تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد السادس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الثاني والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد السادس والتسعون
نافذة من السماء، العدد الخامس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1433 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد الثاني

العدد الثاني، شهر ربيع الأول / 1433 هجري، شباط 2012 ميلادي

مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

لسحب العدد PDF اضغط هنا

 

 

  كلمة العدد

  القرآن الكريم سبيل السعادة في الدارين

  كتاب الله وقصته في التاريخ

  في ضيافة الأنس بالقرآن

  بمناسبة الولادة الميمونة لرسول الله الأعظم (ص)

  التفسير والبيان

  مفردات قرآنية

  معجم المفسرين

  شروط التفسير

  الوحي في القرآن

  قصة النبي نوح (ع) في القرآن

  القرآن في نهج البلاغة

  هل الأخلاق قابلة للتغيير؟

  المساواة في الوظائف الشرعية والاجتماعية بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم

  آداب حفظ القرآن الكريم ودروس في تجويده

  حوارات أهل القرآن

  الإسلام دين اجتماعي مع رئيس الهيئة الشرعية لحزب الله سماحة الشيخ محمد يزبك (حفظه الله)

  النحل في القرآن الكريم

  أنشطة الجمعية

  مسابقة العدد

 

   كلمة العدد

 ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ سورة القمر-17

صدق الله العلي العظيم 

القرآن الكريم الذي نزل على رسول الرحمة محمد (ص) هو الكتاب الإلهي العظيم الخالي من التعقيد والمجسِّد لعناصر التأثير من حيث عذوبة ألفاظه وجاذبيتها، وحيوية عباراته وصراحتها في عرض المطالب ترغيباً وتهديداً، وطبيعة قصصه الواقعية ذات المحتوى الاجتماعي والاعتقادي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي إلى غير ذلك، بالإضافة إلى قوة دلائله وإحكامها ومنطقه المتين، واحتوائه على كل ما يلزم من عناصر التأثير ... لذا فإنَّ القلوب المهيأة لقبول الحق والمتفاعلة مع منطق الفطرة والمستوعبة لمنهج العقل تنجذب بصورة متميزة والشاهد على هذا أن التاريخ الإسلامي يذكر لنا قصصاً عديدة عجيبة محيرة من حالات التأثير العميق الذي يتركه القرآن الكريم على القلوب الخيرة.
ولكن ما العمل حينما تكون روح الحياة لبذرة ما ميتة؟ حتى لو هيأ لزراعتها أخصب الأرض، وسقيت بماء الكوثر، واعتني بها من قبل أمهر المزارعين، فإنها لن تنمو ولن تزهر وتثمر أبداً.

ونحن في جمعية القرآن الكريم نعمل من خلال هذا الكتاب المقدس من أجل هداية الإنسان إلى طريق الرشاد، بأحسن الأساليب ليصل الفرد والمجتمع من خلال العمل بكلام الوحي إلى سعادة الدارين، فنضع بين أيديكم العدد الثاني من مجلة (هدى القرآن) . سائلين المولى عزّ وجلّ لجميع الساعين للقرب من ربّ الخلائق أجمعين أن يحصلوا على نور الهداية والمعرفة والرحمة من خلالها، وأن يوفقنا جميعاً لذلك، إنه سميع مجيب.

جمعية القرآن الكريم

للتوجيه والإرشاد

 

   الافتتاحية

  القرآن الكريم سبيل السعادة في الدارين

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
القرآن الكريم
سبيل السعادة في الدارين
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
يقول سبحانه وتعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(1).
القرآن برنامج الهداية الإلهية، والوصفة الطبية الشافية تماماً. فمن لا يتدبر في القرآن، أو أنه يتدبر إلا أن قلبه مقفل نتيجة اتباع الهوى والأعمال السيئة التي يقوم بها بحيث لا تنفذ معه أي حقيقة إلى قلبه يعتبر عامل مسكنة هذا الفرد وضياعه. بتعبير آخر، فهو كرجل ضل طريقه في الظلمات، فلا سراج في يده، ولا هو يبصر إذ هو أعمى، فلو كان معه سراج، وكان مبصراً، فإن الاهتداء إلى الطريق في أي مكان سهل ويسير.
تؤكد الآيات القرآنية المختلفة على حقيقة أنَّ هذا الكتاب السماوي العظيم ليس للتلاوة وحسب، بل إنَّ الهدف النهائي منه هو الذكر، والتدبر في عواقب الأمور، والإنذار، وإخراج البشر من الظلمات، وفيه الشفاء والرحمة والهداية ، فالقرآن الكريم هو سبيل السعادة في الدارين.
يقول عزّ وجلّ:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ(2) .
وقال سبحانه أيضاً:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(3) .
فولادة الرسول محمد (ص) وأهل بيته وبعثه وإرساله ونزول القرآن المعجزة الخالدة عليه واتباع هذا النور الذي أُنزل معه، كل ذلك رحمة للعالمين وشفاء للمؤمنين، فبالإيمان والتدبر والعمل نحقق السلامة والظفر في الدنيا والنجاة من العقاب والفوز بالثواب في الأخرة، يقول سبحانه :
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(4).
ولهذا، فإن القرآن الكريم يجب أن يأخذ مكانه من حياة المسلمين، ويكون في قلبها وصميمها لا على هامشها، وعلى الجميع أن يجعلوه قدوتهم وأسوتهم، وأن ينفذوا كل أوامره، وأن يتخذوه إماماً وقائداً ومنهاجاً وطريقة حياتهم وطبيعتها فهي بالتأكيد منسجمة معه.
ولا بد أن نشير هنا إلى تأكيد علمائنا الأبرار ومراجعنا العظام في الحث على تلاوة القرآن والتدبر فيه والتفكر في آلائه، لا سيما سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي (دام ظله) إذ يقول في إحدى توصياته وإرشاداته: «يجب التدبر في القرآن، أي التفكر في أعماق الآيات وفيما يريده القرآن».
انطلاقاً من الذي ذكرناه قامت جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد بدورها في تأليف وإعداد هذه المجلة (مجلة هدى القرآن) الغنيّة بالموضوعات القرآنيّة من مفاهيم وتفسير وأخلاق وقصص ومفردات وحوارات واستفتاءات وعلوم قرآنيّة وغيرها من العناوين المفيدة لتسهيل وتعبيد الطريق أمام كل من يريد أن يتعرّف على القرآن من أجل التدبر والوصول إلى التطبيق والعمل.
نسأل الباري عزّ وجلّ أن يوفقنا للوصول إلى الهداية من خلال ذلك، إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين
رئيس التحرير
 


(1) - سورة محمد(ص)، الآية: 24.
(2) - سورة ابراهيم(ع)، الآية: 1.
(3) - سورة الإسراء، الآية: 82.
(4) - سورة الأعراف، الآية: 157.

 

   القرآن والقادة

 كلام الإمام الخميني (قدس سره)


 كتاب الله وقصته في التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله (ص): «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

الحمد لله سبحانك، اللهم صل على محمد وآله مظاهر جمالك وجلالك وخزائن أسرار كتابك الذي تجلى (1) فيه الأحدية (2) بجميع أسمائك (3)، حتى المستأثر منها الذي لا يعلمه غيرك، واللعن على ظالميهم من أصل الشجرة الخبيثة ... وبعد.

أرى مناسباً أن أقدم ـ تذكيراً ـ نفحة قاصرة عن الثقلين (4) لا من حيث المقامات الغيبية والمراتب المعنوية والعرفانية، فبيان من هو مثلي أعجز من أن يتجرأ على الحديث عن مقامات عرفانية أحاطت بكل دائرة الوجود من الملك (5) إلى الملكوت الأعلى (6) ومنه إلى اللاهوت (7)، وان ما لا يصل إلى فهمي وفهمك هو ثقيل تحمله، فوق الطاقة إن لم أقل يستحيل، ولا من حيث ما أصاب البشرية لهجرها حقائق المقام العالي للثقل الأكبر والثقل الكبير الذي هو الأكبر من ما سواه عدا الثقل الأكبر وهو الأكبر المطلق.

ولا من حيث ما أصاب الثقلين على يد أعداء الله والطغاة المكرة مما يصعب إحصاؤه على من هو مثلي لمحدودية الاطلاع والوقت، ولكني رأيت مناسباً أن أذكّر بإشارة عابرة مقتضبة لما جرى على الثقلين، ولعل في عبارة «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» إشارة إلى أنَّ كل ما ألمّ بأي من الثقلين بعد الوجود المقدس لرسول الله (ص) قد أصاب الثقل الآخر أيضاً وإن هجر أي منهما للآخر، حتى يرد هذان المهجوران الحوض على رسول الله (ص)، وهل أن هذا الحوض هو مقام اتصال الكثرة بالوحدة (8) واضمحلال القطرات في البحر، أم هو شيء آخر لا سبيل للعرفان والعقل البشري إلى إدراكه.

وينبغي القول: إنَّ ما أصاب وديعتيّ الرسول الأكرم (ص)، من ظلم الطواغيت هو ظلم للأمة الإسلامية، بل للبشرية جمعاء، يعجز القلم عن تبيانه، ويلزم التذكير هنا بأن حديث الثقلين(9) متواتر(10) بين جميع المسلمين، وقد روته كتب أهل السنة، الصحاح الستة (11) وغيره، عن الرسول الأكرم (ص)، بألفاظ متعددة وموارد متكررة، فوصل حدّ التواتر.

فهذا الحديث حجة بالغة على البشرية جمعاء ولا سيما المسلمين بمختلف مذاهبهم فهم مسؤولون جميعاً عن ذلك بعد أن تمّت الحجة عليهم، وإنْ كان هناك من عذر للعامة بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم، فلا عذر لعلماء المذاهب.

ولنر الآن ما جرى على القرآن ـ هذه الوديعة الإلهية، وتركة رسول الإسلام (ص) ـ  لقد شرعت نوائب مفجعة حرية أن يُبكى منها دماً بعد استشهاد الإمام علي (ع)، فقد استغل عبّاد الأنا والطواغيت القرآن الكريم، واتخذوه وسيلة للحكومات المعادية للقرآن، وأبعدوا مفسري القرآن الحقيقيّين والعارفين بالحقائق الحقة ـ ممن تعلموا القرآن كله من الرسول الأكرم (ص) - أبعدوهم بذرائع شتى، وبالقرآن، وبمؤامرات معدة من قبل، في وقت لم يزل فيه نداء «إني تارك فيكم الثقلين»، مدوّياً في أسماعهم، وفي الحقيقة فقد أخرجوا القرآن ـ الذي كان وما يزال الدستور الأعظم لحياة البشر وشؤونهم المادية والمعنوية حتى يردوا الحوض ـ من الميدان، وأبطلوا حكومة العدل الإلهي وهي أحد أهداف هذا الكتاب المقدس، وأسسوا أسس الانحراف عن دين الله وكتابه والسنّة الإلهية، فبلغ الأمر حداً يخجل القلم عن تبيانه.

وكلما ارتفع هذا البنيان المنحرف إزداد الانحراف، فقد عطلوا القرآن الكريم إلى حدٍّ بدا وكأنه لا دور له في الهداية، وهو الكتاب الذي تنزل من مقام الأحدية السامي، بالكشف (12) المحمدي التام، هدى للعالمين، ومحوراً لجميع المسلمين كافة، بل وعموم الأسرة البشرية، والسمو بها إلى ما يجب أن تسمو إليه وإنقاذها وهي وليدة علم الأسماء (13) من شرور الشياطين والطغاة.

وهو الكتاب الذي تنزّل لبسط العدل والقسط في العالم، وتسليم الحكم إلى أولياء الله المعصومين عليهم صلوات الأولين والآخرين ليفوّضوه بدورهم لمن يضمن به صلاح الإنسانية.

وبلغ الانحراف إلى درجة أن الحكومات الجائرة والخبثاء من فقهاء البلاط ـ وهم أسوء من الطغاة ـ اتخذوا القرآن وسيلة للظلم وترويج الفساد وتسويغ أعمال الظلمة والمعاندين لإرادة الحق تعالى، وواأسفاه أن القرآن ـ وهو كتاب الهداية ـ لم يعد له من دور سوى في المقابر والمآتم، بسبب الأعداء والمتآمرين والجهلة من الأصدقاء، كان الحال كذلك وما زال، فأصبح الكتاب ـ الذي ينبغي أن يكون وسيلة لتوحيد المسلمين والعالمين، ودستوراً لحياتهم ـ أصبح وسيلة للتفرقة وإثارة الخلاف، أو عُطّل دوره كلياً. وقد رأينا كيف يعتبر مرتكباً لكبرى الكبائر من ينادي بالحكومة الإسلامية ويتحدث بالسياسة، في حين أن سيرة الرسول الأعظم (ص)، والقرآن والسنة ملأى بالنصوص المعنية بدور الإسلام الكبير في الشؤون السياسية، وأصبح وصف عالم الدين بالسياسي مرادفاً لوصفه بعدم الدين وما زال هذا الوصف موجوداً. وأخيراً آل الحال إلى أن تعمد القوى الشيطانية الكبرى ـ ابتغاء محو القرآن وحفظ مطامعها الشيطانية ـ إلى طبع القرآن بخط جميل، وتوزيعه على نطاق واسع وتنفذ ذلك بأيدي الحكومات المنحرفة التي تتظاهر بالإسلام زيف، وهي بعيدة عن تعاليمه، وبهذا المكر الشيطاني تعطّل القرآن.

وقد رأينا كيف أن محمد رضا بهلوي (14) طبع القرآن فاستغل به البعض، وكيف امتدحه قلة من رجال الدين جاهلة بالأهداف الإسلامية.

نحن نفخر، ويفخر شعبنا المتمسك بالإسلام والقرآن بأننا أتباع مذهب يهدف إلى إنقاذ حقائق القرآن ـ المتمثلة إلى الدعوة بين المسلمين، بل البشرية ـ من المقابر باعتبارها أنجع علاج منقذ للإنسان من القيود المكبلة لرجليه ويديه وقلبه وعقله، والسائقة له إلى الفناء والعدم والرق والعبودية للطواغيت.

 

 منهجية الثورة الإسلامية ـ ص79.


(1) - التجلي: إنَّ العرفاء والفلاسفة الإسلاميين يسمون انكشاف حقائق أنوار الغيب على القلوب الصافية النقية بالتجلي.

(2) - الحضرة الأحدية: يعبر العرفاء عن المتعين الأول في المراتب الإلهية بالحضرة الأحدية ثم تكون مرتبة الألوهية والواحدية.

(3) - الأسماء: عالم الأسماء هو عالم الحقائق التي تلازم واجب الوجود، فالمقصود من الأسماء ليس هو لفظ العالم والقادر بل المسمى بالعالم والقادر، وأما الألفاظ هذه هي أسماء الأسماء.

(4) - الثقلين: هي مثنى«الثقل»،والثقل في شرح الأحاديث وتفاسير القرآن له معان مختلفة، منها: الميراث الثقيل والشيء الكبير، والشيء الثقيل، والشيء الثمين، والأمانة النفيسة والغالية وغير ذلك من معانٍ والمقصود منها في حديث الثقلين هو: القرآن وعترة رسول الله (ص).

(5) - الملك: إنَّ الملك هو الشيء المادي العنصري المحسوس، ويقال عالم الملك لعالم الشهادة الذي هو العالم الطبيعي المشهود الجسماني.

(6) - استدلّ الفلاسفة والمتكلمين على ضرورة وجود عالم يفصل بين عالم الطبيعة أي «عالم الملك» وعالم الألوهية أي «اللاهوت» وان عالم الملكوت هذا هو عالم مجرد من المادة والزمان والمكان بشكل مطلق ، واعتبر الحكماء العرفاء أن للملكوت مرتبتين هما: المرتبة الأولى عالم ولادة العقل الإنساني بينما اصطلحوا على تسمية المرتبة السفلى بـ «الملكوت الأسفل» واعتبروها عالم المثال أي الخيال.

(7) - اللاهوت: إنه مقام الواحدية ومقام الجامع باعتبار جامعيته للأسماء والصفات.

(8) - الكثرة: في الفلسفة هي سلسلة مراتب الموجودات وتنوّع ظواهر الوجود المادية وغير المادية، والوحدة: هي الذات الإلهية التي هي منشأ ومبدأ صدور الوجود كلّه وجميع الكائنات لذا فإنَّ مقام «اتصال الكثرة بالوحدة» هو مقام ومرتبة أخروية، وهو فوق الكثرة وذيل الوحدة وواسطة صدور الكثرة عن الوحدة، وحيث كان عند بدء الخلق، وعودة واتصال الكثرة بالوحدة يكون عند نهاية العالم.

(9) - حديث الثقلين من الأحاديث المعروفة، رواه أشخاص كثيرون عن النبي (ص)مباشرة.

(10) - التواتر: إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وهو اصطلاح أهل الحديث. وكثرة مصادر ورواة هذا الحديث من طريق السنة أمر ملفت، ويستنبط من هذا الحديث ومن نظائره أمور مهمة منها:

أ ـ كما أن القرآن باق بين الناس إلى يوم القيامة، فعترة النبي «ص» أيضاً ستبقى إلى يوم القيامة، أي أن الأرض لا تخلو في أيّ زمان من موجود إمام وقائد حقيقي.

ب ـ إن الرسول «ص» بإرشاده للمسلمين إلى اتباع هذين الثقلين والأمانتين العظيمتين أمّن لهم جميع احتياجاتهم العلمية والدينية، وهداهم إلى أن أهل بيته هم المرجع لاكتساب العلم والمعرفة.

ج ـ لا يحق لأي مسلم أن يخرج من ظلّ إرشادهم وهدايتهم.

د ـ جميع العلوم اللازمة والحاجات الدينية للناس موجودة عند أهل بيته (ع).

هـ ـ إذا أطاع الناس غير أهل بيته (ع) ولم يتمسكوا بهم، فإنهم سيضلوا.

(11) - هذه الكتب هي:

أ ـ صحيح البخاري.        ب ـ صحيح مسلم.

ج ـ سنن ابن ماجة.         د ـ سنن ابن داوود.

هـ ـ جامع الترمذي.         وـ سنن النسائي.

(12) - الكشف: هو زوال الحجاب والوقوف على ما وراء الحجاب من حقائق الاشياء.
(13) - «علم الأسماء» نوع من العلم والمعرفة يهتم بشؤون القدرة العلمية للموجود الإنساني، والمقصود هو الإنسان وهو وليد علم الأسماء، وعلم الأسماء هو علم عرضه الله سبحانه وتعالى على الإنسان ليصبح أهلاً للخلافة على الأرض، ولو لم يعلّم الله هذا العلم لآدم لما أصبح أهلاً للخلافة على الأرض.
(14) - محمد رضا بهلوي هو آخر ملك في السلسلة البهلوية، ولد في شهر تشرين الأول عام 1919م، أبوه رضا خان، قام بمؤامرة استلم على أثرها السلطة، وجعل ابنه محمد رضا ولي عهد له، بعد إتمام دراسته الأولى، غادر محمد رضا إلى سويسرا لإكمال دراسته، وبعد عودته التحق بالكلية العسكرية، وفي عام 1941م قام الحلفاء بعزل رضا خان ونفيه وتعيين محمد رضا ملكاً محله.

 

   القرآن والقادة

 كلام سماحة الإمام القائد الخامنئي (دام ظله) في ضيافة الأنس بالقرآن

 بسم الله الرحمن الرحيم
 ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بإذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الَعَزِيزْ الحَمِيدِ.

 الحضور: جمعٌ كبيرٌ من المتفوقين وحفاظ القرآن الكريم.

