تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد الثالث والعشرون
نافذة من السماء، العدد الثاني والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الثالث والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد الثاني والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد الثامن عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
نافذة من السماء، العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الثامن والثمانون
جديد مكتبات موقع جمعية القرآن الكريم
استفتاء

 
التصنيفات » ليدبروا آياته » أحاديث حول القرآن » إمام الخميني والقرآن » عظمة القرآن
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
عظمة القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم
إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا ا لذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون...ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون



كتاب الله وقصته في التاريخ

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"

الحمد لله وسبحانك، اللهم صل على محمد وآله مظاهر جمالك وجلالك وخزائن أسرار كتابك الذي تجلى فيه الأحدية بجميع أسمائك، حتى المستأثر منها الذي لا يعلمه غيرك. واللعن على ظالميهم أصل الشجرة الخبيثة.. وبعد..

أرى مناسباً أن أقدم ـ تذكيراً ـ نفحة قاصرة عن معنى الثقلين لا من حيث المقامات الغيبية والمراتب المعنوية والعرفانية، فبيان من هو مثلي أعجز من أن يتجرأ على الحديث عن مقامات عرفانية أحاطت بكل دائرة الوجود من المُلك إلى الملكوت الأعلى ومنه إلى اللاهوت؛ وإن ما لا يصل إلى فهمي وفهمك هو ثقيل تحمله، فوق الطاقة إن لم أقل يستحيل، ولا من حيث ما أصاب البشرية لهجرها حقائق المقام العالي للثقل الأكبر والثقل الكبير الذي هو الأكبر من كل ما سواه عدا الثقل الأكبر وهو الأكبر المطلق.

ولا من حيث ما أصاب الثقلين على يد أعداء الله والطغاة المكرة، مما يصعب احصاؤه على من هو مثلي لمحدودية الاطلاع والوقت، ولكني رأيت مناسباً أن أذكّر بإشارة عابرة مقتضبة لما جرى على الثقلين، ولعل في عبارة "لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" إشارة إلى أن كل ما ألمَّ بأي من الثقلين بعد الوجود المقدس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أصاب الثقل الآخر أيضاً وإن هجر أي منهما هجر للآخر، حتى يرد هذان المهجوران الحوض على رسول الله. وهل أن هذا الحوض هو مقام اتصال الكثرة بالوحدة واضمحلال القطرات في البحر، أم هو شيء آخر لا سبيل للعرفان والعقل البشري إلى إدراكه.

وينبغي القول: إن ما أصاب وديعتي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، من ظلم الطواغيت هو ظلم للأمة الإسلامية، بل للبشرية جمعاء، يعجز القلم عن تبيانه.
ويلزم التذكير هنا بأن حديث الثقلين متواتر بين جميع المسلمين، وقد روته كتب أهل السنة؛ الصحاح الستة وغيرها، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بألفاظ متعددة وموارد متكررة، فوصل حدّ التواتر.
فهذا الحديث حجة بالغة على البشرية جمعاء ولاسيما المسلمين بمختلف مذاهبهم فهم مسؤولون جميعاً عن ذلك بعد أن تمت الحجة عليهم، وإن كان هناك من عذر للعامة بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم، فلا عذر لعلماء المذاهب.

