تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد الثاني والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الثالث والتسعون
نافذة من السماء، العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الثاني والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد الثامن عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
نافذة من السماء، العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الثامن والثمانون
جديد مكتبات موقع جمعية القرآن الكريم
استفتاء

 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1437 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد الثامن عشر

العدد الثامن عشر ـ السنة السادسة

 
 

العدد الثامن عشر ـ السنة السادسة ـ جمادى الأولى١٤٣٧هـ، شباط ٢٠١٦ م

مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

لسحب العدد بصيغة PDF اضغط هنا

 

 

 

- الافتتاحية: القرآن معجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخالدة.

- القرآن والقادة: أنس الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن وإقباله على تلاوته

- رسالة سماحة آية الله العظمى السيد علي خامنئي (دام ظله) إلى عامة الشباب في البلدان الغربية

- أسباب التخلي عن الحق وطريق الثبات عليه

- التفسير والبيان:العلم بالغيب والشهادة

- مفردات قرآنية:سُورَة الكَهف مكّية وعَدَدُ آيَاتِها مائَة وعشرُ آيات

- الأمثال في القرآن: التمثيل بالبَأساء والضـــرّاء والزلزلة

- مناهج التفسير: التفسير البياني للقرآن الكريم

- معجم المفسرين: مناهج التفسير

- علوم قرآنية : سلامة القرآن من التحريف

- قصص قرآنيّة: قصة أصحاب الكهف في القرآن

- القرآن في نهج البلاغة:المَهْدِيُّ مُحْيِي اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ

- الأخلاق في القرآن: قبول التوبة عقلي أم نقلي

- الجهاد في القرآن: المقام الرفيع للمجاهدين المؤمنين

- مفاهيم قرآنية: المعاد في القرآن الكريم

- استفتاءات قرآنية: لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنائي (دام ظله)

- المرأة في القرآن: دور الإسلام في إنقاذ المرأة.

- حفظُ القرآن: كيف نساعد أطفالنا على حفظ القرآن الكريم

- حوارات قرآنية: مع زينب محمد البيطار حافظة لكامل القرآن الكريم

- كلام أهل البيت(عليهم السلام): القرآنُ الكريم عِند أهل البيت (عليهم السلام)

- مقابلة العدد :الحاج أحمد حسين محمدي

- دروس في تجويد القرآن : عملية التنفس الصحيحة للتلاوة

- نباتات ذكرت في القرآن: الزنجبيل في القرآن

- حيوانات ذكرت في القرآن: المَعْز في القرآن الكريم

- أنشطة الجمعية

- مسابقة العدد

 

    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 

يقول سبحانه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ صدق الله العلي العظيم.

الكتاب: هو الوحي الرافع لاختلافات الناس. والحكمة: هي المعرفة النافعة المتعلقة بالاعتقاد أو العمل. من الضروري معرفة القرآن لكل مسلم مؤمن، لأنَّ القرآن الكريم هو المنبع الأصلي والأساسي للدين والإيمان وتفكر كل مسلم، ولأن الرسالة الإلهية تهب الحياة حرارة وروحاً وحرمةً ومعنى.القرآن عرضَ ووضّحَ أصول العقائد والأفكار التي يحتاج إليها الإنسان، على أساس أنه موجود مكلّف ومؤمن وصاحب عقيدة، والمؤمنون مضطرون إلى أخذ أفكارهم ومعتقداتهم ومفاهيم حياتهم من أصدق المنابع القرآن فهو أهم الأصول التربوية والخلقية والأنظمة الاجتماعية والروابط الأسرية، إلا أنه يبقى التفصيل والتفسير، وأحيانا الاجتهاد، وتطبيق الأصول على الفروع، فذلك موكول إلى السنة أو الاجتهاد (أي استنباط الأحكام)، ولذا تتوقف الاستفادة من أي منبع آخر على معرفة القرآن مقدما.القرآن مقياس ومعيار للمنابع الأخرى، وعلينا أن نطبق الحديث والسنة مع المعايير القرآنية، فلو تطابقت معها قبلناها، ولو لم تطابقها رفضناها.وأما أكثر المنابع اعتبارا وتقديسا عندنا بعد القرآن، هي: الكتب الأربعة في الحديث(الكافي، مَن لا يحضره الفقيه، التهذيب، والاستبصار)، وفي الخطب: نهج البلاغة، وفي الأدعية: الصحيفة السجادية، وكل هذه المنابع متفرعة من القرآن ولا نقطع بها كما نقطع بالقرآن، أي أن حديث الكافي: نستطيع أن نأخذ به ونستدل عليه عندما نطبقه مع القرآن، ولا بد أن يتطابق معه ومع تعاليمه ولا يختلف معه شيئا.جمعية القرآن وكافة المؤمنين مع ما كان الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليهم السلام يقولون: «إن على كلّ حق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه».
 

جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والإرشاد

 

    الافتتاحية



اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالِميْنَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ

عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّد وآلِهِ الطَّيِبيْنَ الطّاهِرِيْنَ.

قال تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ (١) .

لابد أن تكون معجزة كل نبي مشابهة لأَرقى فنون عصره وزمانه، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنّه أسرع للتصديق، وأقوم للحجة، فكان من الحكمة والصواب أن يخص موسى (عليه السلام) بالعصا، واليد البيضاء، لمّا شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون، وفي عصر المسيح (عليه السلام) شاع الطب، وأتى الأَطباء في زمانه بالعجب العجاب، وكان للطب رواج باهر، شاءت الحكمة أن يبعث الله المسيح وأن يجعل برهانه شيئاً يشبه الطب، فكان من معجزاته أن يحيي الموتى ويبرىء الأَكمه والأَبرص، ليعلم أهل زمانه أنّ ذلك شيء خارج عن قدرة البشر وغير مرتبط بمبادىء الطب وأنّه ناشىء عما وراء الطبيعة.

وأمّا النبي الأَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد برعت العرب في عصره في البلاغة وامتازت بالفصاحة، وبلغت الذروة في فنون الأَدب حتى عقدوا النوادي وأقاموا الأَسواق للمباراة في الشعر والخطابة، فلأَجل ذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الإسلام بمعجزة البيان وبلاغة القرآن، ليعلم كل عربي أنّ هذا خارج عن طوق البشر، ويعترف به كل من يتوخّى الحقيقة.

نعم، يجب أن تكون معجزة النبي مشابهة لأَرقى فنون العصر، وأن تكون دعوته مقترنة بالمعاجز حتى تحقّق صلته بالله سبحانه ويتبين أنّ الله الحكيم هو الذي أعطاه تلك المقدرة، ولو كان كاذباً لما جاز في منطق العقل والحكمة إقداره عليها، لاَنّ في إقدار الكاذب على المعاجز، إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقه وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته.

فالدليل على مبدأ البعثة ذاته يفرض إذن أن يكون الأنبياء الصادقين مجهزين بالدليل على نبوتهم كي يتميز الصادقون من الكاذبين. أي أن يكونوا مجهزين بالمعجزة الدالة على صدق ادعائهم.

و«المعجزة» كما هو واضح من لفظها عمل خارق يأتي به النّبي ويعجز عن الإتيان به الآخرون.

على النّبي صاحب المعجزة أن يتحدى النّاس بمعجزته، وأن يعلن لهم أن معجزته دليل على صدق دعواه.

الآيات المتقدمة تعالج وتركز على المعجزة القرآنية الخالدة كي تزيل كل شك وريب وترديد في رسالة نبي الإسلام محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

القرآن كتاب يسمو ويعلو على أفكار البشر، ولم يستطع أحد حتى اليوم أن يأتي بمثله، وهو معجزة سماوية كبرى.