 

نشكر الله تعالى على توفيقه بأن أطال من عمرنا بفضله ولطفه لكي نتمكن مرّة أخرى من المشاركة في هذه الجلسة – التي هي جلسة شديدة العذوبة والتأثير والفائدة – وأن نستفيد من تلاوة الآيات القرآنية الكريمة بواسطة قرائنا الأعزاء. وهذا العبد يعدّ هذه النعمة الكبرى – التي هي في الواقع نعمة التنامي المضطرد لمحبة القرآن في مجتمعنا – نعمة لعلّه لا يوجد ما يعادلها. كان اجتماعنا اليوم اجتماعاً ممتاز، فالقرّاء المحترمون، سواءٌ منهم أساتذة القرّاء الذين تفضّل بعضهم اليوم بالتلاوة، أو الشباب الأعزاء الذين دخلوا في هذا الوادي تشعرنا بأنّ استعداداتهم الجيّدة وأصواتهم الحسنة وميولهم الجيدة تبشّر بمستقبل أفضل للبلد. وها أنّ الله تعالى قد أعطانا هذه النعمة. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (1)، فإنّها لنعمةٌ عظيمةٌ بأن يجعل الله الإيمان بلوازمه محبوباً لدى شعبنا ويزينه في قلوبنا. لو أردنا أن نستفيد من القرآن بالمعنى الحقيقي للكلمة فعلينا أن نتعرّف على معارفه ومفاهيمه. فهنا تكون التلاوة والحفظ والأنس بالقرآن لمساعدتنا في هذا المجال. ولو لم يكن موضوع دراسة القرآن لما تمت توصيتنا بهذا المستوى بتلاوته. فعلينا أن نلتفت إلى أنّ الهدف ليس إيجاد هذه الأمواج الصوتيّة وبثها في الأجواء. فليس هذا هو الهدف. كما أنّه ليس الهدف أن نلتذّ بالصوت الحسن لمن يقرأ القرآن بلحنٍ جميلٍ مثلما يحدث عند إنشاد الشعر. فهذه جميعاً مقدّمات لفهم معارف القرآن: التلاوة، وما يشيع التلاوة في المجتمع كالصوت الحسن واللحن الجيّد وما يُعدّ من عناصر ترويج التلاوة في المجتمع وترغيب النفوس بها. ولفهم معارف القرآن دراجات. أوّلها: ما يحصل من التأمل في الفاظ القرآن وترجمته. وعندما نقول «المعارف القرآنية. «فلا يعني أنّ هناك أبواباً مغلقة ومشفّرة لا يمكن لأحد أن يصل إليها. هناك معارف عالية لا يمكن لأيدي أمثالنا أن تصل إليها، ولكن هناك الكثير من المعارف يمكن لنا – نحن الأشخاص العاديين - أن نفهمها ونستفيد منها بشرط أن نتوجه إلى هذا الكلام وهذا البيان. وفي هذا المجال آيات قرآنية كريمة كثيرة، وهي تمثّل دروس حياتنا. منها على سبيل المثال هذه الآية الشريفة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً (2)، فهذا درسٌ واضحٌ لحياتنا ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ (3)، إذا نقضتم أو نكثتم بالعهد الذي أبرمتموه مع النبي والإسلام ونقضتم البيعة التي مع الله فإنّكم تكونون بذلك قد عملتم خلاف مصلحتكم، ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ (4)، فنقض البيعة مع الله والرسول (ص) تنقلب علينا ولا تؤثر في الله ورسوله أو تضرهما شيئاً. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً(5)، أما إذا وفينا بهذا العهد الذي عاهدنا عليه الله والنبي نكون قد عملنا لمصلحتنا وسوف ننال ثواباً عظيماً من الله المتعال. وهذا الثواب لم يُذكر أنّه في الآخرة أو في الجنة وإن كان قسمه الأعظم بالطبع في الآخرة، ولكن هذا الثواب هو في الدنيا أيضاً. ففي الدنيا سوف ننال هذا الأجر. وهذه الآيات من سورة الأحزاب المباركة التي تلاها علينا أحد الإخوة أو لعلّه مجموعة من الإخوة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (6)، وهذا الصدق هو هذا: صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أي أنهم التزموا بصدق بالعهد الذي عاهدوا اللّه عليه والوعد والميثاق الذي أبرموه مع الله والتزموا به ولم تحرفهم عنه مصاعب الحياة وزخارف الشهوات الدنيوية. ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ (7)، وبسبب هذا الصدق والالتزام بهذا الوعد والعهد الإلهي فإن الله سيجزيهم. فهذه معارف يمكن فهمها بمراجعة ظاهر القرآن. وإن كان وراءها معارف أسمى وأعلى بوجه مسلّم. ومما يمكن للخواص وعباد الله الصالحين أن يفهموه ومما لا تناله أفهامنا إلاّ عبرهم. فمن المسلّم وجود مثل هذه الأمور حيث ذكر أن للقرآن بطوناً. يوجد العديد من الروايات التي تذكر أن للقرآن ظاهراً وباطناً وأسراراً وأعماق، كالبحر الذي له ظاهرٌ وهو ما نسميه بالماء أو البحر، ولكن لا ينحصر الأمر بظاهره فله أعماق وفي أعماقه حقائق وأشياء، فهذا من المسلّمات. ولكن يمكننا أن نستفيد أيضاً من هذا الظاهر. لكن بأي شرط ؟ بشرط الدقة والتأمل. إنّ ما ذكرناه مكرراً – لعدّة سنوات ونحن نذكره ولحسن الحظ أثمر حيث يرى المرء أثره – نذكره مرة أخرى هنا: أنتم الذين تتلون هذه الآية تعرّفوا على معناها بوجه صحيح. ذاك المعنى الذي يمكن للعارف بالعربية أن يفهمه. وإذا حصل هذا الفهم فحينئذٍ وأثناء التلاوة يعطي المجال والإمكانية للتدبر. أي أنّه يمكن للمرء حينها أن يتدبر. وأنا أقول لكم أننا عندما نعرف معنى الآية، فإنّ نفس هذا الفهم لمعناها سيوجّه لحن من يمتلك الصوت واللحن والتلاوة. إذا كنا نعرف ماذا نقرأ، فلا يلزم عندها أن نتطلع إلى فلان القارىء المشهور مثلاً عندما يقرأ هذه الآية لنرى متى يخفض ومتى يرفع ومتى يرقق ومتى يشدّد. كلا، فلا لزوم لمثل هذا. إذا فهمنا المعنى فإنَّ نفس هذا المعنى سوف يهدي صوت من يمتلك صوتاً مناسباً قابلاً للَّحن والتناغم. فمثل هذا سيمنحنا لحناً كما يحصل في الحوارات العادية، فأنتم عندما تتحدثون في العادة ينخفض صوتكم أحياناً ويرتفع ويهدأ ويشتد ويتقطع ويتمركز. ولا يكون هناك أي نوتة معدة مسبقاً وإنما يكون ذلك طبق أحاسيسكم وغريزتكم، فلو فهمتم معنى الآية القرآنية هكذا فإنَّ نفس هذه الغريزة سوف تعينكم على الأداء، وأين ينبغي أن تقرأوا بتمهّل وأين تقفون ومتى توصلون ومتى تبدأون. فالتمكن من الآيات القرآنية يعطي الإنسان هذا الفن. ولا شك بأنَّ هناك من يفهم آيات القرآن لأنهم عرب ويعلمون ترجمة الآية جيّداً. فهم عرب، ولكن المرء يرى كأنهم لا يقرأون بالالتفات إلى المعنى. ومن القرّاء المصريين المعروفين هناك من يقرأ كأنه كلّف بنصٍّ عليه قراءته من أوله إلى آخره دون أن يكون بقصد تفهيم المخاطب. هذا ما يشاهده المرء في بعض القرّاء ولكن البعض غير ذلك. فإنّ قراءتهم تشبه مخاطبة الغير، ويجب أن تكون تلاوتكم كذلك. وللأسف، فإنَّ أكثر شعبنا قلّما يستفيدون بشكل مباشر من ألفاظ الآيات القرآنية الكريمة. فأكثرهم لا يعرفون العربية. وهذا يُعدّ حرمان، ولهذا تمّ فرض تعلّم اللغة العربية التي هي لغة القرآن في قوانيننا كل ذلك لأجل هذا الأمر. فلو أردنا في الحقيقة أن نفهم معاني القرآن، فيمكن للأشخاص العاديين الذين لا يعرفون العربية مراجعة التفاسير أو الترجمات. ولحسن الحظ يوجد اليوم ترجمات جيّدة، ففي بلدنا هناك أشخاص بذلوا جهوداً لتقديم ترجمات جيّدة. وعلى أيّ حال فإنني أوصيكم أيها الإخوة الأعزاء الذين تتلون القرآن بصوت حسن أن تلتفتوا إلى هذه النقطة: وهي أن تقرأوا القرآن بالتوجه إلى المعنى، فاقرأوه بطريقة وكأنكم تخاطبون في المقابل شخصاً بواسطة لغة القرآن. ولو حصل ذلك، فإنكم حينها ستنتفعون بقراءتكم وينتفع الناس بالاستماع إلى القرآن وسماع تلاوتكم. أملنا إن شاء الله أن يوسع الله تعالى - يوماً بعد يومٍ - دائرة فهم القرآن والاستفاضة منه وفهم معارفه بين شعبنا وأمتنا ويجعلنا من المحظوظين أكثر من الحظوظ والبركات القرآنية. وإنني أوصي بهذا حتماً وهو أن يعمل أصدقاؤنا القرّاء على ترجمة القرآن بحيث يصبح لهم في الواقع تسلط على الترجمة ولا شك بأن حفظ القرآن في هذا المجال مهمٌ جداً. وإن شاء الله توفقون وتؤيدون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 (1) - سورة الحجرات، الآية: 7 .

 (2) - (3) - (4) - (5) - سورة الفتح، الآية: 10 .

 (6) - سورة الأحزاب، الآية: 23 .

 (7) - سورة الأحزاب، الآية: 23 .

 

   القرآن والقادة

كلمة سماحة الأمين العام لحزب الله
حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصرالله
هذا الكتاب هو للبشرية جمعاء
في حفل اختتام المسابقة السنوية السادسة لحفظ وتلاوة وتفسير القرآن الكريم  والتي أقيمت لمناسبة الولادة الميمونة لرسول الله الأعظم محمد بن عبد الله(ص)
 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، وصحبه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والشهداء من المجاهدين في سبيل الله منذ آدم إلى قيام يوم الدين. الإخوة والأخوات جميعا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أولا أبارك للإخوة والأخوات هذه الأيام وهذه الذكريات العزيزة والمجيدة والعطرة والتي ما زلنا نعيش في أجوائها وطيبها ذكرى ولادة رسول الله  الأعظم وخاتم النبيين محمد (ص)، وذكرى ولادة حفيده الجليل والعظيم والمبارك الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، وأيضا الذكرى التي تطل علينا هذه الأيام والتي هي أيضا من بركات هذا النبي العظيم وهذا الرسول الكريم وهي ذكرى انتصار المقاومة والجهاد والشهداء والتضحيات في لبنان في25 أيار 2000م، أنا أبارك أولاً: هذه الذكريات للإخوة والأخوات جميعا. ثانياً: أود أن نتوجه بالشكر إلى جمعية القرآن الكريم إلى كل الإخوة والأخوات فيها والقيمين عليها والعاملين في صفوفها لما يبذلونه وعلى ما يبذلونه في خدمة هذا الكتاب الإلهي المقدس في تحفيظه وتجويده وتعليمه وتفهيمه وتفسيره ونشر قيمه ومفاهيمه بين الناس وخصوصا في جيل الشباب الذين هم أحوج وأليق وأكثر قابلية واستعداداً لتلقي وقبول التفاعل مع هذه المفاهيم والقيم والتعاليم، والأكثر استعداداً للتفاعل معها لأسباب كثيرة، هذه الجهود هي جهود مشكورة ومباركة، إن شاء الله، وجهود يعوّل عليها الكثير من الآمال والنتائج لأننا نحن بحاجة إلى هذا الجيل القرآني، يمكن أن نتكلم بهذا بعد قليل. أيضا أود أنْ أتوجه بالشكر إلى الإخوة رئيس وأعضاء المجلس البلدي في بلدية الغبيري على دعمهم ومساندتهم ومساهمتهم، ليس فقط في هذا الحفل وهذا المشروع، وإنما في مختلف المشاريع التي تقيمها جمعية القرآن أو الجمعيات الأخرى، والتي تهتم بالمسائل الثقافية والفكرية والروحية والأخلاقية، وهذا بالتأكيد هو جزء مهم من المسؤولية الملقاة على عاتق المجالس البلدية. يجب أن أنوه أيضا بجميع الإخوة والأخوات من الشباب والشابات والفتية والفتيات الذين يشاركون في هذه الأنشطة ويشتركون في هذه الدورات وفي هذه البرامج وفي هذه المشاريع سواء على مستوى التجويد أو الحفظ أو التفسير وإقبالهم ومحبتهم واهتمامهم لكتاب ربهم، هذا أمر يجب أن ينوّه به ويجب أن يقدم له مظاهر التبجيل والتقدير خصوصاً أننا في عالم وفي بلد ما يستهوي فيه الشباب والفتية هو أمور أخرى، بالتأكيد أمور أخرى تضر بحياتهم وبعقولهم وبأرواحهم وبآخرتهم قبل كل شيء، أن نجد جمعاً من الشباب والشابات والفتية والفتيات مقبلاً على القرآن ومحباً للقرآن ومتفاعلاً مع القرآن هذا أمر جدير بالاعتزاز والافتخار لأهلهم ولعائلاتهم ولنا جميعاً، وأن نعبر لهم عن تقديرنا واحترامنا لهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديهم ويثبتهم على دينه ويختم لهم بخير ويجعلهم من أوليائه وعباده الصالحين إن شاء الله.