ولنرى الآن ما جرى على القرآن هذه الوديعة الإلهية، وتركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لقد شرعت نوائب مفجعة حرية أن يُبكى منها دماً بعد استشهاد الإمام علي (ع)، فقد استغل عباد الأنا والطواغيت القرآن الكريم، واتخذوه وسيلة للحكومات المعادية للقرآن، وأبعدوا مفسري القرآن الحقيقيين والعارفين بالحقائق الحقة ـ ممن تعلموا القرآن كله من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ـ أبعدوهم بذرائع شتى، وبالقرآن، ومؤامرات معدة من قبل، في وقت لم يزل فيه نداء "إني تارك فيكم الثقلين" مدوّياً في أسماعهم، وفي الحقيقة فقد أخرجوا القرآن ـ الذي كان وما يزال الدستور الأعظم لحياة البشر وشؤونهم المادية والمعنوية حتى يردوا الحوض ـ من الميدان، وابطلوا حكومة العدل الإلهي وهي أحد أهداف الكتاب المقدس، وأسسوا أسس الانحراف عن دين الله وكتابه والسنة الإلهية، فبلغ الأمر حداً يخجل القلم عن تبيانه.
وكلما ارتفع هذا البنيان المنحرف ازداد الانحراف، فقد عطلوا القرآن الكريم إلى حد بدا وكأنه لا دور له في الهداية، وهو الكتاب الذي تنزل من مقام الأحدية السامي، بالكشف المحمدي التام، هدى للعالمين، ومحوراً لجمع المسلمين كافة؛ بل وعموم الأسرة البشرية، والسمو بها إلى ما يجب أن تسمو إليه وإنقاذها وهي وليدة علم الأسماء من شرور الشياطين والطغاة.

وهو الكتاب الذي تنزل لبسط العدل والقسط في العالم، وتسليم الحكم إلى أولياء الله المعصومين عليهم صلوات الأولين والآخرين ليفوضوه بدورهم لمن يُضمن به صلاح الإنسانية.
وبلغ الانحراف درجة أن الحكومات الجائرة والخبثاء من فقهاء البلاط ـ وهم أسوأ من الطغاة ـ اتخذوا القرآن وسيلة للظلم وترويج الفساد وتسويغ أعمال الظلمة والمعاندين لإرادة الحق تعالى، وواأسفاه أن القرآن ـ وهو كتاب الهداية ـ لم يعد له من دور سوى في المقابر والمآتم، بسبب الأعداء المتآمرين والجهلة من الأصدقاء. كان الحال كذلك وما زال، فأصبح الكتاب ـ الذي ينبغي أن يكون وسيلة لتوحيد المسلمين والعالمين، ودستوراً لحياتهم ـ أصبح وسيلة للتفرقة وإثارة الخلاف، أو عُطل دوره كلياً. وقد رأينا كيف يُعتبر مرتكباً لكبرى الكبائر من ينادي بالحكومة الإسلامية ويتحدث بالسياسة. في حين أن سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والقرآن والسنة ملأى بالنصوص المعنية بدور الإسلام الكبير في الشؤون السياسية، وأصبح وصف عالم الدين بالسياسي مرادفاً لوصفه بعدم الدين وما زال هذا الوصف موجوداً. وأخيراً آل الحال إلى أن تعمد القوى الشيطانية الكبرى ـ ابتغاء محو القرآن وحفظ مطامعها الشيطانية ـ إلى طبع القرآن بخط جميل، وتوزيعه على نطاق واسع، وتنفذ ذلك بأيدي الحكومات المنحرفة التي تتظاهر بالإسلام زيفاً، وهي بعيدة عن تعاليمه، وبهذا المكر الشيطاني تعطّل القرآن.
وقد رأينا كيف أن محمد رضا بهلوي طبع القرآن فاستغفل به البعض، وكيف امتدحته فئة من رجال الدين جاهلة بالأهداف الإسلامية. ونشاهد كيف أن الملك "فهد" ينفق سنوياً مبالغ كبيرة من ثروات الشعب الطائلة لطبع القرآن الكريم، ودعم أماكن تبليغ المذهب المضاد للقرآن ويروج الوهابية ـ هذا المذهب المعادي للقرآن، والقائم أساساً على الخرافات، ويسوق الناس والشعوب الغافلة باتجاه القوى الكبرى ويستغل الإسلام والقرآن الكريم لهدم الإسلام والقرآن ـ.

