؟ قال إي: والذي نفسي بيده فعندها إمارة النساء، ومشاورة الإماء، وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب ظرفاً والزكاة مغرماً، والفيئ مغنماً، ويجفو الرجل والديه، ويبرّ صديقه، ويطلع الكوكب المذنب. قال: وإنَّ هذا لكائن؟ قال: بلى، وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة، ويكون المطر قيظا (ويفيض اللئام فيضا) ويغيض الكرام غيظا، ويحتقر الرجل المعسر، وعندها تقارب الأسواق، إذ قال هذا لم أبع شيئا، وقال هذا لم أربح شيئا فلا ترى إلاّ ذاماً للّه وعندها يليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم وعندها يؤتى بشيء من المشرق، وشيء من المغرب، وجثثهم جثث الآدميين، قلوبهم قلوب الشياطين وعندها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما على الجارية ويشبّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وعندها تزخرف المساجد، كما تزخرف البيع والكنائس، ويحلّى المصاحف، ويطول المنارات وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة إلى أن قال وعندها تتكلم الرويبضة، قال سلمان: وما الرويبضة؟ قال يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم. وقال ابن أبي الحديد قال شعبة: إمام المحدثين تسعة أعشار الحديث كذب وقال الدار قطني: ما الحديث الصحيح في الكذب إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. «وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ سِلْعَةٌ» أي: متاع. «أَبْوَرَ» أي: أكسد. «مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ» وكما ينبغي. «وَلاَ أَنْفَقَ مِنْهُ» أي: أروج. «إِذَا حُرِّفَ» أي: غيّر. «عَنْ مَوَاضِعِهِ» والأصل في كلامه ر قوله تعالى: ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ... ﴾(١٤) وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ... ﴾ (١٥).

روى سليم بن قيس أنَّ معاوية قدم المدينة في خلافته فقال لابن عباس: إنّا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وآله فكفّ لسانك، فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم، قال: فنقرأه، ولا نسأل عمّا عنى اللّه به قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما يتأوله أنت وأهل بيتك قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فاسأل عنه آل أبي سفيان أتنهانا يا معاوية أن نعبد اللّه بالقرآن بما فيه من حلال وحرام فلا تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم فتهلك، قال: اقرأوا القرآن ولا تؤلّوه ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل اللّه فيكم وارووا ما سوى ذلك، قال ابن عباس إنَّ اللّه تعالى يقول: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ (١٦) قال يا ابن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك وإن كنت لا بد فاعلاً وليكن ذلك سرّاً لا تسمعه أحداً علانية.

«وَلاَ فِي اَلْبِلاَدِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَلاَ أَعْرَفَ مِنَ اَلْمُنْكَرِ» روى (الكافي) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبّانكم ولم تأمروا بمعروف، ولم تنهوا عن المنكر فقيل له ويكون ذلك؟ قال: نعم وشرّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له ويكون ذلك؟ قال نعم وشرّ من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا، هذا وقوله (عليه السلام) «وليس عند أهل ذلك الزمان». «فَقَدْ نَبَذَ» أي: القى. «اَلْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ» قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(١٧).

«فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ» هكذا في (المصرية) والصواب: (منفيان طريدان) كما في ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطية. في (المروج) أمر المتوكل في سنة (٢٣٦) بهدم قبر الحسين (عليه السلام) وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، ومنع الناس من زيارته وزيارة أبيه.

«وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ» وهو طريق الحق، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في (المستفيض) عنه: إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، وإنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض.

«لاَ يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ» من آويته إذا أنزلته بك وأما (أويت) فبمعنى نزلت قال تعالى: ﴿ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ... ﴾ (١٨) ووهم الجوهري فنسب إلى أبي زيدان أوى وآوى بمعنى. وعدم إيواء مؤولهما لأنهما لا يراعيان غير الحق والناس فارون من الحق فرار المعز من الذئب.

«فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فِي اَلنَّاسِ» من حيث الوجود والتحيز واللوازم الجسمانية. «وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ» هكذا في (المصرية)، ولكن في ابن أبي الحديد (وَلَيْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ) وكذا ابن ميثم على ما يفهم من تفسيره وإن كانت نسخته بلفظ (وَلَيْسَا مَعَهُمْ) وعليه فقوله (ومعهم) عطف على (في الناس) فيكون المعنى (فالكتاب وأهله في الناس وليسا فيهم والكتاب وأهله مع الناس وليسا معهم). «لِأَنَّ اَلضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ اَلْهُدَى» علّة لعدم كون الكتاب في الناس ومعهم، لان الضدين لا يجتمعان في محل واحد. «وَإِنِ اِجْتَمَعَا» صورة لاستحالة اجتماع الضدين حقيقة. «فَاجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ» أي: ناس ليسوا أهله. «عَلَى اَلْفُرْقَةِ» عن الهدى والحق الذي في الكتاب.

«وَافْتَرَقُوا عَنِ اَلْجَمَاعَةِ» مع أهله، لم يكتفوا بالفرقة عن أهل الحق بل افترقوا في أنفسهم بفرق كثيرة وجماعات متعددة. «كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَلَيْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ» قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ﴾ (١٩). «فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اسْمُهُ» دون معناه.

«وَلاَ يَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَزَبْرَهُ» بالفتح أي: كتابته والمزبر القلم قال: «قد قضى الأمر وجف المزبر». روى (الروضة) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ومن الإسلام إلاّ اسمه، يسمّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء، منهم خرجت الفتنة، وإليهم تعود (٢٠) (٢١).
 


(1) - سورة يوسف، الآية: ٤٠.
(2) - سورة يس، الآيتان: ٦٠ - ٦١.
(3) - سورة المائدة، الآيتان: ١٥ - ١٦.
(4) - سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(5) - سورة يونس، الآية: ٣٨.
(6) - سورة المدثر، الآية: ١١.
(7) - سورة فصلت، الآية: ١٣.
(8) - سورة المدثر، الآية: ١١.
(9) - سورة الرعد، الآية: ٦.
(10) - سورة الروم، الآية: ٤٧.
(11) - سورة الانبياء، الآيات: ١١ - ١٥.
(12) - سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥.
(13) - سورة محمد، الآية: ١٨.
(14) - سورة النساء، الآية: ٤٦.
(15) - سورة المائدة، الآية: ٤١.
(16) - سورة التوبة، الآية: ٣٢.
(17) - سورة البقرة، الآية: ١٠١.
(18) - سورة هود، الآية: ٤٣.
(19) - سورة الفرقان، الآية: ٣٠.
(20) - أهم المصادر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، في ظلال نهج البلاغة، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.
(21) - بقلم: الشيخ فادي الفيتروني.

 

   الأخلاق في القرآن

 


التّوبة يجب أن تكون مستمرةً ودائمةً، هذا من جهة، فعندما يُخطيء الإنسان إثر وساوسه النّفسية «النّفس الأمّارة»، عليه أن يُقدِم على التّوبة لتدخل في مرحلة: «النّفس اللّوامة»، وبعدها تصل إلى مرحلة: «النّفس المطمئنة»، لتقلع جذور الوَساوس من أساسها.

ومن جهة اُخرى: وبعد توبته من الذنب، عليه أن يُراقب نفسه باستمرار، وليحذر من نقض العهد مع الباري تعالى، في المستقبل أو بعبارة اُخرى: إذا وجد في نفسه بقايا لِلميل إلى الذّنب، والرّغبة في الإثم، عليه أن يُجاهد نفسه، ويتحرك في مجال تهذيبها من هذه الشّوائب، ليكونَ في صفّ التّائبين والُمجاهدين.
 

بعضَ علماء الأخلاق، تطرّقوا لبحوث لا طائل لها، وهوَ هلْ: مقام التائب ومجاهدته وممارسته لعناصر الذّنوب في الخارج أفضل، أم التّائب الذي يقلع جذور الذّنب من قلبه (١)؟

وليس من المُهم الأفضليّة، بل المُهم هو العمل على تكريس حالة الانضباط، في جو المسؤوليّة و عدم العودة لممارسة الذّنب، ولرعاية هذا الأمر يتوجب اتّباع اُمور، منها:

١ ـ الابتعاد عن أجواء الذّنب، و عدم مُجالسة أهل المعاصي، لأنّ التّائب يكون في البداية ضعيف القلب جداً، كالمريض في بداية شفائه من مرضه، فأدنى شيء، بإمكانه أن يثير في نفسه مشاعر الخطيئة، بالمستوى الذي يشلّ فيه إرادة الصّمود، و يحوله إلى كيان مهزوز، أمام حالات المرض، و يُشدّده عليه، و كالمُعتاد على الأفيون، التّارك له للتَوِّ أيضاً، يتأثر بالأجواء الملوّثة بسرعة.

٢ ـ عليه هجر أصدقاء السّوء، و تجديد النّظر في علاقته معهم، والفرار منهم كالفرار من الوحوش الضّارية.

٣ ـ في حالات وقوعه في دائرة وسوسة الشّيطان، يشتغل بذكر الله تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ (٢).

٤ ـ لِيفكر دائماً بالذّنب الّذي تاب منه، وإفرازاته، ويجعلها نصب عينه، لِئّلا يغفل وينسى مضرّاته، وإلاّ ستهجم عليه الوَساوسُ والدّوافعُ لإيقاعه في هُوّةِ الخطيئة مرّةً اُخرى.

٥ ـ لِيتّعظ بقصص الماضين والسّابقين ومن وقعوا في المَهالك، جرّاء معاصيهم، وحتّى الأنبياء المعصومين، ولتركهم الأوْلى أحياناً، مثلاً، يُفكّر في قصّة آدم (عليه السلام)، والسّبب الّذي أدّى إلى خسرانه، ذلك المُقام السّامي وطَرده من الجنّة، أو حكاية يونس النّبي (عليه السلام)، الذي حُبس في بَطن الحوت، ويَعقوب الَذي اُبتلي بفراق ولده. فكلّ ذلك يؤثر إيجابياً، في تفعيل عناصر الإرادة والصّمود، في خطّ الإيمان والانفتاح على الله تعالى.

٦ ـ التّفكير بالعقوبات التي وضعها الباري للعاصين، وليجعل هذه الحقيقة أمام عينه دائماً، وهي أنّ معاودته لارتكاب الذّنوب، يمكن أن يؤدي به إلى استحقاق عقوبة أشدّ وأقوى. وفي المقابل، ليفكر برحمة الله تعالى ولُطفه، وهو اللّطيف الخبير الغفور، فرحمته بانتظار التّوابين العائدين إلى خطّ الاستقامة والإيمان، وليُحدّث نفسه بعدم تضييع هذا المقام، الذي وصل إليه بعد تعب وعناءِ، في واقع العمل والمُثابرة.

٧ ـ ليشغل وقته بالبرامج الصّحيحة السّليمة، والتمّتع بغير الُمحرّم، ولا يدع فراغاً في أوقاته، يفضي به أن يعيش التّخبط في الوَساوس الشّيطانية مرّةً اُخرى. وقد سُئل أحد العُلماء، عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «التّائِبُ حَبِيبُ اللهِ»، فقال: إنّما يكون التّائب حبيباً إذا كان فيه جميع ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (٣).
 

مراتب التّوبة:

ذكر علماء الأخلاق، درجات ومراتب مختلفة للتّوبة والتّائبين. ويمكن تقسيم التّائبين من جهة، إلى أربعة أقسام:

القسم الأوّل: اُولئك التّائِبون الذين لا يقلعون عن الذنوب، ولا يتأسفون على ما فعلوا، حيث وقفوا عند مرحلة النّفس الأمّارة، وعاقبتهم غير معلومة أصلاً، فَمِن المُمكن أن يعيش حالةَ التّوبة في آخر أيّام حياته، وتكون عاقبته الحُسنى، ولكنّ الطامّة الكبرى، عندما يتفق موتهم مع معاودتهم للذنب، وهناك ستكون عاقبتهم السّوآى، وفيها الخُسران الأبدي.

القسم الثاني: التّائبون بحق الّذين يستمرون في طريق الحقّ والطّاعة، ويتحرّكون في خطّ الاستقامة، ولكن الشّهوات تغلبهم أحياناً، فيكسرون طوق التّوبة، ويرتكبون بعض الذّنوب، من موقع الشّعور بالضّعف أمامها، ولكنّهم لا يقعون في هذا الخطأ، من موقع الّتمرد والجُحود والعِناد، على وعي الموقف، بل من موقع الغفلة والإادفاع العفوي في حالات الضّعف، الّتي تفرزها حالات الصّراع مع النّفس الأمّارة، ولهذا يحدثون أنفسهم بالتّوبة من قريب، هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى مرحلة النّفس اللّوامة، والأمل بنجاتهم أقوى.

القسم الثّالث: التوّابون الذين يجتنبون كَبائِر الإثم، ويتمسّكون باُصول الطّاعات، ولكنهم قد يقعون في حبائل المعصية، لا عن قصد وعمد، ولذلك يتوبون مباشرةً عن الذّنب، فيلومون أنفسهم ويعزمون على التّوبة والعودة إلى خطّ الاستقامة باستمرار، ويعيشون حالة الابتعاد عن الذّنب دائماً. النّفس اللّوامة لهذه المجموعة، مهيمنةٌ عليهم، ويعيشون على مقربة من النّفس المُطمئنّة، والأمل بنجاتهم أكبر.