في محفل القرآن الكريم أنا أود أن أقول بعض الكلمات وليس في نيتي الإطالة عليكم، خصوصاً أنَّ البعض أو الأغلب قد يكون أو قد كان منشغلاً بهذا البرنامج من الصباح الباكر، والوقت والحفل لا يحتمل الكثير من الكلام، ولكن لا بد من الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن الإسلام من خلال القرآن، من خلال رسول الله (ص) وما نقله أئمة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وما هو موجود في كتب المسلمين عن الصحابة والمهاجرين والأنصار والصدر الأول في تاريخ الإسلام، التأكيد والاهتمام الكبير بهذا الكتاب الإلهي بدرجة أولى، لأنَّ هذا الكتاب لم ينزل لجيل دون جيل، ولا لزمان دون زمان، الكتب المقدسة السابقة كانت كتباً لأجيال محددة، لأزمنة محددة، لأقوام محددة، أما هذا الكتاب فهو للبشرية جمعاء، وهو للناس في كل زمان وفي كل مكان وإلى أي أمة وإلى أي لغة وإلى أي جنسية وإلى أي مكان انتموا. منذ اللحظة التي نزل فيها على قلب رسول الله محمد (ص) هذه الآيات نزلت لتشكل هذا القرآن الذي من صفاته صفة الخلود والبقاء والاستمرار، الخلود بمعنى خلود معانيه وقيمه وتعاليمه ومفاهيمه وأحكامه، والخلود  بمعنى خلود واستمرار وبقاء قدرته على التربية وعلى الاستنهاض وعلى التزكية وعلى التحريك وعلى البناء، يعني قدرة التأثير قدرة الفعل قي الإنسان إلى قيام الساعة، لأن البناء الأول والأساس هو في أن هذا القرآن هو قرآن خالد وباقٍ وله موقع الصدارة وموقع القيادة وموقع الهداية وموقع الدلالة، أمرنا جميعاً بأن نتعرف عليه وأن نتلوَه وأن نجوّدَه وأن نرتله وأن نحفظه وأن نصونه وأن نتعاطى معه حتى بقداسة على المستوى الروحي والسلوكي والأخلاقي. السلوك الشخصي كانت هناك مراسم كما يقال: بروتوكولات خاصة لتلاوة القرآن ولمجلس القرآن من واجبات ومن مستحبات ومن محرمات ومن مكروهات يجب أن تراعى عندما يجلس الإنسان بين يدي القرآن، ليتلو آياته كل هذا الاهتمام وكل هذا التأكيد هو تعبير في الحقيقة أو نتيجة لعظمة القرآن ولقداسة القرآن ولخلود القرآن ومن هنا المسؤولية تجاهه. لكن، حتى عندما نتحدث عن القراءة والتجويد والترتيل والحفظ وصولاً إلى التفسير والتدبر والتفهم لمعانيه، هذه كلها في الحقيقة هي مقدمة، هي مقدمة للعمل، هي مقدمة للسلوك، هي مقدمة للالتزام، هي مقدمة للصياغة لأن يصيغ الإنسان أو يصوغ الإنسان نفسه وعقله وروحه وقلبه صياغة قرآنية، لتتجسد فيه آيات وكلمات القرآن وتعاليم القرآن، ولذلك، كما أننا نهتم بالمقدمة، وهي حفظ وقراءة وتلاوة وتجويد وصوت حسن ومراسم وبروتوكولات، وهذا مهم جداً ويجب التأكيد عليه. يجب أن لا نمضي أو نشغل أيامنا وحياتنا كلها في المقدمة، ونغفل عن ذي المقدمة، نغفل عن الهدف عن الغاية الأساسية وهي أننا في الحقيقة من خلال الحفظ والتلاوة والصيانة والتفسير والتدبر والتعلم نتعرف على القرآن، وإنما نتعرف عليه لنتبعه لنصغي إليه بأصول آذاننا وأصول قلوبنا، ونمشي خلفه دائماً خلف كلماته لأنه هو دليل الهدى ودليل الحق في هذه الحياة، هذا ما يجب أن نؤكد عليه في هذه المناسبة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(1)، طيب التلاوة مفهوم، ولكن حق التلاوة ما هو؟ سئل رسول الله (ص) عن معنى حق التلاوة؟ فقال: «يتبعونه حق اتباعه ». إذن حق التلاوة هو حق الاتباع، الاتباع الحقيقي في أعلى درجاته وأعلى مراتبه، وفي نفس هذا السياق الإمام الصادق (ع) يقول في تفسير حق تلاوته يتلونه حق تلاوته يقول الإمام (ع): «يرتلون آياته ويتفهمون معانيه ويعملون بأحكامه ... »، هذا حق التلاوة وأحد ترتيل الآيات، والترتيل يعني تبيين الكلمات، عندما يقرؤون الآية ويتفهمون معانيه ويعملون بأحكامه ويرجون وعده، عندما يرد وعد في القرآن عن الجنة عن النعيم عن الخلود عن الحياة الهانئة أو عن النصر عن البشرى عن المجد عن الكرامة عن العزة حتى في الحياة الدنيا، هم يرجون وعده لأن وعد القرآن هو وعد الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف الميعاد، لأن الله لا يخلف الميعاد يرجون وعده ويخشون عذابه، فهم يخافون النار وما أعد في النار للأشرار، ويحذرون مما حذرهم الله سبحانه وتعالى، هم ليس فقط علاقتهم بالوعد أو بالعذاب ليست علاقة من يقرأ أي قصة أو أي كتاب، وإنما هي علاقة تفاعل عاطفي أو نفسي، هنا يحصل رجاء وشوق ولهفة هناك يحصل خوف وقلق وخشية. الكلمات ترتب أوضاعا عاطفية ونفسية وترتب مشاعر وترتب قناعات، وهذا يؤسس للعمل وللسلوك «ويتمثلون قصصه» في القرآن الكثير في القصص ذات العبرة، لأن القصة في القرآن هي للعبرة للعظة، وليس لمجرد أن تقال قصة أو ليملأ وقت الفراغ أو للتسلية، والكثير من هذه القصص فيها عبر، قصص الأنبياء وأقوام الأنبياء والمجاهدين والمضحين والمنافقين والمتخاذلين والمترفين ووو... إلى آخره. قصص الأغنياء والفقراء من فرعون وهامان إلى موسى وهارون (عليهما السلام) إلى قارون إلى كل من وردت قصصهم في القرآن الكريم، وكلها تضج بالعبرة وبالعظة وبالامتثال والاتعاظ لنا، نحن الذين نعيش في الحياة الدنيا وتتكرر هذه المشاهد وهذه التجارب أمام أعيننا ولكن بأسماء جديدة بأشكال جديدة ولكن بمضمون واحد كما يقولون التاريخ يعيد نفسه، اسم فرعون تغير، ولكن الفرعونية هي موجودة الآن، ما عندنا قارون عندنا قوارين - إذا صح الجمع -  الآن إذا أتيت بإنسان غني وتقول له وهو يعجب بغناه وما آتاه الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ(2) هو لا يكون عنده «من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة» يكون عنده قليل من المال و(حاطط) في جيبه دفتر شيكات و(مظبط شبوبيتو) نقول له: اشكر الله، لا تعصِ الله فيما أنعم عليك. يقول ما علاقة الله بذلك؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي(3) أنا بعرق جبيني، أنا تعبت واشتغلت وكافحت وسافرت واغتربت وعملت وسويت حتى وصلت إلى هنا، ما في قارون، ما شاء الله، شو في «فيتمثلون قصصه ويعتبرون أمثاله» ما ورد فيه من أمثال وحكم «ويأتون أوامره» يعني يلتزمون بأوامر القرآن «ويجتنبون نواهيه» ويجتنبون ما نهى القرآن عنه، هذا يعني أن حق التلاوة هو كما قال رسول الله (ص): «حق الاتباع» ما قاله الإمام الصادق(ع): هو تفسير وتفصيل لحق الاتباع وهذا ما نحن في الحقيقة أيها الإخوة والأخوات مطالبون به. القرآن ليس كتاباً نقرأه لنزيد معلوماتنا، القرآن هو كتاب يجب أن نتفاعل معه عاطفياً وشعورياً وقلبياً، لذلك، هو ربيع القلوب، وليس فقط يكثّر المعلومات في الذهن القرآن، العلاقة مع القرآن تؤدي إلى صفاء الروح وإلى نماء القلب وإلى قوة النفس وإلى انفتاح آفاق العلم أمام العقل، وبالتالي العلاقة مع القرآن يجب أن تكون علاقة تفاعل وعلاقة اتباع وعلاقة اهتمام وعلاقة حب وعلاقة عشق، وهذا طبعاً ما يجب أن نعالجه نحن في أنفسنا، يعني الآن إذا في واحد أحياناً في بعض الأفكار قد تحكيها بالجمل العامة، قد لا يستبين أمرها جيداً. الآن إذا الإنسان لديه حبيب، نخفف الحكاية لا نقول لديه حبيبة مثلاً، إذا إنسان بحب إنسان آخر، مثلاً أنت الآن إذا يقال لك وأنت تحب رسول الله (ص)، ويقال لك وُجد في الشمال أو بآخر الجنوب رسالة أو أثر أو أي شيء له صلة مباشرة برسول الله (ص) ألا تذهب إليه بلهفة، تراه ما هو تلمسه تتبارك به، إذا كان لديك حبيب، حبيب - عن جد - تحبه تشتاق إليه، يربطك به علاقة حب وثيقة وحقيقية، وبعث لك رسالة تقرأ الرسالة مرة لا، كلما تتذكره تفتح الرسالة، لما تقرؤها تقرؤها بلهفة بشوق، كأنَّ حبيبك حاضر أمامك ويخاطبك، بالنهاية ليس كل ما تقرؤه تقرؤه بحب وذوق وشوق وعاطفة ولهفة. هذا كتاب الله هذا كلام الله، هذا كلام الله اليقيني لأنه لا يوجد نقاش بين المسلمين بأنَّ هذا كلام الله عزّ وجلّ، يعني ما يسمونه بقطعي الصدور هذا كلام صادر عن المولى عز وجل، الله خالق السماوات والأرض، ربّ العالمين، من بيده ملكوت السماوات والأرض، هو يقول هذه الكلمات، ووضعها بين يديك لتقرأها بين الحين والآخر في كل يوم وفي كل ساعة، ما هي علاقتك النفسية معها هل تشعر بأنَّ هذا كلام هو كلام الله كلام خالقك ومالكك وولي أمرك وحبيبك ومن بيده ناصيتك؟ هذا متوفر أو غير متوفر هذا جانب. من الجوانب التي نحتاج أن نركز عليها في الحقيقة، شيء أخير أود أن ألفت أيضاً إليه في الحقيقة لما الإمام عليه السلام يقول: «ويتفهمون معانيه» لأن تفهم المعاني والتعرف على المقصود القرآني هو المقدمة للعمل، يعني إذا أفهم أنا من الآيات أنه يجب أن أمشي في هذا الطريق فأنا أمشي في هذا الطريق، لو فهم شخص آخر أنَّ عليه أن يمشي في ذلك الطريق فهو يمشي في ذاك الطريق، الفهم هو المقدمة الأخيرة للعمل وللانطلاقة وللحركة، وهنا لا يجوز أن يقصر الإنسان، ولذلك، يجب أن يكون تفهمنا لمعاني القرآن على درجة عالية من الحساسية ومن الاهتمام، لا يكون تفهماً عشوائياً أو تفهماً غير محسوب، أو تفهماً متسرعاً، لأنَّه في النهاية هذا التفهم سينبني عليه عمل، العمل ستتقرر فيه نتيجة دنيا، والأهم من نتيجة الدنيا، هي نتيجة الآخرة في موضوع تفهم المعاني، طبعاً هنا تزل الأقدام يعني هنا المسألة الرئيسية، لن نختلف في الترتيل ولا في التجويد ولا في الحفظ ولا في الكثير من هذه الأمور، هذا النوع من المقدمة، ولكن، عندما نصل إلى فهم معنى هذه الآيات ومعنى هذه الكلمات وإلى أين ترشدنا وإلى أين تريد أن تأخذ بيدنا هنا المسألة الرئيسية والحاسمة في هذا الإطار هي المحنة التي نعيشها نحن كمسلمين منذ زمن القديم والآن. الآن أيها الإخوة والأخوات أنتم تعرفون بالنهاية في العالم الإسلامي يوجد صحوة إسلامية عارمة، وأنا أقول لكم: الحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية والعودة إلى الإسلام هو أمر تجاوز قدرة المستكبرين والمتآمرين والماكرين والمخططين لقطع الطريق على عودة الأمة عن إسلامها، هذا الموضوع تجاوزوه خلص يعني مثل، في بعض البلدان الإسلامية - أنقل لكم مثلاً أنه في بعض البلدان الإسلامية - بالرغم من أنّ بعض المجموعات التي يقال أنها إسلامية ينسب إليها - حتى ما نجزم الآن ينسب إليها - أعمال قتل للنساء والأطفال والشيوخ وحرق للمزارع وللحقول وما شاكل، ويكبر هذا الأمر في الإعلام، وقد تكون هذه النسبة صحيحة أو ليست بصحيحة أنا لا أدري، ولكن، في الجو الإعلامي وفي المناخ الشعبي ينسب إليها هذا، ومفترض في ذاك البلد ولدى شعب ذاك البلد أن تؤدي هذه الممارسات المنسوبة إلى جماعات إسلامية إلى أن يبتعد الناس عن الإسلام، ويكفروا بالإسلام، ولكن، نجد النتيجة أنَّ إقبالهم على المساجد وعلى الأحكام الإسلامية وعلى الصيام في شهر رمضان وإقبال نسائهم على الحجاب واهتمامهم بالإسلام ونمو الظاهرة الإسلامية في ذلك البلد تكبر وتكبر وتكبر خارج قدرة ضبط السلطة ومن هم وراء السلطة وهذا في أكثر من بلد، يعني بالرغم من ما يعمل عليه لتشويه صورة الإسلام والمنتمين إلى الإسلام نجد أنَّ الأمة لا يردعها شيء عن العودة إلى دينها وإلى إسلامها، بالرغم من أن هناك أخطاء حقيقية تحصل ممن ينتسبون إلى الإسلام أخطاء حقيقية بل يمكن أن نقول ما هو أكثر من أخطاء في بعض الأحيان، ولكن، نجد أن اندفاع الأمة إلى الإسلام هو أكبر بكثير من كل هذه الأخطاء ومن كل هذه الحواجز، ومن كل هذه المؤامرات. (طيب) عندما نقبل على الإسلام الذي القرآن هو كتابه الخالد ، ونريد أن نفهم هذا الإسلام، وأهم مصدر لدينا لفهم الإسلام هو هذا القرآن، أهم شرط أيها الإخوة والأخوات لفهم القرآن الصحيح والصادق والمخلص والحقيقي هو أن تكون بجد طالباً للحق، يعني أنه أنا عن جد أفتش عن الحق في اهتداء الطريق في هذا الموقف في ذاك الموقف في هذه القضية في تلك القضية، سواء كانت عقائدية أو تاريخية أو أخلاقية أو فكرية أو سلوكية - شو ما كانت - أنا أبحث عن الحق وأريد الحق وأقبل الحق - شو ما كان هذه الخلفية - من يسعى بهذه الخلفية يصل لأنَّ من نظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه وعرف فيه الصدق في طلب الحق الإلهي يعني الحق، يعني ما يريده الله منه أنه أنا مثلاً يا أخي أريد أن أعرف أنه هذا الإسلام هو يدعوني إلى مقاومة الطغاة والظالمين لأنه اليوم واحدة من المشاكل - هذا الموضوع واحدة من المشاكل - أنه هناك من يدعو إلى القتال والقتال والقتال والقتال وشعاره القتال، وهناك من يدعو إلى القعود والقعود والقعود وشعاره القعود، يا أخي، ما هو الحل هل هو أن نحمل السيف على عواتقنا ونقاتل في كل مكان وأياً كان وفي أي زمان وتحت أي شعار ومن أجل أي هدف؟ أو لا طريق الحق الحل هو القعود والقعود والتخلي وأن نكون أحلاس بيوتنا ونحن لا نتحمل أي مسؤولية عما يجري في بلادنا وفي أمتنا وفي منطقتنا هنا إذا - أنا لا - أنا أبحث عن الحق والحقيقة، ماذا يريد الله سبحانه وتعالى مني؟ والله يعلم من قلبي أنني أبحث عن الحق لو كان الحق المطلوب مني هو أن أحمل سيفاً وأقاتل، الله يعلم أنني حاضر لبذل دمي، وإذا كان الحق والحقيقة الإلهية المطلوبة مني هي أن أجلس فأنا حاضر أن أجلس ولو كانت التبعات قاسية علي، عندما يعلم الله عزّ وجلّ من قلوبنا الصدق في طلب الحق يأخذ بيدنا إلى الحق يكشف عن بصيرتنا يفتح عن قلوبنا يعلمنا يهدينا يرشدنا، لكن، عندما نريد أن نفهم القرآن بخلفيات يعني مثلاً - خلي نبلش من مطرح أنا ما ضربت الأمثلة - والله أنا حركة جهادية ومقتنع بالعمل الجهادي - وخلص - ومحسومة الأمور أنه يجب أن أضع السيف على عاتقي في كل مكان وفي كل زمان أنا آتي بهذه الفكرة – وما بدّي سقِّطها بدي لبسها بدّي حملها للقرآن - وبالتالي لا تسمع مني إلا آيات القتال والجهاد ولكن، آيات السلام السلم والأمن واحترام كرامة الإنسان وحرمات الناس تنساها ولا تعود تبين هذا ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ(4) مرة لا، أنا واحد أؤيد خط القعود والتخاذل والجلوس في المنازل وعدم تحمل المسؤولية أذهب أفتش عن آية أو على رواية وأقول هذا هو، هذا هو القرآن هذا هو الإسلام تماماً - إذا أيضا بدي وضّح الفكرة أكثر - مثل أنه أنا بالفقه أريد أن أفتش عن فقيه أليس كذلك، الذي نحن نسميه مرجع تقليد فقيه أعود له بالفتوى وأنا يجب أن أتبع الموازين الشرعية من تحديد الفقيه الذي أعود له بالفتوى، مرة: أنا بدي أطيع الله سبحانه وتعالى أياً تكن الفتوى والله هذه الشغلة مثلاً هذه التجرة عاجبتني أو مش عاجبتني إذا الحكم الشرعي يقول: حرام، خلص حرام، يقول: حلال حلال ، بيروح بشتغلها، يعني موقفي النفسي خلفيتي النفسية - شو حيادية - ما عندي رغبات ما عندي خلفية ، أنا خلفيتي الطاعة للحكم الشرعي، حلال حلال حرام حرام. مرة ثانية: لا أنا - بدي إياها شو تكون حلالاً - وأفتش عن الفتوى التي تقول لي حلال لذلك، نرى أنه في واحد - يجيب عشرة رسائل عملية - ويبدأ يفتش من الذي يقول له إنها حلال ويقلّده هنا شو صار انه أنت آت –جاي - بخلفية -جاي - بموقف مسبق وبدك الفقه والحلال والحرام يركب على الموقف المسبق تبعك مع القرآن، نفس الشيء هذا الذي يسميه أمير المؤمنين عليه السلام : استنطاق القرآن يعني بدل أن نأتي ونحمّل القرآن أفكارنا المسبقة وعقائدنا المسبقة يعني واحد مثلاً طالع معه خلص الله جسم وبدو يركب له جسم بدو يعمل به يد وساق وعين وإلى آخره، يفتش في القرآن بيطلع معه ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(5) شفتو، الله له يد - الله له يد طيب - يبدأ يفتش عن آيات من هذا النوع ولكن، في آيات تقول :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(6) لا يراها لماذا؟ لأنه جاي بموقف عقائدي مسبق، نحن مطلوب نجي للقرآن لا بمواقف عقائدية مسبقة ولا بمواقف سياسية مسبقة ولا بمواقف فقهية مسبقة ولا بمواقف تاريخية مسبقة في قصة، أنا مقتنع أنه بالتاريخ القصة صارت هيك بدي حمّل القرآن هذه القصة، يا أخي القرآن يقول القصة صارت بشكل ثاني لا صارت هيك وهذا قصد القرآن ومش قصده هيك هنا المسألة الرئيسية، ولذلك، لمّا منجي للآية القرآنية الكريمة ماذا يقول؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(7) ما هو الزيغ يقول المفسرون: هو الميل عن الحق. واحد أصلاً ما بدو حق بدو يركّب البدعة تبعه، الفكرة تبعه الموقف المسبق تبعه، فيفتش عن أي كلمة يمكن أن يساعد تفسيرها على موقفه المسبق، هذا يضل عن الحق وهذا يضيع عن الحق، ما نرجوه وما نطلبه، وهذا ما أحببت أن أؤكد عليه في هذا اللقاء هو نأتي لنجلس بين يدي القرآن ليس كأساتذة وإنما كطلاب نتعلم من القرآن نستهدي بالقرآن نستنير بالقرآن هو المعلم هو القائد هو الشمس المضيئة هو القمر المنير هو المرشد هو الدليل هو الهادي، ونحن يجب أن يكون دورنا دور التفهم والتلقي بدون مواقف مسبقة وبدون خلفيات مسبقة. عندما نقيم صلة العلاقة مع القرآن الفكرية والروحية والنفسية والبحثية على قاعدة طلب الحق، طلب الحق بصدق وطلب الحق بإخلاص بدون عصبية لا لعقيدة ولا لمذهب ولا لفكر ولا لخط ولا لرجل ولا لمكان فالله سبحانه وتعالى سيأخذ بأيدينا ويوصلنا إلى هذه الحقيقة. على كل حال هذا القرآن الذي نحن اليوم في حفل من محافله المجيدة والكريمة هو صاحب الفضل الكبير علينا في ذكرى الانتصار لولا هذا القرآن لما كانت هذه المقاومة في زمن الانهيار والتخاذل والضياع العربي الذي كان سائداً سنة 1982م، البعض يقول انه ذاك الوقت كان أحسن من هذا الوقت، لا أنا أقول: هذا الوقت أحسن، ذاك الوقت يعني كان إذا واحد بدو يحكي عن المقاومة يعني عم يحكي عن شغلة غريبة مستهجنة، كانت تستهجنها الأنظمة وتستهجنها الشعوب بالحد الأدنى، الآن لا تستهجنها الشعوب تستهجنها بعض الأنظمة، هناك تطور كبير في ثقافة الأمة وفي إرادة الأمة وفي حركة الأمة باتجاه مشروع المقاومة الذي كان في الحقيقة وليد ونتيجة الانتماء إلى هذا الكتاب وإلى هذا القرآن والكل يعرف في لبنان على كل حال أن الذي جعل هذه المقاومة تستمر وتقاوم وتقدم الدماء والتضحيات خلال كل الفترة الزمنية الماضية هو إيمان هؤلاء المجاهدين بآيات الله كانوا يرجون وعده ويخشون عذابه ويأتمرون بأمره ويتجنبون نهيه فكانوا يتبعونه حق الاتباع، يعني يتلونه حق التلاوة وكان هذا الانتصار اليوم. نحن نؤكد على هذا الالتزام نؤكد على هذا الانتماء وكل تطورات العالم في المرحلة الحالية وتطورات العالم في المرحلة المقبلة أيض، تؤكد أن أساس قوتنا الذي لا يستطيع أن ينتزعه منا احد هو هن، قد يتمكن أعداؤنا من محاصرتنا قد يتمكن أعداؤنا من  شن حرب نفسية وإعلامية وسياسية وعسكرية أيضا علينا، ولكنهم قد يتمكنوا من انتزاع بعض عناصر القوة لدينا، ولكن هذا العنصر عنصر الإيمان والالتزام والثقة واليقين والتوكل الذي يملأ أرواحنا وقلوبنا وعقولنا وأجسادنا لا يمكن أن ينتزعه احد منا .. حتى فرعون هو أقصى شيء ماذا يقول للسحرة أنه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ(8) هذا أقصى شيء بيقطع لهم أيديهم وبيقطع لهم أرجلهم، لكن هل يستطيع أن يأخذ من قلوبهم هذا الإيمان الذي انفجر دفعة واحدة بين يدي موسى عليه السلام أبد، واليوم هذا الإيمان لم يعد إيمان مختصراً على نخبة وعلى فئة وعلى مجموعة أو على حي أو على مدينة هذا الإيمان ينتشر في هذه الأمة بقوة، ما نحتاجه هو بعض التصويب هو بعض التوجيه هو بعض التركيز وإلا عنصر القوة هذا حاضر بفعالية كبيرة جداً ويبشر بالكثير من الخير. اسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من الجميع ومباركة من جديد كل هذه الأيام وكل هذه الذكريات، واسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من أتباع القرآن الحقيقيين الذين يتلونه حق تلاوته ويطلبون ما عنده بصدق وإخلاص ليهتدوا يهديه ويسترشدوا برشده وأن يختم لنا بخير وأن يرزقنا شفاعة نبي هذا القرآن وآله الأطهار وأن يحشرنا معهم وأن لا يفرّق بيننا وبينهم طرفة عين أبداً في الدنيا والآخرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


 (1) - سورة البقرة، الآية: 121 .

 (2) - سورة القصص، الآية: 76 .

 (3) - سورة القصص، الآية: 78 .

 (4) - سورة البقرة، الآية: 85 .

 (5) - سورة الفتح، الآية: 10 .

 (6) - سورة الشورى، الآية: 11 .

 (7) - سورة آل عمران، الآية: 7 .

 (8) - سورة طه، الآية: 71 .

 

   التفسير والبيان

  نقاط وتأمُّلات


 

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ سورة الحجرات/ الآية 2

إذا عدنا إلى الآية السابقة نجد أنَّ الله تعالى قد نهى عن التقدّم على الله ورسوله في مقام العمل والممارسة، وفي هذه الآية يبيّن طريقة التحدث مع النبيّ (ص) ويقول: احترموا رسول الله عند التحدث عنه.
وفي الآية 63 من سورة النور كذلك أوصى الله تعالى بمراعاة الاحترام والتأدّب عند ذكر اسم النبي (ص)، ونهى عن ذكر اسمه بصورة غير مؤدّبة، وحث على ذكره بعنوانه، ومقامه عند مناداته، ومخاطبته.
إنَّ المحافظة على العمل ـ أهمّ من العمل نفسه ـ فإنَّ أعمالنا قد تكون باطلة من البداية، لكونها اقترنت بالرياء والتظاهر.
وقد تبطل في أثناء العمل وتفسد إذا طرأ عليها العجب والغرور. وقد تبطل بعد الانتهاء من العمل بسبب بعض الأعمال، وهذا هو ما يسمّى بحبط الأعمال ولهذا يقول القرآن: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ...(1).
ولم يقل تعالى: كل من فعل حسنة فله عشر أمثالها، لأن بين القيام بالعمل في الدنيا، وبين تقديمه إلى الله سبحانه يوم القيامة سليماً، مسافة كبرى.
قال رسول الله (ص): من قالَ: سبحانَ الله غرس الله بها شجرة في الجنّة.
فقال رجل من قريش: يا رسول الله إنَّ شجرنا في الجنة لكثير.
قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها (2)، ثم قرأ آية مختومة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ محمد: 33 .
لقد علّق الله تعالى حبط العمل وبطلانه في موضع من القرآن على الكفر والشرك، وفي موضع آخر رتَّبه على ترك الأدب في محضر رسول الله (ص)، ومن هذا يتبين أنَّ معصية عدم التأدب مع رسول الله (ص) وعدم مراعاة الأدب في محضره يعادل معصية الكفر والشرك، لأن مآل كليهما من حيث النتيجة هو الحبط والبطلان والضياع.
لقد رفع رجل من الصحابة ـ غفلةً ـ صوته على صوت رسول الله (ص)، ولكي لا يتسبّب هذا الموقف في حبط أعماله تحدث رسول الله (ص) بصوت أعلى من صوت ذلك الصحابيّ (3).
إنَّ رفع الصوت فوق صوت النبي (ص) من قبل المؤمنين يكون سبباً لحبط أعمالهم، إلا أنَّ الأمر هذا يختلف بالنسبة لمن لم يكن يعرف النبيّ (ص)، لأن العلم والقصّد شرطان في صدق عنوان الإهانة.
لما نزلت الآية الحاضرة فُقِدَ أحد صحابة النبي (ص) لأنه كان جهوري الصوت، فتفقده رسول الله (ص)، ولما حضر سأله فقال: يا رسول الله لقد أنزلت إليك هذه الآية وإنّي رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط. فقال رسول الله (ص): لست هناك «أي لا بأس في ذلك لأنك خطيب، وقد رفعت صوتك للخطابة فحسابك يختلف عن الآخرين» (4).
فإذا استعلمنا ـ في المثل ـ بعض الصحف التي تدرج فيها الآيات القرآنية المباركة من دون أن نعلم بذلك، ومن دون قصد الإهانة لم يعد ذلك إهانة.
لقد جاء في قوله تعالى: في الآية الراهنة ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وهي تفيد أنَّ الحبط وبطلان الأعمال يحصل من دون أن يشعر أصحابه به، والعلّة في ذلك هي أن الآفات والآثار السيئة التي تلحق العمل لا ترتبط بعلمنا وجهلنا، بل هي تلحق به طبيعياً، علمنا بذلك أو لم نعلم، وشعرنا بذلك أو لم نشعر.
فلو شرب شخص الخمر سكر لا محالة، وإن تصوره ماءً، وكذا من مسَّ سلكاً كهربائياً مكشوفاً صعق به، وإنْ تخيّله سلكاً عاديّاً وخالياً من الطاقة الكهربائية. إنَّ بعض الذنوب والمعاصي تسبب ظهور القحط والجدب والزلازل، وقصر الأعمار، والذلة إن لم يعلم الإنسان بظهور هذه الآثار ووقوعها، فعلى هذا الأساس يكون عدم رعاية الأدب في محضر النبي (ص) سبباً لحبط الأعمال وبطلانها، وتبخّرها وإن لم يشعر الإنسان نفسه بذلك الأثر السلبي.

دروسٌ وبصائر

1 ـ من أجل تعليم النّاس قواعد السلوك والأدب يجب علينا نحن أيضاً أن نخاطب الآخرين بلهجة مؤدّبة ومهذبة ولهذا نادى الله سبحانه النّاس وخاطبهم في هذه الآية بأدب حيث قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ».
2 ـ إنَّ هناك حقوقاً ومزايا معنوية عالية لقيادة الأمة الإسلامية يجب أن يراعيها الجميع، إلى درجة أنه إذا كان الشخص في حالة التحدث والتكلّم مع القائد لم يجز له رفع الصوت على صوته، وإذا كان ساكتاً وكنا نحادثه وجب علينا أيضاً أن لا نتحادث بصوت مرتفع في محضره: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ».
أجل إنَّ مقام النبوة يفرض علينا جملة من المسؤوليات.
3 ـ إنَّ الأمر والتوصية باحترام الآخرين إنما يكون جميلاً إذا كان بلسان الآخرين ففي هذه الآية لم يقل النبي (ص): لا ترفعوا أصواتكم فوق صوتي، بل جاءت هذه التوصية من جانب الله سبحانه حيث قال تعالى: «لَا تَرْفَعُواأَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ».
4 ـ إنّ لمكانة الأشخاص وموقعهم أثراً في عملهم فالتجاسر من جانب المؤمن على النّبي (ص) له حساب خاص ومختلف: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ».
5 ـ قد يقطع الإنسان جذور نفسه بنفسه وهو لا يشعر «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ » (5).
 


(1) - سورة الأنعام، الآية: 160 ـ سورة النمل، الآية: 89 ـ سورة القصص، الآية: 84.
(2) - بحار الأنوار، ج8، ص187.
(3) - بحار الأنوار، ج9، ص331 ـ 332.
(4) - الكشاف، ج4، ص353.
(5) - تفسير سورة الحجرات : ص38 ، لسماحة الشيح محسن قراءتي.

 

   التفسير والبيان

  مفردات قرآنية
  خمس آيات من سورة البقرة،
  والّتي عَدَدُ آياتِهَا مَائتان وست وثمانُون آية،
  وهي مدنية وتعد أطول سور القرآن.


بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)﴾.

فضل هذه السورة:

روى علي بن الحسين (ع) عن النّبي(ص) أنَّهُ قالَ:
قَالَ رَسُولُ الله(ص): «مَنْ قَرَأَ أرْبَعَ آيات مِنْ أوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَآيَتَيْنِ بَعْدَها، وَثَلاثَ آيات مِنْ آخِرِها، لَمْ يَرَ في نَفْسِهِ وَمالِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ وَلا يَقْرُبُهُ الشَّيْطانُ، وَلا يَنْسى الْقُرْآن» (1).
وقد ورد في فضيلتها روايات عديدة، منها: ما روي عن رسول الله(ص) أنَّهُ سُئِلَ أَيُّ سُوَرِ الْقُرآنِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الْبَقَرَةُ» قيلَ: أَيُّ آيَةِ الْبَقَرَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: «آيَةُ الْكُرْسِيِّ» (2).
أما تسميتها بالبقرة، فمأخوذة من قصّة بقرة بني إسرائيل.