نحن نفخر، ويفخر شعبنا المتمسك بالإسلام والقرآن بأننا أتباع مذهب يهدف إلى إنقاذ حقائق القرآن ـ الممتلئة دعوة إلى الوحدة بين المسلمين، بل البشرية من المقابر ـ باعتبارها أنجع علاج منقذ للإنسان من القيود المكبلة لرجليه ويديه وقلبه وعقله، والسائقة له إلى الفناء والعدم والرق والعبودية للطواغيت.

________________________________________

عظمة القرآن

اعلم أيها العزيز أن عظمة كل كلام وكل كتاب إما بعظمة متكلمه وكاتبه، وإما بعظمة مطالبه ومقاصده، وإما بعظمة نتائجه وثمراته، وإما بعظمة الرسول والواسطة، وإما بعظمة المرسل إليه وحامله، وإما بعظمة حافظه وحارسه، وإما بعظمة شارحه ومبيّنه، وإما بعظمة وقت إرساله وكيفية إرساله. وبعض هذه الأمور دخيل في العظمة ذاتاً وجوهراً، وبعضها عرضاً وبالواسطة، وبعضها كاشف عن العظمة. وجميع هذه الأمور التي ذكرناها موجودة في هذه الصحيفة النورانية بالوجه الأعلى والأوفى؛ بل هي من مختصّاته بحيث أن أي كتاب آخر إما ألاّ يشترك معه في شيء منها أصلاً، أو لا يشترك معه في جميع المراتب.

أما عظمة متكلمه ومنشئه وصاحبه؛ فهو العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت، وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب والشهادة رشحة من تجليات عظمة فعل تلك الذات المقدسة، ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب والسرادقات، كما في الحديث "إن لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه دونه".
وعند أهل المعرفة قد صدر هذا الكتاب الشريف من الحق تعالى بمبدئية جميع الشؤون الذاتية والصفاتية والفعلية، وبجميع التجليات الجمالية والجلالية، وليست لسائر الكتب السماوية هذه المرتبة والمنزلة. وأما عظمته بواسطة محتوياته ومقاصده ومطالبه فيستدعي ذلك عقد فصل على حدة، بل فصول وأبواب، ورسالة مستقلة، وكتاب مستقل حتى يسلك نبذة منها في سلك البيان والتحرير، ونحن نشير بطريق الإجمال بفصل مستقل إلى كلياته، وفي ذلك الفصل نشير إلى عظمته من حيث النتائج والثمرات إن شاء الله.

وأما عظمة رسول الوحي وواسطة الإيصال فهو جبرائيل الأمين والروح الأعظم الذي يتصل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه عن الجلباب البشري، وتوجيه شطر قلبه إلى حضرة الجبروت بذاك الروح الأعظم، وهو أحد أركان دار التحقق الأربعة بل هو أعظم أركانها وأشرف أنواعها، لأن تلك الذات النورانية ملك موكل للعلم والحكمة وصاحب الأرزاق المعنوية والأطعمة الروحانية. ويستفاد من كتاب الله والأحاديث الشريفة تعظيم جبرائيل وتقدمه على سائر الملائكة.
وأما عظمة المرسل إليه ومتحمّله، فهو القلب التقي النقي الأحمدي الأحدي الجمعي المحمدي الذي تجلى له الحق تعالى بجميع الشؤون الذاتية والصفاتية والأسمائية والأفعالية، وهو صاحب النبوة الختمية، والولاية المطلقة، وهو أكرم البرية، وأعظم الخليقة، وخلاصة الكون، وجوهرة الوجود، وعصارة دار التحقق، واللبنة الأخيرة، وصاحب البرزخية الكبرى، والخلافة العظمى.
وأما حافظه وحارسه فهو ذات الحق جلّ جلاله، كما قال في الآية الكريمة المباركة {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}.
وأما شارحه ومبيّنه فالذوات المطهرة المعصومون من رسول الله إلى حجة العصر عجل الله فرجه والذين هم مفاتيح الوجود، ومخازن الكبرياء، ومعادن الحكمة والوحي، وأصول المعارف والعوارف، وأصحاب مقام الجمع والتفصيل.
وأما وقت الوحي فليلة القدر أعظم الليالي و {خير من ألف شهر} وأنوار الأزمنة، وهي في الحقيقة وقت وصول الوليّ المطلق والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله.