هذا الكتاب الكريم يعتبر بين معاجز النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أقوى سند حيّ على نبوة الرّسول الخاتم، لأنه معجزة «ناطقة» و«خالدة» و«عالمية» و«معنوية».

أمّا كيف يكون القرآن معجزة «ناطقة» ؟ فجوابه: أنّ معاجز الأنبياء قبل نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن كذلك، أي أنها كانت بحاجة إلى وجود النّبي لكي يتحدث للناس عن معجزته ويتحداهم بها، ومعاجز خاتم الأنبياء والمرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ عدا القرآن هي من هذا اللون. أما القرآن فمعجزة ناطقة، لا يحتاج إلى تعريف، يدعو لنفسه بنفسه، يتحدى بنفسه المعارضين ويدينهم ويخرج منتصراً من ساحة التحدي، وهو يتحدى اليوم جميع البشر كما كان يتحداهم في عصر الرسالة، إنه رسالة ودستور ووثيقة قانونية إلهية ومعجزة تحكي وتدافع عن نفسها.

أما كيف يكون معجرة خالدة وعالمية ؟ فجوابه: هو أنّ القرآن الكريم حطم حدود «الزمان والمكان» وتفوق عليهما، لأنَّ معاجز الأنبياء السابقين وحتى معاجز خاتم النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم) غير القرآن، فهي مسجلة على شريط معين من الزمان، وواقعة في مساحة معينة من المكان، وأمام جمع معدود من النّاس، مثل معاجز عيسى(عليه السلام) كحديثه في المهد وإحيائه الموتى. وواضح أن الأحداث المقيّدة بزمان ومكان معينين تمسي صورتها باهتة كلما ابتعدنا عن ظروفها الزمانية والمكانية، وهذا من خصائص الأمور الزمنية. لكن القرآن لا يقيّد بزمان ومكان محدد، فهو يطلع علينا اليوم كما طلع على الناس في فترة نزول الوحي، بل إن مرور الزمن زاد البشرية قدرة علمية وفكرية في إمكانية الاستفادة منه أكثر من ذي قبل، والذي لا يرتبط بزمان أو مكان فيعني ذلك أنه يحوي عناصر الدوام والخلود وسعة دائرته العالمية، وواضح أن الدين العالمي الخالد بحاجة إلى مثل هذه الوثيقة العالمية الإلهية الخالدة.

أمّا كيف نفهم الصّفة «المعنوية» للقرآن ؟ فجوابه: هو أننا نفهمها حين ننظر إلى معاجز الأنبياء السابقة على الرسالة الخاتمة، ونرى أنها كانت غالباً «جسمية» مثل: شفاء الأمراض المستعصية، وتحدث الطفل في المهد... وكانت تتجه نحو تسخير الأعضاء البدنية. أما القرآن، فيحرك القلوب والنفوس، ويبعث فيها الإعجاب والإكبار، إنه يتعامل مع الأرواح والأفكار والعقول البشرية، وبديهي تميّز مثل هذه المعجزة على المعاجز الأخرى.

أما سرّ خلود القرآن، كما تعرفون أنَّ القرآن المجيد معجزة خالدة، فهي باقية مع الزمن وتتحرك أمامه، بينما الحياة تتطور، والناس يختلفون، والأجيال تخلّف أجيالاً جيلاً بعد جيل، والعلة في ذلك هي أن القرآن يحدثنا عن السنن الإلهية الثابتة، ولا يحدثنا عن الأحكام والتشريعات المتغيرة فلا تجد في الكتاب الكريم آية، إلا وتجدها ثابتة دائمة، وحتى أن الحديث عن الأمم السابقة، فهو حديث عن الحياة العامة والتاريخ البشري الثابت وما فيه من عبر باقية وسنن إلهية جرت في الماضين وستجري في اللاحقين إلى يوم القيامة، لأنها سنن غير قابلة للتبديل أو التحويل؛ تماماً كما هو أصل وسنّة لبس الثياب الثابتة بغض النظر عما يتغير من اشكال وموضات الثياب وطريقة لبسها، أو كما هو الأصل والسنة في احتياج الإنسان للطعام والشراب رغم تنوعهما أو طريقة تناولهما وتغيرهما بتغير الزمن والأشخاص.

إذن؛ فالسنن الإلهية سنن ثابتة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التشريعات القرآنية، فهي تشريعات ثابتة على الرغم من وجود التفاوت في تفسيراتها وتأويلاتها وتطبيقاتها.

فالقرآن الذي يأمرنا بالالتزام بأصل اقتصادي ثابت وهو الوفاء بالعقود، لا يهتم بالإشارة إلى أي عقدٍ منها، لأنها تختلف باختلاف الزمن. وكذلك حينما يقول: ﴿ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾ (٢) ، فإنه يأمرنا بالنزاهة والأمانة وعدم الاعتداء على ممتلكات وحقوق الآخرين، وفي الوقت ذاته يأمرنا بأصل آخر نفهمه من الآية، وهو أن يكون التراضي محور العمل الاقتصادي والتجاري، ولكنه لم يوضح لنا صفة هذه الأموال أو طبيعة وطريقة التجاوز عليها وهكذا الأمر بالنسبة لسائر الأصول والثوابت التي يحويها المصحف الشريف.

فالسر الأساس في خلود القرآن واستمراره، أنه لا يزداد مع مرور الزمن وتبدل الأفراد والمجتمعات والحضارات إلا نضارة وتألقاً، وبهذه المعجزة القرآنية الخالدة يكون كتاب الله خارجاً وسابقاً للدائرة الزمنية والمكانية.

اللهم إني أسألك بحق القرآن العظيم الذي نزل به الروح الأمين وهو عندك في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أن تشفينا بشفائك وتداوينا بدوائك وتعافينا من بلائك، بحق محمد وآله الطاهرين، اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

رئيس التحرير


(1) - سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(1) - سورة النساء، الآية: ٢٩.

 

    القرآن والقادة

 

أنس الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن وإقباله على تلاوته

 

تلاوته القرآن فقرة ثابتة في برنامجه اليومي: كانت تلاوة القرآن من الفقرات الثابتة في البرنامج اليومي للإمام، وكان يلتزم بها على وفق ترتيب منظم خاص، وكنا نحن الملازمون لخدمته نراه يتلو في اليوم أربعة أجزاء من القرآن.

يختم القرآن كل عشرة أيام مرة على الأقل: طلبت يوماً من أحد المقربين من الإمام، أن يخبرني بما يفعله الإمام طوال نهاره وليله، فقال ضمن توضحيه لفقرات برنامج عمل الإمام اليومي: إنه يتلو القرآن ثمان مرات كل يوم ويختمه كل عشرة إيام مرة على الأقل (1) .

يقبل على تلاوته في كل فرصة: كان الإمام يتلو القرآن بعد إقامته لنافلة الليل إلى موعد آذان الفجر، ثم يعاود تلاوته بعد فريضة الفجر، كما كان يقبل على تلاوته كلما سنحت له الفرصة بين أعماله اليومية، فكان يتلو القرآن ثمان مرات في اليوم ويختمه كل شهر مرة (2) .

ويوليه أهمية خاصة رغم كثرة المشاغل: على الرغم من كثرة مشاغله، كان الإمام يولي أهمية خاصة لأداء المستحبات، خاصة تلاوة القرآن والدعاء وإقامة الصلاة في أول وقتها، كان يتلو ما تيسر من القرآن ثلاث إلى خمس مرات في اليوم ويختمه في شهر رمضان المبارك ثلاث ختمات (3) .

يحرص على تلاوته وسط أعماله: يتلو الإمام القرآن عدة مرات في اليوم، وكلما سنحت له الفرصة، وهو يتلو ما تيسر منه عادة بعد صلاة الفجر وقبل صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء، ويلتزم بهذا العمل المستحب في كل فرصة تسنح له، فنراه في الكثير من الأحيان منهمكاً بتلاوة القرآن عندما ندخل عليه في النهار لبعض الأعمال (4) .