القسم الرابع: التّوابون بعزم وقوة إرادة، في طريق الطّاعة لله تعالى، فلا تهزّهم العَواصف التي تفرضها حالات الصّراع مع الخَطيئة، ولا يخرجون من أجواء التّقوى، صحيح أنّهم ليسوا بمعصومين، ولَرُبّما فكّروا بالمعصية، ولكنّهم محصّنين مُبعدين عنها، فَقِوى الإيمان والعقل عندهم، سَلبت هوى النّفس فاعليّته في واقعهم الباطني، وكبّلته بالسّلاسل الغلاظ، في خطّ التّزكية والجهاد الأكبر، فلا سبيل للشّيطان والأهواء عليهم.

فأولئك هم أصحاب: «النّفوس المطمئنّة»، الذين نعتتهم الآيات (٢٧ إلى ٣٠) من سورة الفَجر، و خُوطِبوا بأبلغ خِطاب، فقال عزّ من قائل: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾. فدخلت بافتخار في أجواء النّور والقُرب الإلهي: ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾. ومن جهة اُخرى، فإنّ لِلتوبةِ مراحل على مستوى المصاديق أيضاً:
 

المرحلة الاُولى: التّوبة من الكفر إلى الإيمان.

المرحلة الثّانية: التّوبة من الإيمان الموروث التّقليدي، و التّحرك نحو الإيمان الحقيقي المُستحكم.

المرحلة الثّالثة: التّوبة من الذّنوب الكبيرة الخَطرة.

المرحلة الرّابعة: التّوبة من الذّنوب الصّغيرة.

المرحلة الخامسة: التّوبة من التّفكير بالذّنب، والخواطر المشوبة بالمعصية، وإن لم يرتكب الُمخالفة في دائرة الفعل والمُمارسة.

فكلّ فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السّر، (في كلّ لحظة لم يتوجهوا فيها إلى الله تعالى بالباطن والسِّر). وتوبةُ الأصفياء من كلّ تنفّس بغير ذكر الله (٤). وتوبةُ الأولياء من تلوين الخطرات. والخَواص من الاشتغال بغير الله. وتوبة العوام من الذّنوب. وكلّ واحد منهم، يشتمل على نوع من المعرفة والعلم، في أصل توبته، ومُنتهى أمره (٥) (٦).


(1) - راجع المحجّة البيضاء: ج٧، ص٧٥.
(2) - سورة الرّعد، الآية: ٢٨.
(3) - سورة التّوبة، الآية: ١١٢.
(4) - فسّر المرحوم المجلسي: التّنفس بنفس ذلك المعنى، ولكنّ بعض كتب اللّغة، فسّرته: بالخطابات الطّويلة.
(5) - بحار الأنوار: ج٦٨ ، ص٣١ .
(6) - الأخلاق في القرآن: ٢٠١ .

 

   الجهاد في القرآن الكريم

 


من الآيات التي قيل أول ما نزل في الجهاد مثل الآية الـتي سبقتها يقول فيها سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (١).

اللغة:

* تِجَارَةٍ: التجارة طلب الربح في شراء المتاع واستعير هنا لطلب الربح في أعمال الطاعة والجهاد مقاتلة العدو.
 

التجارة الرابحة:

قلنا في بداية السورة إنّ الأهداف المهمة لهذه السورة هو الدعوة إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله، وما الآيات مورد البحث إلا تأكيد على هذين الأصلين، من خلال مثال رائع يبعث على الحركة الإلهية في روح الإنسان، والتي هي شرط انتصار الإسلام على كل الأديان، وقد أشير إلى هذا العامل في الآيات الماضية.

يقول تعالى في البداية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾.

بالرغم من أن الإيمان والجهاد من الواجبات المفروضة، إلا أن الآيات هنا لم تطرحها بصيغة الأمر. بل قدمتها بعرض تجاري مقترن بتعابير تحكي اللطف اللامتناهي للبارئ عزَّ وجل، ومما لا شك فيه فإن (النجاة من العذاب الأليم) من أهم أمنيات كل إنسان.
 

ولذا فإن السؤال المثار هو: هل تريدون من يدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ وهو سؤال مثير لانتباه الجميع، وقد بادر في نفس الوقت وبدون انتظار للإجابة متحدثاً عن هذه التجارة المتعددة المنافع، حيث يضيف تعالى: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ (٢).

ومما لا شك فيه أن الله سبحانه غني عن هذه التجارة النافعة وأن جميع منافعها تعود على المؤمنين، لذا يقول في نهاية الآية: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

والجدير بالملاحظة هنا أن المخاطب هم المؤمنون بقرينة قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ لكنه في الوقت نفسه يدعوهم إلى الإيمان والجهاد.

وربما كان هذا التعبير إشارة إلى أن الإيمان يلزم أن يكون عميقاً وخالصاً لله سبحانه، حتى يستطيع أن يكون منبعاً لكل خير، وحافزاً للإيثار والتضحية والجهاد، وبذا لا يعتد بالإيمان الاسمي السطحي.
 

أو أن التأكيد على الإيمان بالله ورسوله هنا، هو شرح لمفهوم الإيمان الذي عرض بصورة إجمالية في بداية الآية السابقة.

وعلى كل حال فإن الإيمان بالرسول لا ينفصل عن الإيمان بالله تعالى، كما إن الجهاد بالنفس لا ينفصل عن الجهاد بالمال، ذلك أن جميع الحروب تستلزم وجود الوسائل والإمكانات المالية، ومن هنا فإننا نلاحظ أن بعضهم قادر على الجهاد بكلا النوعين (النفس والمال) وآخرين قادرون على الجهاد بالمال فقط وفي المواقع الخلفية للجبهة، وبعضاً آخر مستعد للجهاد بالنفس والجود بها في سبيل الله لأنهم لا يملكون سواها.

إلا أن الضرورة تستلزم أن يكون هذان النوعان من الجهاد توأمين متلازمين كل منهما مع الآخر لتحقيق النصر، وعند التدقيق في الآية المباركة نلاحظ أنه تعالى قد قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لا باعتباره أكثر أهمية، بل بلحاظ أنه مقدمة للجهاد بالنفس، لأن مستلزمات الجهاد لا تتهيأ إلا عند توفر الإمكانات المادية.

لقد تم تسليط الأضواء على ثلاثة عناصر أساسية في هذه التجارة العظيمة والتي لا مثيل لها.

(فالمشتري) هنا هو الله سبحانه، و (البائع) هم المؤمنون، و (البضاعة) هي الأنفس والأموال. ويأتي دور العنصر الرابع في هذه الصفقة وهو الثمن والعوض لهذه المعاملة العظيمة.

يقول تعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (٣).
 

وتستعرض الآية مرحلة الجزاء الأخروي في البداية حيث غفران الذنوب باعتبارها أهم عوامل القلق وعدم الراحة الفكرية والنفسية للإنسان، وعندما يتحقق الغفران له فمن المسلم أن الراحة والهدوء والاطمئنان تنشر ظلالها عليه.

ومن هنا نلاحظ أن أول هدية يتحف الله سبحانه بها عباده الذين استشهدوا في سبيل طريق الحق وباعوا مهجهم في سبيل الدين العظيم، هي مغفرة الذنوب جميعاً ولكن هل أن المقصود من غفران الذنوب الذي ورد في الآية الكريمة هي الذنوب التي تختص بحق الله فقط، أم تشمل ما يتعلق بحقوق الناس أيضا؟ ويتبين لنا في هذا الشأن أن الآية مطلقة والدليل هو عموميتها، ونظراً إلى أن الله سبحانه قد أوكل حق الناس إليهم لذا تردد بعضهم في القول بعمومية الآية الكريمة، وشككوا في شمولها الحقين.

وبهذه الصورة نلاحظ أن الآيات أعلاه قد تحدثت عن مرتكزين أساسين من مرتكزات الإيمان وهما: (الإيمان بالله والرسول) وعن مرتكزين أساسين أيضا من مرتكزات الجهاد وهما: (الجهاد بالمال والنفس) وكذلك عن مرتكزين من الجزاء الأخروي وهما: (غفران الذنوب والدخول في جنة الخلد).

كما أننا نقرأ في الآية اللاحقة عن شعبتين من الهبات الإلهية التي تفضل بها البارئ على عباده المؤمنين في هذه الدنيا حيث يقول: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾(٤).

يا لها من تجارة مباركة مربحة حيث تشتمل على الفتح والنصر والنعمة والرحمة، ولذلك عبر عنها البارئ سبحانه بقوله: الفوز العظيم ونصر كبير. ولهذا فإنه سبحانه يبارك للمؤمنين تجارتهم العظيمة هذه، ويزف لهم البشرى بقوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

وجاء في الحديث أنه في «ليلة العقبة» - الليلة التي التقى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سراً بأهل المدينة قرب مكة وأخذ منهم البيعة - قال «عبد الله بن رواحة «لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشترط لربك ونفسك ما شئت. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجنة). قال عبد الله: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، أي لا نفسخ ولا نقبل الفسخ (٥).
 

وهنا بحوث:
 

١ - أي فتح هو «الفتح القريب «!؟

من المعروف أن النصر الموعود في هذه الآيات قد تحقق مرات عدة، ليس في الجوانب العقائدية والمنطقية فحسب. بل في الميادين الحربية أيضا.

وقد ذكر المفسرون احتمالات عديدة حول المقصود من (الفتح القريب)، فقال بعضهم: إن المراد من الفتح القريب في الآية هو (فتح مكة). وقال آخرون: إن المقصود بها هو (فتح بلاد إيران والروم). وقال بعضٌ الآخر: إنها تشمل جميع الفتوحات الإسلامية التي من الله بها على المسلمين بعد الإيمان بالإسلام والجهاد من أجله بفترة وجيزة.

ولأن المخاطب في هذه الآية لا ينحصر بصحابة رسول الله. بل يشمل جميع المؤمنين وعلى مدى التأريخ، لذا فإن جملة: نصر من الله وفتح قريب لها معنى واسع، وتمثل بشارة للمؤمنين جميعا، بالرغم من أن المصداق الواضح لهذه الآية كان في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي وقت نزول هذه الآيات إبان فتح مكة.
 

٢ - ما هي خصائص المساكين الطيبة؟

أكدت الآيات الكريمة على أن من ضمن أنواع النعم الإلهية في الجنة مسألة المسكن الهادئ، موضع استقرار النفس، الذي تحيط به الحدائق من كل جانب في جنات الخلد، وسبب التأكيد هنا على المسكن لأنه يشكل أحد العوامل الأساسية لراحة الإنسان وهدوئه، خصوصاً إذا تميز بالطهر والنظافة من كل أنواع التلوث المادي والمعنوي، حيث يستطيع الإنسان أن يستقر به وينعم بطمأنينة الروح وراحة البال.

يقول (الراغب) في المفردات: معنى (الطيب) في الأصل هو الشيء الذي تلتذ به الحواس الظاهرية والباطنية، وهذا المعنى جامع شامل لكل الشروط المناسبة لسكن ما.

والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا أن القرآن الكريم يرى أن ثلاثة أمور أساسية توجب السكينة والطمأنينة للإنسان وهي: ظلام الليل: ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ﴾ (٦).

الزوجة الصالحة: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا ﴾ (٧).

البيوت السكنية قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ (٨).
 

٣ - الدنيا موضع تجارة أولياء:

جاء في نهج البلاغة أن الإمام علي (عليه السلام) قال لرجل كثير الادعاء والتملق كان يذم الدنيا كثيرا: «أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها أتغتر بالدنيا ثم تذمها... إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار موعظة لمن اتعظ بها.. إلى أن قال: ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة..» (٩).

وإذا شبهت الدنيا بأنها مزرعة الآخرة، فقد شبهت أيضا هنا بأنها تجارة، حيث إن الإنسان يبيع البضاعة (رأس المال) التي أخذها من الله سبحانه يبيعها عليه تعالى شأنه بأغلى الأثمان ويستلم منه سبحانه أعظم الأرباح المتمثلة بالنعم والهبات الإلهية المختلفة مقابل متاع حقير.

إن جانب الإغراء في هذه الصفقة التجارية النافعة كان من أجل تحريك وإثارة المحفزات الإنسانية في طريق الخير وجلب النفع للإنسان ودفع الضرر، لأن هذه التجارة الإلهية لا تنحصر أرباحها في جلب النفع والخير فحسب، بل إنها تدفع العذاب الأليم أيضا.

ونظير هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ (١٠) (١١).