________________________________________

القرآن كتاب للهداية والتربية

اعلم أن هذا الكتاب الشريف ـ كما صرّح هو به ـ كتاب الهداية، وهادي سلوك الإنسانية ومربّي النفوس وشافي الأمراض القلبية، ومنير طريق السير إلى الله.

وبالجملة، فإن الله تبارك وتعالى ـ لسعة رحمته على عباده ـ أنزل هذا الكتاب الشريف من مقام قربه وقدسه، وتنزل به على حسب تناسب العوالم حتى وصل إلى هذا العالم الظلماني، وسجن الطبيعة، وصار على كسوة الألفاظ وصورة الحروف لاستخلاص المسجونين في سجن الدنيا المظلم، وخلاص المغلولين بأغلال الآمال والأماني، وإيصالهم من حضيض النقص والضعف والحيوانية على أوج الكمال والقوة والإنسانية، ومن مجاورة الشيطان إلى مرافقة الملكوتيين، بل الوصول إلى مقام القرب وحصول مرتبة لقاء الله التي هي أعظم مقاصد أهل الله ومطالبهم، فمن هذه الجهة هذا الكتاب هو كتاب الدعوة إلى الحق والسعادة، وبيان كيفية الوصول إلى هذا المقام، ومحتوياته إجمالاً هي ما له دخل في هذا السير والسلوك الإلهي، أو يعين السالك والمسافر إلى الله، وعلى نحو كلي أحد مقاصده المهمة: الدعوة إلى معرفة الله، وبيان المعارف الإلهية من الشؤون الذاتية والأسمائية والصفاتية والأفعالية. والأكثر في هذا المقصود هو توحيد الذات والأسماء والأفعال، التي ذكر بعضها بالصراحة، وبعضها بالإشارة المستقصية.\
وليعلم أن المعارف من معرفة الذات إلى معرفة الأفعال قد ذكرت في هذا الكتاب الجامع الإلهي على نحو تدركه كل طبقة على قدر استعدادها، كما أن علماء الظاهر والمحدثين والفقهاء رضوان الله عليهم يبيّنون ويفسرون آيات التوحيد الشريفة، وخصوصاً توحيد الأفعال على نحو يخالف ويباين ما يفسرّها أهل المعرفة وعلماء الباطن.

والكاتب يرى كلا التفسيرين صحيحاً في محله، لأن القرآن هو شفاء الأمراض الباطنية، ويعالج كل مريض على نحو خاص، كما أن كريمة {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}، وكريمة {الله نور السماوات والأرض}، وكريمة {هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}، وكريمة {وهو معكم}، وكريمة {أينما تولّوا فثم وجه الله}، إلى غير ذلك في توحيد الذات والآيات الكريمة في آخر سورة الحشر وغيرها في توحيد الصفات. وكريمة {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، وكريمة {الحمد لله رب العالمين}، وكريمة {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} في توحيد الأفعال التي تدل بعضها بوجه دقيق وبعضها بوجه أدق عرفاني، هي شفاء للأمراض عند كل طبقة من طبقات علماء الظاهر والباطن على نحو معين. ففي نفس الوقت الذي تكون الآيات الشريفة مثل آيات أول الحديد والسورة المباركة التوحيد قد نزلت للمتعمقين في آخر الزمان حسب الحديث الشريف في الكافي فإن لأهل الظاهر منها نصيب كافٍ، وهذا من معجزات هذا الكتاب الشريف ومن جامعيته.

ومن مقاصده الأخرى ومطالبه: الدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير البواطن من أرجاس الطبيعة، وتحصيل السعادة. وبالجملة، كيفية السير والسلوك إلى الله، وهذا المطلب الشريف منقسم إلى شعبتين مهمتين.