التوجه للقرآن أثناء تلاوته: يلتزم الإمام ومنذ مقتبل عمره الشريف بتلاوة مقدار من القرآن كل يوم، وهذا الأمر جزء ثابت في برنامجه اليومي المنظم بدقة، فهو يخصص فيه ساعة للإقبال على تلاوة القرآن والأنس به، لا يدخل عليه فيها أحد، ولا يجيب فيها على سؤال أحد، فكان يتوجه بكل وجوده للقراءة والتدبر في آياته ومعانيه (5) .

الأنس بتلاوة القرآن: الإمام شديد الأنس بالقرآن، فهو مثلاً يتوجه لتلاوة آياته ضحى كل يوم، بعد تناول إفطاره واللقاء بالمسؤولين، وبعد ممارسة رياضة المشي لمدة محددة، تبدأ في الساعة التاسعة والنصف، ثم يقوم بعد هذه التلاوة بإنجاز بعض الأعمال، وقراءة بعض الرسائل والتقارير السرية، التي لا يحق لغيره اتخاذ القرار بشأنها، وبعد ذلك يجدد الوضوء قبل أذان الظهر، ويعاود تلاوة القرآن، وهو يتميز بحالة خاصة من التوجه والإقبال والأنس بتلاوة القرآن والدعاء (6) .

التلاوة قبل إقامة الصلاة: كان الإمام يتلو القرآن عادة قبل حلول وقت كل صلاة (7) .

يستثمر أبسط فرصة لتلاوة القرآن: لم يكن الإمام يسمح بضياع أي مقدار من وقته مهما كان بسيطاً، كان يستثمر كل فرصة، فمثلاً كان يأتي لتناول طعام الظهيرة بعد إقامته صلاتي الظهر والعصر، فإذا سنحت له فرصة ولو كانت أقل من دقيقتين أخذ المصحف وتلا فيها ما تيسر من كتاب الله (8) .

أريد العين لتلاوة القرآن: أصيب الإمام أيام إقامتنا في النجف الأشرف بمرض في عينه، فجاء الطبيب وفحصها ثم قال: استريحوا من تلاوة القرآن بضعة أيام! ابتسم الإمام وقال: «أيها الطبيب، أنا أريد العين من أجل تلاوة القرآن فما جدوى أن تكون لي عين ولا أتلو بها القرآن؟! عليك أن تقوم بما يمكنني من تلاوة القرآن» (9) .

التلاوة قبل طعام الظهيرة: لم يكن الإمام يسمح أبداً بتضييع وقته، وقد رأيناه مراراً يتوجه لتلاوة القرآن في الدقائق القليلة التي يستغرقها إعداد مائدة الطعام وهي دقائق يقضيها الآخرون عادة بالبطالة (10) .

يكشف الحزن بالقرآن: عندما توفي المرحوم السيد مصطفى تقرر أن يذهب عدد من الإخوة بمعية الحاج السيد أحمد إلى الإمام ويخبرونه بصورة تدريجية بهذا الخبر المؤلم. وعندما جلسوا عنده سأل أحد الإخوة: هل وصل من المستشفى خبر جديد عن حالة السيد مصطفى؟ فقال الشيخ الميرزا حبيب الله الأراكي: لقد اتصلوا من المستشفى قبل قليل وقالوا: يجب نقله إلى بغداد بسرعة. ولكن السيد أحمد لم يستطع السيطرة على عبرته وجعل يبكي، فأدار وجهة لكي لا يراه الإمام، ولكن الإمام أعاد له وجهه إلى الاتجاه الأول وقال:«ما بك يا أحمد ؟هل توفي مصطفى؟ إن أهل السماء يموتون وأهل الأرض لا يبقون. ليتفضل السادة بالعودة إلى أعمالهم»، ثم قام هو وتوضأ وأخذ يتلو القرآن الكريم (11) .

لا يترك القرآن للإنشغال بالجهاد: كان من المعروف في النجف إن الإمام يقرأ كل يوم جزئين من القرآن، كان شديد الأنس بالقرآن ويقبل على تلاوته في الصباح وبعد الظهر وكلما سنحت له الفرصة، فلم يكن يترك تلاوة القرآن بحجة الإنشغال بالأعمال الجهادية (12) ..

عشر ختمات في شهر ربيع القرآن: كان الإمام يقرأ في شهر رمضان عشرة أجزاء من القرآن يومياً فكان يختمه بالكامل كل ثلاثة أيام مرة. كان بعض الإخوة يفرحون لإكمالهم ختم القرآن مرتين في هذا الشهر المبارك، ثم عرفوا لاحقاً إن الإمام يختمه عشر مرات أو إحدى عشرة ختمه في هذا الشهر المبارك (13) .


(1) - السيد رحيم ميريان «من العاملين في بيت الإمام».
(2) - حجة الإسلام والمسلمين الأنصاري الكرماني، صحيفة رسالت ٩/٣/١٣٧٢هـ.ش.
(3) - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد رضا التوسلي.
(4) - حجة الإسلام والمسلمين الأنصاري الكرماني، مجلة «بيام إنقلاب: رسالة الثورة»، العدد: ٤٨.
(5) - حجة الإسلام والمسلمين الرسولي المحلاتي صحيفة إطلاعات ١٠/٩/١٣٦٧هـ.ش.
(6) - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن الثقفي، كتاب «بابن باي آفتاب: خطوات في أثر الشمس»، ج١، ص ١٤٣.
(7) - حجة الإسلام والمسلمين الآشتياتي، مجلة «باسدار إسلام: حارس الإسلام» العدد: ٩٤.
(8) - السيدة مرضية الحديدجي، «سركذشتهاي ويزه أز زندكي امام خميني: حوادث خاصة من حياة الإمام الخميني» ج:٤.
(9) - السيدة فاطمة الطباطبائي، مجلة «حضور»، العدد:٣.
(10) - حجة الإسلام والمسلمين مسيح البروجردي، صحيفة «سلام» ٢/٣/١٣٧٢هـ.ش.
(11) - حجة الإسلام والمسلمين الفرقاني، كتاب «حوادث خاصة من حياة الإمام الخميني»، ج ١.
(12) - آية الله السيد عباس خاتم اليزدي.
(13) - حجة الإسلام والمسلمين الناصري، كتاب «حوادث خاصة من حياة الإمام»، ج٤.

 

   القرآن والقادة

 

رسالة سماحة آية الله العظمى السيد علي خامنئي (دام ظله)
إلى عامة الشباب في البلدان الغربية


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

يقول تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ . فقد استخدم سماحته في توجيه رسالته إلى الشباب الغربي الأسلوب الأخلاقي والعلمي والمنطقي والإِستدلالي والحكمة التي يحكمها الحق والعدل والصحة والأمانة والصدق، وهي خالية من أيّةِ إِهانة أو تحقير أو تكبر أو مغالطة، بالنهاية هي دعوة إلى الله عزّوجل والتمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإسلام الأصيل، وكلامه يحرك البُعد العقلي للإِنسان، والبُعد العاطفي، وفيما يلي نص الرسالة قال فيها:

إلى كل الشباب في البلدان الغربية:

الأحداث المريرة التي ارتكبها الإرهاب الأعمى في فرنسا دفعتني مرة أخرى لمخاطبتكم. ويؤسفني أن توفر مثل هذه الأحداث أرضية الحوار، بيد أن الواقع هو أن القضايا المؤلمة إذا لم توفر الأرضية للتفكير بالحلول ولم تعط الفرصة لتبادل الأفكار، فستكون الخسارة مضاعفة. فمعاناة الإنسان، في أيّ مكان من العالم، محزنة بحد ذاتها لبني البشر. مشهد طفل في حالة نزع الروح أمام أحبائه، وأمّ تبدلت فرحة عائلتها إلى مأتم، وزوج يحمل جسد زوجته مسرعاً إلى ناحية ما، أو متفرّج لا يدري أنه سيشاهد بعد لحظات المقطع الأخير من مسرحية حياته، هذه ليست مشاهد لا تثير العواطف والمشاعر الإنسانية. كل من له نصيب من المحبة والإنسانية يتأثر ويتألم لمشاهدة هذه المناظر، سواء وقعت في فرنسا، أو في فلسطين والعراق ولبنان وسورية. ولا شك أن ملياراً ونصف المليار من المسلمين لهم نفس الشعور، وهم براء ومبغضون لمرتكبي هذه الفجائع ومسببيها. غير أن القضية هي أن آلام اليوم إذا لم تؤد إلى بناء غد أفضل وأكثر أمناً، فسوف تختزل لتكون مجرد ذكريات مُرّة عديمة الفائدة. إنني أؤمن أنكم أنتم الشباب وحدكم قادرون، باستلهام الدروس من محن اليوم، على أن تجدوا السبل الجديدة لبناء المستقبل، وتسدوا الطرق الخاطئة التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه الآن.