(1) - سورة الصف، الآيات: ١٠ - ١٣.
(2) - جملة: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ جملة استئنافية تفسر التجارة، واعتبر البعض أنها عطف بيان، وعلى كل حال فإن هذه (الجملة الخبرية) لها معنى الأمر.
(3) - جملة (يغفر لكم) هي بمنزلة (جزاء) لشرط محذوف مستفاد من الآية السابقة وفي التقدير هكذا: وإن تؤمنوا بالله ورسوله وتجاهدوا في سبيله.. يغفر لكم ذنوبكم...) كما يحتمل - أيضا - أن الجملة جواب (لأمر) ذلك الأمر مستفاد من الجملة الخبرية (تؤمنون) و (تجاهدون).
(4) - أخرى «صفة لموصوف محذوف مثل نعمة أو خصلة، وقال البعض أيضا: إن الموصوف هو (التجارة) إلا أن هذا مستبعد.
(5) - (ظلال القرآن): ج ٨، ص ٨٧.
(6) - سورة الأنعام، الآية: ٩٦.
(7) - سورة الروم، الآية: ٢١.
(8) - سورة النحل، الآية: ٨٠.
(9) - نهج البلاغة: كلمات قصار، الجملة رقم ١٣١ بتلخيص.
(10) - سورة التوبة، الآية: ١١١.
(11) - المصادر الأساسية: الأمثل، مجمع البيان، كنز العرفان.

 

  مفاهيم قرآنية


 



يقول الله عزّ وجل: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ ﴾ (١).

يعني لا يستوي الذين يعلمون ما وعد الله سبحانه من الثواب والعقاب والذين لا يعلمون ذلك، اعلم أنه من أراد الوصول الى جوار الله تعالى والتوجه نحوه كما قال سبحانه: «ففروا الى الله» وكما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله «سافروا تغنموا» فحقه أن يجعل أنواع العلوم كزادٍ موضوع في منازل السفر فيتناول في كل منزل قدر البلغة ولا يعرج على تفصّيه واستغراق ما فيه فإنه لو قضى الإنسان جميع عمره في فنٍ واحد لم يدرك قعره ولم يسبر غوره وقد نبّهنا البارى سبحانه على ذلك بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ ﴾ (٢).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) العلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه، وقال الشاعر:

قالوا: خُذِ العَينَ مِن كلّ، فقلتُ لهم

فِي العَينِ فَضلٌ، وَلكِن ناظرُ العَينِ

وقال بعض الحكماء في ذلك إن الشجرة لا يشينها قلة الحمل اذا كانت ثمرتها يانعة ويجب أن لا يخوض في فنّ حتى يتناول من الفن الذي قبله بُلغته ويقضي منه حاجته، فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم وعليه يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ (٣).

أي لا إخلال بالترتيب والفهم والعمل، وكثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول. وحق الطالب أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلّغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ به النهاية والنهاية هي معرفة الله سبحانه فالعلوم كلها خدم لها وهي حرة، وروي أنه رُئيت صورة حكمين من الحكماء في بعض مساجدهم وفي يد أحدهما رقعة فيها «إن أحسنت كل شيء فلا تظنن أنك أحسنت شيئاً حتى تعرف الله وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء» وفي يد الآخر «كنت قبل أن أعرف الله أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب» بل قد قال الله تعالى ما قد أشار به الى ما هو أبلغ من حكمة كل حكيم.

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ (٤).

أي أعْرَفْه تمام المعرفة ولم يقصد بذلك أن يقول ذلك قولاً باللسان اللّحمي فذلك قليل الغَنِى ما لم يكن عن طويّة خالصة ومعرفة حقيقيّة وعلى ذلك قال عليه الصلاة والسلام: من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة.

مفهوم العلم:

من صفات الله عز وجل العَليمُ والعالِمُ والعَلاّم، قال الله عزّ وجل: ﴿ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ وقال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ وقال: ﴿ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ فهو الله العالِمُ بما كان وما يكونُ قبل كونِهِ، وبما يكونُ ولمّا يكن بعدُ قبلَ أن كان وما يكون ولا يخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها دقيقها وجليلها، على أتمّ الامكان.

وعليم فعيل: من أبنية المبالغة ويجوز أن يقال للانسان الذي علمه الله علماً من العلوم: عليم، كما قال يوسف للملك: «إني حفيظ عليم» وقال الله عزّ وجل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، وإنهم هم العلماء، وكذلك صفة يوسف (عليه السلام): كان عليماً بأمر ربه وأنه واحدٌ ليس كمثله شيء الى ما علّمه الله من تأويل الأحاديث الذي كان يقضى به على الغيب. فكان عليماً بما علمه الله.

والعلم: نقيض الجهل، وهو إدراك صور الأشياء وانطباعها في النفس. علمَ علماً الرجل: حصلت له حقيقة العلم والشيء: عرفه وتيقنه وشعر به وادركه.

العلم التعليمي: هو العلم الرياضي كالحساب والمساحة والموسيقى.

العلم العملي: هو ما كان متعلقاً بكيفية عمل فتطبق فيه قواعد الفنون والعلوم ومبادؤها.

علم الفلك: علم يبحث به في مواقع الاجرام الفلكية وأبعادها ومادتها ومدة دورانها.

العلم اللّدني: هو ما تعلمه العبد من الله بالوحي من غير واسطة.

العلم النظري: هو خلاف العملي، أي ما كان غير متعلّق بكيفية عمل.

العلوم المدونة: هي التي دوّنت في الكتب.

العلوم المتعارفة: هي المقدمات البينة بنفسها في العلوم المدوّنة.

العلوم الآلية: هي آلة لتحصيل غيرها كعلم المنطق.

العلوم العربية: هي العلوم المتعلقة باللغة العربية كالصرف والنحو والمعاني والبيان وتسمّى بعلم الأدب.

العلوم الشرعية: هي العلوم المدوّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية او الاعتقادية وتسمى بالعلوم الدينية أيضاً كعلم الكلام والفقه.

العلوم الحقيقية: هي العلوم التي لا تتغير بتغير الملل والأديان كعلم الكلام وعلم المنطق.

العلوم الإلهية: هي التي تبحث عن الوجود المطلق من حيث - هو هو، وعما يتعلق بأمور غير مادية كالواجب والممكن والعلة والمعلول، ويدخل فيها البحث في الأرواح وفي الله، ويسمى بالعلم الأعلى والفلسفة الأولى وعلم ما بعد الطبيعة.

علم النفس: بسيكولوجيا.

علم طبقات الأرض: جيولوجيا.

علم الحياة: بيولوجيا.

علم الاجتماع: سوسيولوجيا.

علم أعضاء البدن: مورفولوجيا.
 

ولقد أجاد من قال:

العلمُ أنفسُ شيءٍ أنت ذاخره     فلا تكن جاهلاً تستورث النَّدما

تعلّم العلمَ وأجلس في مجالسه     ما خاب قط لبيب جالس العلما
 

- محدودية علم الانسان:

يقول الله عزّ وجل: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٥).

المراد أنت تعلم ما غاب وما بطن ونحن إنما نعلم ما نشاهده.. وفي الآية دلالة على إثبات المعاد والحشر والنشر.

وفي هذا السياق يقول سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (٦).

فعلم الانسان بالنسبة لمجهولاته كقطرة ببحر.

وقال عز وجل أيضاً: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ (٧).

فدل على أن هناك علماً كثيراً لم يؤت الإنسان إلا قليلاً منه، فالله هو المحيط بكل خفايا الأمور، ولا يستطيع البشر مهما بلغ وعيهم وفطنتهم إلا أن يفهموا جانباً من تلك الخفايا والمصالح.
 

- النهي عن كتمان العلم:

يقول الله عزّ وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ (٨).

فقد أخذ الله سبحانه ميثاقه من العلماء على أن يبينوا الحق وينشروا علمهم بين الناس، وحثهم على إظهار الحق وبيانه ونهى عن إخفائه وكتمانه ثم بين جزاء الذين يكتمون آيات الله والحقائق الدينية. وفي الآية دلالة على أن كتمان الحق مع الحاجة إلى إظهاره من أعظم الكبائر وأن من كتم شيئاً من علوم الدين وفعل مثل اليهود والنصارى في كتمان الحق فهو مثلهم في عظم الجرم ويلزمه كما لزمهم الوعيد وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من سئل عن علم، يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.

وفيها أيضاً دلالة على وجوب الدعاء الى التوحيد والعدل لأن في كتاب الله تعالى ما يدل عليهما تأكيداً لما في العقول من الأدلة.
 

- طلب العلم:

يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ (٩).

معناه فهلا خرج الى الجهاد من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة ليتفقهوا في الدين ويتعلموا القرآن والسنن والفرائض والأحكام فإذا رجعوا الى أهلهم ورجع المجاهدون تعلّموا منهم ما تعلموه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): طلب العلم فريضة على كل مسلم إلا إن الله يحب بغاة العلم (١٠).
 

- علم الكتاب والحكمة:

يقول الله عز وجل: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (١١).

في هذه الآية دلالة على أن إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) دعوا لنبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بجميع شرائط النبوة لأن تحت التلاوة الأداء وتحت التعليم البيان وتحت الحكمة السنة ودعوا لأمته باللطف الذي لأجله تمسكوا بكتابه وشرعه فصاروا أذكياء.
 

- فهم العلماء للأمثال والآيات:

يقول الله عزًّ وجل: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ (١٢).

يعني وما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل والممثل به وقيل معناه وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله وروي الواحدي بالإسناد عن جابر قال تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية وقال العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه.

وفي هذا السياق يقول عزَّ وجل: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾ (١٣).

يعني أن للقرآن الكريم دلالات واضحات في صدور العلماء وهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون به لأنهم حفظوه ووعوه ورسخ معناه في قلوبهم.
 

- اعتراف أهل العلم بالحق:

يقول الله عز وجل: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ (١٤).

يعني من أوتي العلم يعلمون القرآن أنه الحق لأنهم يتدبرونه ويتفكرون فيه فيعلمون بالنظر والاستدلال أنه ليس من قبل البشر، فهؤلاء يقرون أنه يهدي الى الحق.
 

- علم عدد السنين والحساب:

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ (١٥).

هذه موعظة رائعة للناس وخصوصاً للعلماء ومنهم علماء الفلك ليتعظوا من الدور المهم للشمس والقمر في حياة الإنسان. فقد جعلهم سبحانه آيتين من آياته وفيهما أعظم الدلالات على وحدانيته تعالى من وجوه كثيرة منها خلقهما وخلق الضياء والنور فيهما ودورانهما وقربهما وبعدهما ومشارقهما ومغاربهما وكسوفهما وفي بث الشمس الشعاع في العالم وتأثيرها في الحر والبرد واخراج النبات وطبخ الثمار وفي تمام القمر وسط الشهر ونقصانه في الطرفين ليتميز أول الشهر وآخره من الوسط كل واحد من ذلك نعمة عظيمة من الله سبحانه على خلقه، وهذه الآيات يبينها سبحانه «لقوم يعلمون» فيعطون كل آية حظها من التأمل والتدبر.
 

- علم الساعة:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(١٦).

يختص علم الساعة والآخرة والقيامة بالله عز وجل لأن ذلك من علم الغيب وقد يخبر سبحانه لأنبيائه وأوصيائه ببعضه.
 

- حرمة القول بغير علم:

يقول سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾(١٧).

بعد ذكر عدد من المحرمات بيّن الله سبحانه أخيراً أنه حرّم القول عليه بغير علم.
 

- فضل العلماء:

يقول الله عزّ وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ (١٨).

عن ابن عباس يرفع الله تعالى الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم ومسابقتهم درجات في الجنة، وقيل درجات في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  فأمر الله سبحانه أن يقرّب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الذين لا يعلمون العلم ليبين فضل العلماء على غيرهم، وفي هذه الآية دلالة على فضل العلماء وجلالة قدرهم وقد ورد عن علي (عليه السلام) من جاءته منيته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء درجة.
 

- قصة طالوت:

يقول الله عزَّ وجل: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (١٩).

القصة باختصار: كان لموسى (عليه السلام) بعد موته خلفاء من الأنبياء يقيمون أمر الله في بني إسرائيل الواحد تلو الآخر، ومن هؤلاء الخلفاء نبي ذكره القرآن، ولم يسمه، ولكنه كان في عهد داود، كما يستفاد من الآيات، وقال كثير من المفسرين إنه صمويل، وفي ذات يوم أتاه جماعة من بني إسرائيل، وقالوا له: أقم علينا أميراً نصدر عن رأيه في تدبير الحرب ونقاتل معه في سبيل الله تعالى، فقال لهم نبيهم - وكان قد سبر أحوالهم - إني أتوقع تخاذلكم إذا كتب عليكم القتال، ودعيتم إلى الجهاد، قالوا كيف نتخاذل، وقد أخرجنا العدو من ديارنا، وحال بيننا وبين أبنائنا؟! فاستخار الله نبيهم فيمن يصلح للقيادة فأوحى الله سبحانه: إني قد اخترت عليهم طالوت ملكاً، وقيل إنه سمي طالوت لطوله، ولما أخبرهم النبي بأن الله قد اختار طالوت، قالوا: كيف يكون له الملك علينا وهو غير عريق النسب، وفارغ اليد من المال؟!

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن زعامة الجيش لا تحتاج إلى نسب ونشب، وإنما تحتاج الى الشجاعة، والمعرفة بتصريف الأمور، والله سبحانه قد منح طالوت الكفاءة العلمية والخلقية، والقدرة الجسمية، وسائر مؤهلات الزعامة والرئاسة.. فقالوا: نريد معجزة تدل على مكانته هذه.. قال: آية ذلك أن يعود إليكم التابوت، تأتيكم به الملائكة بأمر الله تعالى. قيل: إن هذا التابوت كان فيه بقية ألواح موسى وعصاه، وثيابه وشيء من التوراة، وكان قد سلبهم إياه الفلسطينيون في بعض المعارك الحربية.. وقيل: بل رفعه الله الى السماء بعد وفاة موسى.. ولما جاء التابوت بمعجزة من الله سبحانه صحت عندهم العلامة، وأمروا لطالوت بالسلطان والقيادة.