اللغة والبيان:

الم: يوجد تسع وعشرون سورة في القرآن الكريم تبدأ بالحروف المقطّعة، وتعد من أسرار القرآن، وقد ذكر لها المفسرون تفاسير عديدة.
أهم هذه التفاسير وأقربها إلى الواقع والفهم أنَّ هذه الحروف إشارة إلى أن هذا الكتاب السماوي بعظمته وأهميته التي حيّرت فصحاء العرب وغير العرب، وتحدّت الجن والإنس في عصر الرسالة وكل العصور بأن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة، مع أنه يتكون من نفس الحروف المتيسرة في متناول الجميع، فأشار بذكر هذه الحروف (كهيعص) ونحوها إلى أنَّ هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف التي هي في متناول أيديكم فعجزكم «إذن» دليل قاطع على أن هناك سراً ولا تفسير لهذا السر إلاّ أن هذا القرآن من وحي السماء، لا من صنع الأرض وأنه لم يصدر عن فكر بشر.
والشاهد على هذا المنحى من تفسير الحروف المقطعة، حديث الإمام علي بن الحسين السجاد (ع)حيث يقول: «كذّب قُرَيْشُ واليهود بالقرآن وقالوا هذا سحرٌ مبينٌ، تقوّله، فقال الله: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ ...﴾
أي يا محمد، هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطّعة التي منها الف ولام وميم، وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ...» (3).
شاهد آخر عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في قوله: إنَّ الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب»، ثم قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ.... (4).
ذَلِكَ: لفظة يشار بها إلى ما بَعُدَ. الْكِتَابُ: المراد به القرآن. لَا رَيْبَ فِيهِ: الريب الشك وقيل هو أسوأ الشك، فالقرآن الكريم بيان وهدى وحق ومعجز فمن هاهنا استحق الوصف بأنه لا شك فيه.
هُدًى: الهدى الدلالة مصدر هديته، اهدنا الصراط المستقيم، أي دلنا عليه واسلك بنا فيه.
لِلْمُتَّقِينَ: المتقين الأصل فيها الموتقين مفتعلين من الوقاية فقلبت الواو تاء وأدغمتها في التاء التي بعدها، وقيل المتقي الذي اتقى ما حرم عليه وفعل ما أوجب عليه، وقال بعضهم: التقوى أنْ لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، وقال الشاعر:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى.
يُؤْمِنُونَ: الإيمان هو التصديق قال الله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أي ما أنت بمصدق لنا. والإيمان هو الثقة والتصديق قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا (5) أي صدقوا ووثقوا بها، فالإيمان هو التصديق بكل ما يلزم التصديق به من الله تعالى وأنبيائه وملائكته وكتبه والبعث والنشور والجنة والنار و ... الغيب: هو كلما غاب عنك ولم تشهده كالملائكة والقيامة والجنة والنار ...
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ: يؤدونها بحدودها وفرائضها، ويديمون أداء فرائضها يقال للشيء الراتب قائم و يقال فلان يقيم أرزاق الجند والصلوة في اللغة الدعاء .
رَزَقْنَاهُمْ: الرزق هو العطاء الجاري وهو نقيض الحرمان.
يُنْفِقُونَ: والإنفاق إخراج المال يقال أنفق ماله أي أخرجه عن ملكه ونفقت الدابة إذا خرج روحها والنافقاء جحر اليربوع لأنه يخرج منها ومنه النفاق لأن المنافق يخرج إلى المؤمن بالإيمان وإلى الكافر بالكفر.
وَبِالْآخِرَةِ: إنما وصفت بالآخرة لتأخرها عن الدنيا كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق وقيل لدناءتها.
هُمْ يُوقِنُونَ: يعلمون وسمي العلم يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه.
الْمُفْلِحُونَ: المنجحون الفائزون والفلاح النجاح.
النزول: قال مجاهد أربع آيات من أول السورة نزلت في المؤمنين وآيتان بعدها نزلت في الكافرين وثلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين (6).
 


(1) - مجمع البيان: ج1، ص32 .
(2) - نور الثقلين: ج1، ص36 .
(3) - تفسير البرهان: ج1 ، ص54 .
(4) - توحيد الصدوق: ص 162، ط سنة 1375 هـ. ق .
(5) - سورة الزخرف، الآية 69 .
(6) - مجمع البيان: ج1، ص88 .

 

   التفسير والبيان

  معجم المفسرين
  تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن.



المؤلف: أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المعروف بـ “الشيخ الطوسي”.

ولادته: ولد سنة 385 هـ 965م.

وفاته: توفي في سنة 460هـ 1067 م.

عدد المجلدات: 10 مجلدات.

طبعات الكتاب: طبع عدة مرات في الجمهورية الإسلامية الايرانية ومصر ولبنان والعراق.

حياةالمؤلف:
ولد الشيخ الطوسي (رحمه الله) بطوس خراسان، وطلب العلم (منذ الصبا)، ثم هاجر إلى العراق، فانضم إلى مجلس الشيخ المفيد (رحمه الله) وعلم الهدى السيد المرتضى (رحمه الله) فتتلمذ عليهما، وكانت داره في الكرخ ببغداد مأوى الأمة، هاجر إلى النجف فأسَّسَ جامعة كبرى ومركزاً للعلم فتصدّر الزعامة العلمية، مِنَ الذين اعتمدوا على تفسيره الشيخ الطبرسي في مجمع البيان.
أما منهجه في التفسير ففي مطلع كل سورة ذكر اسم السورة وسبب تسميتها به، ومكّيها ومدنيها، وناسخها ومنسوخها، والحجة عنده من القراءات والاختلاف فيها، والإعراب، ومسائل النحو واللغة بتفصيلها، ثم شرع في تفسير الآية، وذكر المعاني والأحكام، واستفاد من الأشعار وكلمات أهل اللغة وبعض من الروايات.
والخلاصة: هو تفسير كامل للقرآن، تعرض فيه الشيخ لعلوم القرآن في شتى المجالات بأسلوب علمي، وهو أول تفسير عندنا جامع بين النقل والعقل، وبين الرواية والدراية.

شروط التفسير

لا محيص للمفسر من تبنِّي علوم يتوقف عليها فهم الآية وتبيينها، وهذه الشروط تأتي تحت عناوين خاصة هي:
1- معرفة قواعد اللغة العربية:
إنَّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)﴾ (1).
2- العلم بمعاني المفردات:
إنَّ الجملة تتركَّب من مفردات عديدة يحصل من اجتماعها جملة مفيدة للمخاطب، فالعلم بالمفردات شرط لازم للتفسير، فلولا العلم بمعنى «الصعيد» كيف يمكن أن يُفسر قوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً(2).
3- تفسير القرآن بالقرآن:
إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنَّه تبيان لكلّ شيء ويقول: ﴿وَنَزّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء(3). فهل يصحّ أن يكون مبيّناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه إذا كان فيه إجمال؟.
4- الحفاظ على سياق الآيات:
إنّ من أهمّ وظائف المفسر الحفاظ على سياق الآيات الواردة في موضوع واحد; فتقطيع الآية بعضها عن بعض، والنظر إلى الجزء دون الكل لا يعطي للآية حقّها في التفسير.
5- الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين:
إنّ كثيراً من الآيات المتعرّضة لأحكام الأفعال والموضوعات مجملة ورد تفسيرها في السنّة القطعية وإجماع المسلمين وأحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كالصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليها في رفع الإجمال وتبيين المبهم، وهو أمر واضح.
وهناك سبب ثانٍ للرجوع إليه، وهو أنَّه ورد في القرآن مطلقات ولكن أُريد منها المقيد، كما ورد عموم أُريد منه الخصوص; وذلك وفقاً لتشريع القوانين في المجالس التشريعية، فإنَّهم يذكرون المطلقات والعموم في فصل كما يذكرون قيودها ومخصصاتها في فصل آخر باسم الملحق، وقد حذا القرآن في تشريعه هذا الحذو فجاءت المطلقات والعموم في القرآن الكريم والمقيد والمخصص في نفس السنّة.
6- معرفة أسباب النزول:
إنَّ لمعرفة أسباب النزول دوراً هاماً في رفع الإبهام عن الآيات التي وردت في شأن خاص.
7- الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام:
إنَّ الاطِّلاع على تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده يوضح مفاد كثير من الآيات ويكشف النقاب عنها.
8- تمييز الآيات المكّية من المدنية:
وأمَّا الحاجة لتمييز المكي من المدني فلأنَّه يرفع الإبهام العالق ببعض الآيات، مثلاً: إنَّ سورة الشورى التي ورد فيها قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَليه أَجراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى(4) سورة مكية مع أنَّ هذه الآية حسب المأثور المتواتر نزلت في أهل بيت النبي (ص) أعني: علياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فربما يستبعد نزولها في حقّ أهل البيت بحجة أنَّ السورة مكية ولم يكن يومذاك في مكة الحسن والحسين، ولكنّه لو وقف على أنّ مكية السورة لا تلازم مكية عامة آياتها، لما استبعد نزولها في حقّهم، فكم من سورة مكية وقعت في ثناياها آيات مدنية وبالعكس.
9- الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية:
الإحاطة بآراء الصحابة والتابعين ثمّ علماء التفسير والإمعان فيها وترجيح بعضها على بعض بالدليل والبرهان من أُصول التفسير شريطة أن يبحث فيها بحثاً موضوعياً بعيداً عن كلّ رأي مسبق.
10- الاجتناب عن التفسير بالرأي:
(وفي الحقيقة، التفسير بالرأي من موانع التفسير الصحيح لا من شرائطه).
والمراد من التفسير بالرأي هو أنَّ المفسِّر يتخذ رأياً خاصاً في موضوع بسبب من الأسباب ثمّ يعود فيرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً من الذكر الحكيم يعضده، فهو في هذا المقام ليس بصدد فهم الآية وإنَّما هو بصدد إخضاع الآية لرأيه وفكره، وبذلك يبتعد عن التفسير الصحيح للقرآن.
وقد حذّر النبي (ص) كافَّة المسلمين من التفسير بالرأي أو التفسير بغير علم، فقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار» (5) (6).
 


(1) - سورة الشعراء: الآيات: 193 - 194 - 195.
(2) - سورة المائدة ، الآية: 6.
(3) - سورة النحل ، الآية: 89.
(4) - سورة الشورى، الآية : 23.
(5) - أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس كما في البرهان من علوم القرآن: ج2 ، ص161.
(6) - المناهج التفسيرية في علوم القرآن: للعلامة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني.

 

   علوم قرآنية

  الوحي في القرآن  


الوحي في أصله اللغوي: يعني الفهم واستيعاب أي نوع من الإلقاء كالإشارة، والصوت، والإلهام، والرؤيا، والهاجس، والكتابة، ويتضمن في بعض استخداماته أن يكون خفية وعلى وجه السرعة.
المعنى الاصطلاحي للوحي: هو عبارة عن الرابطة المعنوية التي تحصل للأنبياء عن طريق الاتصال بالغيب لتلقّي الرسالة السماوية. والرسول هو المستلم للرسالة التي تأتيه بواسطة هذا الاتصال(الوحي) من الجهة المرسلة.
أ – الوحي إلى غير الأنبياء: استخدم الوحي في القرآن الكريم فيما يخص الملائكة، والشياطين، والإنسان، والحيوان، والأرض.
1 - الإلهام الربّاني إلى الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ (1).
2 – الإلهام الربّاني إلى الإنسان: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ (2).
3 – الإلهام الربّاني إلى الجمادات: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (3).
4 – الوساوس الشيطانية:
أ – ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ (4).
ب – ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ (5).
5 – الإشارة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (6).
6 – الغريزة: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (7).
وجاء في رواية علي بن ابي طالب (ع) ، قسّم فيها الوحي إلى: وحي النبوة والرسالة، ووحي الإشارة، ووحي التقدير، ووحي الأمر، ووحي الكذب (بخصوص الشياطين) ووحي الخبر، واستدل على كل واحد من هذه المعاني بآية قرآنية أو أكثر (8).
ب- الوحي إلى الأنبياء: نتحدث هنا عن أكثر أنواع الوحي شيوعاً، وهو الوحي إلى الأنبياء، وقد وردت هذه الكلمة واشتقاقاتها ما يقارب سبعين مرّة في القرآن الكريم فيما يخص الأنبياء، ولم يأت ما يقابلها في معاني ومواضع أخرى إلاّ نادراً. وفي الوقت الحاضر بات إطلاقها بخصوص الأنبياء أمراً بيّناً. وعلى هذا الأساس: «فإنَّ الأدب الديني في الإسلام يقتضي أن لا نستخدم هذا التعبير لغير الأنبياء (عليهم السلام)»(9).
الوحي ظاهرة لا تستوعبها الأطر الذهنية والعقلية المعروفة لدى بني الإنسان، بل هو ظاهرة خفية تكتنفها الأسرار، وفيها رابطة مع عالم آخر، ليتلقّى الإنسان المصطفى أرفع الرسائل الغيبية بعلم حضوري وشهودي، وهو وحده الذي يدرك كنه وحقيقة الوحي ومعنى تلقّي الوحي، ولايبقى للآخرين سوى إدراك قبسات من تلك الحقيقة الّتي تُكشف من خلال آثارها وعلائمها. هذه الظاهرة الّتي تقع فيما وراء العقل، واحدة من أعلى المقامات الّتي تميّز الأنبياء عن غيرهم من الناس، ومع تأكيد القرآن على أنَّ الأنبياء بشر أيضاً، بيد أنَّه بيّن استبعاد واستنكار الكفار للوحي، بالشكل التالي: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً (10). وبما أنَّ قبول هذا الأمر الذي يفوق العقل كان صعباً عليهم ، فقد لجأوا إلى وصف النبيّ بالجنون: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ(11). والمثال الآخر على ذلك قولهم: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّواْ (12). ومع أنَّ القرآن الكريم أكّد أنَّ الأنبياء كلّهم بشر، ولا فرق بينهم وبين سائر الناس في هذا المجال، إلاّ أنّه صرّح بأنَّ الفارق بينهم وبين سائر الناس يكمن في أنَّ الأنبياء يتلقّون الوحي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (13). وعلى هذا الأساس فإنّ النبيّ المرسل من الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (14).
أقسام الوحي النبوي:
يتحقق الاتصال والارتباط الغيبي بين الأنبياء والباري تعالى، وهو ما نسمّيه بالوحي، بثلاثة أشكال كما نصّ على ذلك القرآن الكريم. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً(15). بيّنت هذه الآية أن أقسام التكليم الإلهي مع البشر تنحصر في ثلاثة حالات: الحالة الأولى هي الوحي المباشر، والثانية أن يكون الوحي من وراء حجاب، والثالثة أن يرسل الله رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء. والحالتان الأخيرتان وهما التكلم المقيّد بوجود حجاب، أو وجود رسول، هما عبارة عن وحي غير مباشر وبالواسطة. والفارق بين الحالتين الأخيرتين هو أن الرسول (المَلَك) هو الذي يُبلّغ الوحي، ولكن هناك حجاب أو واسطة يتحقق من ورائها الوحي (16)، كما هو الحال في شجرة الطور الّتي سمع النبيّ موسى (ع) كلام الله من ناحيتها، ومع أن الآية لا تتضمن كلمة الوحي الّتي تعني التكليم بغير واسطة، غير أن الوحي بمعناه العام يشمل هذه الحالة أيضاً. وفي الآية التالية تتّضح كيفية الإيحاء إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ(17). والروح في الآية هو الروح الأمين الذي ذكرته الآية 194 من سورة الشعراء ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(18). وبناءً على ذلك فإنَّ جبرائيل أو الروح الأمين كان هو واسطة إبلاغ الوحي فيما يخص كل القرآن أو قسماً منه. (القسم الثالث من أقسام التكلم) (19).


(1) - سورة الأنفال، الآية: 12 .
(2) - سورة القصص، الآية: 7 .
(3) - سورة الزلزلة، الآيتان: 4 – 5 .
(4) - سورة الأنعام، الآية: 112 .
(5) - سورة الأنعام، الآية: 121 .
(6) - سورة مريم، الآية: 11 .
(7) - سورة النحل، الآية: 68 .
(8) - بحار الأنوار: ج18، ص254 – 255 .
(9) - تفسير الميزان: ج2، ص292 .
(10) - سورة المؤمنون، الآية: 24 .
(11) - سورة المؤمنون، الآية: 25 .
(12) - سورة التغابن، الآية: 6 .
(13) - سورة الكهف، الآية: 110 .
(14) - سورة النجم، الآيتان: 3 – 4 .
(15) - سورة الشورى، الآية: 51 .
(16) - الميزان: ج 18، ص73 .
(17) - سورة الشورى، الآية: 52 .
(18) - سورة الشعراء، الآية: 193 .
(19) - دروس في علوم القرآن الكريم لحسين جوان آراسته.

 

   قصص قرآنية

  قصة النبي نوح (ع) في القرآن

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
سورة يوسف، الآية: 111

فصّلت قصة نوح (عليه السلام) في ست من السور القرآنية وهي سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة المؤمنون، وسورة الشعراء، وسورة القمر، وسورة نوح، وأكثرها تفصيلا سورة هود التي ذكرت قصته (ع) فيها في خمس وعشرين آية (25 - 49).

بعثه وإرساله:
كان الناس بعد آدم(ع) يعيشون أمة واحدة على بساطة سذاجة وهم على الفطرة الإنسانية، حتى فشا فيهم روح الاستكبار وآلَ إلى استعلاء البعض على البعض تدريجيا واتخاذ بعضهم بعضا أربابا، وهذه هي النواة الأصلية التي لو نشأت واخضرت وأينعت لم تثمر إلا دين الوثنية والاختلاف الشديد بين الطبقات الاجتماعية باستخدام القوي للضعيف، واسترقاق العزيز واستدراره للذليل، وحدوث المنازعات والمشاجرات بين الناس. فشاع في زمن نوح (ع) الفساد في الأرض، وأعرض الناس عن دين التوحيد وعن سنة العدل الاجتماعي، وأقبلوا على عبادة الأصنام، وقد سمى الله سبحانه منها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا (سورة نوح). وتباعدت الطبقات، فصار الأقوياء بالأموال والأولاد يضيعون حقوق الضعفاء، والجبابرة، يستضعفون من دونهم ويحكمون عليهم بما تهواه أنفسهم (الأعراف - هود - نوح). فبعث الله نوحاً (ع) وأرسله إليهم بالكتاب والشريعة يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وخلع الأنداد والمساواة فيما بينهم (1)، بالتبشير والإنذار.

دينه وشريعته(ع):
كان(ع) يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه ورفض الشركاء (كما يظهر من جميع قصصه القرآنية) والإسلام لله (كما يظهر من سورتي نوح ويونس وسورة آل عمران آية 19) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كما يظهر من سورة هود آية 27) والصلاة (كما يظهر من آية 103 من سورة النساء وآية 8 من سورة الشورى) والمساواة والعدالة وأن لايقربوا الفواحش والمنكرات وصدق الحديث والوفاء بالعهد (سورة الأنعام آية 151، 152) وهو(ع) أول من حكي عنه في القرآن التسمية باسم الله في الأمور الهامة (2). اجتهاده(ع) في دعوته: وكان(ع) يدعو قومه إلى الإيمان بالله وآياته، ويبذل في ذلك غاية وسعه، فيندبهم إلى الحق ليلا ونهارا وإعلانا وإسرارا، فلا يجيبونه إلا بالعناد والاستكبار، وكلما زاد في دعائهم زادوا في عتوهم وكفرهم، ولم يؤمن به غير أهله وعدة قليلة من غيرهم، حتى أيس من إيمانهم وشكا ذلك إلى ربه وطلب منه النصر (سورة نوح والقمر والمؤمنون).

لبثه في قومه:
لبث(ع) في قومه ألفا إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله سبحانه، فلم يجيبوه إلا بالهزء والسخرية ورميه بالجنون وأنه يقصد به أن يتفضل عليهم حتى استنصر ربه (سورة العنكبوت)، فأوحى إليه ربه أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ وعزاه فيهم (سورة هود)، فدعا عليهم بالتبار والهلاك وأن يطهر الله الأرض منهم عن آخرهم (سورة نوح)، فأوحى الله إليه أن أصنع الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا (سورة هود). صنعه(ع) الفلك: أمره الله تعالى أن يصنع الفلك بتأييده سبحانه وتسديده فأخذ في صنعها، وكان القوم يمرون عليه طائفة بعد طائفة فيسخرون منه وهو يصنعها على بسيط الأرض من غير ماء، ويقول(ع): ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (سورة هود)، وقد نصب الله لنزول العذاب علما وهو أن يفور الماء من التنور (سورتا هود والمؤمنون).

نزول العذاب ومجيء الطوفان:
حتى إذا تمت صنعة الفلك وجاء أمر الله وفار التنور أوحى الله تعالى إليه أن يحمل في السفينة من كل من الحيوان زوجين اثنين، وأن يحمل أهله إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الإلهي بالغرق وهو امرأته الخائنة وابنه الذي تخلف عن ركوب السفينة، وأن يحمل الذين آمنوا (سورتا هود والمؤمنون)، فلما حملهم وركبوا جميعا فتح الله أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (سورة القمر) وعلا الماء وارتفعت السفينة عليه وهي تسير في موج كالجبال (سورة هود) فأخذ الناس الطوفان وهم ظالمون، وقد أمره الله تعالى إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يحمدالله على ما نجاه من القوم الظالمين وأن يسأله البركة في نزوله فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ويقول: ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾. قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض: فلما عم الطوفان وأغرق الناس (كما يظهر من سورة الصافات آية 77) أمر الله الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء و استوت السفينة على جبل الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، واوحي إلى نوح(ع) أن اهبط إلى الأرض بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ فلا يأخذهم بعد هذا طوفان عام، ومنهم امم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم يمسهم عذاب أليم، فخرج هو ومن معه ونزلوا الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام، وتوارثت ذريته(ع) الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين (سورتا هود والصافات).

قصة ابن نوح الغريق:
كان نوح(ع) عندما ركب السفينة لم يركبها واحد من أبنائه، وكان لا يصدق أباه في أن من تخلف عنها فهو غريق لا محالة، فرآه أبوه وهو في معزل فناداه: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، فرد على أبيه قائلا: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، قال نوح(ع): ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ - يريد أهل السفينة - فلم يلتفت الابن إلى قوله وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. ولم يكن نوح(ع) يعلم منه إبطان الكفر كما كان يعلم ذلك من امرأته، ولو كان علم ذلك لم يحزنه أمره وهو القائل في دعائه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً(3) الدعاء، وهو القائل: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(4) وقد سمع قوله تعالى فيما أوحى إليه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ(5)، فوجد نوح(ع) وحزن فنادى ربه من وجده قائلا: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ وعدتني بإنجاء أهلي وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ لا تجور في حكمك ولا تجهل في قضائك، فما الذي جرى على ابني؟ فأخذته العناية الإلهية وحالت بينه وبين أن يصرح بالسؤال في نجاة ابنه - وهو سؤال لما ليس له به علم - وأوحى الله إليه: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، فإياك أن تواجهني فيه بسؤال النجاة فيكون سؤالا فيما ليس لك به علم، ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فانكشف الأمر لنوح(ع) والتجأ إلى ربه تعالى قائلا: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، أسألك أن تشملني بعنايتك وتستر علي بمغفرتك، وتعطف علي برحمتك، ولولا ذلك لكنت من الخاسرين (6).


(1) - سورة البقرة، الآية: 213.
(2) - سورة هود، الآية: 41.
(3) - سورة نوح، الآية: 27.
(4) -سورة الشعراء، الآية: 118.
(5) - سورة هود، الآية: 37.
(6) - الميزان: ج10، ص270، انظر تمام الكلام في قصته من الميزان.