إحداهما: التقوى بجميع مراتبها المندرجة فيها التقوى عن غير الحق والأعراض المطلق عما سوى الله.
وثانيهما: الإيمان بتمام المراتب والشؤون المندرجة في الإقبال إلى الحق، والرجوع والإنابة إلى ذاته المقدسة، وهذا من المقاصد المهمة لهذا الكتاب الشريف، وأكثر مطالبه ترجع إلى هذا المقصد إما بلا واسطة أو مع الواسطة.
ومن مقاصد هذه الصحيفة الإلهية: قصص الأنبياء والأولياء والحكماء، وكيفية تربية الحق إياهم، وتربيتهم الخلق. فإن في تلك القصص فوائد لا تحصى وتعليمات كثيرة. ومن المعارف الإلهية والتعليمات وأنواع التربية الربوبية المذكورة والمرموزة فيها ما يحيّر العقل.

فيا سبحان الله، وله الحمد والمنة، ففي قصة خلق آدم عليه السلام، والأمر بسجود الملائكة، وتعليمه الأسماء، وقضايا إبليس وآدم التي كرر ذكرها في كتاب الله من التعليم والتربية والمعارف والمعالم لمن كان {له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ما يحيّر الإنسان. ولأجل هذه النكتة كررت القصص القرآنية كقصة آدم وموسى وابراهيم وسائر الأنبياء. فليس هذا الكتاب كتاب قصة وتاريخ؛ بل هو كتاب السير والسلوك إلى الله، وكتاب التوحيد والمعارف والمواعظ والحكم. والمطلوب في هذه الأمور هو التكرار كي يؤثّر في القلوب القاسية، وتأخذ منها الموعظة. وبعبارة أخرى إن من يريد أن يربّي ويعلم وينذر ويبشّر فلابدّ له أن يزرق مقصده بالعبارات المختلفة والبيانات المتشتتة، فتارة في ضمن قصة وحكاية وأخرى في ضمن تاريخ ونقل، وحيناً بصراحة اللهجة، وحيناً بالكناية والأمثال والرموز حتى يتمكن كل من النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة الاستفادة منها، وحيث أن هذا الكتاب الشريف لأجل سعادة جميع الطبقات وسلسلة البشر قاطبة، ويختلف هذا النوع الإنساني في حالات القلوب والعادات والأخلاق والأزمنة والأمكنة، ولا يمكن أن تكون دعوته على نحو واحد، فربّ نفوس لا تكون حاضرة لأخذ التعاليم بصراحة اللهجة وإلقاء أصل المطلب بنحو عادي، ولا تتأثر بهذا النحو، فلابد أن تكون دعوة هؤلاء وفق كيفية تفكيرهم، فيفهم إيّاهم المقصد، وربّ نفوس لا شغل لها بالقصص والحكايات والتواريخ، وإنما علاقتها بلب المطالب، ولباب المقاصد، فلا يوزن هؤلاء مع الطائفة الأولى بميزان واحد، ورب قلوب تتناسب مع التخويف والإنذار، وقلوب لها الألفة مع الوعد والتبشير. فلهذه الجهة دعا الناس هذا الكتاب الشريف بالأقسام المختلفة، والفنون المتعددة، والطرق المتشتتة، والتكرار لمثل هذا الكتاب لازم وحتمي، والدعوة والموعظة من دون تكرار وتفنّن خارجة عن حد البلاغة، وما يتوقع منها ـ وهو التأثير في النفوس ـ لا يحصل من دون تكرار، ومع هذا فإن ذكر القضايا في هذا الكتاب الشريف كان على نحو لا يوجب تكرارها الكسالة في الإنسان، بل هو في كل دفعة يكرر أصل المطلب يذكر فيها خصوصيات ولواحق ليست في غيرها، بل في كل مرة يركز النظر إلى نكتة مهمة عرفانية أو أخلاقية ويطيف المطلب حولها. وبيان هذا المطلب يستلزم استقصاءات كاملة في القصص القرآنية، ولا يسع هذا المختصر، وفي أمل هذا الضعيف المحتاج أن أؤلف بالتوفيق الإلهي وبالمقدار الميسور كتاباً في خصوص القصص القرآنية، وحل رموزها، وكيفية التعليم والتربية فيها، وإن كان القيام بهذا الأمر من مثل الكاتب أمل لا ينال، وخيال باطل في الغاية.