وقادهم طالوت إلى جهاد عدوهم، وأخبرهم بأنهم سيمرون على نهر يمتحن به إخلاص المخلصين منهم، فمن كان صابراً محتسباً فلا ينهل منه إلا بمقدار ما يأخذه باليد، فمن امتثل فهو المخلص الذي يوثق به، أما الذي ينهل، حتى يرتوي فلا معول عليه في الحرب والجهاد، ولما مروا على النهر عصوا كعادتهم، وشربوا إلا نفراً قليلاً ثبتوا على الصدق والإيمان.
 

ولما التقى الجمعان: بنو إسرائيل بقيادة طالوت، والفلسطينيون بقيادة جالوت خاف أكثر الإسرائيليين، وقالوا لطالوت: ﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾. وقال المؤمنون القليلون منهم الذين لم يشربوا من النهر: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، ودعوا الله سبحانه أن يمنحهم الصبر والثبات، والنصر على العدو، فاستجاب لهم ربهم بعد أن علم منهم العزم والصدق في النية، وقتل داود جالوت، وانهزم العدو شر هزيمة، وصار لداود بقتل جالوت من الصيت والسمعة ما ورث به ملك بني إسرائيل، وآتاه الله بعد ذلك النبوة، وأنزل عليه الزبور، وعلمه صنعة الدروع، وعلوم الدين، وفصل الخطاب كما قال تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ﴾.

هذا ملخص ما دلت عليه الآيات الكريمة، وأما العبرة من هذه القصة وتدبرها فهي أن الذي تجب له القيادة من يتمتع بالكفاءة العلمية والخلقية، لا صاحب الحسب والنسب، والجاه والمال، وأن النصر والغلبة تكون بالصبر والايمان، لا بكثرة العدد، وأن السبيل الى معرفة الطيب والخبيث هي التجربة والابتلاء (٢٠).


(1) - سورة الزمر الآية: ٩.
(2) - سورة الزمر، الآية: ١٨.
(3) - سورة البقرة الآية: ١٢١.
(4) - سورة الانعام، الآية: ٩١.
(5) - سورة المائدة، الآية: ١٠٩.
(6) - سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
(7) - سورة الاسراء الآية: ٨٥.
(8) - سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
(9) - سورة التوبة، الآية: ١٢٢.
(10) - الكافي: ج١ ص٣٠، ح١.
(11) - سورة البقرة، الآية: ١٢٩.
(12) - سورة العنكبوت، الآية: ٤٣.
(13) - سورة العنكبوت، الآية: ٤٩.
(14) - سورة سبأ، الآية: ٦.
(15) - سورة يونس، الآية: ٥.
(16) - سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(17) - سورة الأعراف، الآية: ٣٣.
(18) - سورة المجادلة، الآية: ١١.
(19) - سورة البقرة، الآية: ٢٤٧.
(20) - مفاهيم قرآنيّة (إعداد جمعية القرآن الكريم).

 

 



ســـؤال: يرى سماحة الإمام أنّ ملاك الإخفات في صلاة الظهر والعصر عدم الجهر، ونحن نعلم أنّه باستثناء عشرة أحرف فإنّ بقيّة الحروف جهريّة، وعلى هذا فإذا صلينا الظهر والعصر من دون جهر فماذا سيكون حقّ الثمانية عشر حرفاً الجهريّة، نرجو توضيح هذه المسألة؟
الجواب: ليس الميزان في الإخفات هو ترك جوهر الصوت، بل هو عدم إظهار جوهر الصوت في مقابل الجهر الذي ميزانه هو إظهار جوهر الصوت.
 

ســـؤال: الأشخاص الأجانب سواء كانوا رجالاً أم نساءً الذين يدخلون في الإسلام وليس لديهم معرفة باللغة العربيّة كيف يستطيعون أداء واجباتهم الدينيّة الأعم من الصلاة وغيرها؟ وأساساً هل هناك حاجة إلى تعلّم اللغة العربيّة في هذا المجال أم لا؟
الجواب: يجب تعلّم التكبيرة، والحمد، والسورة، والتشهّد، والتسليم في الصلاة، وهكذا كلّ ما يشترط فيه اللفظ العربي.
 

ســـؤال: هل هناك دليل بأنّ النوافل الليليّة، أو نوافل الصلوات الجهرية تُقرأ جهراً، وكذلك بالنسبة إلى الصلوات الإخفاتيّة تصلّى نوافلها إخفاتاً؟ فإذا كان الجواب «نعم» هل تكون مجزية هذه النافلة التي هي تابعة لصلاة جهريّة مثلاً، إذا قُرئت إخفاتاً، وكذلك العكس؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: يستحبّ الجهر بالقراءة في نوافل الفرائض الجهريّة، والإخفات في نوافل الإخفاتية، ولو خالف وعكس فهو يجزئ أيضاً.
 

ســـؤال: هل يجب في الصلاة وبعد الحمد تلاوة سورة كاملة أم يكفي تلاوة مقدار من القرآن الكريم؟ وفي الحالة الأولى هل يجوز بعد قراءة السورة قراءة بعض الآيات القرآنيّة؟
الجواب: لا تجزئ في الفرائض اليوميّة قراءة آيات من القرآن الكريم عن قراءة سورة كاملة، ولكن قراءة بعض الآيات بعنوان القرآن بعد قراءة سورة كاملة، لا إشكال فيها.
 

ســـؤال: لو وقع خطأ - بسب التهاون، أو بسب اللهجة التي يتكلّم بها الإنسان - في قراءة الحمد والسورة، أو في إعراب وحركات الكلمات في الصلاة، كأن يقرأ كلمة «يُولَدُ» بكسر اللام بدلاً من فتحها، فما هو حكم الصلاة؟
الجواب: إذا كان متعمّداً أو جاهلاً مقصّراً - قادراً على التعلّم - فالصلاة باطلة، وإلّا فصحيحة، نعم بالنسبة لصلواته الماضية إذا كان يعتقد صحّة القراءة بالنحو المذكور فلا يجب عليه قضاؤها.
 

ســـؤال: شخص عمره ٣٥ أو ٤٠ عاماً، وفي سن الطفولة لم يعلّمه أبواه الصلاة، وذلك الشخص أميّ وقد سعى لتعلّم الصلاة على الصورة الصحيحة، ولكنّّه لا يتمكّن من أداء كلمات وأذكار الصلاة بصورة صحيحة، كما أنّه لا يأتي ببعض كلماتها أصلاً، فهل صلاته صحيحة؟
الجواب: صلاته محكومة بالصحّة إذا أتى بما يتمكّن عليه منها.
 

ســـؤال: كنت أتلفّظ بكلمات الصلاة كما تعلّمتها من أبويّ، وكما علّمونا في المرحلة المتوسطة من المدرسة، وبعد ذلك علمت بأنّني كنت أتلفّظ بتلك الكلمات بصورة خاطئة، فهل يجب عليّ - وطبقاً لفتوى الإمام طاب ثراه - إعادة الصلاة؟ أو أنّ جميع الصلوات التي صلّيتها بتلك الكيفيّة صحيحة؟
الجواب: في مفروض السؤال، فإنّ جميع ما مضى من الصلوات محكوم بالصحّة، ولا إعادة فيها ولا قضاء.
 

ســـؤال: هل تصحّ الصلاة بالإشارة من المريض المصاب بالخرس إذا كان لا يقدر على التكلّم ولكنّه سليم الحواس؟
الجواب: صلاته صحيحة ومجزية في الفرض المذكور (١).


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: اصدار جمعية القرآن الكريم، ص 44.

 

   المرأة في القرآن

دور المرأة الأسري في
القرآن والسُّنّة


لقد أعطى القرآن الكريم المرأة دورها انطلاقاً من فهم طبيعتها وتكوينها الجسدي والنفسي والروحي، واختلافها مع طبيعة الرجل في هذه الأبعاد، لأن الاختلاف في البعدين الروحي والجسدي، ينتج منه اختلاف في الوظيفة والدور، وهذه المسألة من الأمور البديهية.
 

١- حفظ النسل وبقاء النوع البشري:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ (١).
 

إن للزواج بعداً معنوياً ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار لكي يكون مدعاة للتكامل والسير في طريق الكمال، وما أكثر الزيجات التي آلت إلى الفشل بسبب غياب البعد الإلهي فيها، وما أكثر الفتيات والشبّان الذين تزوجوا من أجل الثراء والجمال أو الشهرة، ولكن بعد مرور وقت قصير شعروا بالمرارة وغرقوا في بحر من المشكلات (٢).

من هنا يجب أن ندرك بأن الهدف الأساس من الزواج هو بقاء النوع البشري واستمراره على هذه الأرض لكي يعمرها الإنسان بالطاعة والعبادة.

يقول المولى عزّ وجلّ: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (٣).

هذا التشبيه فيه إشارة رائعة لبيان ضرورة وجود المرأة في المجتمع الإنساني.

فعلى المؤمنين أن يستثمروا هذا الأمر القرآني على طريق تربية الأبناء الصالحين وأن يقدموا هذه الخدمة التربوية المقدّسة ذخيرة لأخراهم.


جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا مات الانسان انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له»(٤).

وجاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسُنة هدى سَنَّها فهي تعمل به بعد موته، وولد صالح يستغفر له (٥).

١ - تشير الآية الكريمة إلى أن نسبة النساء إلى المجتمع الإنساني نسبة الحرث إلى الإنسان، فكما أن الحرث يحتاج إليه لإبقاء البذور وتحصيل ما يتغذى به من الزاد لحفظ الحياة وابقائها، كذلك النساء يُحتاج إليهن في بقاء النسل ودوام النوع وبذلك يكون الخطاب للرجال والنساء هو الحث على بقاء النوع (البشري) بالتناكح والتناسل من هنا تظهر أهمية وجود المرأة (الأم) في مسألة حفظ النسل، فلولاها ما كان بشر على هذه الأرض فدورها يفوق دور الرجل في ذلك.

٢ - منح السكينة والطمأنينة للرجل: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (٦).

لا شك أن هذا الاطمئنان أو السكن يكون من عدّة جهات «جسمياً وروحياً وفرديّاً واجتماعياً».


ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: «وأمّا حق المرأة فأن تعلم أن الله عزَّ وجل جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أن ذلك نعمة من نعم الله عليك فتكرمها وترفق بها» (٧).
 

دور المرأة في الأمومة (الحمل والرضاعة والتربية):

يقول تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ (٨).

ويقول سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ (٩).


المرأة الزوجة سكن للزوج، وحرث له، وهي شريكة حياته وربة بيته، وأم أولاده، ومهوى فؤاده، وموضع سره ونجواه. وهي أهم ركن من أركان الأسرة، إذ هي المنجبة للأولاد وعنها يرثون كثيراً من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيراً من تقاليده وعاداته، ويتعرف إلى دينه، ويتعود السلوك الاجتماعي، لذلك عنى الإسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه.

وليس الصلاح إلاّ المحافظة على الدين، والتمسك بالفضائل، ورعاية حق الزوج، وحماية الأبناء، فهذا هو الذي ينبغي مراعاته. وأما ما عدا ذلك من مظاهر الدنيا فهو ما حظره الإسلام ونهى عنه إذا كان مجرداً من معاني الخير والفضل والصلاح، وكثيراً ما يتطلع الناس إلى المال الكثير، أو الجمال الفاتن، أو الجاه العريض، أو النسب وغيره ذلك من الأمور المادية من دون ملاحظة كمال النفوس وحسن التربية (١٠).

والقرآن الكريم يشير إلى هذا الدور المهم للمرأة (الزوجة) فهي المعلمة الأولى في حضانة الأطفال وإرضاعهم وتربيتهم تربية سليمة ناهيك عن الدور المنحصر بها في الحمل. من هنا فإن من أهم أدوار المرأة ووظائفها:
 

-أن تكون ربة بيت وراعية منزل، وأمّاً مثالية تنشئ الأكفاء من الرجال، وهي وحدها تستطيع أن تجعل البيت فردوساً للرجال، يستشعر فيه الراحة من متاعب الحياة، وينعم الأطفال فيه بدفء الحنان ودواعي النمو والازدهار، فإقحام المرأة في ميادين الرجل، ومنافستها له في أعماله تضييع لكفاءتها ومؤهلاتها، ثم هو تجميد للرجل عن ممارسة نشاطاته الحيوية التي يجيدها ولا تجيدها المرأة، وتعطيل له عن إنشاء أسرة وتكوين بيت، وقد أحدثت منافسة المرأة للرجل في وظائفه ونشاطاته الخاصّة في الجاهلية الحديثة شروراً أخلاقية واجتماعية ونفسية خطيرة، وكانت مضارها أكثر من نفعها أضعافاً مضاعفة (١١).

يقول المولى تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ... ﴾ (١٢).


ويقول أيضاً: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ (١٣).