صحيح أن الإرهاب أصبح اليوم الهم والألم المشترك بيننا وبينكم، لكن من الضروري أن تعرفوا أن القلق وانعدام الأمن الذي جرّبتموه في الأحداث الأخيرة يختلف اختلافاً أساسياً عن الآلام التي تحملتها شعوب العراق واليمن وسورية وأفغانستان طوال سنين متتالية: أولاً إن العالم الإسلامي كان ضحية الإرهاب والعنف بأبعاد أوسع بكثير، وبحجم أضخم، ولفترة أطول بكثير. وثانياً إن هذا العنف كان للأسف مدعوماً على الدوام من قبل بعض القوى الكبرى بشكل مؤثر وبأساليب متنوعة. قلّ ما يوجد اليوم من لا علم له بدور الولايات المتحدة الأمريكية في تكوين وتقوية وتسليح القاعدة، وطالبان، وامتداداتهما المشؤومة. وإلى جانب هذا الدعم المباشر، نری حماة الإرهاب التكفيري العلنيون المعروفون كانوا دائماً في عداد حلفاء الغرب بالرغم من أن أنظمتهم أكثر الأنظمة السياسية تخلفاً، بينما تتعرض أكثر وأنصع الأفكار النابعة من الديمقراطيات الفاعلة في المنطقة إلى القمع بكل قسوة. والإزدواجية في تعامل الغرب مع حركة الصحوة في العالم الإسلامي هي نموذج بليغ للتناقض في السياسات الغربية.

الوجه الآخر لهذا التناقض يلاحظ في دعم إرهاب الدولة الذي ترتكبه إسرائيل. الشعب الفلسطيني المظلوم يعاني منذ أكثر من ستين عاماً من أسوأ أنواع الإرهاب. إذا كانت الشعوب الأوربية اليوم تلوذ ببيوتها لعدة أيام وتتجنب التواجد في التجمعات والأماكن المزدحمة، فإن العائلة الفلسطينية لا تشعر بالأمن من آلة القتل والهدم الصهيونية منذ عشرات الأعوام، حتى وهي في بيتها. أيّ نوع من العنف يمكن مقارنته اليوم من حيث شدة القسوة ببناء الكيان الصهيوني للمستوطنات؟ إن هذا الكيان يدمر كل يوم بيوت الفلسطينيين ومزارعهم وبساتينهم من دون أن يتعرض أبداً لمؤاخذة جادة مؤثرة من قبل حلفائه المتنفذين، أو على الأقل من المنظمات الدولية التي تدعي استقلاليتها، من دون أن تتاح للفلسطينيين حتى فرصة نقل أثاثهم أو حصاد محاصيلهم الزراعية، ويحصل كل هذا في الغالب أمام الأعين المذعورة الدامعة للنساء والأطفال الذين يشهدون ضرب وإصابة أفراد عوائلهم، أو نقلهم في بعض الأحيان إلى مراكز التعذيب المرعبة. تری هل تعرفون في عالم اليوم قسوة بهذا الحجم والأبعاد وبهذا الاستمرار عبر الزمن؟ إمطار سيدة بالرصاص في وسط الشارع لمجرد الاعتراض على جندي مدجّج بالسلاح، إنْ لم يكن إرهاباً فما هو إذن؟ وهل من الصحيح أن لا تعدّ هذه البربرية تطرفاً لأنها ترتكب من قبل قوات شرطة حكومة محتلة؟ أو بما أن هذه الصور تكررت على شاشات التلفزة منذ ستين سنة، فإنها يجب أن لا تستفز ضمائرنا؟

الحملات العسكرية التي تعرض لها العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، والتي تسببت في الكثير من الضحايا، هي نموذج آخر لمنطق الغرب المتناقض. البلدان التي تعرضت للهجمات، فقدت بناها التحتية الاقتصادية والصناعية، وتعرضت مسيرتها نحو الرقي والتنمية إما للتوقف أو التباطؤ، وفي بعض الأحيان تراجعت لعشرات الأعوام فضلاً عن ما تحملته من خسائر إنسانية. ورغم كل هذا يطلب منهم بوقاحة أن لا يعتبروا أنفسهم مظلومين. كيف يمكن تحويل بلد إلى أنقاض وإحراق مدنه وقراه وتحويلها إلى رماد، ثم يقال لأهاليه لا تعتبروا أنفسكم مظلومين رجاء! أليس الأفضل الاعتذار بصدق بدل الدعوة إلى تعطيل الفهم أو نسيان الفجائع؟ إن الألم الذي تحمله العالم الإسلامي خلال هذه الأعوام من نفاق المهاجمين وسعيهم لتنزيه ساحتهم ليس بأقل من الخسائر المادية.

أيها الشباب الأعزاء، إنني آمل أن تغيروا أنتم في الحاضر أو المستقبل هذه العقلية الملوثة بالتزييف والخداع، العقلية التي تمتاز بإخفاء الأهداف البعيدة وتجميل الأغراض الخبيثة. أعتقد أن الخطوة الأولى في توفير الأمن والاستقرار هي إصلاح هذه الأفكار المنتجة للعنف. وطالما تسود المعايير المزدوجة على السياسة الغربية، وطالما يقسّم الإرهاب في أنظار حماته الأقوياء إلى أنواع حسنة وأخرى سيئة، وطالما يتم ترجيح مصالح الحكومات على القيم الإنسانية والأخلاقية، ينبغي عدم البحث عن جذور العنف في أماكن أخرى.

لقد ترسّخت للأسف هذه الجذور تدريجياً على مدى سنين طويلة في أعماق السياسات الثقافية للغرب أيضاً، وراحت تعِدّ لغزو ناعم صامت. الكثير من بلدان العالم تعتز بثقافاتها المحلية الوطنية، تلك الثقافات التي غذّت المجتمعات البشرية على نحو جيد طوال مئات الأعوام محافظة علی إزدهارها وإنجابها. والعالم الإسلامي ليس استثناء لهذه الحالة، ولكن العالم الغربي استخدم في الحقبة المعاصرة، أدوات متطورة مصرّاً على الاستنساخ والتطبيع الثقافي في العالم. إنني أعتبر فرض الثقافة الغربية على سائر الشعوب، واستصغار الثقافات المستقلة، عنفاً صامتاً وعظيم الضرر. ويتم إذلال الثقافات الغنية والإسائة لأكثر جوانبها حرمة، رغم أن الثقافة البديلة لا تستوعب أن تكون البديل لها على الإطلاق. وعلى سبيل المثال، إن عنصري «الصخب«و«التحلل الأخلاقي«اللذين تحوّلا للأسف إلى مكوّنين أصليين في الثقافة الغربية، هبطا بمكانتها ومدی قبولها حتى في موطن ظهورها. والسؤال الآن هو: هل هو ذنبنا نحن أننا نرفض ثقافة عدوانية متحللة بعيدة عن القيم؟ هل نحن مقصّرين إذا منعنا سيلاً مدمراً ينهال على شبابنا على شكل نتاجات شبه فنية مختلفة؟