وبالجملة، فإن ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام وكيفية سيرهم وسلوكهم وكيفية تربيتهم عباد الله ومواعظهم ومجادلاتهم الحسنة من أعظم أبواب المعارف والحكم، وأعلى أبواب السعادة والتعاليم، قد فتحها الحق تعالى وجل مجده على عباده، فكما أن لأرباب المعرفة وأصحاب السلوك والرياضة منها حظاً وافراً ونصيباً كافياً كذلك لسواهم أيضاً نصيب وافٍ وسهم غير محدود.
فمثلاً أهل المعرفة يدركون من الكريمة الشريفة {فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً} إلى آخر الآيات كيفية سلوك إبراهيم عليه السلام، وسيره المعنوي، ويعلمون طريق السلوك إلى الله، والسير إلى جنابه، وحقيقة السير الأنفسي، والسلوك المعنوي من منتهى ظلمة الطبيعة التي عبّر عنها في ذلك المسلك بـ{جنَّ عليه الليل} إلى إلقاء مطلق الآنيّة والأنانية، وترك النفسانية وعبادة النفس، والوصول إلى مقام القدس والدخول في محفل الأنس {ووجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} إلى آخرها إشارة إلى ذلك في هذا المسلك، والآخرون يدركون منها السير الآفاقي وكيفية تربية خليل الرحمن أمّته وتعليمه إيّاهم. وعلى هذا المنوال سائر القصص والحكايات، مثل قصة آدم وإبراهيم وموسى ويوسف وعيسى(عليهم السلام) وعلاقات موسى مع الخضر (عليهما السلام)، فإن استفادات أهل المعارف والرياضات والمجاهدات والآخرين تختلف كل منهم عن الآخر.

ويدخل في هذا القسم، أو هو مقصد مستقل، حكم ومواعظ ذات الحق المقدسة، حيث أنه بنفسه دعا العباد بلسان القدرة في كل مكان مناسب، إما إلى المعارف الإلهية والتوحيد والتنزيه كالسورة المباركة التوحيد، وأواخر سورة الحشر وأوائل الحديد، وسائر موارد الكتاب الشريف الإلهي، ولأصحاب القلوب والسوابق الحسنى من هذا القسم حظوظ لا تحصى.
فمثلاً أصحاب المعارف يستفيدون من الكريمة المقدسة {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}، قرب النافلة والفريضة، وفي نفس الحال يستفيد السائرون ـ الخروج بالبدن ـ والهجرة مثلاً لمكة أو للمدينة، أو دعاهم إلى تهذيب النفوس والرياضات الباطنية كالكريمة الشريفة {قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها} إلى غير ذلك... أو دعاهم إلى العمل الصالح كما هو معلوم، أو حذرهم عن مقابلات كل من ذلك، وتدخل في هذا القسم أيضاً الحكم اللقمانية وحكم سائر الأجلّة والمؤمنين المذكورة في الموارد المختلفة في هذه الصحيفة الإلهية كقضايا أصحاب الكهف.