هذه الآيات ترسم الدور المهم والعطاء النبيل والبذل السخي للأم، والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحن وأرأف، فذكر بعض ما تتحمله الأم من المحنة والأذى في حمل الطفل وتربيته ليكون داعياً الى شكر (الوالدين) وخاصّة الأم.
 

إنها إشارة إلى جهود ومتاعب الأم العظيمة، فتقول: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ» وهذه المسألة قد ثبتت من الناحية العلمية، إذ أوضحت التجارب أن الأمهات في فترة الحمل يصبن بالوهن، لأنهن يصرفن خلاصة وجودهنّ في تغذية الحنين وتنميته، ويقدّمن له من موادهنّ الحياتية أفضلها، ولذلك فإن الأمهات أثناء فترة الحمل يبتلين بنقص أنواع الفيتامينات، وفي حالة عدم تعويض هذا النقص فسيؤدي إلى آلام ومتاعب كثيرة.

لا شك أن الأطفال بحاجة إلى من يرعاهم ويربيهم ويمنحهم المحبة والعطف والدفء وليس يوجد مخلوق يستطيع القيام بهذا الدور المهم سوى الأم، لما أودع المولى تعالى فيها من صبر وإمكانيات ومواهب.

إن القرآن الكريم يبين لنا هذه الحقيقة، حيث يقول المولى تعالى في سورة القصص نبي الله موسى (عليه السلام) حين كان رضيعاً بحاجة إلى رعاية وتكفل.


من شدة اهتمام الاسلام بالأسرة أنه يجعلها اللبنة الأولى في بناء المجتمع، والمحضن الذي يتدرج فيه الجيل الناشيء ويكبر (١٤).


(1) - سورة الأعراف، الآية: ١٨٩.
(2) - الأسرة وقضايا الزواج، علي القائمي، ص: ١٧.
(3) - سورة البقرة، الآية: ٢٢٣.
(4) - مجمع البيان: ج١، ص٣٢١.

(5) - بحار الأنوار: ج ١، ص ٢٩٩.
(6) - سورة الروم، الآية: ٢١.
(7) - البحار، ج ٧٨، ص ٢٧.
(8) - سورة الأعراف، الآية: ١٨٩.
(9) - سورة النحل، الآية: ٧٢.
(10) - فقه السنة، سيد سابق، ج ٢، ص ٢٠.
(11) - أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، السيد محمد مهدي الصدر ص ٤١٥
(12) - سورة الأحقاف، الآية: ١٥.
(13) - سورة لقمان، الآية: ١٤.
(14) - إعداد الحاجة صفاء حشوش - القسم التعليمي في جمعية القرآن الكريم - منطقة بيروت.

 

   حفظ القرآن

كيف نساعد أطفالنا على

حفظ القرآن الكريم

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الهداة الميامين.

لقد خاطب الباري تعالى المؤمنين وقال لهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (١).
 

قلنا في العدد السابق من مجلة (هدى القرآن) إن هناك طُرقًا عدَّةً ومتنوِّعة لجعْل الأطفال يُقبِلون على حفْظ كتاب الله تعالى، وقد بيّنا بعض التوجيهات المساعِدة على ذلك والآن نبيّن مسائل أخرى وهي:

١٣- لنشجع أطفالنا على المشاركة في كل المسابقات، سواء في المساجد أم المدارس أم الجمعيات، إلى غير ذلك:

غالبًا ما يَعجِز الأطفالُ عن حفْظ القرآن بمُفردِهم، ولكن إذا كان الأمر بشكْلٍ جماعيٍّ، فهم أشد تنافُسًا في ذلك، خصوصًا إذا رُصدتْ بعض الجوائز للمتفوِّقين، فالطفل يسعى دائمًا إلى أن يتفوَّق، وإن لم يُحالِفه الحظُّ، فهو يَستمرُّ في المنافسة والحفْظ، حتى تَحصُل له الرغبة الفِطريَّة في الإقبال على حفْظ القرآن الكريم، إضافةً إلى الإشادة بجهوده وبرغبته المتواصِلة على الحفظ.

١٤- تشجيع الأطفال على تسجيل قراءتهم للقرآن:

وهذا يُورِث الثِّقةَ بالنفس عِند الأطفال، والشعور بأنهم قادِرون - بإذن الله - على حفْظ القرآن الكريم، وأنهم قد يوفَّقون كي يُصبِحوا مِن أهْل القرآن؛ بل ومِن مَشاهيرِهم، إضافةً إلى أنَّ التسجيل المُتكرِّر للقراءة يُمكِّن للقيِّم على الأطفال إدراكَ مدى تطور القراءة وانتقالها مِن مرحلة إلى أخرى.
 

١٥- تشجيع الأطفال على المشاركة في كل الأنشطة الدينية في المدرسة مِن خلال قراءة القرآن:

لا شكَّ أنَّ كثيرًا مِن الأنشطة كانت سببًا في ظهور عدد من المواهب التي صُقلت فيما بعد، فأصبح أصحابها مِن المُميَّزين اجتماعيًّا؛ إنَّ مشاركة الأطفال في الإذاعة المدرسية بقراءات قرآنية، وثناء المعلِّمين والمسؤولين عليهم - يُحفِّزهم أكثر على التعلُّق بحفظ القرآن، وهنا نشير إلى أنه ينبغي على المدرِّسين والإداريِّين تشجيعُ الأطفال في هذا المجال، والثناء عليهم في كل مرة، والإشادة بهم داخل القِسم؛ ليَزدادوا حبًّا للقُرآن، ويزدادوا تعلُّقًا بحفْظه وضبْط قراءته، كما أنَّ على الوالدَينِ أن يكونا على اتِّصال دائمٍ بالمدرِّسين؛ لتنمية هذا التعلُّق - أي: التعلُّق بحفظ القرآن - في نُفوس الأطفال.

١٦- الاستماع إلى الأطفال وهم يَقرؤون القرآن، أو يَقصُّون علينا قصص القرآن:

كثيرًا ما نجد بعض المربِّين أو بعض الآباء لا يُعيرون اهتمامًا لقراءة الأطفال أو لقصِّهم لبعض قصص القرآن؛ مما يجعل الطفلَ يَشعُر بالإهمال والنُّفور مما يقرأ أو يقصُّ، والصحيح أنه ينبغي الإنصات للأطفال بكل اهتِمام، مع إشارات التشجيع والقُبلَة المُحفِّزة، مع تصحيح بعض المعلومات أو تيسيرها أكثر؛ لكي تكون مفهومةً بشكل جيِّد لدى الأطفال، وهذا كله يمدُّه بالقوة لكي يَستمرَّ في حفْظه وفي اجتهاده، ويورِث لديه الثِّقة بالنفس، ويُدرِّبه على حسن الإلقاء.
 

١٧- تشجيع الأطفال على أن يؤمَّ بعضهم بعضًا:

خُصوصًا في البيت إذا اجتمع الأطفال بأصدقائهم أو بأبناء الجيران، لا بأس مِن تحفيز طفْلكم على إمامة أصدقائه؛ ليَزيده هذا ثِقةً بنفسِه، وليُقبل على حفْظ كتاب ربِّه.

١٨- المجلس الأسبوعي للقرآن الكريم بالمنزل:

لا بدَّ أن يَتعاون أفراد الأسرة على عقْد مجلس أسبوعي للقرآن الكريم داخل البيت، بكل ما يحتاج هذا المجلس مِن تعظيم وتوقير، وتشويق وتَحبيب، خصوصًا الأطفال؛ حتى تَكون هذه المناسبة الأسبوعيَّة تَحفيزًا لهم على حفْظ القرآن الكريم.

١٩- حلقات المسجد ضرورة في حياة الطفل:

وحلقات تحفيظ القرآن مِن أهمِّ ما يَنبغي أن يَحرِص عليه الوالدان؛ وذلك لما له مِن أهمية بالِغة؛ إذ يَدخُل الطفْل في عالم التنافُس مع أقرانه، إضافةً لضبْطه قواعد القراءة الصَّحيحة والتجويد.
 

٢٠- تنظيم مسابقات مُمتِعة حول القرآن:

وذلك يدفع الطفلَ للحفظ، وللبحث في كل ما له علاقة بالقرآن الكريم، ويُراعى في هذا السهولةُ واليُسر.

٢١- تشجيع الأطفال على البحث في المعاجم المُيسَّرة لمعرفة معاني القرآن الكريم:

وهذا مِن شأنه أن يُنمِّي ثروتهم اللغوية، ويجعل علاقتهم بالقرآن الكريم تَزداد أكثر.

٢٢- حثُّ الأطفال على قراءة كُتبِ التفسير المُيسَّرة:

ومعرفة تفسير آيِ القرآن يُحفِّزهم كثيرًا على حفْظه، مع مراعاة مَراحِلهم العُمرية، ويُركز على تفسير الآيات التي تتضمَّن قصَصًا للقرآن، وعلى قصار السور.

٢٣- مجالس العلم للأطفال تنير الطريقَ إلى القرآن:

كم مِن طفْل فتح الله تعالى له بسبب حضوره مجالس العلم مع والديه، وحُبِّب إليه القرآن، وكل ما له علاقة بالقرآن، وغُرس فيه حبُّ السؤال والحوار، فيتطلَّع الطفل إلى المعالي الكبرى، وأفضل المعالي عند الله تعالى كتابُه العظيم.
 

٢٤- توظيف المصطلحات القرآنية في حياة الطفل:

فإذا ذكَّرناه بالتقوى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ ﴾ (٢)، وبطاعة والدَيه: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ (٣)، وغيرها من الآيات التي نستطيع مِن خِلالها إرشاده إلى الخير في حياته اليومية.

هذه بعض التوجيهات المساعِدة للطفل كي يَحفظ القرآن الكريم، وإلا فهناك تَجارِب أخرى ربما قد تَسير في المسار نفسه، وتَفتِل في الحبل ذاته، ولْنتذكَّر أمورًا مهمة وأساسية هنا، وهي:

• التحبيب والترغيب بدل التعنيف، قال تعالى: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾.

• التشويق والتيسير بدل التعسير، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾، ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾.

• الهدية المحفِّزة والكلام المشجِّع، عن الصادق (عليه السلام) قال: «نعم الشيء الهدية أمام الحاجة، وقال: تهادوا تحابوا فإن الهدية تذهب بالضغائن» (٤). فالهدية تجلب المحبة.

• المنافَسة الشريفَة والتعلُّم الجماعي، قال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾.

• التعليم بالقرآن ومِن خِلال القرآن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيرا ﴾.

• الصبر المُتواصِل، والنفَس الطويل، قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾.

• الدُّعاء ثُمَّ الدعاء ثم الدعاء، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾.


(1) - سورة التحريم، الآية: ٦.
(2) - سورة النحل، الآية: ١٢٨.
(3) - سورة البقرة، الآية: ٨٣.
(4) - الخصال: ج١، ص١٦.

 

  حوارات قرآنية

حفظة القرآن الجامعيين

 

حوار قرآني أجرته جمعية القرآن الكريم
 

مع حافظة كامل القرآن الأخت نور الهدى إسماعيل.
 

نبذة مختصرة: نور الهدى إسماعيل هي طالبة جامعية وفقها الله لحفظ كامل كتابه المجيد والمشاركة في المسابقة السنوية لجائزة السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه)
 

لحفظة القرآن الكريم الجامعيين لعام ٢٠١٤م.
 

س ١: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ ... ﴾.
ج: أن نكون أمة واحدة متمسكين بتعاليم ديننا الحنيف.
 

س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً؟
ج: تدل هذه الرواية على أهمية حفظ القرآن وتصنيف أحكامه وتعاليمه، لأنَّ الحافظين للقرآن والعاملين به في أعلى درجات الجنَّة ما خلا النّبيين والمرسلين.
 

س ٣: مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (٢) الكرام البررة (٣) »، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟
ج: كل إنسان مؤمن يطمح أن يكون مع السفرة الكرام البررة ونسأل الله تعالى أن يتقبل عملنا في حفظ القرآن وأن تكون نيتنا خالصة لله سبحانه وأن يوفقنا للعمل بأحكامه.
 

س ٤: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج: إنَّه مشروع جيد وخاصة أنه يحفز الأجيال الجامعية على حفظ القرآن الكريم.

س ٥: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: أقول لكل إنسان وليس فقط للطلاب الجامعيين أنَّ حفظ القرآن الكريم هو أكبر نعمة ينعمها الله تعالى على عبده بعد الإيمان ويكفي أنَّه كلام الله سبحانه...

س ٦: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج: أسأل الله تعالى أن يحفظه لهذه الأمة.


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة.
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.

 

 دروس في علم التجويد

عملية التنفس الصحيح للتلاوة

 

ذكرنا في العدد السابق النوع الأول من التنفس الصحيح وهو التنفس البطني، والآن سنتطرق إلى النوع الثاني من التنفس الصحيح وهو التنفس التفريغي.

وهذه الطريقة تنقي الدم من أية شوائب من الممكن أن تسبب انسدادها كما أنها تفتح مسارات الهواء في الرئة لتتمكن من حفظ أكبر قدر من الهواء.

وطريقته كالتالي استنشق من الأنف حتى العدّ إلى ٤ واملأ الرئتين بالهواء ثم احتفظ بالهواء داخل الجسم حتى العد إلى ١٠، وفرغ الهواء ببطء، من الفم حتى العد إلى ٥.