 

   القرآن ونهج البلاغة

  القرآن في نهج البلاغة


بسم الله الرحمن الرحيم
من كلام لأمير المؤمنين علي (ع) في ذَمِّ اختِلافِ العُلَماءِ فِي الفُتْيا، الخطبة / 18.
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.

نذكر تمام كلام أمير المؤمنين (ع) لأهميته ثمّ نشرحه: «تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ اَلْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ اَلْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ اَلْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلاَفِهِ ثُمَّ يَجْتَمِعُ اَلْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإمام اَلَّذِي اِسْتَقْضَاهُمْ فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً وَإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ! وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ! وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ! أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالاِخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ اَلرَّسُولُ (ص) عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ:﴿ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِن شَيْءٍ(1)، وَقَالَ: وَفِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ اَلْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَأَنَّهُ لاَ اِخْتِلاَفَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً(2)، وَإِنَّ اَلْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ اَلظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِهِ».
هذا البحث يؤكد على ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة وأهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بهم، والأخذ بأقوالهم وأفعالهم وعلمهم وهداهم، كما أنه يمهد السبيل إلى الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب، ويعالج التفرق والتمزق الطائفي، ويبين أن لا موجب لتباعد المسلمين بعضهم من بعض. ولا داعي للجفوة والبغضاء، بل الدواعي والموجبات متوفرة للاتحاد والاتفاق وتوكيد أواصر الإخوة الإسلامية. فقضية المسلم واحدة ما دام في ظل هدى القرآن، ونور نبوة رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فالمسلم الذي يعيش في ظل الله، ويقتبس من نور القرآن، ويقتدي بتعاليم رسول الإسلام هو رمز الإنسان الذي كرمه الله تعالى.
فعلينا أن نثق بالله تعالى، ونتمسك بالعروة الوثقى، ونعتصم بحبله، وننزه مجتمعنا عن كل ما يوجب الضعف والفشل، وأن نكون من مؤامرات الأعداء على حذر.
لقد عنون كلام الإمام (ع) ببيان حال علماء السّوء العاملين بالآراء تعريضاً عليهم ببطلان عملهم بالرّأي، ثمّ أردفه بالإشارة على بنائهم عليه من القول بالتّصويب في الأحكام المختلفة المنشعبة عن الآراء المتشتّتة، ونبّه على بطلان ذلك البناء وفساد هذا القول بالوجوه الآتية فقال: «تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ اَلْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ اَلْأَحْكَامِ» الشّرعيّة «فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ» أي بظنونه المأخوذة لا من الأدلة الشّرعيّة والمآخذ المنتهية إلى الشّارع بل من الاستحسانات العقليّة والقياسات الفقهيّة «ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ اَلْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ» أي على غير القاضي الأوّل «فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلاَفِهِ» - بخلاف قوله - أي قول الأوّل استنادا إلى رأيه الفاسد ونظره القاصر أيضاً، كما كان استناد الأوّل في حكمه إليه.
«ثُمَّ يَجْتَمِعُ اَلْقُضَاةُ بِذَلِكَ» الحكم المختلف «عِنْدَ الإمام» الضّالّ ورئيسهم المضلّ «اَلَّذِي اِسْتَقْضَاهُمْ» وصيّرهم قضاة «فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً» ويحكم بكون الأحكام المختلفة الصّادرة عنهم في قضيّة شخصية كلّها صوابا مطابقة للواقع، وهو باطل بالضّرورة، كيف يحصل هذا الاختلاف؟ «وَإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ» الواو هنا للحال «وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ» هو الرسول الأكرم (ص) «وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ» وهو القرآن، فلو كان أحد هذه الثلاثة متعدداً أمكن الاختلاف، لكن مع الوحدة لا يمكن الاختلاف «أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالاِخْتِلاَفِ» أي اختلاف بعضهم مع بعض «فَأَطَاعُوهُ!» هذا استفهام إنكاري فإنَّ الله لم يأمر إلا بالاتحاد والائتلاف لا بالاختلاف والتعدد في الفتيا «أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ؟» ولم هذا العصيان بعد النهي؟ أمّا أنّه ليس مأموراً به فلعدم ورود أمر بذلك في الكتاب والسّنة، وأمّا أنّه منهيّ عنه فلدلالة العقل والنّقل على ذلك، أمّا العقل فلتقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى فضلا عمّا علم بعدم وروده وأمّا النّقل فمن الكتاب الآية السّابقة حيث دلّت على أنّ ما ليس بإذن من الله فهو افتراء له ومن المعلوم أنّ الافتراء حرام ومنهيّ عنه. ومن السّنة ما رواه محمّد بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: القضاة أربعة ثلاثة في النّار وواحد في الجنّة: رجل قضى بالجور وهو يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بالجور وهو لا يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة.
«أَمْ أَنْزَلَ اللهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ» أي بهؤلاء القضاة «عَلَى إِتْمَامِهِ؟» بأن يقولوا من عند أنفسهم، ولذا استغنوا عن الكتاب والسنة باجتهاد آرائهم، ومعلوم أن الرأي يختلف باختلاف أصحاب الرأي ... واعلم أن القرآن لا نقص فيه – «أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَهُ» والصواب: «شُرَكَاءَ لهُ»، كما في (ابن أبي الحديد وابن ميثم و الخطية )2.
«فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى» وقد قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(3).
«أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ اَلرَّسُولُ؟ (ص) عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ» ولا يمكن ذلك في حقّه، ثمّ استدل على بطلان الوجوه المتقدمة، بقوله سبحانه: ﴿ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِن شَيْءٍ(4)، وقد أوضح سبحانه كل شيء عن طريقه توضيحاً كاملاً، وقال: «وَفِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ »، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِّكُلِّ شَيْءٍ(5)، ولا يخالف بعضه بعضاً كما ذكر سبحانه: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً (6)، وما هذا شأنه لا يمكن أن يسند الخلاف إليه، ومع ذلك كله فالقرآن ذو روعة خاصة وروح عجيبة جذّابة «وَإِنَّ اَلْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ» يقال آنقني الشيء أي أعجبني، ففي القرآن أنواع البلاغة والبيان والأسلوب الحسن والانسجام المدهش «وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ» فلا يدرك أسراره إلا الراسخون في العلم كالبحر الذي لا يدرك ما فيه إلا الغواص الماهر، يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)، «لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ ولا تنقضي غرائبه» فقد أضفى الله سبحانه عليه حالة تجدد بحيث كلما طالعه الإنسان وتلاه رآه عجيباً مدهشاً «وَلاَ تُكْشَفُ اَلظُّلُمَاتُ» أي ظلمات المناهج في الحياة والشبهات «إِلاَّ بِهِ» أي بالقرآن فإنه هو الذي يقرر برامج الحياة السعيدة التي تنجي الإنسان من ظلمات العقائد والعادات والأخلاق والأعمال وتنجلي الشبهات بالمحكمات وما إلى ذلك، روي أن النبي (ص) قال في خطبته بمنى أو مكة: «ما جاءكم عني يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله ». وإن الصادق (ع) قال: «كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (8).
فإنَّ الإنسان بدون القرآن في ظلمة الجهل لا يعرف الطريق إلى العقائد الحقة، والأعمال الحسنة، والفضائل، والأحكام الصحيحة، وإذا كان معه القرآن اهتدى إلى ذلك وتبدد الظلام بنور القرآن الحكيم. نسأله سبحانه أن يرينا الحقّ فنتّبعه، ويرينا الباطل فنجتنبه، إنّه سميع مجيب (9).
 


(1) - سورة الأنعام، الآية: 38 .
(2) - سورة النساء، الآية: 82 .
(3) - سورة القصص، الآية: 68 .
(4) - سورة الأنعام، الآية: 38 .
(5) - سورة النحل، الآية: 89 .
(6) - سورة النساء، الآية: 82 .
(7) - سورة آل عمران، الآية: 7 .
(8) - الكافي: ج1، ص69 ، ح53 .
(9) - بقلم الشيخ فادي الفيتروني.

 

   أبحاث اخلاقية

  هل الأخلاق قابلة للتغيير؟


هل أنَّ الأخلاق قابلة للتغيير؟
إنَّ مصير علم الأخلاق وكلّ الأبحاث الأخلاقية، يتوقف على الإجابة عن هذا السؤال، إذ لولا قابليتها للتغيير لأصبحت كلّ برامج الأنبياء التربويّة والكتب السماويّة، ووضع القوانين والعقوبات الرّادعة، لا فائدة ولا معنى لها.
فنفس وجود تلك البرامج التربويّة وتعاليم الكتب السماويّة، ووضع القَوانين في المجتمعات البشريّة، هو خير دليل على قابليّة التغيير في الملكات والسلوكيّات الأخلاقيّة لدى الإنسان، وهذه الحقيقة لا يعتمدها الأنبياء (عليهم السلام) فحسب، بل هي مقبولةٌ لدى جميع العقلاء في العالم.
والأَعجبْ من هذا، والغريب فيه أنَّ علماء الأخلاق والفلاسفة ألّفوا الكتب الكثيرة حول هذا السؤال: «هل أنّ الأخلاق قابلة للتغيير أم لا ؟!»
فالبعض يقول: إنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير، فمن كانت ذاته ملوَّثةً في الأصل يكون مجبولاً على الشرّ، وعلى فرض قبوله لعمليّة التّغيير، فإنّه تغيير سطحي، وسرعان ما يعود إلى حالته السّابقة.
ودليلهم على ذلك، بأنَّ الأخلاق لها علاقةٌ وثيقةٌ مع الرّوح و الجسد، وأخلاق كلُّ شخص تابعة لكيفية وجود روحه وجسمه، وبما أنَّ روح الإنسان وجسده لا يتبدلان، فالأخلاق كذلك لا تتبدل ولا تتغير.
وفي ذلك يقول الشاعر أيضاً:
إذا كان الطّباع طِباعَ سوء
فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ

واستدلوا على ذلك أيضاً، بمقولة تأثر الأخلاق بالعوامل الخارجية ، وأنّ الأخلاق تخضع لمؤثّرات خارجيَّة من قبيل الوعظ والنّصيحة والتأديب، فبزوال هذهِ العوامل، تعود الأخلاق لحالتها الأُولى، فهي بالضّبط كالماء البارد، الذي يتأثر بعوامل الحرارة، فعند زوال المؤثّر، يعود الماء لحالته السّابقة.
ومما يؤسف له وجود هذا الّنمط من التّفكير والاستدلال، حيث أفضى لتردي المجتمعات البشريّة وسُقوطها!
أمّا المؤيدون لتغيير الأخلاق، فقد أجابوا على الدّليلين السّابقين وقالوا:
ـ لا يمكن إنكار علاقة الأخلاق وارتباطها بالرّوح والجسم، ولكنه في حدّ (المقتضي)، وليس (العلّةَ التّامةَ) لها، وبعبارة اُخرى يمكن أن تهيّىء الأرضيّة لذلك، لكن ذلك لا يعني بالضّرورة أنّها ستؤثر تأثيراً قطعيّاً فيها، من قبيل مَن يولد من أبوين مريضين، فإنَّ فيه قابليةٌ على الابتلاء بذلك المرض، ولكن بالوقاية الصّحيحة، يمكن أن يُتلافى ذلك المرض من خلال التّصدي للعوامل الوراثية المتجذرة في بدن الإنسان.
فالأفراد الضّعاف البنية يمكن أن يصبحوا أشداء، بالالتزام بقواعد الصّحة وممارسة الرّياضة البدنية، وبالعكس يمكن للأشداء، أن يصيبهم الضّعف والهزال، إذا لم يلتزموا بالأُمور المذكورة أعلاه.
وعلاوةً على ذلك يمكن القول أنَّ روح وجسم الإنسان قابلانِ للتغيير، فكيف بالأخلاق التي تعتبر من معطياتهما؟
نحن نعلم، أنَّ كلَّ الحيوانات الأهليّة اليوم، كانت في يوم ما بَرّيّةً ووحشيّةً، فأخذها الإنسان وروّضها وجعل منها أهليةً مطيعةً له، وكذلك كثير من النّباتات والأشجار المثمرة، فالذي يستطيع أن يُغيِّر صفات وخُصوصيّات النبّات والحيوان، ألا يستطيع أن يغيّر نفسه وأخلاقه؟ بل توجد حيوانات روّضت، لِلقيام بأعمال مخالفة لطبيعتها، وهي تُؤدّيها بأحسن وجه!.
ـ وممّا ذُكر أعلاه، يتبيّن جواب دليلهمِ الثّاني، لأنّ العوامل الخارجيّة قد يكون لها تأثيرها القوي جداً، ممّا يؤدّي إلى تغير خصوصيّاتها الذاتيّة بالكامل، وستؤثر على الأجيال القادمة أيضاً، من خلال العوامل الوراثيّة، كما رأينا في مثال: الحيوانات الأهليّة.
ويقصّ علينا التأريخَ قصصاً، لأُناس كانوا لا يراعون إلاًّ ولا ذِمّةً، ولكن بالتّربية والتّعليم تغيّروا تَغيُّراً جَذريّاً، فمنهم من كان سارقاً محترفاً فأصبح عابداً متنسّكاً مشهوراً بين الناس.
إنَّ التعرَّف على كيفية نشوء الملكات الأخلاقية السّيئة يعطينا القُدرة والفرصة لإزالتها، والمسألة هي كالتّالي: إنَّ كلَّ فعل سيّء أو حسن يخلّف تأثيره الإيجابي أو السّلبي في الروح الإنسانية، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً، وبالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان، ويتحول إلى كيفيّة تسمى: بالعادة، وإذا استمرت تلك العادة تحوّلت إلى مَلَكَة.
وعلى هذا، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة، تنشأ من تكرار العمل، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّليم، في إيجاد المَلَكات الحَسنة، والأخلاق الصّالحة، في واقع الإنسان وروحه.
وهناك قولٌ ثالثٌ: وهو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير، وبعضها غير قابل، فالصّفات الطّبيعيّة والفطريّة غير قابلة لِلتغير، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها (1).
وهذا القول لا دليل عليه، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة، والحال أنّه لم يثبت ذلك، وعلى فرض ثُبوته، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلة لِلتغيّر والتّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.
ألا يمكن لِلتربية والتّعليم، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره؟.
الآيات والرّوايات التي يستدل بها، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق:
ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة والتّأريخيّة، وعند رجوعنا للأدلة النّقلية، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورة أفضل.
ـ إنّ الهدف من بعث الأنبياء والرّسل وإنزال الكتب السّماوية، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية، و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِينَ رَسُولا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِْين(2)، ويوجد نفس المعنى والمضمون في الآية 164 من سورة آل عمران.
وأمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرم (ص): هو تعليم وتزكية كل أولئك الذي كانوا في ضلال مبين.
ـ كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان، مثل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ و ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، تشمل أوامر ونواهي تتعلق بتهذيب النّفوس، واكتساب الفضائل الأخلاقيّة، وهي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة»، وإصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان، وإلاّ ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهية، فتصبح لغواً بدون فائدة.
وقد يقال: إنّ هذهِ الآيات، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة، وهذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة والسلوكيّة في حياة الإنسان، بينما نجد أنَّ الأخلاقَ ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟
ولكن يجب أن لا ننسى، أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل »، هي: علاقة اللاّزمِ والَملزومِ لِلآخر، وبمنزلة العلّة والمعلول، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة، والأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة، وكذلك الحال في الأعمال، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج، إلى ملكات وصفات أخلاقيّة في واقع الإنسان الداخلي.
ـ القول والاعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق، مدعاة للقول والاعتقاد بالجَبر، لأنّ مفهومها هو: أنّ صاحب الخُلق السّيء والخُلق الحسن، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم، وبما أنَّ الأعمال والسّلوكيات تعتبر انعكاساً للصفات والملكات الأخلاقيّة، ولِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات وترك الخبائث، وعليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر (3).
ـ الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه، وتُحذّره من الرذائل، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات والطّبائع الإنسانية، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(4).
فالتّعبير بكلمة دَسّاها، والتي هي في الأصلِ بمعني: خلطُ الشىّءِ بشيء آخر غير مرغوب فيه من غير جنسه، مثل «دسّ الحنطة بالتراب «، يبيّن لنا أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مجبولةٌ على الصفاء والنّقاوة والتقوى، والتلويث، والرذائل تعرض عليها من الخارج وتنفذ فيها، والاثنان قابلان للتّغير والتّبدل.
نقرأ في الآية (34) من سورة فُصّلت: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
تُبيّن لنا هذهِ الآية أنّ العداوات المتأصّلة والمتجذّرة في الإنسان بالمحبّة والسّلوك السليم، يمكن أن تتغير وتتبدل إلى صداقة حميمة بالتّحرك في طريق المحبّة والسّلوكيات السليمة، ولو كانت الأخلاق غير قابلة للتغير، لما أمكن الأمر بذلك.
ونجد في هذا المجال أحاديث إسلامية، تؤكّد هذا المعنى أيضاً، من قبيل الأحاديث التالية:
ـ الحديث المعروف الذي يقول: «إنّما بُعثتُ لأُتمم مكارم الأخلاق» سفينة البحار (مادة خلق). هو دليل ساطعٌ على إمكانيّة تغيير الصّفات الأخلاقيّة.
ـ الأحاديث الكثيرة التي تحث الإنسان على حسن الخُلق، كالحديث النّبوي الشريف الآتي: لَو يَعلَمُ العَبدُ ما فِي حُسنِ الخُلقِ لَعَلِمَ أَنّهُ يَحتاجُ أن يكونَ لَهُ خُلقٌ حسنٌ (5).
ـ وكذلك الحديث النبوي الشريف الآخر حيث يقول: الخُلقُ الحسنُ نِصفُ الدِّينِ (6).
ـ نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين (ع): الخُلقُ الَمحمُودُ مِن ثِمارِ العَقلِ وَالخُلقُ المَذمُومُ مِن ثِمارِ الجُهلِ (7).
وبما أنّ كلاً من «العلم» و«الجهلِ» قابلان للتغيير، فتتبعها الأخلاق في ذلك أيضاً.
ـ وفي حديث آخر، جاء عن الرّسول الأكرم (ص): إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بِحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرجاتِ الآخِرَةِ وَشَرف المَنازِلِ وَأَنّهُ لَضَعِيفُ العِبادةِ (8).
حيث نجد في هذا الحديث، مقارنةً بين حُسن الأخلاق والعبادة، هذا أولاً.
وثانياً: إنَّ الدرجات العُلى في الآخرة تتعلق بالأعمال الاختياريّة.
وثالثاً: التّرغيب لكسب الأخلاق الحسنة، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأخلاق أمرٌ اكتسابي، وغير خارجة عن عنصر الإرادة في الإنسان.
مثيل هذهِ الرّوايات والمعاني القَيّمة كثيرٌ، في مضامين أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وهي إن دلّت على شيء فإنّها تدلّ على إمكانِيَّة تغيّر الأخلاق، وإلاّ فستكون لغواً وبلا فائدة (9).
6 ـ وفي حديث آخر ورد عن الرّسول الأكرم (ص)، نقرأ فيه أنَّه قال لأحد أصحابه واسمه جرير بن عبد الله: إنّك امرُؤٌ قَد أحسنَ اللهُ خَلقَكَ فأَحسِنْ خُلُقَك. سفينة البحار مادة خلق.
وخلاصة القول أنّ رواياتنا مليئةٌ بهذا المضمون، حيث تدلّ جميعها على أنَّ الإنسان قادر على تغيير أخلاقه (10).
ونختم هذا البحث بحديث عن الإمام علي (ع)، يحثّنا فيه على حُسن الخلق، حيث قال (ع): الكَرَمُ حُسنُ السّجيةِ وَاجتنابِ الدَّنِيّةِ (11) (12).


(1) - أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات: ج1، ص24 .
(2) - سورة الجمعة، الآية: 2 .
(3) - انظر اصول الكافي: ج1، ص155، وكشف المراد، بحث القضاء والقدر ...
(4) - سورة الشمس.
(5) - بحار الأنوار: ج10، ص 369 .
(6) - بحار الأنوار: ج71 ، ص385 .
(7) - غرر الحكم: 1280 – 1281 .
(8) - المحجّة البيضاء: ج5، ص93 .
(9) - أصول الكافي: ج، ص99 ، باب حسن الخلق.
(10) - راجع أصول الكافي: ج2، وروضة الكافي، ميزان الحكمة: ج3 ، سفينة النجاة: ج1 .
(11) - غرر الحكم.
(12) - الأخلاق في القرآن لسماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج1 ، ص21 .