إنني لا أنكر أهمية الأواصر الثقافية وقيمتها، وهذه الأواصر متى ما حصلت في ظروف طبيعية وشهدت احترام المجتمع المتلقي لها ستنتج التطور والإزدهار والإثراء، وفي المقابل فإن الأواصر غير المتناغمة والمفروضة ستعود فاشلة جالبة للخسائر. يجب أن أقول بمنتهى الأسف أن جماعات دنيئة مثل «داعش«هي ثمرة مثل هذه الصلات الفاشلة مع الثقافات الوافدة. فإذا كانت المشكلة عقيدية حقاً لوجب مشاهدة نظير هذه الظواهر في العالم الإسلامي قبل عصر الاستعمار أيضاً، في حين أن التاريخ يشهد بخلاف ذلك. التوثيقات التاريخية الأكيدة تدلّ بوضوح كيف أن التقاء الاستعمار بفكر متطرف منبوذ نشأ في كبد قبيلة بدوية، زرع بذور التطرف في هذه المنطقة. وإلّا كيف يمكن أن يخرج من واحدة من أكثر المدارس الدينية أخلاقاً وإنسانية في العالم، والتي تعتبر وفق نسختها الأصلية أن قتل إنسان واحد يعدّ بمثابة قتل الإنسانية كلها، كيف يمكن أن يخرج منها زبلٌ مثل «داعش»؟

ومن جانب آخر ينبغي السؤال: لماذا ينجذب من وُلِد في أوربا وتربّى في تلك البيئة الفكرية والروحية إلى هذا النوع من الجماعات؟ هل يمكن التصديق بأن الأفراد ينقلبون فجأة بسفرة أو سفرتين إلى المناطق الحربية إلى متطرفين يمطرون أبناء وطنهم بالرصاص؟ وبالتأكيد علينا أن لاننسی تاثيرات التغذية الثقافية غير السليمة في بيئة ملوثة ومنتجة للعنف طوال سنوات عمر هولاء. ينبغي الوصول الی تحليل شامل في هذا الخصوص، تحليل يكشف النقاب عن الأدران الظاهرة والخفية في المجتمع. وربما كانت الكراهية العميقة التي زرعت في قلوب شرائح من المجتمعات الغربية طوال سنوات الازدهار الصناعي والاقتصادي، ونتيجة حالات عدم المساواة، وربما حالات التمييز القانونية والبنيوية، قد أوجدت عقداً تتفجّر بين الحين والآخر بهذه الأشكال المريضة.

على كل حال، أنتم الذين يجب أن تتجاوزوا الصور الظاهرية لمجتمعاتكم، وتجدوا مكامن العقد والأحقاد وتكافحوها. ينبغي ترميم الهوّات بدل تعميقها. الخطأ الكبير في محاربة الإرهاب هو القيام بردود الأفعال المتسرّعة التي تزيد من حالات القطيعة الموجودة. أية خطوة هياجية متسرعة تدفع المجتمع المسلم في أوربا وأمريكا، والمكوّن من ملايين الأفراد الناشطين المتحمّلين لمسؤولياتهم، نحو العزلة أو الخوف والاضطراب، وتحرمهم أكثر من السابق من حقوقهم الأساسية، وتقصيهم عن ساحة المجتمع، لن تعجز فقط عن حل المشكلة بل ستزيد المسافات الفاصلة وتكرّس الحزازات. التدابير السطحية والانفعالية، خصوصاً إذا شرعنت وأضفي عليها الطابع القانوني، لن تثمر سوى تكريس الاستقطابات القائمة وفتح الطريق أمام أزمات مستقبلية.

وفقاً لما وصل من أنباء، فقد سنّت في بعض البلدان الأوربية مقررات تدفع المواطنين للتجسس على المسلمين. هذه السلوكيات ظالمة، وكلنا يعلم أن الظلم يعود عكسيا شئنا أم أبينا. ثم إن المسلمين لا يستحقون هذا الجحود. العالم الغربي يعرف المسلمين جيداً منذ قرون. إذ يوم كان الغربيون ضيوفاً في دارالإسلام وامتدت أعينهم إلى ثروات أصحاب الدار، أو يوم كانوا مضيّفين وانتفعوا من أعمال المسلمين وأفكارهم، لم يلاقوا منهم في الغالب سوى المحبة والصبر. وعليه، فإنني أطلب منكم أيها الشباب أن ترسوا أسس تعامل صحيح وشريف مع العالم الإسلامي، قائم على ركائز معرفة صحيحة عميقة، ومن منطلق الاستفادة من التجارب المريرة. في هذه الحالة ستجدون في مستقبل غير بعيد أن البناء الذي شيّدتموه على هذه الأسس يمدّ ظلال الثقة والاعتماد على رؤوس بُناته، ويهديهم الأمن والطمأنينة، ويشرق بأنوار الأمل بمستقبل زاهر على أرض المعمورة (١) .

وكان قائد الثورة الإسلامية المعظم وجّه رسالته الأولى إلى الشباب الغربي في شباط/فبراير من العام الماضي، قال فيها:

إن الأحداث الأخيرة في فرنسا وما شابهها في بعض الدول الغربية الأخرى دفعتني وشجعتني أن أتحدّث معكم عنها مباشرة.

إني أخاطبكم أيّها الشباب؛ ولا يعني هذا أنني اتجاهل آباءكم وامهاتكم، بل لأني أرى مستقبل شعبكم وبلادكم بأيديكم، وكذلك أرى بأن حس البحث عن الحقيقة في قلوبكم أكثر حيوية ووعياً. وأنا أيضا لا أخاطب في كلمتي هذه السياسيين والمسؤولين عندكم لأني أتصور أنهم -وعن سابق تصور وتصميم - قد فصلوا درب السياسة عن مسار الصدق والحقيقة.

حديثي معكم عن الإسلام وبصورةٍ خاصةٍ عن الصورة التي يجري تقديمها لكم عن الإسلام.

منذ عقدين وإلى يومنا هذا- أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تقريباً - بُذلت جهود ومحاولات كثيرة لتقديم هذا الدين العظيم بصورة العدو المخيف، وللأسف إن عملية إثارة مشاعر الرعب والكراهية واستغلالها لها ماضٍ طويلٍ في التاريخ السياسي للغرب.

لا أريد هنا أن أتعرض إلى ما يثيرون من أنواع الرهاب [الفوبيا] في أوساط الشعوب الغربية حتى الآن، أنتم وعند استعراضكم الموجز (٢) للدراسات التاريخية والنقدية المعاصرة ستجدون كيف تذم وتستنكر الكتابات التاريخية التعامل غير الصادق والمزيِّف للحكومات الغربية تجاه سائر الشعوب والثقافات. إن تاريخ أوروبا وأمريكا يطأطئ رأسه خجلاً أمام سلوكه في استرقاق العبيد وسلوكه الاستعماري وظلمه الذي ألحقه بذوي البشرة الملونة وغير المسيحيين. إنّ المؤرخين والباحثين عندكم عندما يمرون على عمليات سفك الدماء باسم الدين بين البروتستانت والكاثوليك أو باسم القومية والوطنية خلال الحربين العالميين الأولى والثانية يشعرون بالخجل والخزي.