ومن مطالب هذه الصحيفة النورانية أحوال الكفار والجاحدين والمخالفين للحق والحقيقة والمعاندين للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، وبيان كيفية عواقب أمورهم وكيفية بوارهم وهلاكهم كقضايا فرعون وقارون ونمرود وشدّاد وأصحاب الفيل وغيرهم من الكفرة والفجرة. ففي كل واحدة منها مواعظ وحكم، بل معارف لأهله. ويدخل في هذا القسم قضايا ابليس الملعون، ويدخل في هذا القسم أيضاً أو أنه قسم مستقل قضايا غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله التي فيها أيضاً مطالب شريفة مذكورة، منها كيفية مجاهدات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لإيقاظ المسلمين من نوم الغفلة، وبعثهم للمجاهدة في سبيل الله، وتنفيذ كلمة الحق وإماتة الباطل.
ومن مطالب القرآن الشريف بيان قوانين ظاهر الشريعة والأدب والسنن الإلهية، وقد ذكرت كلّياتها ومهماتها في هذا الكتاب النوراني. والعمدة في هذا القسم الدعوة إلى أصول المطالب وضوابطها مثل باب الصلاة والزكاة والخمس والحج والصوم والجهاد والنكاح والإرث والقصاص والحدود والتجارة وأمثالها. وحيث أن هذا القسم وهو علم ظاهر الشريعة عام المنفعة ومجعول لجميع الطبقات من حيث تعمير الدنيا والآخرة، وتستفيد كل طبقات الناس منه بمقدارها، فالدعوة إليه كثيرة لهذه الجهة، وفي الأحاديث الشريفة والأخبار أيضاً خصوصياته وتفاصيله إلى حد وافر، وتصانيف علماء الشريعة في هذا القسم أكثر وأعلى من سائر الأقسام.
ومن مطالب القرآن الشريف: أحوال المعاد والبراهين لإثباته، وكيفية العذاب والعقاب والجزاء والثواب، وتفاصيل الجنة والنار والتعذيب والتنعيم.

وقد ذكرت في هذا القسم حالات أهل السعادة ودرجاتهم من أهل المعرفة والمقربيّن، ومن أهل الرياضة والسالكين، ومن أهل العبادة والناسكين. وكذلك حالات أهل الشقاوة ودرجاتهم من الكفار والمحجوبين والمنافقين والجاحدين وأهل المعصية والفاسقين. ولكن ما كان أكثر فائدة لحال العامة كان أكثر ذكراً وبصراحة اللهجة، وما كان مفيداً لطبقة خاصة؛ فقد ذكر بطريق الرمز والإشارة مثل {ورضوان من الله أكبر}، وآيات لقاء الله لتلك الطائفة، ومثل {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} للطائفة الأخرى. وقد ذكر في هذا القسم أي في قسم تفصيل المعاد والرجوع إلى الله معارف لا تحصى، وأسراراً صعبة مستصعبة لا يمكن الاطلاع على كيفيتها إلا بالسلوك البرهاني أو النور العرفاني.

ومن مطالب هذه الصحيفة الإلهية كيفية الاحتجاجات والبراهين التي ذكرها الله وهي إما أقامتها الذات المقدسة الحق تعالى بنفسه لإثبات المطالب الحقة والمعارف الإلهية مثل الاحتجاج إلى إثبات الحق والتوحيد والتنزيه والعلم والقدرة وسائر الأوصاف الكمالية. وقد يوجد في هذا القسم براهين دقيقة يستفيد أهل المعرفة منها استفادة كاملة مثل {شهد الله أنه لا إله إلا هو}. وقد توجد براهين يستفيد الحكماء والعلماء منها على نحو، ويستفيد أهل الظاهر وعامة الناس على نحو آخر، ككريمة {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، ومثل كريمة {إذاً لذهب كل إله بما خلق}، ومثل آيات أول سورة الحديد والسورة المباركة التوحيد وغيرها، ومثل الاحتجاج على إثبات المعاد ورجوع الأرواح وإنشاء النشأة الأخرى، والاحتجاج على إثبات ـ ملائكة الله والأنبياء العظام ـ الموجودة في موارد مختلفة من هذا الكتاب الشريف.
هذه حال احتجاجات نفس الذات المقدسة، وإما أن الحق تعالى نقل براهين الأنبياء والعلماء على إثبات المعارف مثل احتجاجات خليل الرحمن سلام الله عليه وغيره.
هذه مهمات مطالب هذا الكتاب... وإلاّ فالمطالب المتفرقة الأخرى أيضاً موجود ويستلزم إحصاؤها وقتاً كافياً.