 

   المرأة

  المساواة في الوظائف الشرعية والاجتماعية
  بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم


لقد أكد القرآن الكريم إنسانية المرأة وأنها كالرجل تماماً، خلقها الله كما خلق الرجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1).
والرجل والمرأة خلقا من مصدر واحد، لا تختلف طينة أحدهما عن الآخر ولا يتفوق معدن أحدهما على الآخر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا(2) وعملية الخلق والتكوين واحدة فالجنين الذكر يمر بنفس الأطوار التي يمر بها الجنين الأنثى:﴿أَيَحْسَبُ الْإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَّنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(3).
وضمن الإسلام للمرأة حياة السعادة والتقدم إن هي التزمت خط الإيمان، وسلكت طريق العمل الصالح كالرجل تماماً ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(4) .
وأي عمل تقوم به المرأة لله تعالى فلا ينكر لها جزاؤه وثوابه فعمل المرأة محترم كعمل الرجل عند الله لأنهما مصدر واحد وعلى مستوى واحد: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ(5).
والمرأة شريكة الرجل في الجنة كما هي شريكته في دار الدنيا: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ(6).
وإذا تتبعنا آيات القرآن كلها: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وفي أي موضع يذكر فيه القرآن الكريم لفظ (الذكر) يردفه بكلمة (الأنثى) وفي غيرها من المواضع ...
وقد خاض رسول الإسلام محمد (ص) نضالاً اجتماعياً طويلاً لإثبات مكانة المرأة وتصحيح نظرة المجتمع إليها .. ففي ذلك المجتمع الجاهلي الذي يعتبر المرأة عاراً وعيباً وشيئاً حقيراً بالنسبة للرجل ... في ذلك الوقت كان الرسول (ص) يعلن بكل صراحة أنَّ النساء أمثال الرجال في الخلق والطبائع، بل أكثر من ذلك كان الرسول (ص) يعطي للمولودة البنت اهتماماً زائداً ... وهكذا أعاد الإسلام للمرأة كرامتها المسلوبة ووفر لها حريتها المهدورة.
وثمة سبب آخر ساعد الإسلام على تحقيق هذا الهدف العظيم هو نضال المرأة وجهادها من أجل إثبات وجودها وفرض شخصيتها واسترجاع حقوقها .
فقد كان لكثير من النساء دور مشرف استطعن به أنْ يثبتن جدارتهنَّ وأن يحطمنَ حواجز الحقارة والذل التي تراكمت عبر التاريخ .
قبل الإسلام كانت المرأة عضواً مشلولاً في المجتمع وطاقة مهملة في الحياة.
والآن وحيثما يراد للمرأة أن توجه اهتمامها نحو (موديلات الأزياء) وتفكر في حفلات الرقص والغناء. هذه المرأة تستطيع بعد الإسلام أن تمارس دوراً اجتماعياً خطيراً أو تشارك في صنع أحداث الحياة.
والإسلام الذي أنقذ المرأة من مآسي الماضي خطط لحمايتها من أخطار المستقبل وذلك بأن رسم لها طريقها الصحيح في الحياة وبصّرها بمواقع الانحراف، ومزالق الخطر لكي تحافظ على إنسانيتها وعفتها وكرامتها وفرض عليها أن تساهم في إدارة الحياة وتسيير شؤون المجتمع وأن تشارك في أحداث العصر مشاركة صالحة.
فالمرأة هي نصف المجتمع ولديها مواهب واستعدادات ضخمة وإهمالها يعني إهدار مواهبها واستعداداتها وخسارة طاقاتها.
وإذا كانت المرأة جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي، فهل جعل الإسلام لها حصة من الجهاد أو حملها نصيبا من مسؤولية نشر الدعوة؟
الإسلام الذي جاء ليوجه كل طاقات الحياة نحو السعادة للبشرية وكمالها لا يمكنه أن يسمح بتعطيل طاقات المرأة وتجميد ملكاتها.
لذا فقد عمل الإسلام على تفجير طاقات المرأة وتنمية مواهبها وتوجيه اهتماماتها نحو سعادتها وكمالها ونحو مصلحة المجتمع البشري والحياة الإنسانية.
فلما وجب عليها طلب العلم، ليتسع أفق تفكيرها وليرتفع مستوى معرفتها وثقافتها فتكون مؤهلة لمشاركة الرجل الذي يجب عليه هو الآخر أيضاً طلب العلم في إدارة شؤون الحياة وتسيير أمور المجتمع قال (ص): «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ».
وشجع الإسلام المرأة على منافسة الرجل في الالتزام بصفات الكمال، وتقمَّص قيم الخير والفضيلة فهي ليست قاصرة عن منافسته ومسابقته في خط الفضيلة والكمال فالمجال مفتوح أمامها ولكل منها كفاءته وطاقاته التي تؤهله للسبر والتقدم في درب الفضيلة والكمال.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(7).
والمرأة بعد ذلك مسؤولة في نظر الإسلام عمّا يحدث في مجتمعها.

المرأة والموقف السياسي:
يوم كان المجتمع الإسلامي يعيش في ظلال الإسلام الوارفة ويخضع لمبادئه الحكيمة ويطبقه تطبيقاً شاملاً صحيحاً، يومها كان للمرأة شأن عظيم، ودور كبير لم تحظ بمثله طوال التاريخ.
فقد توفر للمرأة في ظل الإسلام، وضمن المجتمع الإسلامي حرية اختيار الموقف السياسي الذي ينبع من إرادتها وقناعتها.
لأنَّ الإسلام يطلب منها اتخاذ موقف محدد تجاه قضايا السياسة والحكم باعتبارها من أهم قضايا الأمة وينظر لموقفها نظرة احترام وتقدير ولا يراه موقفاً فضولياً عبثياً لا قيمة له.
فكما كان النبي محمد (ص) يتقبل مبايعة وتأييد الرجال المؤمنين كان يتقبل مبايعة النساء المؤمنات بأمر من الله سبحانه وتعالى. إذ يقول تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(8).
هكذا يأمر الله تعالى نبيه (ص) بأن يتقبل مبايعة النساء والمبايعة موقف سياسي ويطلب من نبيه أن يشرح لهن برنامجه ونظامه الاجتماعي بالإضافة إلى عقيدته الإلهية حتى تكون البيعة على أساس الوعي والمعرفة.
وفي هذا العصر حيث يحتجب عنا الإمام المهدي(عج) للمرأة المؤمنة حريتها الكاملة في اختيار المرجع الديني ضمن المواصفات والشروط الإسلامية التي يجب توفرها في المرجع القائد ولا يصح لزوجها أو لأبيها - مثلاً - أن يجبرها على تقليد مرجع معين.

المرأة والجهاد:
إنَّ الإسلام فسح المجال للمرأة للمساهمة في معركة الرسالة، بالقيام بالمهمات الجهادية التي لا تتعارض مع ظروف المرأة وطبيعتها ولا تؤثر على دورها وأعمالها الاجتماعية الأخرى.
فهي قادرة على إلهاب الحماس ورفع الروح المعنوية في نفوس المجاهدين وتشجيع المقاتلين، وعليها تموين الجيش بما يحتاج من الطعام والشراب وعلاج المرضى وتضميد الجرحى وسقايتهم الماء.
وإنَّ في تاريخنا الإسلامي صوراً مشرقة للدور الجهادي العظيم الذي قامت به المرأة في معركة الرسالة ضد أعدائها الكافرين الطغاة كقصة نسيبة المازنية وموقفها في غزوة أحد (9).
من هذه القصة وغيرها نجد أنَّ للمرأة المسلمة دور كبير في الجهاد ويمكنها أن تقدم الشيء الكثير وأن تصنع معاجز الفداء وروائع الصمود والتضحية والعطاء.

المرأة والتغيير:
ما دامت المرأة في الإسلام جزءاً أساسياً من المجتمع، ووجوداً مستقلاً، كوضع الرجل تماماً فلا يمكن أن يسمح لها الإسلام بالسكوت على الظلم والرضى بالانحراف، والخضوع للطغيان.
بل هي مسؤولة مع الرجل عن مكافحة الظلم وهو أكبر المنكرات، وعن إقامة العدل، وهو أهم معروف، هكذا يقرر القرآن وتأمر الشريعة الإسلامية.
يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ(10).
وتستطيع المرأة في مجال العمل الثوري أن تقدم الكثير لخدمة الثورة من أجل إنجاحها وانتصارها.
وكمثال واضح على ما نقول نذكر ثورة كربلاء العظيمة التي فجرها الإمام الحسين بن علي (ع) فقد كان للمرأة دور رئيسي في الثورة ومساهمة في تحقيق أهدافها.
وهؤلاء النسوة اللاتي شاركن في ثورة الإمام الحسين (ع) لم يكنّ غافلات ولا جاهلات بنتائج الثورة، وما ستجرّه عليهنّ من مصائب ومتاعب وعناء ... بل كنّ يعرضن كل ذلك وكان الحسين (ع) يذكرهنّ بما سيصيبهنّ عدة مرات.
فهذه العقيلة البطلة زينب ابنة علي (ع) كان زوجها عبد الله بن جعفر الطّيار مكفوفاً، وكان بإمكانها أن تجعل ارتباطها بهذا الزواج المكفوف مبرّراً لها في التخلف عن الثورة.
ولكنها كانت تبحث عن مجال للتضحية وفرصة للعطاء في سبيل الله ومن أجل إنقاذ هذه الأمّة المبتلاة بسلطات الجور والانحراف استأذنت زوجها عبد الله بن جعفر لمرافقة أخيها الإمام الحسين (ع) في سفر الثورة ... ولأنه هو الآخر كان واعياً مخلصاً معطاءً فقد أذن لها وشجعها على ذلك.
فقد كانت العقيلة في مستوى المسؤولية وقامت بدورها خير قيام، والتاريخ الذي سجل مواقفها الثورية بروعة وإكبار خير شاهد على ذلك، حيث أثبتت (ع) للتاريخ والأجيال البشرية: إنَّ المرأة تستطيع أن تعطي الكثير وأن تصنع المعاجز في خدمة قضايا الأمة والرسالة إذا أرادت ذلك (11)(12).


(1) - سورة الحجرات / آية 13.
(2) - سورة الأعراف / آية 189.
(3) - سورة القيامة / آية 39.
(4) - سورة النحل / آية 97.
(5) - سورة آل عمران / آية 195.
(6) - سورة النساء / آية 124.
(7) - سورة الأحزاب/ الآية 35.
(8) - سورة الممتحنة / آية 12.
(9) - المرأة في حضارة العرب ص 27
(10) - سورة التوبة / آية 71.
(11) - المصدر: مسؤولية المرأة - حسن موس - دار البيان العربي.
(12) - إعداد: الحاجة صفاء حشوش - القسم التعليمي في جمعية القرآن الكريم - منطقة بيروت.

 

   تلاوة وتجويد

  آداب حفظ القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف الخلق سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم.
 
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ.
تعجز الكلمات أمام عظمة القرآن الكريم، ونقف حائرين أمام المولى ما بين سبع سماوات وسبع أرضين، كيف لا؟ ولو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً. فحريّ بنا أيها الأحبة أن نعمل جاهدين لنستفيد من معين هذا الكتاب ومن معارفه وعلومه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن في هذا السياق سنتعرف إلى أهم الأمور المرتبطة بعملية حفظ القرآن الكريم.


أولاً: لماذا نحفظ القرآن؟
كما أنَّ الناس متعبدون بفهم القرآن الكريم وتدبره، فلا بدّ أن يكونوا متعبدين أيضاً بحسن تلاوته وحفظ آياته. لأنَّ التأكيد وارد في حفظ القرآن الكريم الذي بدوره يساعد على فهم الآيات ومعانيها. وهنا نذكر بعض ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث المروية عن الرسول الأكرم(ص) والعترة الطاهرة وأقوال القادة حول حفظ القرآن الكريم. يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي سهلناه للحفظ والقراءة حتى يقرأ كله ظاهراً (أي عن ظهر قلب) كما جاء في تفسير «مجمع البيان» للعلامة الطبرسي.
وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾.
وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وعن الرسول الأكرم (ص): اقرأوا القرآن واستظهروه، فإنَّ الله لا يعذب قلباً وعى القرآن.
وعن الإمام الصادق (ع): الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة.

ثانياً: آراء العلماء :
يقول الإمام القائد الخامنئي |: أحب أن أدفع كل ما أملك وآخذ حفظ القرآن بدلاً عنه.
ويقول سماحته: على الشباب أن يحفظوا القرآن لكي ترسخ معارفه في أذهانهم.
يقول العلامة الحلي (رحمه الله): يستحب حفظ القرآن بحيث يبلغ التواتر لئلا تنقطع الحجة وتنفد المعجزة.
ويقول آية الله البروجردي(رحمه الله): إنَّ حفظ القرآن الكريم زادٌ للإنسان، فويل لمن خرج من الدنيا وليس معه شيء من الزاد.

ثالثاً: فوائد حفظ القرآن الكريم:
لحفظ القرآن فوائد كثيرة وجمّة نذكر أهمّها:
ـ تقوية العلاقة والصلة بين العبد وخالقه.
ـ العمل بوصية رسول الله(ص) وأهل البيت (عليهم السلام).
ـ إحياء سُنَّة حفظ القرآن الكريم وترويجه في المجتمع.
ـ إحياء القلب وعمارته: فقد جاء عن رسول الله(ص): لا تغفل عن قراءة القرآن، فإن القرآن يحيي القلب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
ـ الغنى: وأغنى الناس حملة القرآن من جعله الله في جوفه. الرسول الأكرم (ص).
ـ غفران الذنوب: من قرأ القرآن من المصحف خفف الله تعالى العذاب عن والديه وإن كانا مشركين، ومن قرأ القرآن عن حفظه، ثم ظنَّ أن الله تعالى لا يغفر له فهو ممن استهزأ بآيات الله. الرسول الأكرم(ص).
ـ بلوغ الدرجات العُلى في الجنّة.
ـ التمتع بالعقل حتى يموت الحافظ.
ـ نيل وكسب ثواب الدنيا وثواب الآخرة.
ـ يصبح أكرم عباد الله بعد الأنبياء والأئمة(ع) والعلماء.

رابعاً: آداب حفظ القرآن:
آداب حفظ القرآن كثيرة لا تعد ولا تحصى، لكن نذكر على سبيل الإجمال بعضاً منها:
ـ تربية نفس الحافظ على التقوى الإلهية.
ـ أن يتخلق الحافظ بخلق القرآن الكريم.
ـ أن ينذر نفسه لخدمة كتاب الله.
ـ العمل بمضامين وأحكام القرآن الكريم.
ـ أن يواظب على القراءة اليومية ومراجعة المحفوظات.
ـ أن لا يصيبه الغرور في حفظه لكتاب الله.
ـ التواضع أمام عظمة وقدسية كتاب الله.
ـ أن يعلّم ويحفّظ القرآن لغيره.
ـ أن يكون جاهزاً في الساحات القرآنية والجهادية ومشاركاً فيها.
ختاماً نسأله تعالى أن يجعلنا من حفظة القرآن الكريم ومن المبلغين له وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (1).
 


دروس في تجويد القرآن

مخارج الحروف
تعتبر مخارج الحروف من الدروس المهمة في علم اللغة العربية وعلم التجويد ولا يمكن للقارىء الاستغناء عنها، بل تساعده وتعينه على صحة القراءة وتفصيح الحروف ومخارجها على النحو المأخوذ به عن أئمة اللغة والتجويد. لذلك نؤكد على الطلاب المبتدئين أن يجدّوا في ضبط مخارج حروفهم بالشكل الصحيح. ويستعينوا بذلك على رياضة الألسن وتقويمها. حيث يقسم علم التجويد إلى ثلاثة أركان:
1- معرفة مخارج الحروف.
2- معرفة صفاته الذاتية (كالاستعلاء، الهمس).
3- معرفة صفاته العرضية (أحكام التجويد كالادغام والاخفاء والمد ...).


علم مخارج الحروف:
تعريف مخارج الحروف:

مخارج الحروف: جمع مخرج، والمخرج لغة: محل الخروج ومكانه.
واصطلاحاً: محل أو مكان خروج الحرف وتمييزه عن غيره لا سيما عن مقاربه أو مجانسه.


معرفة مخرج الحرف:
إذا أراد القارىء معرفة مخرج أي حرف فعليه أن يسكنه أو يشدده ويدخل عليه همزة الوصل المتحركة بأي حركة. ثم يراقب ذاك المخرج فحيث انقطع الصوت كان مخرجه فإذا أراد معرفة مخرج الباء فيقول: «إبّ» وهكذا التاء وغيره.
وإذا أردنا أن نعطي تعريفاً مختصراً للمخارج فنقول المخارج هي وصف لإنتاج الصوت اللغوي وآلة النطق.

مم تتألف آلة النطق؟
تتألف آلة النطق من ثلاثة أجهزة هي:
الجهاز التنفسي.
الجهاز الصوتي.
الجهاز النطقي.
ويشمل الجهاز التنفسي على:
الرئتان.
القصبة الهوائية.
ويشمل الجهاز الصوتي على:
الحنجرة.
الوتران الصوتيان.
ج – المزمار (وهو الفراغ الواقع بين الوترين).
ويشمل الجهاز النطقي على:
الحلق.
اللسان.
ج – الحنك.
د – اللهاة.
هـ - الفراغ الأنفي.
و- الشفتان.
ز – الأسنان.
أما عدد المخارج فعلى الرأي المشهور والمختار عند أكثر أهل الأداء ومنهم الفراهيدي وابن الجزري والشاطبي فهي سبعة عشر مخرجاً. ولها خمسة مواضع للحروف تسمى (المخارج العامة ) وهي:
الجوف: وفيه مخرج واحد.
الحلق: وفيه ثلاثة مخارج.
اللسان: وفيه عشرة مخارج.
الشفتان: وفيهما مخرجان.
الخيشوم: (الأنف): وفيه مخرج واحد.
وللكلام صلة وتتمة نرجئه إلى العدد القادم بإذن الله والحمد لله رب العالمين (2).
 


أشهر القراء المبدعين

الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد

ولد القارئ الشهير عام 1927م بقرية «المراعزة» بجنوب مصر، حيث نشأ في بقعة تهتم بالقرآن الكريم حفظاً وتجويداً... وفي أسرة قرآنية تمكن أفرادها من كتاب الله تلاوة وحفظاً، فزادهم الله مجداً وعزاً، التحق الفتى الموهوب بكتّاب الشيخ الأمير بأرمنت، حيث لاحظ الشيخ على تلميذه أنه يتميز بجملة من المواهب والنبوغ ولهذا بدأ الاهتمام بتلميذه النجيب داخل الكتاب وخارجه واعتبره «جوهرة» يجب المحافظة عليها.. ظل هكذا الشيخ مع تلميذه حتى أتم حفظ القرآن قبل سن العاشرة.
بعد الشهرة العالمية التي حققها كان لا بد من إقامة دائمة بالقاهرة مع أسرته التي نقلها من الصعيد إلى حي السيدة زينب (ع) ليسعد بجوار حفيدة الرسول (ص) والتي تسببت في شهرته والتحاقه بالإذاعة مع نهاية عام 1951م.
يُعدّ الشيخ مدرسة في عالم التلاوة والأداء ومدرسته لا تزال تقلّد وتعلّم إلى وقتنا هذا.
زار العديد من دول العالم من ضمنها لبنان قارئاً للقرآن، وقد انهالت عليه الدعوات من شتى بقاع الدنيا في شهر رمضان وغيره.
انتقل إلى ذمة الله سبحانه يوم الأربعاء 30/11/1988م، رحمه الله برحمته الواسعة.


(1) - حافظة القرآن: بلقيس حرب (النبطية).
(2) - الأستاذ الحاج عادل خليل: مدير القسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم.

 

   حفظة القرآن

  حوارات أهل القرآن


نبذة مختصرة:
الاسم: مريم حسين مغنية.
العمل: طالبة في العلوم القرآنية، وطالبة جامعية حافظة لتمام القرآن الكريم، وقد وفقت للفوز بجائزة سيد شهداء المقاومة الإسلامية للحفظة الجامعيين.
المستوى الدراسي: سنة ثالثة جامعية ـ دراسات إسلامية في الجامعة الإسلامية – خلدة، وسنة ثالثة ماجستير في التفسير وعلوم القرآن من معهد السيدة الزهراء (عليها السلام) العالي للدراسات الإسلامية.
الوضع العائلي: متزوجة وأم لخمسة أولاد.

س1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ ...﴾ ؟
ج: هذه الآية تدعو المؤمنين للاعتصام بحبل الله (تعالى) والاتحاد وعدم الفُرقة، فحبل الله تعالى هو القرآن الكريم فقد ورد عن النبي (ص) أنه قال: «كتاب الله حبل ممدود من السماء».
وقيل أيضاً هو النبي (ص) وآل بيته الأطهار (عليهم السلام)، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «آل محمد (عليهم السلام) هم حبل الله الذي أمرنا بالاعتصام به فقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ ...﴾.

س2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (ص): «إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً».
ج: إنَّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النبيين والمرسلين لأنَّ هؤلاء يتدبرون كلام الله تعالى ويتعلمون التعاليم الإلهية فيكتسبون علومهم من أعلى مقاماته، من رب العالمين عزّ وجلّ.
أما علوم النبيين والمرسلين فهي موهوبة من الله تعالى لهم «علم لدُنّي».
لذلك فإن أهل القرآن، وهم حفظته وحملته والتالون لآياته والعاملون بما فيه، لهم كرامات عند الله عزّ وجل ولهم قدْرٌ واحترام وحقوق، فلا ينبغي استضعافهم هذه الحقوق، لأن لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً.

س3: مروي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أن: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة
(2) الكرام البررة »، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ ولماذا؟»
ج: إنَّ على حافظ القرآن مسؤوليات أكبر وأعظم من الناس الآخرين قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الزمر / 9. فإنَّ المعارف التي يتعلمها حافظ القرآن أثناء مسيرته في الحفظ من خلال تكراره للآيات والتدبر فيها والتعرف على معانيها تفتح آفاقه وعقله وقلبه، وتعمل على إغنائه فكرياً وعقائدياً وعلمياً. لذلك فهو عاجز عن شكر نِعَمِ الله تعالى التي انصبّت عليه من خلال تعايشه مع القرآن في كل خطواته، فهو يشعر بالاعتزاز لما يحفظه من آيات تعينه في الاستشهاد بها في كثير من المواقف والموارد. وهذا يوجب عليه أن يمتثل لأوامر الله تعالى ونواهيه ويتواضع لله تعالى الذي علّمه ما لم يعلم.
هذا بالإضافة إلى تواضعه مع الناس الذين من حوله فيعيش معهم كما تعلّم من القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لقمان / 18.

س4: كيف تقيمين مشروع جائزة سيد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج: إنَّ مشروع جائزة سيد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدّمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله لمشروع رائع جداً، فهو يشجّع الكثيرين على الاهتمام أكثر بالقرآن وحفظه.

س5: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: أقول لطلاب الجامعات أياً كانت دراستهم الجامعية أن يجعلوا القرآن وحفظه وتعلّمه وفهمه من أولى أولوياتهم، وإنه لا خير في دراسة لا يكون القرآن على رأسها، فهو رأس العلوم وأهمها. وكلما ازداد حفظ الشخص لآيات القرآن، كلما استفاد من استخدام الآيات في مواقف حياته وعاش معها بكل حركاته وسكناته.
ونحن نرى الكثير من المثقّفين والمتعلّمين المسيحيين يحفظون كمّاً لا بأس به من الآيات القرآنية بشكل دقيق وصحيح، ويصحّحون لمن يخطىء بقراءتها.
فالأولى بنا – نحن المسلمين – الاهتمام بكتابنا، فهو «نور وهدف ورحمة «. وليس لأحد منّا عذر بترك القرآن جانباً لا يُحمل ولا يُقرأ إلا بالمناسبات، ولا يُهتم به إلا بشهر رمضان وبعض أيام السنة فقط فرسول الله شكى إلى ربّه من هجران القرآن فقال تعالى: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾.
فمهما كنّا منشغلين فلا بد من تخصيص وقت لتلاوة وحفظ القرآنً، فقليل مَدوم عليه خير من كثير مَلول، وليكن كأي درس من دروسنا.
وهنا أستحضر قصة حصلت مع المرجع الراحل السيد البروجردي (رحمه الله) حيث تأخّر مرّة عن حضوره إلى الصف لإعطاء درس (بحث الخارج) لطلبته، فاعترض عليه أحد الطلبة من العلماء بلطف وقال: «إن أوقات الطلبة تضيع هكذا، فقال له السيد البروجردي (ره): لماذا تضيعون أوقاتكم، أنا حفظت اثني عشر جزءاً من القرآن الكريم في أوقات الانتظار، أنتم كذلك لا تجلسوا عاطلين، بل استفيدوا من دقائق الانتظار لحفظ الآيات القرآنية ». ومن روائع أقوال الإمام علي(عليه السلام) بهذه المناسبة: «إن أوقاتك أجزاء عمرك، فلا تنفد لك وقتاً إلا فيما ينجيك» (غرر الحكم: ج/1، ص /252).