كرّر هذا التمرين بحيث تزيد من مدة الاحتفاظ بالهواء داخل الجسم تدريجياً وتقوم بتفريغه دائماً في نصف المدة، فمثلاً لو احتفظت بالهواء داخل الجسم حتى العد إلى ١٢ فعليك القيام بتفريغ الهواء حتى العد إلى ٦ ولو وصلت مدة الاحتفاظ إلى ١٦ فيجب أن يكون التفريغ حتى العد إلى ٨ وباستمرار يجب عليك زيادة الوقت بالتدريج وببطء، المهم أن ترخي عضلات البطن.
 

وهناك تمرين آخر وهو أن تستنشق الهواء بالعد إلى ٤، وتحتفظ به حتى العد إلى ١٠، ثم تفرغه ببطء حتى العد إلى ١٥.

النوع الثالث: التنفس لتوليد الطاقة استنشق من الأنف حتى العد إلى ٤، فرغ الهواء من الفم حتى العد إلى ٤ وكأنك تقوم بإطفاء شمعة، وقم بهذا التمرين ١٠ مرات، وينبغي أن تتوقف بين تنفس وثانٍ كي لا تشعر بدوخة.

ينبغي ممارسة التمرينات الخاصة بالتنفس التفريغي والتنفس لتوليد الطاقة ثلاث مرات يومياً (في الصباح والعصر، والمساء) إلى أن يصبح جزءاً من روتين الحياة اليومية، وهذه التمارين لا تكون مباشرة قبل التلاوة، بل هي تمارين للتّعود على طول النفس، وإذا شعرت بالارتياح وأنك أفضل بعد التمرين، وينتابك شعور بالصفاء الذهني والسكينة فيكون ممارستك لعملية التنفس العميق بشكل صحيح.
 

استفد من الذكر في تقوية النفس: خذ نفساً عميقاً وأخرجه في ذكر التسبيحات كتسبيح الزهراء (عليها السلام) والتهليل والتحميد وغيرها.

أما عند التلاوة مباشرة: فخذ نفساً كلما أردت أن تقرأ آية كي تستعين به على الأداء الصحيح للكلمات من غير انقطاع في وسط الكلمة أو بين آيتين، فالنفس العميق بين كل آيتين مهم لتتشرب الأوردة والشعب الهوائية من الأوكسجين.
 

تنبيه: إن كنت تقرأ أمام مكبر الصوت تجنب سحب النفس بصوت مسموع فهذا خطأ ؛ والطريقة الصحيحة: هي أخذ النفس بهدوء لكي لا يُسمع في (مكبر الصوت).

تحذير: إن درجة حرارة الجسم ٣٧ درجة مئوية، وقد تكون درجة حرارة الجو ١٨ درجة مئوية في بعض الأماكن المكيفة، وهذا التباين في درجات الحرارة يُتعب الحنجرة.

كما ننصح القرَّاء بالامتناع عن الأكل ثلاث ساعات قبل القراءة في المحافل والمساجد لأنَّ حجم الرئتين مع المعدة الممتلئة لا تسمح بأخذ نفسٍ كبير فضلاً على أنَّ الاهتمام بنوعية الأكل عامل إضافي في تحسين الصوت وطول النفس (1).


(1) - الأستاذ الحاج عادل خليل مدير قسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم.

 

 أشهر القراء المبدعين

القارىء: الدكتور أحمد نعينع

 

ولد الدكتور أحمد عام ١٩٥٤م بمحافظة كفر الشيخ، وعشق تلاوة القرآن الكريم منذ نعومة أظافره، وحفظ القرآن الكريم في كتاب القرية على يد الشيخ أحمد الشوا، ثم جوّده على يد الشيخ أمين هلالي وكان يحب تقليد صوته وطريقته في التلاوة، كما أنه يدين بالفضل للشيخ محمد فريد نعمان الذي تعلم على يديه القراءات السبع والتفسير.

ارتبط اسم القارئ الشيخ أحمد نعينع بلقب «الطبيب» ليس باعتباره حاملاً لبكالوريوس الطب فحسب، بل باعتبراه طبيباً نابغاً يحمل درجة الماجستير في طب الأطفال، وإذا أردنا الإنصاف ونحن نؤرخ لقرّاء القرآن الكريم أمس واليوم وغداً لا بد أن نُقِر أنَّ الطبيب الموهوب بما حباه الله من نعمة حفظ القرآن الكريم وإجادة أحكام تلاوته إلى جانب صوت أبيض جميل مفتوح يضعه في مقدمة القرّاء على الساحة الآن.
 

يمكن تناول مسيرة حياته القرآنية عبر ثلاث محطات هي:
 

المحطة الأولى: في قريته «مطوبس» حيث تعرف جمهور المستمعين على موهبته القرآنية.
 

المحطة الثانية: «الاسكندرية» ما بين مطلع السبعينات ومطلع الثمانينات حيث تبلورت شخصيته القرآنية وأصبح في شوق لمصافحة آذان المستمعين عبر الأثير.
 

المحطة الثالثة: «القاهرة» بعد اعتماده إذاعياً وانطلاق صوته حاملاً آيات الذكر الحكيم إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وشهدت تلك المحطة تعيينه قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين (عليه السلام) بالقاهرة في منتصف الثمانينات خلفاً للقارىء محمود علي البنا.
 

استضافته جمعية القرآن الكريم لثلاث مرات في لبنان مشاركاً إياها في تلاوة الحفلات والأمسيات القرآنية.

 

  مقابلة العدد

الحافظ الإيراني محمد أمين حدادي

 

مقابلة مع الحافظ الإيراني محمد أمين حدادي جاء بدعوة من جمعية القرآن الكريم إلى لبنان للمشاركة في الأمسات القرآنية وقد أجرينا معه هذه المقابلة حيث طرحنا عليه مجموعة من الأسئلة فكانت الإجابة على الشكل التالي:

س١ - كيف كانت بدايتكم مع القرآن الكريم؟
ج١ - بدأت بحفظ القرآن في عمر ٨ سنوات، وقررت حفظ القرآن بعد أن شجعني والدي بعد أدائه لفريضة الحج في مكة المكرمة، ودفعاً لاتهام الوهابيين الشيعة بالبعد عن القرآن، وقد وفقني الله لحفظ القرآن خلال سنة وشهرين.
 

س٢ - إلى أية مرحلة وصلت تجربتك القرآنية؟ وكيف حصلت عليها؟
ج٢ - في هذه المدة تمكنت من حفظ القرآن بشكل متين جداً، وأعرف أرقام الآيات وأرقام صفحاتها، مع أساليب متعددة في الإجابة عن الآيات، وكذلك فإنني الآن أقوم بدراسة المعاني والمفردات القرآنية.
 

س٣ - كيف كان أسلوبك في حفظ القرآن الكريم؟
ج٣ - الأسلوب الذي اتبعته هو أنني كنت أحفظ في البداية عدة آيات من القرآن، ووصلت إلى حفظ صفحتين في كل يوم، وكنت أراجع يومياً كل ما حفظته في ذلك اليوم.
 

س٤ - ما هي مميزات وصفات الحافظ النموذجي؟
ج٤ - معنى الحافظ النموذجي هو أن يصبح الإنسان إنساناً قرآنياً عاملاً بالقرآن، ولا ينسى الأخلاق القرآنية، وأن يؤدي حق أساتذته ومدرسيه، وأن يحترم العلماء والمتخصصين في مجال القرآن.
 

س٥ - ما هي النصيحة التي تقدمونها للمجتمع حتى يصبح مجتمعاً متمسكاً بالقرآن؟
ج٥ - أولاً: على الناس الاقتراب أكثر من القرآن لأن القرآن هو كتاب الهداية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثانياً: من أراد حفظ القرآن فعليه البدء من صغر سنه مثلاً من عمر أربع سنوات.
 

س٦ - كيف تقيّمون الأمسيات القرآنية التي شاركتم فيها في لبنان؟
ج٦ - وجودنا بينكم هو سرور وفخر لنا، والأمسيات القرآنية في لبنان كانت مميزة ونسأل الله لكم المزيد من العطاء والتقدم، وإقبال الناس لحضور الأمسيات كان كبيراً جداً، ولكن يجب العمل أكثر على برامج الأطفال حتى يتشوقوا أكثر لحفظ القرآن.
 

س٧ - ما هي البلدان التي زرتموها؟
ج٧ - لبنان هو أول بلد أسافر إليه، ولكنني شاركت في العديد من البرامج والاحتفالات القرآنية في إيران.
 

س٨ - بماذا تنصحون حفاظ ومحبي القرآن الكريم؟
ج٨ - أنا أصغر من أن أقدم نصيحة لهم، ولكن رأيي يجب أن يبدأ الشخص بحفظ القرآن من صغر سنه، وعلى الحفاظ أن يتحلوا بالأخلاق القرآنية وأن يعاملوا الناس معاملة ترتكز إلى تعاليم القرآن بتعاطيهم، وكما يقول القائد الإمام الخامنئي (دام ظله): «حفاظ القرآن هم أبطال القرآن وعليهم أن يهتموا لطريقة تعاملهم مع الناس».
 

س٩ - كيف ترى دور القرآن وارتباطه في دعم المقاومة لمواجهة أعداء الأمة؟
ج٩ - أنا أرى أن اتباع حزب الله للقرآن هو صحيح ومهم جداً، وهو ما يذكرني بدور الرجال الشجعان في الحرب المفروضة على إيران، فالمقاومة في لبنان كانت وستبقى مصدراً للفخر والاعتزاز، ونسأل الله أن ينصرها على أعدائها (١) .


(1) - أجرى اللقاء مدير قسم العلاقات العامة الحاج عباس عساف.

 

   كلام أهل البيت (عليهم السلام)

تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام)
 

اليوم الرّابع والعِشرون من ذي الحجة هُو يوم المباهلة على الأشهر، باهل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران وقد اكتسى بعبائة، وأدخل معه تحت الكساء عليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: «اللهمّ إنّه قد كان لكلّ نبيّ من الأنبياء أهل بيت هم أخصّ الخلق إليه، اللهمّ وهؤلاءِ أهل بيتي فأذهب عنهم الرِّجس وَطهّرهم تطهيراً» فهبط جبرئيل بآية التّطهير في شأنهم، ثمّ خرج النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم (عليهم السلام) للمباهلة، فلمّا بصر بهم النّصارى ورأوا منهم الصّدق وشاهدوا أمارات العذاب، لم يجرؤوا على المباهلة، فطلبوا المصالحة وقبلوا الجزية عليهم، وفي هذا اليوم أيضاً تصدّق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على الفقير وهو راكع، فنزل فيه الآية: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) [في احتجاجه على زنديق]: «فقال المنافقون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل بقي لربك علينا بعد الذي فرض علينا شيء آخر يفترضه فتذكره لتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره؟ فأنزل الله في ذلك: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ﴾ (١) يعني الولاية. وأنزل الله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ وليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع، غير رجل واحد، ولو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من ذكره، وهذا ما أشبهه من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب، ليجهل معناها المحرفون، فيبلغ إليك وإلى أمثالك، وعند ذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾» (٢) .
 

مواقف حسينيّة:

اليوم العاشر من محرم واقعة الطف و استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) سنة ٦١ هجرية، مما قاله (عليه السلام) عندما دخل مكّة ليلة الجمعة في الثالث من شعبان (قبل التحرّك نحو كربلاء)، تلا الآية الشريفة: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ (٣) .
 

وعندما كان (عليه السلام) في مكّة يتحدّث إلى ابن عبّاس حول بني أميّة، تلا قوله تعالى: ﴿ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ﴾، وتلا قوله تعالى أيضاً: ﴿ يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾، وقال أيضاً: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾، وقال أيضاً: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ (٤) .
 

الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى:

اليوم الخامس والعشرون من محرم شهادة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) في المدينة المنورة سنة ٩٥ هجرية على رواية، عن حكيم بن جبير أنه قال سألت علي بن الحسين بن علي (عليهما السلام) عن هذه الآية: ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ قال: هي قرابتنا أهل البيت من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (٥) . فقد افترض الله مودة أهل البيت على كل مسلم.
 

أحد الثقلين:

اليوم السابع من صفر شهادة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة ٥٠ هجرية على رواية، من مواقفه (عليه السلام) حين خطب الناس فقال: (نحن حزب الله المفلحون وعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول عليه في كل شيء لا يخطئنا تأويله بل نتيقن حقائقه فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ (٦).

التعرف بأهمية القرآن:

اليوم السابع من صفر ولادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سنة ١٢٨ هجرية، مما قاله (عليه السلام) واصفاً القرآن الكريم: «هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدي إلى الجنة والمنجي من النار لا يخلق من الأزمنة ولا يغث على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيمٍ حميد» (٧).
 

ستة من المروّة:

اليوم الرابع عشر من صفر شهادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة ٢٠٣ هجرية على رواية، روى الصدوق في العيون عنه (عليه السلام) عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

«ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر وثلاثه منها في السفر: فأمّا التي في الحضر فتلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مساجد الله واتخاذ الإخوان وأمّا التي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاج في غير المعاصي»(٨).
 