وهذا بحد ذاته يدعو إلى التقدير؛ ولست استهدف من خلال استعادة قسم من هذه اللائحة الطويلة معاتبة التاريخ ولكني أريد منكم أن تسألوا كل مثقفيكم ونخبكم لماذا لا يستيقظ الوجدان العام في الغرب دائماً إلا متأخراً عشرات السنين وأحياناً مئات السنين؟ ولماذا تتّجه إعادة النظر في الوجدان العام نحو الماضي البعيد وتهمل الأحداث المعاصرة؟

وفي موضوع مهم من قبيل أسلوب التعامل مع الثقافة والفكر الإسلامي؛ لماذا يُمنع تشكّل وعيٍ عام ؟

أنتم تعلمون جيداً أن الاحتقار وإيجاد الكراهية والرهاب والخوف الوهمي من «الآخر» قد شكّلت أرضية مشتركة لكل حالات الاستغلال الظالمة تلك. الآن أطلب منكم أن تسألوا أنفسكم لماذا استهدفت سياسة نشر الكراهية والرهاب القديمة،هذه المرة، الإسلام والمسلمين بقوة وبشكل لا سابقة لها؟ لماذا يتّجه نظام القوة والسلطة في عالمنا اليوم نحو تهميش الفكر الإسلامي وجرّه إلى حالة الانفعال وردات الفعل؟

ما هي تلك المفاهيم والقيم الموجودة في الإسلام والتي تزعج وتزاحم برامج ومشاريع القوى الكبرى وما هي المنافع التي تجنيها هذه القوى عبر تقديم صورة مشوّهة وخاطئة عن الإسلام.؟ لهذا فإني أتمنى عليكم أولاً أن تتساءلوا وتبحثوا عن عوامل هذا التشويه الواسع للإسلام.

الأمر الثاني الذي أرغب منكم أن تقوموا به، في مواجهة سيل الاتهامات والتصورات المسبقة والإعلام السلبي، أن تسعوا لتكوين معرفة مباشرة ودون واسطة عن هذا الدين. إن المنطق السليم يقتضي - وبالحد الأدنى -أن تدركوا حقيقة الأمور التي يسعون لإبعادكم عنها وتخويفكم منها فما هي وما هي حقيقتها؟

أنا لا أصرّ عليكم أن تقبلوا رؤيتي أو أية رؤية أخرى عن الإسلام، لكني أدعوكم ألّا تسمحوا أن يقدموا لكم- وبشكل مراءٍ- الإرهابيين العملاء لهم على أنهم (٣) يمثلون الإسلام. اعرفوا الإسلام من مصادره الأصيلة ومنابعه الأولى. تعرّفوا على الإسلام من القرآن الكريم ورسوله العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) . وأودّ هنا أن أتساءل: هل سبق أن رجعتم إلى قرآن المسلمين مباشرة؟ هل طالعتم تعاليم رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصاياه الإنسانية والأخلاقية؟ هل اطلعتم على رسالة الإسلام من مصدر آخر غير وسائل الإعلام؟ هل سألتم أنفسكم مرة، كيف استطاع الإسلام ووفق أية قيم طوال قرون متمادية أن يبني أكبر حضارة علمية وفكرية في العالم وأن يربي أفضل العلماء والمفكرين؟

أطالبكم ألّا تسمحوا لهم بوضع سدّ وحاجز عاطفي واحساسي بينكم وبين الحقيقة والواقع، عبر رسم صورة سخيفة مهينة عن الإسلام ليسلبوا منكم إمكانية الحكم الموضوعي. اليوم ونحن نرى أن وسائل التواصل اخترقت الحدود الجغرافية، لا تسمحوا لهم أن يحاصروكم في الحدود الذهنية المصطنعة، وإن كان من غير الممكن لأحد أن يملأ الفراغات التي تم إيجادها، بشكل فردي؛ ولكن كل واحد منكم يستطيع، وبهدف توعية نفسه ومحيطه، أن يبني جسراً من الفكر والإنصاف فوق هذه الفراغات.

رغم أن هذه الأزمة المفتعلة لخلق نوع العلاقة بين الإسلام وبينكم،أنتم الشباب، هي أمر مؤلم؛ لكن بإمكانها أن تثير تساؤلات جديدة في ذهنكم الوقاد والباحث عن الحقيقة.

إن سعيكم لمعرفة الأجوبة عن هذه التساؤلات يشكل فرصة مغتنمة لكشف الحقائق الجديدة أمامكم، وعليه يجب أن لا تفوّتوا هذه الفرصة للوصول إلى الفهم الصحيح وإدراك الواقع دون حكم مسبق؛ ولعلّه وبنتيجة [ببركة] تحملّكم هذه المسؤولية تجاه الحقيقة، سترسم الأجيال الآتية (٤) صورة هذه المرحلة من تاريخ التعامل الغربي مع الإسلام، بألمٍ أقل زخماً ووجدانٍ أكثر اطمئناناً (٥) .


(1) - السيد علي الخامنئي: ٢٩ تشرين الثاني / نوفمبر / ٢٠١٥م.
(2) - أو بمعنى: ستخرج الاجيال المقبلة بتقييم لهذه المرحلة.
(3) - بمعنى: بعنوان أنهم هم من يمثل الاسلام..
(4) - أو: بإطلالة سريعة وموجزة على الدراسات و..
(5) - الإمام السيد على الخامنئي (دام ظله): ٢١ / ١ / ٢٥١٥م.

 

 

  القرآن والقادة

من كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)

أسباب التخلي عن الحق
وطريق الثبات عليه

 


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾ (١) ، توقفنا في العدد السابق عند الحديث عن الناس الذين هم مؤمنون بالحق، لكنهم نتيجة المحنة والبلاء والتحدّي يتفرّقون ويفرزون إلى أصناف، ويأتي السؤال: لماذا ثبت من ثبت؟ ولماذا تخلّف من تخلّف؟ ما هي الأسباب التي تدعو هذا الإنسان للتخلي عن طريق الحق؟

هذا ما سنجيب عنه ونعالجه في هذه المقالة.

إنّ الأسباب التي تدعو الإنسان إلى التخلي عن طريق الحق تتلخص بالآتي:

أولاً: خوف القتل والموت:

يبقى الإنسان مع الحق، يواجه معه ويثبت مع النبي طالما أن الأمر مقتصرٌ على رفض الحق والتشكيك به والتضييق على أتباعه. أما إذا وصل الأمر إلى حد أن الإنسان نَفْسَه أو أحد أفراد عائلته صار معرّضاً للقتل في هذا الطريق فإنه يضعف ويتردّد ويُعرض عن نصرة الحق.

وهذا ما حصل مع أهل الكوفة الذين بايعوا الإمام الحسين (عليه السلام) على النصرة والطاعة إلا أنّهم حينما هدّدهم عبيد الله بن زياد، وحذّرهم من نصرة سيد الشهداء (عليه السلام)، وأشاع أجواء الحرب النفسية في الكوفة انهارت صفوفهم وتبدّدت جموعهم فلم يبايعوا مسلم بن عقيل، وتركوه وحيداً.

حتى لا نخشى الموت

في علاج هذه المشكلة لا بدّ من الالتفات إلى أمرين:

الأول: إن الموت مصير حتمي للإنسان، حتى أن الله سبحانه خاطب أحبّ الخلق إليه، بقوله: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴾ (٢)، فعلامَ الخوف؟!

الثاني: أنّ أجَل الإنسان بيد الله سبحانه وتعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ (٣) ، فلا الانسحاب ولا الاختباء من ميادين الجهاد يبعّد أجل الإنسان ويدرأ عنه الموت: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ (٤) ، وكذلك القعود فإنه لا يحمي الإنسان ولا يدفع عنه أجله: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ (٥) ، هؤلاء الناس الذين يشمتون بأهالي الشهداء ويعاتبونهم على إرسالهم أبناءهم إلى الجهاد، هؤلاء الناس يجيبهم الله: ﴿ قُلْ فَادْرَؤُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فهل تستطيعون ذلك؟ فالأجل حينما يأتي ليس له دافع: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ (٦) ، بل يمكن القول أكثر من ذلك: إنّ الّذين يتزلزلون وينسحبون وقد ينصرون الباطل على الحق ليدفعوا عن أنفسهم الأجل يموتون في وقتٍ قريب كما حصل مع كثيرٍ ممّن خرجوا لقتل الإمام الحسين (عليه السلام) فإنهم قُتلوا بعد سنواتٍ قليلة. فهل يستحق أن يخسر الإنسان دينه ودنياه وآخرته من أجل أن يعيش بضع سنين؟!