س6: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج: كلمتي لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه المولى عزّ وجلّ ) أنه لا عجب لحفيد الرسول (ص) ولحفيد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يشجّع على حفظ القرآن الكريم ويدعم مشروع حفظ القرآن هذا، ويكون السبّاق في لبنان لمثل هذه المشاريع قبل غيره، فلا شك أنه ينفّذ وصية أمير المؤمنين(عليه السلام) لما حضرته الوفاة حيث كان من أهم وصاياه: «الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم» تحف العقول ص /138.
وأخيراً أسأل الله تعالى أن يجعلنا من حملة القرآن ومن حفظته وأن يجعل لنا القرآن إماماً ونوراً وهدىً ورحمة بحقّ محمد وآل محمد (ص).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
السفرة: الملائكة.
البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.

 

   أهل البيت (عليهم السلام)

  كلام أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن


1- كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ألا أخبركم بالفقيه؟ الفقيه من لم يُقْنِطِ الناس من رحمة الله، ومن لم يُؤمنهم من عقاب الله، ولم يرخص لهم في معصية الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه (1).
2- روي عن السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) إنها قالت: دخل عليّ رسول الله (ص) في بعض الأيام ولما أردت النوم قال لي: يا فاطمة عليك بأربعة أمور قبل نومك: 1- ختم القرآن. 2- شفاعة الأنبياء لك. 3- رضى المؤمنين عنك. 4- الحج والعمرة. هذه وصيتي لك قبل نومك، ثمّ دخل في صلاته، وانتظرته إلى أن انتهى فقلت له: يا أبتاه كيف أستطيع على هذه الأمور في مثل هذا الوقت؟ فقال(ص): يا فاطمة كلما أردت النوم اقرئي (قل هو الله أحد) ثلاث مرات فكأنك ختمت القرآن، وصلي عليّ وعلى الأنبياء من قبلي فتنالين شفاعتهم، واستغفري للمؤمنين فتنالين رضاهم، وقولي «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر «فيكتب لك الحج والعمرة (2).
3- قيل: ان عبد الرحمن السلمي علم ولد الحسين(عليه السلام) الحمد، فلما قرأها على أبيه أعطاه (عليه السلام) ألف دينار وألف حلة، وحشا فاه درّاً، فقيل له في ذلك، قال (عليه السلام): وأين يقع هذا من عطائه - يعني تعليمه - وأنشد الحسين(عليه السلام) يقول:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طراً قبل أن تتفلت - فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ولا البخل يبقيها إذا ما تولت (3).


(1) - دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري: ج28، ص2.
(2) - رياحين الشريعة: ج1 ص223.
(3) - كلمات الإمام الحسين(عليه السلام): ج2، ص293.

 

 

  استفتاءات قرآنية


لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله)


س1: مع الاحترام والدعاء بالتوفيق وطول العمر للقائد العظيم الشأن، يرجى من حضرتكم بيان الحكم الشرعي لقراءة البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) عند الشروع بتلاوة بعض أجزاء سورة التوبة؟
ج: جواز قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في ابتداء سورة التوبة محل إشكال.

س2: ورد في الرسائل العملية حرمة وضع القرآن على عين النجس كالدم والميت حتى ولو كان جافاً، نرجو بيان رأيكم الشريف في ذلك؟
ج: إذا كان ذلك موجباً للهتك أو لسراية النجاسة لا يجوز، وإلا لا مانع منه.

س3: في بعض المنازل وعلى امتداد السنة ينجّس الأطفال السجاد المفروش على الأرض ولا يُطهّر مباشرة، فهل يجري عليه الحكم الكلي الآنف الذكر؟
ج: ليس من الواجبات تطهير سجاد المنزل، وما لم يحصل اليقين بملاقاة البدن أو أي شيء للنجاسة، وسرايتها إليه، لا يحكم بنجاسة الملاقي.

س4: في بعض مناطق إيران، يتركون الميت بلا دفن لليلة واحدة، ويضعون القرآن على كفنه (لناحية الصدر) هل هناك من إشكال في هذا؟
ج: لا إشكال فيه، وعليهم التحفظ من سراية النجاسة إلى القرآن وعدم هتكه.

س5: يوصي الكثير من المؤمنين أن يكفّنوا بعد موتهم بكفن كتبت عليه بعض آيات وسور القرآن الكريم، فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
ج: لا مانع منه، وعليهم تنفيذ الوصية، والعمل بالنحو المذكور في المسألة الآنفة مع الإمكان (1).


استفتاءات قرآنية،اصدار جمعية القرآن الكريم: ص106 - 107.

 

   مقابلة العدد

  الإسلام دينٌ اجتماعي


مع رئيس الهيئة الشرعية لحزب الله سماحة الشيخ محمد يزبك (حفظه الله)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا الأكرم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

س 1: الإسلام دين اجتماعي، كيف نتعرّف إلى ذلك الدين من خلال القرآن الكريم؟
ج: اجتمع في الإنسان، وقد اختصَّ بالتكريم الإلهي، الجسد والروح النفخة الربانية التي بها قوام الإنسانية.

ومهمة الإنسان البناء والإعمار، وهذا ما يستلزم تعاوناً وتظافراً للجهود، وهذا دوره الإجتماعي، والإسلام دين واقعي قد تكفّل للإنسان بعد التسليم بواقعه الاجتماعي بآيات بيَّن فيها أحكام التعاون والعلاقات والحقوق، فضلاً عن مسؤولية الإنسان الفردية وأحكامها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1). خطاب للمجتمع الإسلامي الإيماني اشتمل على أحكام فردية لكل عنصر من عناصر ذلك المجتمع كما أنه اشتمل على أحكام الجماعة التي يتشكل منها المجتمع حيث أمر بالمصابرة بعد الأمر بالصبر كما لا يخفى على المتأمل. وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (2).
تلك الآية وذلك المجتمع بحاجة إلى تقنين وأحكام فبعث الله تعالى النبيين وأنزل معهم الكتاب فيما بينهم معالجاً قضاياهم الاجتماعية.
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ(3). وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(4). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ(5). آيات وضّحت القواعد الأساسية لحفظ الأمة والمجتمع من الاعتصام والتعاون على الخير وتجنب التنازع وأن يكون الحاكم في كل ذلك الصبر ثمّ بين بقوله تعالى مرجعية الخلاف والنزاع بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ (6). وبين ما شرَّع بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ(7). وفي سورة الحجرات آيات بل السورة تحدثت عن العلاقات الاجتماعية والحقوقية.

س 2: كيف يطرح القرآن الكريم اسس العلاقة بين الزوجين؟
ج: إنَّ التكامل قائم بالذات المقدّسة، وكل ما لسواه قد أودع فيه ما يصبو به إلى الكمال، ويتحرك إليه بجاذبية في المخلوقات تختلف باختلافها. أحدية الذات ووحدانيتها تفرد بها الخالق المدبر الحكيم فهو منتهى الكمال والغنى. والزوجية هي من سمات المخلوق، لأنها تعبير ساطع عن النقص الذي لا يكتمل إلاّ بالزوجية التي هدى إليها الحكيم وقد يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(8).
فكل واحد من الزوجين ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر، وهذا فإنَّ النقص يحرك كل منهما نحو الآخر وينجذب إليه لأن الإنسان مفطور على الانجذاب إلى كماله. وبالتالي بين الزوجين يكون السكن وتتحقق غاية الاشتياق إلى الكمال.
والعلاقة بين الزوجين قائمة على المودة التي هي إظهار الحب بآثاره وتفاعلاته والحب هو تأثير نفساني انعكاسه الظاهري تلك هي المودة التي هي التعبير العملي أشبه ما يكون نسبة الخضوع إلى الخشوع . وقائمة على الرحمة بما هي تأثير نفساني عن مشاهدة المحروم من كماله والسعي إلى رفع ذلك الحرمان الذي هو منقصة فالرحمة تدعو إلى معالجته من الراحم، فالمودة والرحمة عاملان أساسيان في تحقيق الكمال، وبذلك يكونان واحداً في الحقيقة وكمال قائم بالغير ويفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ(9). فالعلاقة هي أرقى من علاقة الشراكة هي علاقة تكامل والشعور الواحد انصهاراً وتفانياً نفس واحدة بعد سد النقص.

س 3: كيف يطرح القرآن الكريم الحقوق الزوجية؟
ج: إنَّ الحقوق الزوجية قائمة على القاعدة القرآنية وهي المعروف قال تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(10).
فالتعبير بالمعروف للتأكيد قبل كل شيء على الاحترام وهو الأسمى ومن خلاله تقدس الحقوق، وكلمة (معروف) تكرّرت بآيات متعددة تحذيراً من الاستغلال وتضييع الحقوق فالزوجية لها حقوق من مهر قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا(11). وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا(12). وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ(13). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ(14) إلى غيرها من الآيات. وفي الإرث قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ(15) أيضاً مقابل الرضاعة قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(16).
وحق الزوجة باختصار ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ(17) إلى غيرها من الحقوق التي فصّلت في محلها.

س 4: هل ورد في القرآن الكريم ما يحث المرأة على الجهاد؟ وما جهادها؟
ج: إنَّ ما أوجبه الله تعالى على عباده أن يقاوموا الظلم والفساد ومناصرة المستضعفين والمظلومين قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا(18). إنَّ الاستفهام الاستنكاري الذي يتضمن الذم للذين لم تحركهم عواطفهم باتجاه المستضعفين من رجال ونساء وأطفال لا يقدرون على رفع الظلم عن أنفسهم ومناصرتهم وقتال الظالمين لرفع الحيف وهذا الخطاب يشمل المرأة القادرة ، كما يشمل الرجل القادر وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ(19).
إنَّ الأمر للعباد بالقتال مطلق يشمل المرأة والرجل لأنه ينبغي لكل منهما أن يشري الحياة الدنيا بالآخرة . بل يمكن أن يستظهر هذا الإطلاق من آيات الجهاد نعم خصّصت الآيات بالرجال في حال الجهاد دون حالة الدفاع كما فصّل في محله، وقد ورد في الحديث الشريف: «إنّ جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها» (20).
وقد ورد أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي(ص)وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي! إني وافدة النساء إليك، وأعلم- نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي، أنّ الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنَّكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المريض وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أولادكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي(ص)إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: «هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أنَّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا! فالتفت النبي(ص)إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء أنّ حسن تبعل إحداكنّ لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً » (21).

س 5: ما هو آثار حديث المرأة والرجل مع الأجنبي أو الأجنبية من دون ضرورة بنظر القرآن الكريم؟
ج: حرص الإسلام على العفة والعفاف والمجتمع العفيف هو الطاهر النظيف لا عبث فيه ولا فساد، ولا موجب للإنزلاق وراء الشهوات خارج حدود الاعتدال فإنَّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «الفضائل أربعة أجناس: أحدها: الحكمة، وقوامها في الفكرة، والثاني: العفة، وقوامها في الشهوة، والثالث: القوة، وقوامها في الغضب، والرابع: العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس ».
وتقوى الله تعالى سبيل العفة والعفاف قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ(22).
لباس يوارى بها السوءات الباطنية وهي التقوى، وريشاً يواري بها السوءات الظاهرية ومن لم توار سوأتها فليست بعفيفة وقد حذر القرآن الكريم من كل ما يؤدي إلى فقد العفة وإثارة العيوب الباطنية التي يكون لها انعكاساتها المضرّة في المجتمع قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا(23).
فالخطاب وإن كان متوجهاً إلى نساء النبي(ص)لكن بما يمثلن فإنهنّ في بيت النبي الأكرم محمد(ص)يتطلع إليهنّ على أنهنّ القدوة، والمرأة التي تعكس الخطاب على كل امرأة وإن السلامة والعفة في الكل بالابتعاد عمّا حذر منه وإنَّ الخضوع بالقول هو بالخروج عن الآداب العامّة بالأحاديث التي يتولد منها ما يثير القلوب المريضة فيحركها طمعاً بالوصول إلى رغباته، وأيضاً نفس الحال بالنسبة للرجال في حديثهم مع النساء فعليهم أن يلتفتوا ولا يتمادوا بما لا يليق حتى لا يؤدي إلى مكروه وعبث وفاحشة وهذا يتعدى الخطاب إلى الاجتماعيات المختلفة والمحاذير ليست من الحديث ولا من الاجتماع ولكن بتعدي الحدود وتجاوز ما يحافظ على العفة والعفاف.

س 6: ما هو نموذج المرأة الصالحة الذي مثل به القرآن؟
ج: تحدّث القرآن الكريم عن المرأة الصالحة النموذج قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(24).
هذه المرأة التي حظيت بالكرامة الإلهية حتى عدت من عداد أفضل نساء أهل الجنة كما روي عن النبي الأكرم (ص): «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد(ص)، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم ».
هذه المرأة الصالحة التي لم تغتر ببهارج الدنيا وزخارفها وقصور الطاغوت وما أدراك من نعيم الدنيا وانجذبت إلى نور في قلبها ابصرت عبوديتها وقد تكاملت رؤيتها بعد أن عطفت على المولود الذي التقطه فرعون من اليمّ وأراد قتله ولكنها وقفت في وجهه كما حكى القرآن الكريم بقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(25).
وقد هديت بهدي الله تعالى وتعلّقت بعبودية أكثر وتحمّلت كل صنوف العذاب وهي تجيب على كل التساؤلات وكان طلبها ما ذكرته الآية وقد أقرَّ الله عينها بالجنَّة وروحها بالقرب لأنها أرادته (بيتاً في الجنة عندك) وناجَتْهُ متوسلة أن ينجيها من فرعون وإغراءاته وجناياته فكان لها ما أرادت. وهذا نموذج ودرس لكل من أراد الانعتاق ...
والمثل الأخير الذي ضربه القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (26) لقد اصطفاها الله تعالى وطهرها ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(27). كل هذا بعد قبولها ونذر أمها وخوفها أن لا يتحقق ما أرادته فكان الجواب ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(28). نعم هي المطيعة المصدقة بكلمات الله وكتبه نعم هو الفضل والفيض بعد أن تقبلها وأنبتها نباتاً حسناً وهو النبات الحسن أن ذلك الايمان والتسليم المطلق والنور الذي يتجاوز حدود التصور فالملائكة بخدمتها والرزق يأتيها وزكريا يتعجب وتعلل ﴿إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ وهي القانتة وقد خاطبتها الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(29) اعداداً واستعداداً لتلقي ذلك الفيض بشارة الملائكة بالكلمة وتستغرب ولكنها تسلم ويكون النفخ ويكون المولود المبارك وتحمله خوف ودموع مع ثبات وتسليم هكذا يريد الله ولن أكون إلا مطيعة فهي النموذج والمدرسة التربوية لكل من أراد السعادة والفوز.

س 7: قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ما المقصود من التبرج؟ وما هي ضوابطه؟
ج: اهتم الإسلام بالمرأة ونقلها من واقع جاهلي تفتقد فيه شخصيتها وإنسانيتها وكان يتعامل مع التي تنجو من الوأد ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(30).
وكان لا يعترف لها بحق بل هي تورث كالمتاع بدلاً من أن تورث والإسلام أكّد على أنها والرجل من نفس واحدة لكل عمله وأجره وثوابه وحقوقه في الملكية والتوارث وأنَّ الأحكام والقوانين شاملة وعامة لكل منهما وإن كان من تمييز لأحدهما في بعض الأحكام كان من أجل خصوصية لا مدخلية لها في إنسانية الإنسان لا نقص ولا انتقاص. ومن جملة الأحكام التي اختص بها المرأة حفاظاً على عفتها وعزتها وإنسانيتها فإنه نقلها من أحكام الجاهلية الأولى التي وضعها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى(31). والتبرج الظهور أمام الناس بغير حجاب مكشوفات الرؤوس وباديات الزينة ومما كان يتعارف عليه أنهنَّ كنَّ يلقين أطراف خمرهنَّ وجزء من صدورهن وأقراضهنَّ ظاهرة فشرع الإسلام حكمه صَوناً لها من نظرات المغرضين والذين في قلوبهم مرض فخاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وخاطب المؤمنات بقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ(32).
الخمار هو الغطاء الذي تستخدمه النسوة لتغطية رؤوسهن، جيوب هي: ياقة القميص تغطي العنق والرقبة ويطلق على الجزء الذي يحيط بأعلى الصدر بمجاورته الياقة. ويجب على المرأة ستر جسدها والحفاظ على الجوهرة الثمينة وأن لا تبديها إلا عند من أذن لها بإبداء زينتها لهم، وضوابطه جميع الجسد ما عدا الكفين والوجه كل هذا إذا لم تكن الزينة على الوجه وكذا الكفين لو كانا عليهما زينة من خاتم ونحوه وفي اللباس الساتر أن لا يكون لباس شهرة مثير لأنَّ الهدف من الحجاب الابتعاد عن كل ما يثير ويجلب أذيّة من أصحاب القلوب المريضة والعيون الفارغة وقد فصّل العلماء ذلك تفصيلاً وافياً في رسائلهم.

س 8: كيف واجه القرآن الكريم حلّ الخلافات الزوجية؟
ج: ركز الإسلام على المحبة والمودة كأساس للحياة الزوجية وشرع حقوقاً لكل من الزوجين تأكيداً وحفاظاً على حياة أسرية محكومة لتلك القواعد والأسس، ولكن مع كل الاحتياطات قد يحصل ما يكون مسبباً للنفور وسماه القرآن الكريم بالنشوز وبنى بأنه كما يحصل من الزوجة يحصل من قبل الزوج قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ(33). وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا(34).
والنشوز الذي يحصل من كل منهما هو كناية عن الطغيان والتكبر والتمرد على حقوق الآخر فالخلاف والنزاع حالة استثنائية لا تستثنيها فطرة الإنسان بشكل عام وخصوصاً بالنسبة للأسرة والزوجية ولكن ما دام الإنسان في صراع مع هواه فإنْ لم يتغلب عليه عليه خطفه هواه إلى التمرد والكبرياء والعصبية والنظرة غير المقبولة إلى الآخر وهذا يوتر الأجواء بين الزوجين وينعكس على المحيط الاجتماعي المتعلق بهما وقد عالج الإسلام هذه الحالة بحركة اجتماعية إصلاحية فإن أدت دورها وأنهت الخلاف كان خيراً وإلاّ كان العلاج بحكم يحفظ فيه الطرفان وإن كان أبغض الحلال إلى الله تعالى وهو الطلاق لأنه لا طريق آخر.
وقد بين العلاج من خلال قوه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إصلاحا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(35). حكم من قبل أهل الزوجة يملك القدرة والحكمة بعيداً عن الانفعال والعصبية وحكم من قبل أهل الزوج يتمتع بميزات وصفات الحكم من قبل الزوجة يستمعان إلى كل من الزوج والزوجة وإن اقتضى تكرار الجلسات بتقريب وجهات النظر وإبعاد كل أسباب النشوز والتباعد لعلهما يوفقان إلى الإصلاح بينهما وهو عملية اختيارية تزيل كل المعوقات النفسية من طريق المعاشرة وقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ(36). وإن لم يوفقا للإصلاح بينهما كان الحل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(37). بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(38). والطلاق له أحكامه والأهم أن لا يكون فيه إضرار والعدة التي هي عبارة عن الفرصة لعله يحصل ما يكون سبباً للرجوع والعمل الإصلاحي قد أثر أثره يكون التسريح والمفارقة بإحسان قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(39).

س 9: هل المودة والرحمة أمر ضروري لسعادة الأسرة؟ وماذا قال القرآن الكريم عن ذلك؟
ج: قد فصلنا القول في الجواب عن السؤال الثاني حيث قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(40). والمودة هي تطبيق المحبة فعلاً بحيث تنعكس على كل أفعاله وعلاقاته الزوجية والحياة الأسرية التي تقوم على مبدأ المودة والرحمة وانكسار قلب كل من الزوجين للآخر هي الحياة السعيدة والتي هي توفر الأسرة الصالحة والطيبة.

س 10: كيف نفهم أن المرأة والرجل يكمّل أحدهما الآخر؟
ج: الزوجية بحد ذاتها تعبير عن النقص واحتياج كل من الزوجين للآخر فإنَّ الكمال المطلق للواحد الأحد وما سواه هو بحاجة إلى ما يسد نقصه فالزوج مع الزوجة يتكاملان وكل منهما يسد نقص الآخر وقد فصلنا الكلام في جواب السؤال الثاني.

س 11: ما المراد من المساكنة من خلال قوله تعالى: ﴿لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهاَ﴾ ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾؟
ج: اقتضت الحكمة الإلهية جعل الحياة والسكن جنباً إلى جنب وهذا ما يستأنس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا(41). فإنَّ المخلوق قائم على الزوجية لذلك لا حياة له من دونها ولذا عبر عن ذلك بعد التأكيد أنها (الزوجة) منها أي من تلك (النفس) فالنفس تطمئن وتسكن إلى من تنجذب إليه من جنسها القائمة به وهذا الاطمئنان ينعكس من الأسرة وسكنها على المجتمع والعلاقات الاجتماعية والحياة بشكل عام ومن هنا كان التأكيد على الزواج والحث عليه وورد ذم العزوبة لما لها من آثار وقلق واضطراب على الفرد والمجتمع والعزوبة على خلاف السنة الإلهية حتى لا تتوقف الحياة بل بثّ منهما رجالاً ونساءً كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (42).