حملة القرآن:

اليوم الثامن والعشرون من صفر وفاة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة ١١ هجرية على رواية، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن أكرم العباد إلى الله بعد الأنبياء العلماء ثم حملة القرآن، يخرجون من الدنيا كما يخرج الأنبياء، ويحشرون من قبورهم مع الأنبياء، ويمرون على الصراط مع الأنبياء، ويأخذون ثواب الأنبياء، فطوبى لطالب العلم وحامل القرآن مما لهم عند الله من الكرامة والشرف» (٩).
 

التأكيد على قراءة القرآن الكريم والتعاهد له:

اليوم الاول من ربيع الأول شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة ٢٦٠ هجرية وبداية إمامة بقية الله الأعظم الحجة بن الحسن أرواحنا فداه على رواية ، في وصيَّته (عليه السلام) - لشيعته - يؤكِّد على هذا المعنى بل يعكس في تلك الأقوال والوصايا تعاليم القرآن الكريم, ويمكن للقارئ أن يُرجع وصاياه وأقواله إلى بعض الآيات القرآنية، ولسنا في صدد ذكر ذلك بشكلٍ مفصَّلٍ بل ما هي إلا شواهد للتأكيد على ذلك, ففي وصيَّته لشيعته: «أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ الصلاة على رسول الله عشر حسنات، احفظوا ما وصّيتكم به واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام» (١٠).
 

ما تقدّم هو بعض كلمات أهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلق بالقرآن الكريم.


(1) - سورة سبأ، الآية: ٤٦.
(2) - الاحتجاج: ٢٥٥.
(3) - سورة القصص، الآية: ٢٢.
(4) - سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
(5) - بحار الأنوار: ج٢٣، ص٢٤٧.
(6) - مروج الذهب: ج٣: ص٩٠، والأمالي: ٣٤٩.
(7) - عيون اخبار الرضا: ج٢، ص١٣٠.
(8) - عيون اخبار الرضا: ج٢، ص٢٧.
(9) - بحار الأنوار: ج٨٩، ص١٨٢، باب١٩، ح١٨ - ٥٧.
(10) - تحف العقول: ٣٦٢.

 

    نباتات ذكرت في القرآن الكريم


جاء ذكر الحب بالقرآن في ست آيات نحو قوله تبارك وتعالى: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (١)، والحب الذي يعطي السنابل هو القمح والحنطة والشعير، ويتبين من خلال الآية الكريمة أن الحبوب تمتاز بالمردودية، وهو ما يعني أن الحبوب هي التي يمكن أن تسد حاجة سكان الأرض. وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ (٢). وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ﴾ (٣).
 

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ (٤)، وقد اقتصرت الآية على ذكر الحب دون أي شيء، وهو ما يؤكد أهميته في التغذية بالنسبة للإنسان. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾ (٥). وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ (٦)، وهو قول تابع لما جاء في سورة يس، إن الله يبين أهمية الحبوب كمكون أساسي لتغذية الإنسان. ويتبع نفس السياق قوله تعالى: ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ﴾ (٧).

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾ (٨). وتبين هذه الآيات أن الحبوب هي الأصل في التغذية البشرية .
 

رؤية علمية:

اليوم نعيش مع قوله تعالى: ﴿ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ (٩).

جاء في معجم النبات من قاموس القرآن الكريم، عن الحَب: الحب اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السنابل والأكمام، والحب معروف مستعمل في أشياء جمة: حبة من بُرّ، حبة من شعير حتى يقولوا: حبة من عنب. ويطلق على بعض المحاصيل خاصة تلك التي تنتمي إلى فصيلة النجيلية مثل القمح والشعير والذرة والأرز والشوفان اسم محاصيل الحبوب، حيث تزرع من أجل حبوبها التي تمثل المصدر الأساس للغذاء، ولاسيما الخبز، والحبة في هذه المحاصيل ما هي إلا ثمرة صغيرة بها بذرة واحدة يلتحم غلافها مع غلاف الثمرة، وتعرف بين النباتيين باسم البُرة وتمثل المواد الكربوهيدراتية وخاصة النشا، معظم مكونات الحبة، وبكل حبة جنين صغير ينمو عند الإنبات ليكون البادرة، ويتكون الجنين في الحبة من ريشة) رويشة (وجذير وفلقة) واحدة) (تعرف بالقصعة وتتراص الحبوب في سنابل أو كيزان (كالذرة.

وبالدراسة والبحث نجد أن هناك ملايين الملايين من الحبوب والبذور والثمار الجافة والرطبة ولكل منها تركيب وسلوك خاص بها، وقد خلقت هذه الحبوب والبذور بحكمة بالغة ولا مكان فيها للمصادفة العمياء والعشوائية.
 

انتشار الحبوب:

تنتشر الحبوب والبذور في البيئة بأساليب مختلفة منها الانتثار بالرياح كما هو الحال في نباتات الأراشد وتنتشر بعضها بالحيوان كما هو الحال في نبات الشبيط الذي يمتلك خطاطيف يتعلق بها في أشعار وأوبار وأصواف الحيوان وملابس الإنسان وأوعية نقل الحبوب والبذور.

وعندما تسير الحيوانات على الطين تتعلق بأقدامها بعض البذور والثمار فتنقلها، ويقوم النمل بدور فعال في نقل البذور والحبوب وينقل الإنسان هذه البذور بالتصدير والاستيراد والنقل والزراعة، وهناك بذور وحبوب تنقل بالماء وهي مهيأة لهذا النوع من النقل.

ويقوم الفلاح بزراعة الحبوب والبذور في التربة الزراعية، والنتيجة العلمية أن الله سبحانه وتعالى وحده المحيط علما بكل هذه الحبوب والبذور جملة واحدة، فالإنسان قد يعلم بعضها في مكان محدد ويجهل البعيد عن علمه وإدراكه، ولكن الله سبحانه وتعالى وحده علام بها وقد قدر هذا منذ بدء الخلق ولذلك قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ (١٠)، فجميعها مسجلة في اللوح المحفوظ.
 

وفي الآية إعجاز في قوله تعالى: ﴿ وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ﴾ ففي ظلام التربة وتحت الثرى توجد الحبوب والبذور والثمار المزروعة والبرية الكامنة لعشرات السنين والتي لا تنبت إلا عندما يحين موعد إنباتها وتتهيأ لها العوامل الداخلية والخارجية) البيئية (المساعدة على الإنبات.

وهناك فوائد مهمة للحبوب الجافة : كالذُرة، و حبة البركة، وحب هال، والحمص، والفول والفاصوليا وقد تحدّثنا في أعداد سابقة عن القمح والشعير والعدس كغذاء أساسي للإنسان فراجع.

الحبوب في الحديث:
 

عن الصّادق (عليه السلام) ذكر عنده الحمّص، فقال: هو جيّد لوجع الصدر (١١).

عن أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزَّوجل: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾؟ قال: الحبوب والبقول (١٢). عن الإمام الصادق (عليه السلام): نعم الطعام الأرز يوسع الأمعاء، ويقطع البواسير (١٣). قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام، قيل: يارسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما السام؟ قال: الموت، قال: وهذان لا يميلان إلى الحرارة والبرودة، ولا إلى الطبائع، وإنما هما شفاء حيث وقعا (١٤).


(1) - سورة البقرة، الآية: ٢٦١.
(2) - سورة الأنعام، الآية: ٩٥.
(3) - سورة الرحمان، الآية: ١٢.
(4) - سورة يس، الآية: ٣٣.
(5) - سورة ق، الآية: ٩.
(6) - سورة النبأ، الآية: ١٥.
(7) - سورة عبس، الآية: ٢٧.
(8) - سورة السجدة، الآية: ٢٧.
(9) - سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
(10) - سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
(11) - مستدرك سفينة البحار: ج٢، ص٤٢٢.
(12) - وسائل الشيعة: ج٢٤، ص٢٠٥.
(13) - وسائل الشيعة: ج١٧، ص٩٥، ح٢.
(14) - وسائل الشيعة: ج٢٥، ص١٠٢.

 

 

   حيوانات ذكرت في القرآن الكريم



في القرآن الكريم ورد ذكر الثعابين ضمنا في سورة النور كدابة تمشي على بطنها: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (١) وورد ذكرها حين ألقى موسى (عليه السلام) عصاه فتحولت ثعبان ابتلع حيات السحرة: ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ (٢).

الثعبان حيوان زاحف من ذوات الدم البارد يتبع رتيبة من رتبة الحرشفيات له جسم متطاول، مغطى بحراشف، ولا توجد له أطراف، أو أذنان خارجتان، وجفون ولكن ثمة حواف في جسمه، يعتقد أنها كانت تمثل أطرافه التي تلاشت. الثعبان من آكلات اللحوم يتواجد منه على الأرض ٢٧٠٠ نوعاً، تنتشر في جميع القارات، عدا قارة أنتاركتيكا وهي تتواجد بمختلف الأطوال من ١٠سم للثعابين الصغيرة إلى عدة أمتار للثعابين الكبيرة، مثل الأصلة والأناكوندا التي قد يزيد طولها عن ٧م. معظم أنواع الثعابين غير سامة، أما الأنواع السامة، فتستخدم السمية بشكل أساسي لقتل الفريسة أو إخضاعها، إذ إنّ كمية قليلة من سم الثعبان كافية لإحداث أضرار شديدة للضحية أو حتى التسبب بالموت للإنسان.
 

حواس الثعبان:

الرؤية: تتعدد درجات الرؤية لدى الثعابين بين من هو ضعيف الرؤية يكاد لا يرى ومن هو متوسط الرؤية أو حاد الرؤية والملاحظ أن الثعابين التي تعيش على الأشجار لديها رؤية أفضل من تلك التي تعيش في الجحور وجوف الأرض.

الشم: حاسة الشم هي الحاسة الرئيسية وهي دليل الثعبان الذي يعتمد عليها في التحرك واكتشاف بيئته المحيطة لكنه لا يعول على الأنف في أداء هذه المهمة وبدلا من ذلك يعتمد على لسانه ذو الشعبة في التذوق والشم معا.

السمع : الثعبان لا يمتلك أذن خارجية وإنما له أذن داخلية يسمع خلالها أصوات التصدعات الأرضية.

جلد الثعبان: جلد الثعبان مغطي حراشف ملساء وجافة ومركبة بشكل يسمح له بالتحرك السهل سيما حراشف البطن المتموضعة بشكل يساعده على البقاء قرب وجه الأرض حين التنقل من مكان لآخر.
 

التكاثر:

تعرف أنثى الثعبان بالأفعى، أما الذكر فيعرف بالأفعوان. وتتكاثر الثعابين عموما في فصلي الربيع والصيف فتقوم انثى الثعبان بافراز فيرومونات انثوية تجذب الذكور للتزاوج إذ لا يعرف على وجه الدقة كيفية اختيار الأنثى للذكر لكن الملاحظ أن الذكور تلتف على الأنثى فيما يسمى كرة تزاوج ثم تختار ذكرا من بينها فتنفض الكرة ويقوم هذا الذكر بالزحف تحتها وتخصيبها تخصيبا داخليا. ولادة الثعابين تتم بطريقتين الأولى أن تضع الأنثى بيوضاً تتراوح بين ٢ إلى ١٠٠ بيضة حسب النوع في مكان آمن فيفقص البيض بعد شهر أو شهرين والثانية أن تحتفظ في البيوض في جسمها وعند تفقسهما داخل الجسم تقوم بولادتهما.
 

التغذية:

الثعابين من الحيوانات اللاحمة إذ تتغذى على مصادر متنوعة من الفرائس فصغارها تتغذى على الحشرات أما الثعابين الكبيرة فتأكل الفرائس المتوفرة في بيئتها مثل الفئران والأرانب وصغار الطيور في حين تتغذى الثعابين الضخمة على بعض الحيوانات الكبيرة مثل الخنازير وحيوان الكابيبارا.
 

لدغة الثعبان:

معظم الثعابين غير سامة، وفقط ما يقارب ٤٠٠ نوعاً تعتبر سامة، وهي تلدغ فريستها بطريقتين: تلدغ فريستها بأنيابها السامة، وهي أنياب حاقنة يتواجد في كل منها ثقب صغير، وعند انطباقها على الفريسة، تعمل هذه الأنياب كالإبرة الطبية، وتحرر المادة السامة، إلى دم الفريسة، وثمة ثعابين سامة أخرى، لها أنياب ذات محور تنطبق للداخل، عندما يكون فم الثعبان مغلق، وعندما يفتح فمه، تعتدل هذه الأنياب متهيئة للدغ.الثعابين التي تمتلك أنياب سامة ثابتة، لا تلدغ وإنما تعض. ثمة ثعابين، تستخدم السموم بدون تماس مباشر مع الضحية، مثل اللدغ والعض، وخير مثال على ذلك، ثعبان الكوبرا التي تستطيع بخ السم إلى عيون فريستها، فتفقدها الرؤية على الفور.
 

الثعبان في ثقافات الشعوب:

في اليونان القديمة حظي الثعبان بتقدير كبير إذ اعتبر حيوان يشفي الأمراض ولا عجب في ذلك فد اتخذ رمز للشفاء وحتى اليوم تشاهد الكثير من سيارات الإسعاف والصيدليات وهي تحمل صورة الثعبان كرمز للشفاء.