________________________________________

القرآن جوامع الكلم

وحيث أن الذات المقدسة للحق جل وعلا على حسب {كل يوم هو في شأن}... يتجلى لقلوب الأنبياء والأولياء في كسوة الأسماء والصفات، وتختلف التجليات على حسب اختلاف قلوبهم، والكتب السماوية التي نزلت على قلوبهم بنعت الإيحاء بتوسط ملك الوحي جبرائيل تختلف على حسب اختلاف هذه التجليات وعلى حسب اختلاف الأسماء التي لها المبدئية، كما أن اختلاف الأنبياء وشرائعهم أيضاً باختلاف الدول الأسمائية، فكل اسم تكون إحاطته أكثر ويكون أجمع؛ تكون دولته أكثر احاطة، والنبوة التابعة له أكثر إحاطة والكتاب النازل منه أكثر إحاطة وجامعية، وتكون الشريعة التابعة له أكثر إحاطة وأدوم. وحيث أن النبوة الختمية والقرآن الشريف وشريعة سيد البشر من مظاهر المقام الجامع الأحدي وحضرة اسم الله الأعظم ومجاليها، أو من تجلياتها وظهوراتها؛ فلهذا صارت أكثر النبوات والكتب والشرائع إحاطة وأجمعها. ولا يتصور أكمل وأشرف من نبوته وكتابه وشريعته، ولا يتنزل من عالم الغيب على بسيط الطبيعة علم أعلى منه، أو شبيه له، بمعنى أن هذا هو آخر ظهور للكمال العلمي المربوط بالشرائع، وليس للأعلى منه إمكان النزول في عالم المُلك، فنفس الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله أشرف الموجودات، والمظهر التام للاسم الأعظم، ونبوّته أيضاً أتمّ النبوّات الممكنة، وصورة لدولة الاسم الأعظم، ولهذا الكتاب أحدية الجمع والتفاصيل. وهو من جوامع الكلم، كما أن كلامه صلى الله عليه وآله أيضاً كان من جوامع الكلم، والمراد من كون القرآن أو كلامه صلى الله عليه وآله من جوامع الكلم ليس أن القرآن، أو أنه صلى الله عليه وآله بيّنا الكليات والضوابط الجامعة، وإن كانت أحاديثه صلى الله عليه وآله أيضاً من الجوامع والضوابط بذلك المعنى. كما أن ذلك معلوم في علم الفقه، بل جامعيته عبارة عن أن القرآن نزل لجميع طبقات الإنسان في جميع أدوار العمر البشري، وهو رافع لجميع حوائج هذا النوع. وحقيقة هذا النوع حيث أنها حقيقة جامعة وواحدة لتمام المنازل، من المنزل الأسفل الملكي إلى أعلى مراتب الروحانية والملكوت والجبروت، ولهذه الجهة يختلف أفراد هذا النوع في العالم الأسفل الملكي اختلافاً تاماً، والاختلاف والتفاوت الموجودان في أفراد هذا النوع لا يوجدان في أفراد سائر الموجودات، ففي هذا النوع الشقي الذي هو في كمال الشقاوة، والسعيد الذي هو في كمال السعادة، وهو نوع بعض أفراده أسفل من جميع الحيوانات، وبعض أفراده أشرف من جميع الملائكة المقربين.
وبالجملة، حيث أن أفراد هذا النوع مختلفة ومتفاوتة في المدارك والمعارف، فالقرآن نزل على نحو يستفيد كلٌ منه على حسب كمال ـ إدراكه ومعارفه ـ وضعفها، وعلى حسب ما له من الدرجة العلمية.

12-12-2008 | 01-14 د | 3558 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1026955 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2017-04-10 الساعة: 10:20 بتوقيت بيروت