س 12: ما مفهوم القوامة من خلال قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؟
ج: وردت كلمة القوامة في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ(43). الأسرة التي قوامها الزوج والزوجة والأولاد إن وجدوا هي خلية ووحدة اجتماعية صغيرة صورة عن المجتمع المركب من وحدات وخلايا متعددة فهل يعقل ترك ذلك المجتمع من دون قيم ورئيس يدير شؤونه وينظم علاقاته فالعقل يلزم بذلك وإلاّ لم تستقر الحياة ولم يطمئن الفرد على حياته وحماية حقوقه فالضرورة التي اقتضت إدارة ذلك المجتمع هي بنفسها التي تقتضي إدارة الأسرة والقيام بمسؤولية إدارتها وتنظيم أمرها بشكل يحفظها ويحميها والقيمومة هذه لا بد أن تكون لأحد ركنين الأساسيين للخلية الزوج أو الزوجة وإنما أعطيت القيمومة للزوج لأنه هو الذي كلف بالإنفاق المالي وهذا لا يعني أنَّ الزوجة لا تشارك الزوج في القيمومة والإدارة بالنيابة والاستشارة والتعاون وليس معنى القيمومة التسلط والقهر بل حفاظاً على الحقوق التي حدّدت لكل منهما فالقيمومة تسقط عندما تخرج عن حدها المرسوم لحفظ الأسرة. وهذا لا يمنع من التعاون في القيمومة من خلال توزيع الأدوار المهمة والتفضيل التي أشارت إليه تدل على أفضلية شخصية الرجل من الناحية البشرية بل لما يتفوق على معاونيه في الإدارة التي أنيطت إليه.

س 13: ماذا يقول القرآن الكريم للزوجين لأجل العفو والصفح؟
ج: قد نهى الله تعالى عن متابعة خطوات الشيطان فإنه يفسد المجتمع وعلاقات الناس ببعضهم إذ يزرع بينهم الحقد والعدوان والنهي العام عن اتباع الشيطان فالخطاب يشمل الزوجين تحصيناً لأسرتهما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(44). التزكية والطهارة والعفة بحاجة إلى إرادة من العبد وتوفيق وتسديد من الله تعالى وقوام الأسرة بالعفة وتجنب الشر والوسوسة والرمي من دون دليل وحجة وبرهان ومن هنا ذكر القرآن الكريم بأنّ لا تتناسوا الفضل بينكم والظن الحسن والحمل على الأحسن في كل ما يعترضكم حيث قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(45). وقد حذر الله تعالى من رمي المحصنات بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(46). وإن كانت قد وردت في حادثة الآية ولكن المورد لا يخصص، وعلى الزوجين فضلاً عن غيرهما أن لا يتسرعا بالتهم ورمي الآخرين.

س 14: ماذا نقول للمجتمع وبالأخص الأسرة من خلال توجيه القرآن الكريم لترك إساءة الظن؟
ج: يحتاج المجتمع إلى تبادل الثقة والمحبة والرحمة والتكامل بين أفراده ولا يكون إلا بالتعاون وإبعاد ظن السوء وحمل فعل الأخ على الأحسن قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (47). وقد ورد عن رسول الله(ص): «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديثين ولا تحسسوا ولا تجسسوا» (48). وفيما ورد عن السيد المسيح(عليه السلام): «يا عبيد السوء تلومون الناس على الظن ولا تلومون أنفسكم على اليقين» (49). والظن فعل اختياري فكيف يذم صاحبه فإنَّ الرسول(ص)بيَّن أن الذم والعقاب عليه إذا ما رتب عليه آثاره قال الرسول الأكرم(ص): «إذا ظننتم فلا تحققوا» (50). وقد حذّر القرآن الكريم من سوء الظن بآيات منها قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(51). وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(52). وقد أكّد على حمل أمر الأخ على أحسنه قال الإمام علي(عليه السلام): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملاً» (53).


(1) - سورة آل عمران، الآية: 200 .
(2) - سورة البقرة، الآية: 213 .
(3) - سورة آل عمران، الآية: 103 .
(4) - سورة المائدة، الآية: 2 .
(5) - سورة الأنفال، الآية: 46 .
(6) - سورة النساء، الآية: 59 .
(7) - سورة الشورى، الآية: 13 .
(8) - سورة الروم، الآية: 21 .
(9) - سورة البقرة، الآية: 187 .
(10) - سورة البقرة، الآية: 228 .
(11) - سورة النساء، الآية: 20 .
(12) - سورة البقرة، الآية: 229 .
(13) - سورة البقرة، الآية: 236 .
(14) - سورة البقرة، الآية: 237 .
(15) - سورة النساء، الآية: 12 .
(16) - سورة البقرة، الآية: 233 .
(17) - سورة البقرة، الآية: 229 .
(18) - سورة النساء، الآية: 75 .
(19) - سورة النساء، الآية:74 .
(20) - مستدرك الوسائل: ج 14 ، ص 246 .
(21) - كنز العمال: ج 14 ، ص 609 .
(22) - سورة الأعراف، الآية: 26 .
(23) - سورة الأحزاب، الآية: 32 .
(24) - سورة التحريم، الآية: 11 .
(25) - سورة القصص، الآية: 9 .
(26) - سورة التحريم، الآية: 12 .
(27) - سورة آل عمران، الآية: 42 .
(28) - سورة آل عمران، الآية: 37 .
(29) - سورة آل عمران، الآية: 43 .
(30) - سورة التكوير، الآيتان: 8 - 9 .
(31) - سورة الأحزاب، الآية: 33 .
(32) - سورة النور، الآيتان: 30- 31 .
(33) - سورة النساء، الآية: 34 .
(34) - سورة النساء، الآية: 128 .
(35) - سورة النساء، الآية: 34 .
(36) - سورة النساء، الآية: 128 .
(37) - سورة البقرة، الآية: 227 .
(38) - سورة الطلاق، الآية: 1 .
(39) - سورة الطلاق، الآية: 2 .
(40) - سورة الروم، الآية: 21 .
(41) - سورة الأعراف، الآية: 189 .
(42) - سورة النساء، الآية: 1 .
(43) - سورة النساء، الآية: 34 .
(44) - سورة النور، الآية: 21 .
(45) - سورة النور، الآية: 22 .
(46) - سورة النور، الآية: 23 .
(47) - سورة الحجرات، الآية: 12 .
(48) - بحار الأنوار: 75 – 195 - 8 .
(49) - تحف العقول: 501 .
(50) - كنز العمال: 758 .
(51) - سورة فصلت، الآية: 23 .
(52) - سورة الفتح، الآية: 6 .
(53) - أمالي الصدوق: 250/8 .

 

  النحل في القرآن الكريم

يقول سبحانه:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ (69)﴾ - سورة النحل.

الآيتان تتحدثان عن حشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها، نعني: العسل، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل، وفي ذكاء مفرط، وانضباطية فائقة.
فتختار في ذكاء أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد.
وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص.
ويلاحظ أنّها قبل أن تمتص الزهور تقوم بعملية انتخاب وتفتيش عن الزهرة المناسبة لها، وهذا ـ كما نرى ـ لا يصدر إلاّ من موجود ملهم، موحى إليه، موجَّه بتوجيه أعلى، لأنّ في أعمالها ما يتجلّى منه القصد والهدفية، وهذا من خصائص «الإلهام» ليس إلاّ. ومن هنا ندرك معنى قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
مستعمرة النحل تتكون من: الملكة، والشغّالة، والذُّكُور.
فالملكة: تتميز عن بقيّة النّحل بكبر حجم بطنها، وهي الأُنثى الوحيدة الخصيبة الّتي تبيض في الخليّة، وذلك بمعدّل 3000 إلى 5000 بيضة يوميّاً، بداية من شهر آذار (مارس) وحتّى شهر أيلول (سبتمبر)، حيث تضعه بنظام يسمح لها بوضع بيضة واحدة في كلّ عين من عيون الخليّة.. والبيض نوعان:
أ - بيض ملقّح، ويعطي ملكات أو شغالات تبعاً لنوع الغذاء.
والشغّالة: تعتني بالصغار وتنظيف الخليّة، وتجمع الغذاء، وتبني أقراص العسل، وتحوّل الرحيق إلى عسل.
ب - وبيض غير ملقّح، وهو يعطي الذكور، وتعيش الملكة من ثلاث إلى أربع سنوات، ولها خادمات من الشغّالة كالوصيفات تساعدها وتغذّيها وتحافظ على نظافتها.
يقول العالم كريسي موريسون حول عجائب ما تفعله نحلة العسل:
«إنّ العاملات من نحل العسل تصنع حجرات مختلفات الأحجام في المشط الذي يستخدم في التربية، وتعد الحجرات الصغيرات للعمال، والأكبر منها لليعاسيب (أي الذكر من النحل) وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل، والنحلة الملكة تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور وبيضاً مخصباً في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات.
والعاملات اللائي هي إناث معدلات بعد أن انتظرن طويلاً مجيء الجيل الجديد، تهيّأن أيضاً لإعداد الغذاء للنحل الصغيرة بمضغ العسل واللقح، ومقدمات هضمه ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور والإناث ولا يغذين سوى العسل واللقح، والإناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات فيما بعد.
أمّا الإناث اللائي في حجرات الملكة فإنّ التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر عندهن، وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل، وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضاً مخصباً، وعملية تكرار الإنتاج هذه تتضمن حجرات خاصة وبيضاً خاصاً، كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء. وهذا يتطلب الانتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف أثر الغذاء» (1).
تعيش النحلة ضمن مستعمرة نموذجية، في قفائر أو خلايا نحل، على شكل صندوق يحتوي على قرص العسل، وهو كتلة من الحجيرات السداسية الشكل، تبنيه شغالات النحل، من الشمع الذي تنتجه أجسامها، وتحتوي كل 10 سم على نحو 60 خلية سداسية وتضم بعض المستعمرات ما بين 50 ألف و60 ألف نحلة. من بينها ملكة واحدة، مهمتها الوحيدة، وضع البيض كما ذكرنا وذلك في الربيع، أي بيضة واحدة كل نحو 43 ثانية، وتضم المستعمرة بضع مئات من الذكور من نسل الملكة، لا عمل لها إلا إخصاب الملكة فقط، لكن ليس الملكة التي أنجبتها، لأنها تتزاوج في العادة من ذكور مستعمرة أخرى. وهناك آلاف من النحل الشغالات، تقوم بأعمال تنظيف الخلية، وتغذية نحل العسل وتنميته وإنتاج الشمع، وبناء خلايا قرص العسل، وحراسة مدخل الخلية، وتسلم الرحيق المجموع عن طريق النحل.
وتستطيع النحلة الشغالة أن تطير بسرعة 25 كم في الساعة، وتجمع في حياتها رحيقاً يكفي لصناعة 45 جم من العسل.
ومن المعلوم أنّ هذه الأعمال المقصودة الدقيقة التي تقوم بها حشرة النحل دون أن تخطىء أو تضل عن طريقها لو كانت بدافع الغريزة، وتحت تأثير الجبلة والخلقة لما حسن أن يقول اللّه: (وأوحى) ، والوحي كما نعلم نوع من التوجيه المباشر الإلهي للمخلوق الحي، ونوع من الخطاب الصادر من جانب اللّه إلى الموحى إليه.
ويدل على ما قلناه توجيه الخطاب إلى النحل بقوله: اتخذي، وكلي، واسلكي.
إنّ ما تفعله هذه الحشرة الذكية وكلّ الحشرات المثيلة لها كالنمل ـ مثلاً ـ خير دليل على وجود هاد لها، يوحي إليها ما يوحي، ويهديها إلى سبل حياتها.
من منافع النحلة بالإضافة إلى أنها تنتج لنا العسل، تنتج شمع العسل، الذي نستخدمه في منتجات عديدة، كالصمغ والشموع ومستحضرات التجميل، كما تنقل حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى، فتساعد النباتات على التكاثر.
تبارك الله أحسن الخالقين.


(1) - العلم يدعو للإيمان: 114 - 118 .

   أنشطة الجمعية

  أنشطة الجمعية لستة أشهر مضت من عام 1432 هجرية - 2011م

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.
يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التوبة / 105.
تستمد جمعية القرآن الكريم عزيمتها وإرادتها ونشاطها من اللّه القوي العزيز، فهي تعمل بإخلاص وحركة دائمة ومنظمة لتفعيل العمل الثقافي القرآني على الساحة اللبنانيّة لنشر الوعي والمعرفة والارتباط والمحبة للقرآن ومفاهيمه وتفسيره وتجويده ومفرداته وقيمه وعلومه وكل ما يتصل به، ولديها الكثير من الأنشطة التي تصب في خدمة هذه المعجزة الخالدة، فالقرآن هو أساس كل بناء طيّب وحركة نهضويّة وإصلاحيّة، يقول الإمام الخامنئي (دام ظلّه): «القرآن أساس الإسلام وأساس كل حركة ونهضة وبناء جديد للإنسان».
ونحن الآن نطلعكم على مجموعة من الأنشطة التي أقيمت خلال الستة أشهر الماضية من العام 1432 هجرية – 2011 م.
فقد بلغت الدورات التعليمية في هذه الفترة 291 دورة، بمشاركة 5382 مشاركاً ومشاركة على صعيد دورات المنطقة والمركزية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما وصل عدد حفظة القرآن في ضمن مشروعها إلى 359 حافظة وحافظاً، في حفظ جزأين و 69 دورة بمشاركة 955 طالباً، أما الأمسيات القرآنية فقد بلغت 116 أمسية بمشاركة شعبية وصلت إلى 44400 مشاركاً. هذا بالإضافة إلى البرامج الإعلامية والإصدارات والعلاقات العامة وبرامج التخطيط والتأهيل الإداري وغيرها وإليكم هذا التقدير الموجز:
 

دورات حفظ القرآن الكريم:
1- عدد الدورات: 46 دورة.
2- عدد المشاركين: 359 مشاركاً.

الدورات الصيفية لحفظ جزأين من القرآن الكريم:
1- عدد الدورات:69 دورة
2- عدد المشاركين: 359 مشاركاً
 

 

الدورات التعليمية:
الدورات التعليمية التخصصية القرآنية في الجمهورية الإسلامية:
1- تفسير ومفاهيم :دورة واحدة ، عدد المشاركين: 15 مشاركاً
2- صوت ونغم: دورة واحدة ، عدد المشاركين: 15 مشاركاً
الدورات التعليمية التخصصية القرآنية المركزية:
1- وقف وابتداء: 12 دورة ، عدد المشاركين: 258 مشاركاً
2- أساليب التفسير: 12 دورة ، عدد المشاركين: 279 مشاركاً
3- صوت ونغم : 10 دورات ، عدد المشاركين : 278 مشاركاً
4- أساليب حفظ القرآن: 9 دورات ، عدد المشاركين: 222 مشاركاً
5- أساليب التحكيم : 3 دورات ، عدد المشاركين: 37 مشاركاً
الدورات التعليمية التخصصية القرآنية في المناطق:
1- تجويد ابتدائي: 83 دورة ، عدد المشاركين: 1430 مشاركاً.
2- تجويد متوسط: 22 دورة ، عدد المشاركين: 369 مشاركاً.
3- تجويد تخصصي: 6 دورة ، عدد المشاركين: 94 مشاركاً.
4- إتقان التلاوة: 5 دورات ، عدد المشاركين: 70 مشاركاً.
5- وقف وابتداء: دورتان ، عدد المشاركين: 28 مشاركاً.
6- صوت ونغم (1): 7 دورات ، عدد المشاركين: 109 مشاركاً.
7- صوت ونغم (2) : دورة واحدة ، عدد المشاركين : 15 مشاركاً.
8- إعداد مدرس: 4 دورات ، عدد المشاركين: 80 مشاركاً.
9- التفسير الترتيبي: 6دورات ، عدد المشاركين: 132 مشاركاً.
10- مفاهيم قرآنية: 18 دورة ، عدد المشاركين: 265 مشاركاً.
11- حلقات قرآنية في المساجد: 84 حلقة ، عدد المشاركين: 1594 مشاركاً.
12- دورات غير حضورية: 6 دورات ، عدد المشاركين: 88 مشاركاً.
مجموع كل دورات الحفظ والتعليم 407 دورات ، مجموع عدد المشاركين: 6697 مشاركاً.
مسابقة المفاهيم الخطية: 9068 كتاباً ، عدد المشاركين 55030 مشاركاً.

 

الحفلات القرآنية:
حفلات المبعث النبوي الشريف: 21 حفلاً.
عدد الحضور 10607 مشاركاً .
حفلات شهر رمضان المبارك: 95 حفلاً.
عدد الحضور 33793 مشاركاً.
مجموع الحفلات: 116.
مجموع الحضور 44400.
البرامج الإعلامية: 183 حلقة ومقابلة.
عدد المطبوعات: 19 نوعاً.
عدد النسخ المطبوعة: 123000 نسخة.
هذه الإنجازات والأعمال لم تكن لولا تضافر الجهود جميعها ومشاركة المؤسسات الإسلامية والإعلامية والكشفية، وتعاهدكم جمعيتكم على الإستمرار بهذا الدور لتحقيق الأهداف والأغراض القرآنية وترسيخ هذه القيم في مجتمعنا، فنسأله سبحانه أن يتقبل منّا هذا الجهد القليل ويوفقنا للمزيد.

 

 

 


س 1: ما هي الخصائص الغالبة على السور المكية؟
أ- الدعوة إلى أصول العقائد والأخلاق والحديث عن القيامة والجنة والنار.
ب- مجابهة المنافقين وطول الآيات والسور.
ج- كلاهما صحيح.

س 2: ما هي الخصائص الغالبة على السور المدنية؟
أ- مجادلة المشركين وكثرة القسم وصغر السور.
ب- مجادلة أهل الكتاب وذكر الجهاد وأحكامه وأحكام الحدود.
ج- كلاهما صحيح.

س 3: ما هي الآيات المحكمات؟
أ- الآيات التي معناها المقصود واضح.
ب- الآيات التي تحتمل عدة أوجه.
ج- الآيات المتحدثة عن عالم الآخرة.

س 4: ما هي أقسام الوحي الإلهي للأنبياء؟
أ- أن يرسل الله سبحانه رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء.
ب- الوحي المباشر والوحي من وراء حجاب.
ج- كلاهما صحيح.

س 5: ما هي السورة التي تسمى بسورة النبي عيسى (عليه السلام)؟
أ- الصافات.
ب- الذاريات.
ج- الصف.

س 6: ما السورة التي تسمى بسورة "المودة"؟
أ- الطور.
ب- النجم.
ج- الممتحنة.

س 7: من كتاب الوحي؟
أ- الإمام علي بن أبي طالب (ع) ومعاذ بن جبل.
ب- أبي بن كعب، زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود.
ج- كلاهما صحيح.

س 8: القراء الذين اختارهم ابن مجاهد هم:
أ- ابن عامر،ابن كثير وعاصم.
ب- أبو عمرو،حمزة ونافع والكسائي.
ج- كلاهما صحيح.

س 9: من القائل: "القرآن والسنة ملأى بالنصوص المعنيّة بدور الإسلام الكبير في الشؤون السياسية"؟:
أ- الإمام الخميني (قده).
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج- السيد حسن نصر الله (حفظه الله).

س 10: من القائل: "لو أردنا أن نستفيد من القرآن بالمعنى الحقيقي للكلمة فعلينا أن نتعرف على معارفه ومفاهيمه"؟:
أ- الإمام الخميني (قده).
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج- السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد (2)

الفائزون في مسابقة هدى القرآن العدد (1) هم بالترتيب:
الأولى: مروى طالب.
الثانية: حوراء كامل جميل.
الثالث: سلام محمود شور.

يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لأخذ الجائزة .
 


  تسلية وفائدة قرآنية


أفقيا:
أ. اسم نبي من انبياء أولي العزم.
ب. نبي قال : " رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ".
ج. اسم طائر خوطب بقوله تعالى : "اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون".
د. أكبر حيوان ذكر في القرآن.
هـ. اسم سورة من أسماء الله سبحانه.
و. نبي عاش في الأرض كثيرا.
ز. نبي طلب من الله سبحانه أن ينزل مائدة من السماء.
ح. اسم يطلق على السور التالية: السجدة - فصلت - النجم - العلق.
ط. اسم نبي قتل جالوت.


عامودياً:
أ. أصغر حيوان ذكر في القرآن.
ب. اسم شجرة استظل بها النبي يونس (ع).
ج. اسم لزمن الصلاة الوسطى.
د. معنى (إلحافا) كما جاء في القرآن الكريم.

ه. اسم سورة سميت باسم أم أحد الأنبياء.
و. سورة يستحب قراءتها للنساء.
ز. نبي أطلق عليه (ذا النون).
ح. نبي وصف بالجمال المميز.
ط. نبي أرسل إلى مدين.
د. نبي أرسله الله سبحانه إلى عاد.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (1)

ج1- أسماء القرآن الكريم هي: الكتاب، القرآن، الفرقان، الذكر.
ج2- سبب تسمية القرآن بالمصحف الشريف بعد وفاة الرسول (ص) هو: جمع القرآن في مجلد واحد.
ج3- عدد السور والآيات والكلمات في القرآن الكريم هي: 114 سورة، 6236آية، 77807 كلمة.
ج4- أول الآيات القرآنية التي نزلت هي: الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق.
ج5- أول سورة نزلت بشكل كامل وآخر سورة كذلك هما، فاتحة الكتاب أول ما نزل بشكل كامل ، وسورة النصر آخر ما نزل كذلك.
ج6- عدد السور المكية والمدنية في القرآن الكريم هي: 86 سورة مكية و 28 سورة مدنية.
ج7- نزل القرآن على رسول الله (ص): جملة واحدة وتدريجياً.
ج8- معنى الوحي اصطلاحاً هو: رابطة معنوية تحصل للأنبياء عن طريق الاتصال بالغيب لتلقي الرسالة السماوية.
ج9- المعجزة اصطلاحاً هي: الأمر الخارق للصلاة المطابق للدعوى المقرونة بالتحدي.
ج10- من أدلة عدم تحريف القرآن: آيتا الحفظ وأن القرآن لا يأتيه الباطل ، وحديث الثقلين وروايات الإرجاع إلى القرآن.

أجوبة تسلية وفائدة قرآنية
أفقياً:
أ ـ اسم سورة لأحد الحكماء: لقمان(ع).
ب ـ والله غفور رحيم: (رحيم).
ج ـ عروس القرآن: الرحمن.
د ـ إلانة الحديد للنبي: داوود(ع).
هـ ـ سلاح العالم لاسم سورة: القلم.
و ـ اسم لأغنى الناس في بني اسرائيل في زمن فرعون: قارون.
ز ـ ويوم يقول كن فيكون (كن).
ح ـ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات (لمن).
عامودياً:
أ - السورة التي نزلت بلسان العباد: الحمد.
ب - اسم من أسماء القرآن: الذكر.
ج- ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض: (نمن).
د – أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل: (أنا).

 

 

 

ذ

 

 

 

  ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:


تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.


عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت: 278845/01 - النويري: 663914/01 - كيفون: 270158/05
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - الغسانية: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

www.qurankarim.org     E-mail: info@qurankarim.org

13-02-2013 | 09-41 د | 5742 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1603364 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2018-12-05 الساعة: 09:03 بتوقيت بيروت