ثانياً: الخوف على المال أو الدار:

إنّ الجهاد لا يقطع رزقاً، بل إنّ التخاذل وعدم نصرة الحق والاصطفاف في جبهة الباطل هو الذي يقطع الأرزاق ويهدّم البيوت ويسلب البركات. وكمثال على ذلك، عندما تخلّت الأمّة عن نصرة فلسطين والقدس قام الكيان الصهيوني الغاصب بهتك المقدّسات والأعراض واستولى على الخيرات والبركات. كل ذلك كان نتيجة التخلّي عن الجهاد ونصرة الحق. وأما في لبنان فقد واجه الناس هذا العدو وجاهدوه، فكان الانتصار الّذي حفظ الأعراض والأموال والخيرات ورفع رؤوسنا عاليةً شامخة.

ثالثاً: التعلّق بالدنيا:

إنّ ركون النّاس إلى الدّنيا والتعلق بها يبعّد عن الجهاد وإعزاز الحق، وهذا الأمر يعالج بالنظر إلى هذه الدنيا وأنها فانية، وزائلة، ولا تستحق أن يضحي الإنسان بدينه وإيمانه وكرامته من أجلها، وأنها خدّاعة متقلّبة لا يستقر فيها الإنسان على حاله، فكم من غني انقلب فقيراً وكم من سليم أصبح مريضاً وكم من عزيزٍ أصبح ذليلاً... فعن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: «اَلْحَمدُ لِلهِ الَّذى خَلَقَ الدُّنْيا فَجَعَلَها دارَ فَناءٍ وَزَوالٍ مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِها حالاً بَعْدَ حالٍ فَالْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ وَالشَّقِىُّ مَنْ فَتَنَتْهُ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ هذِهِ الدُّنْيا، فَاِنَّها تَقْطَعُ رَجاءَ مَنْ رَكَنَ اِلَيْها وَتَخيبُ طَمَعَ منْ طَمَعَ فيها» (٧) .

وعندما نتحدّث عن عدم التعلُّق بالدنيا نعني بذلك تقديم الحقّ في المسائل كلها، ولو كلَّفنا ذلك التخلي عن أقرب الأشياء وأحبّها إلينا، والاستعداد للتضحية بكل ما في هذه الدنيا في سبيل الله ومن أجل نصرة الحق.

رابعاً: معرفة طريق الحق:

لا شكّ أن العلم والمعرفة يجعلان الإنسان ثابتاً في طريق الحق، ملازماً له، فالإنسان الذي يعلم أن الله قد أعدّ له، إذا صبر وثبت مع الحق، ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ووعده بالمقامات الكريمة، فإنه لا يتخلّى عن ذلك من أجل أيام قليلة زائلة وفانية، وكذا العلم بأن الانسحاب والتخلُّف والتخاذل لن يفيد الإنسان شيئاً، بل سيزيده خذلاناً وخسارةً وضياعاً فهو لن يسلك هذا الطريق.

خامساً: الثواب الإلهي:

من العوامل التي تساعد الإنسان على الثبات ومرافقة الحق هو أنه كلما ازدادت التهديدات والصعوبات كلما ازداد الأجر والثواب عند الله سبحانه. فالأجر الجزيل والدرجة الرفيعة التي وصل إليها إمامنا الحسين (عليه السلام) كانا بفضل تضحياته وصبره وجهاده في سبيل الله تعالى، فعلى مستوى التحدِّي يأتي الثبات وعلى مستوى الثبات يكون الأجر والدرجة والمكانة من الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ (٨) .

سادساً: الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى:

فالالتجاء إلى الله يكون أمام التحدّيات والأخطار والتوكّل عليه والاعتصام به، فإنّه تعالى يثبّت عباده الصالحين في مثل تلك المواقف الصعبة ولا يخذلهم. ففي قصّة طالوت وجالوت، عندما برز طالوت ومعه داوود والمؤمنون - الذين هم قلّة بالنسبة لجالوت وجنوده - قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ (٩) .

وهذا الالتجاء هو ديدن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين معهم: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ (١٠) .

سابعاً: التأسّي بالمؤمنين:

فمن خلال مراجعة التاريخ وما جرى على الأنبياء السابقين عليهم السلام والمؤمنين بهم من حروب وغزوات وتحديات ومعرفة مدى صبرهم وثباتهم، واتباع ذلك وتطبيقه على الأحداث التي تواجهنا يحصل: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (١١) .

نحن إذا عرفنا ما جرى مع المؤمنين قبلنا ندرك أنّ كل ما يجري حولنا من التهويل والتهديد ليس بشيء أمام ما جرى عليهم. ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «قد كان قبلكم قوم يُقتلون ويُحرقون ويُنشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردُّهم عمَّا هم عليه شيء مما هم فيه من غير تِرَةٍ وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم» (١٢) .

فحينما نرى جهاد الآخرين وتضحياتهم وصبرهم تهون علينا مصائبنا ويقل خطرها عندنا، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته فيَّ فإنها أعظم المصائب» (١٣)، ومن أعظم مصائب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصيبته بالحسين (عليه السلام)، فالإمام الحسين (عليه السلام) صبر وتحمّل خذلان الناس وتخلفهم عنه حتى الذين بايعوه خذلوه ونصروا أعداءه وشاركوا في منعه وعياله من شرب الماء... كل ذلك حدث خلال ساعات قليلة والإمام (عليه السلام) يدعوهم ولا يسمعون له أو يستجيبون لندائه الشريف... فكم يُحدث ذلك ألماً ومرارةً لدى ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

هذا هو إمامنا الذي نتعلم منه دروس الثبات والصدق والبيعة الوفية. وها هي المدرسة التي نجلس فيها فنتعلم ونتعاطف ونبكي، لنقوم بمواجهة هذا العدو ونحن قلّة متهمة بالجنون وبإلقاء النفس بالتهلكة وننتصر عليه بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى (١٤) .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


(1) - سورة يوسف، الآية: ١١١.
(2) - سورة الزمر، الآية: ٣٠.
(3) - سورة الزمر، الآية: ٤٢.
(4) - سورة الأعراف، الآية: ٣٤.
(5) - سورة آل عمران، الآية: ١٦٨.
(6) - سورة آل عمران، الآية: ١٥٤.
(7) - بحار الأنوار: ج ٤٥، ص ٦.
(8) - سورة النساء، الآية: ٩٥.
(9) - سورة البقرة، الآية:٢٥٠.
(10) - سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.
(11) - سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(12) - ميزان الحكمة: ج ١، ص ٣٠٣.
(13) - م. ن.
(14) - من المحاضرة التي ألقاها سماحة السيد حسن نصرالله (حفظه الله) في: ٢٨/ ١١/ ٢٠١١م.

 

   التفسير والبيان



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (١) .

آخر آية من الآيات محل البحث التي هي آخر سورة الحجرات تأكيد آخر على ما ورد في الآية السابقة، فلا تصرّوا على أنّكم مؤمنون حتماً ولا حاجة للقسم.. فهو حاضر في أعماق قلوبكم، وهو عليم بما يجري في غيب السماوات والأرض جميعاً، فكيف لا يعلم ما في قلوبكم وما تنطوي عليه صدوركم؟!