من كانَ في حِجْرِ الأفاعي ناشئاً... غلبتْ عليه طبائع الثعبانِ

من لاعب الثعبان في كفه

هيهات أن يسلم من لسعته
 

الثعبان في الحديث:

عن جابر الجعفي، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: «بينا علي بن أبي طالب (عليه السلام) على منبر الكوفة يخطب إذا أقبل ثعبان من آخر المسجد فوثب إليه الناس بنعالهم، فقال لهم علي (عليه السلام): مهلا يرحمكم الله فإنها مأمورة، فكف الناس عنها فأقبل الثعبان (إلى علي (عليه السلام)) حتى وضع فاه على أذن علي، فقال له ما شاء الله أن يقول. ثم إن الثعبان نزل وتبعه علي، فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا تخبرنا بمقالة هذا الثعبان، فقال: نعم إنه رسول الجن، قال لي: أنا وصي الجن ورسولهم إليك، يقول الجن: لو أن الإنس أحبوك كحبنا إياك وأطاعوك كطاعتنا لما عذب الله أحداً من الإنس بالنار» (٣).

وروى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ذات يوم يخطب على منبر الكوفة إذ ظهر ثعبان من جانب المنبر فجعل يرقى حتى دنى من أمير المؤمنين (عليه السلام) فارتاع الناس لذلك وهموا بقصده ودفعه عن أمير المؤمنين فأومى إليهم بالكف عنه. فلما صار إلى المرقاة التى عليها أمير المؤمنين قائم انحنى إلى الثعبان، وتطاول الثعبان إليه حتى التقم أذنه، وسكت الناس وتحيروا، فنق نقيقا سمعه كثير منهم، ثم أنه زال عن مكانه وأمير المؤمنين (عليه السلام) يحرك شفتيه، والثعبان كالمصغى إليه ثم انساب وكأن الارض ابتلعته. وعاد أمير المؤمنين إلى خطبته فتممها فلما فرغ منها ونزل، اجتمع الناس إليه يسألونه عن الثعبان والأعجوبة فيه، فقال لهم: ليس ذلك كما ظننتم، إنما هو حاكم من حكام الجن التبست عليه قضية فصار إليَّ يستفتيني عنها فأفهمته إياها ودعا لى بخير وانصرف (٤).

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾


(1) - سورة النور، الآية: ٤٥.
(2) - سورة الشعراء، الآية: ٣٢، والأعراف، الآية: ١٠٧.
(3) - البحار: ج٣٩، ص٢٤٩.
(4) - روضة الواعظين: ص١٢٠.

 

  أنشطة الجمعية

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

يقول سبحانه: ﴿ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ (١) ، نستكشف ضرورة طلب العلم من خلال تكرار اللوم والتوبيخ على ترك التفكر، ففي الآية المتقدمة هذه دعوة إلى التفكر وقد ورد التأكيد الكثير في الروايات الإسلامية على طلب العلم، وفي الحديث المعروف المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  شاهد واضح على هذا المعنى وهو: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(٢)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : (طلب العلم فريضة على كل حال) (٣). وتارة يقول بعد بيان الآيات الالهية المختلفة الأعم من التكوينية والتشريعية: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ (٤). وأحياناً يقول: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ (٥). كل هذه الآيات تدل على وجوب التفكر، ووجوب التفكر يدل على امكان المعرفة وتحصيل العلم.
 

ونحن في جمعية القرآن نسعى لإرواء المتعطشين للمعرفة إلى أهمية الاستفادة من العلوم المتصلة بالقرآن وعلومه وضرورة فهمها والعمل بها وإليكم بعض الأنشطة التي تصب في هذا الاتجاه.


(1) - سورة الأنعام، الآية: ٥٠.
(2) - بحار الانوار: ج٦، ص١١٧.
(3) - بحار الانوار: ج٢، ص١٧٢.
(4) - سورة البقرة، الآية: ٢١٩.
(5) - سورة الروم، الآية: ٨.

1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:
 

يستمر القسم التعليمي في برامجه التعليمية ودوراته في لبنان وفق رؤية البرنامج السنوي الذي يتضمن العناوين التالية:
 

١ - الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
٢ - التلاوة والتجويد للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
٣ - الصوت والنغم للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
٤ - مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
٥ - مناهج التفسير وتفسير الجزء السابع من القرآن الكريم.
٦ - تفسير سورة النور.
٧ - العلوم القرآنيَّة.
٨ - علم الوقف والإبتداء.
٩ - أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
١٠ - أساليب تدريس التجويد وحفظ القرآن.
١١ - الورش التعليميَّة.
١٢- الدورات المركزيَّة المغلقة في العناوين التالية:
 

أ- تأهيل القرَّاء والقارئات.
ب- تأهيل معلمي التجويد والوقف والإبتداء.
ج- تأهيل الحكّام في المسابقات القرآنيَّة.
د- أساليب تدريس حفظ القرآن.
هـ- أساليب تدريس التفسير والعلوم القرآنيَّة.

 


 

2- نشاط قسم النشاطات القرآنية:

أقامت جمعية القرآن الكريم في أيام وليالي شهر رمضان المبارك، وبالتعاون مع وحدة الأنشطة الثقافية في حزب الله، سلسلة من الأمسيات والحفلات القرآنية في كافة المناطق اللبنانية، حيث استضافت عدداً من كبار القرّاء والحفاظ وفرق التواشيح الدينية من لبنان والعالم الإسلامي، بمشاركة المؤمنين والمؤمنات من أجل نشر ثقافة تلاوة القرآن الكريم وحفظه والاستئناس إلى آياته في هذا الشهر المبارك أعاده تعالى علينا باليمن والبركة.
 

بدعوة من منظمة الأوقاف في الجمهورية الإسلامية في إيران انتدبت جمعية القرآن الكريم القارئ عبد الحسن سويدان والحافظ بلال بلوط والحكم حسين حمدان للمشاركة في المباراة العالمية للقرآن الكريم.

وانتدبت كذلك الحافظ الشيخ حسن دهيني للمشاركة في مسابقة الحفظ للمكفوفين. والأخت ديانا تحفة للمؤتمر القرآني الخاص بالناشطات القرآنية.

 


 

2- نشاط قسم الدراسات القرآنية:


تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من طباعة الإصدارات التالية:
 

- طباعة مجلة هدى القرآن العدد (١٩).
- مجلة نافذة من السماء العدد (٢١).
- أريج القرآن أصبحنا في العدد (٩٢).
- أصدرت كتابها الجديد تحت عنوان: (هيكلية الصوت ونغمة الوحي).
- وهناك كتب الآن تحت الطباعة.

 

   مسابقة العدد



١ - ما معنى العلم اللّدني؟
أ - هو ما تعلمه العبد بواسطة.
ب - هو ما تعلمه العبد من الله بالوحي من غير واسطة.
ج - كلاهما صحيح.
 

٢ - تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية، يهتم المفسّر فيه بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها:
أ - لأنه ينبعث عن تحريف القراءة.
ب - تحريف اللفظ القرآني المنزل ومن ثم تحريف المعنى.
ج - كلاهما صحيح.

٣ - أدلّة سلامة القرآن الكريم من التحريف منها:
أ - الدليل القرآني الدليل العقلي.
ب - الدليل الروائي التحليل التاريخي.
ج- كلاهما صحيح.

٤- إخوة يوسف (عليه السلام) حين أرادوا أن يلقوا يوسف (عليه السلام) في الجبّ:
أ - كان يبكي تحت وابل اللكمات والضربات القاسيّة.
ب - شرع بالضحك فجأة.
ج - كلاهما خطأ.

٥ - هل تصحّ الصلاة بالإشارة من المريض المصاب بالخرس إذا كان لا يقدر على التكلّم ولكنّه سليم الحواس؟
أ - صلاته غير صحيحة ولا مجزية في الفرض المذكور.
ب - صلاته صحيحة ومجزية في الفرض المذكور.
ج - كلاهما خطأ.

٦ - أكمل الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر وثلاثه منها في السفر: فامّا التي في الحضر فتلاوة كتاب الله تعالى......... واتخاذ الإخوان وامّا التي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاج في غير المعاصي».
أ - واحياء مساجد الله.
ب - وعمارة مساجد الله.
ج - واعمار مساجد الله.

٧ - كلمة «فتن» في الأصل بمعنى:
أ - إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته.
ب - ليمتحن جوهر الإنسان فيميز الخبيث من الطيب.
ج - كلاهما صحيح.

٨ - كيف نساعد أطفالنا على حفظ القرآن الكريم؟
أ - تشجيع الأطفال على تسجيل قراءتهم للقرآن.
ب - تنظيم مسابقات مُمتِعة حول القرآن.
ج - كلاهما صحيح.

٩ - من القائل: «قوموا بإرشاد شعوبكم وتوعيتهم على أساس التعليمات القرآنية والجهاد القرآني والتبيين الذي ينشده»؟
أ - الإمام الخميني (قدس سره).
ب - الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).

١٠ - من القائل: «يقول تعالى: ﴿ وقِفوهم إنهم مسؤولون ﴾، كل الناس مسؤولون عن أفعالهم»؟
أ - الإمام الخميني (قدس سره).
ب - الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


تسلية وفائدة قرآنية 
 


أفقيَّاً


١ - سورة تبدأ بكلمة سبح وتنتهي بكلمة موسى (عليه السلام).
٢ - اسم آخر لسورة الكافرون.
٣ - سورة ذكرت نقض اليهود العهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
٤ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾.
٥ - سورة تسمى بسورة المودة.
٦ - اسم السورة التي ذكر فيها شجرة اليقطين.
٧ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾.
٨ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾.
٩ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾.
١٠ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ قَلِ اللهَ أَعْبُدُ  مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي ﴾.
 

عاموديَّاً

١ - اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾.
٢- اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾.
٣- اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾.
٤- اسم السورة التي فيها قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً ﴾.


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد«19»


الفائزة الأولـى: هناء علي روماني.
الثاني: محمد حسين الموسوي.
الثالثة: رؤى حسين الموسوي.

يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (18)


١ - أنَّه تعالى: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ ماذا تسمَّى هذه الإحاطة؟
أ - الإحاطة القيّومية. ب - الإحاطة الحقيقيَّة.

٢ - قال: ﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ من أين عرفنا أنّ المسح ببعض الرأس ؟
ب - لمكان «الباء».

٣ - ما هو التحريف اصطلاحاً؟، هو:
ب - تغيير ألفاظ القرآن.

٤- أي كهف أوضح انطباقا على كهف أهل الكهف؟، هو:
أ - كهف رجيب في الأردن.

٥ - هل يصدق على القراءة القلبيّة في الصلاة أنها قراءة أم لا؟
ب - لا يصدق عليها عنوان القراءة.

٦ - أكمل الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس........».
ب - القرآن كما أنزل.

٧ - ما هو معنى ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ لغة؟، هو:
أ - الجريان. ب - الاستمرار.

٨ - كيف نساعد أطفالنا على حفظ القرآن الكريم؟
أ - نجعل القرآن يُصاحِب الأطفال في غُدوِّهم ورَواحِهم.

ب - استعمال الوسائل الحديثة الميسِّرة للحفظ.

٩ - من القائل: «تعرّفوا على الإسلام من القرآن الكريم ورسوله العظيم P»؟، هو:
ب - الإمام الخامنئي (دام ظله).

١٠ - من القائل: «فلواء القرآن يختلف عن ألوية الآخرين، لواء القرآن هو العمل به»؟، هو:
أ - الإمام الخميني (قدس سره).


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد (18) :

أفقيَّاً

١ - اسم سورة من سورتين تنتهيان بنفس الآية، هي: سورة الحاقة.
٢ - معنى لكلمة: ﴿ الْأَبْرَارَ ﴾، هي: أولياء الله.
٣ - سورة تبدأ وتنتهي بحرف السين، هي: سورة الأعلى.
٤ - اسم القرية في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾، هي: بيت المقدس.
٥ - معنى كلمة: ﴿ لَأَعْنَتَكُمْ ﴾، هو: لضيّق عليكم.
٦ - من وصفهم القرآن بأنهم إخوان الشياطين، هم: المبذرون.
٧ - وجه مشترك بين الأنبياء والناس، هو: البشرية.
٨ - معنى كلمة: ﴿ سِنَةٌ ﴾، هي: النعاس.
٩ - عدد المرات التي ذكر فيها نبي الله إدريس (عليه السلام) ، هو: مرتان.
١٠ - معنى يعدكم من قوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾، هو: يخوفكم.

عاموديَّاً

١ - معنى كلمة: ﴿ إِلْحَافاً ﴾، هو: إلحاحاً.
٢- معنى كلمة: ﴿ نَكَالَ ﴾، هو: عقاب.
٣- معنى كلمة: ﴿ أَفْلَحَ ﴾، هو: فاز.
٤- تكملة لقوله تعالى: ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي ... مَّنشُورٍ ﴾، هي: ﴿ رَقٍّ ﴾.

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظة: إلى القرّاء الكرام: 

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.
 

عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت - النويري: 278845/01 -  663914/01 - خلدة: 278845/01
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - بريقع: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

 

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

20-10-2016 | 10-32 د | 1205 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1131608 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2017-10-07 الساعة: 11:58 بتوقيت بيروت