تأكيد يعلل ويؤكد به جميع ما تقدم في السورة من النواهي والأوامر وما بين فيها من الحقائق وما أخبر فيها عن إيمان قوم وعدم إيمان آخرين فالآية تعلل بمضمونها جميع ذلك.

والمراد بغيب السماوات والأرض ما فيهما من الغيب أو الأعم مما فيهما ومن الخارج منهما.

دروسٌ وبصائر:

١- في مدار التوحيد فإنَّ التقييم والتثمين لا يكون على أساس التظاهر والمنّ والشعارات، بل على أساس الإخلاص القلبي والذي يختص العلم به بالله سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ، فمن كان هذا مبلغ علمه كيف لا يعلم كيفية ونوعية إيماننا الباطني.

٢- إنَّ الإيمان بالعلم الإلهيّ والبصيرة الإلهيّة ضمان للتقوى لدى الإنسان، فنحن إذا علمنا أنهم يصورون أعمالنا ويسجّلون كلامنا بدّقة من خلال كوّة فإننا سوف نتحفظ كثيراً في تصرفاتنا وأحاديثنا.

٣- إنَّ علم الله سبحانه جاء مضافاً إلى كونه بصيراً، وهذا يعني أن علم الله تعالى علماً إجمالياً أو سطحياً أو يقتصر على بعد واحد وأنه قابل للتردّد والشكّ أو إنّه مؤقت: ﴿ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ... وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (٢) .

علم الغيب:

تكميلاً للبحث، ينبغي أن نتحدَّث عن الآيات التِّي وردت في مجال علم الغيب فاعلم أن الآيات الواردة بخصوص علم الغيب على أقسام:

الأوَّل: التِّي تثبت لله تعالى العلم بالغيب والشهادة وهي كثيرة، نشير إلى آية واحدة منها وتعتبر أهم الآيات في هذا المجال، قال تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ (٣) وقد أثبتت صفة العلم المطلق لله تعالى لأنَّ علمي الغيب والشهادة أي جميع الحقائق والموجودات الظاهرية والباطنية كلياتها وجزئياتها، فهي معلومة له تعالى بالعلم الحضوري أي أنَّها حاضرة لديه وهو الشهيد عليها قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (٤) .

والتركيز على هذا المثال ينطلق من كون القرآن كتاب هدايةٍ للناس، فيريد أن ينبِّههم على أنَّه عالم بكلّ ما يخطر في قلوبهم، لعلَّهم يفكِّروا في إصلاح أنفسهم. ولذلك يقول: ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (٥) .

فالخبير المطلق علمه نافذٌ في كلِّ شيء والسر في ذلك هو ما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (٦) .

فالذي خلق الأشياء ومنحها كلَّ ما تملك وهو الوجود، كيف لا يعلم ظاهرها وباطنها، فلا ظاهر لها عنده كما لا باطن لها، لأنَّه سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (٧) .

فالأمر كلُّه راجع إليه: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ (٨) .

الثاني: ما تبيِّن مصاديق لعلم الله تعالى وهي كثيرة، نشير إلى ثلاثة موارد منها:

١- ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (٩) فالذي يخطر في القلب يعلمه الله تعالى سواء كان سراً أو نجوى (وكلاهما من الغيب): ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ (١٠) والسر هو الحديث المكتوم في النفس وهو غير ظاهر كما أنَّ النجوى أيضاً لم يظهر ولكن ربَّما يظهر ولهذا يقول: ﴿ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى ﴾ (١١) وأعظم من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (١٢) . فما هو الذي هو أخفى من السرّ؟!

وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ (١٣) فرغم كونه عليماً ولكن بحلمه يستر المساوئ القلبيَّة، ولا يفضح عباده ولكن الخطورة إنّما تواجه الإنسان إذا انعكست تلك الأمراض في تصرُّفاته، قال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ (١٤) .

٢- قال تعالى: ﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ (١٥) والسر في ذلك أنَّه تعالى: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ (١٦) . والإحاطة هذه تسمَّى الإحاطة القيّومية وهي الإحاطة الحقيقيَّة.

٣- قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ (١٧) فهل يمكن أن يعطى بعض تلك المفاتيح لبعض أوليائه في حين من الزمان ؟!.

الثالث: الآيات النافية لعلم الغيب عن غير الله تعالى بصورة صريحة، ولكنَّنا عندما نتدبَّر فيها، نشاهد أنَّها جميعاً قد أستثني فيها جماعةٌ وهم الذين يمكنهم معرفة الغيب ولكن بشرط واحد وهو: بإذن الله تعالى وكلُّ ما في الأمر هو هذا الشرط ولو تجاهلناه لوقعنا في الورطة والهلاك، والذين في قلوبهم مرض من المنافقين، نراهم يتَّهموننا بأننا نعتقد أنَّ أئمتنا عليهم السلام يعلمون الغيب وهم يتغافلون عن هذا الشرط حقداً وجهلاً، فكيف يمكن لمن هو عارف بالقرآن ولو على مستوى بسيط، أن ينكر ذلك، ونحن نشير إلى بعض الآيات الدالة على ذلك:

١- قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ (١٨) فقد استثنى سبحانه «من ارتضى» عن سائر الناس وبيَّن السر في تعليم الرسل الغيب.

٢- قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (١٩) فعلم رسول الله بالغيب إنما يكون بالوحي ولا بأس في ذلك. وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ (٢٠) .

٣- قال تعالى مخاطباً نبيَّه: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ (٢١) فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) ينفي عن نفسه علم الغيب لولا الوحي، لأنَّ الجاهليَّة كانوا يتوقَّعون منه أن يحقِّق ما يريدون كما تشهد لذلك الآيات الكثيرة وكانوا يقولون: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً ﴾ (٢٢) فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجيبهم بقوله: ﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (٢٣) ولذلك كان يقول سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ... ﴾ (٢٤) وكلّ شيءٍ يكمن في الوحي إليه صلوات الله عليه وآله المعصومين الذين جعلهم الله استمراراً لرسالته وحجَّةً على خلقه.

٤- هذا عيسى بن مريم (عليه السلام) يقول: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (٢٥) ولا شك أنّ هذا الإنباء من الغيب كما قال تعالى في شأن يوسف (عليه السلام) ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ (٢٦) ومادام الله هو الذي علَّمه فلا إشكال في ذلك.


(1) - سورة الحجرات، الآية: ١٨.
(2) - تفسير سورة الحجرات: لسماحة الشيخ قراءتي.
(3) - سورة الحشر، الآية: ٢٢.
(4) - سورة المجادلة، الآيتان: ٦-٧.
(5) - سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
(6) - سورة الملك، الآية: ١٢-١٤.
(7) - سورة الحديد، الآية: ٣.
(8) - سورة هود، الآية: ١٢٣.
(9) - سورة الملك، الآيتان: ١٣ - ١٤.
(10) - سورة التوبة، الآية: ٧٨.
(11) - سورة طه، الآية: ٦٢.
(12) - سورة طه، الآية: ٧.
(13) - سورة الاحزاب، الآية: ٥١.
(14) - سورة البقرة، الآية: ٢٣٥.
(15) - سورة سبأ، الآية: ٣.
(16) - سورة فصلت، الآية: ٥٤.
(17) - سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
(18) - سورة الجن، الآية: ٢٦-٢٨.
(19) - سورة هود، الآية: ٤٩.
(20) - سورة آل عمران، الآية: ٤٤.
(21) - سورة الأحقاف، الآية: ٩.
(22) - سورة الفرقان، الآية: ٧ - ٨.
(23) - سورة الأعراف، الآية: ١٨٨.
(24) - سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(25) - سورة آل عمران، الآية: ٤٩.
(26) - سورة يوسف، الآية: ٣٧.

 

   مفردات قرآنية

 


سورة الكهف مكية وعدد آياتها إحدى عشرة ومئة (110)

 

فضل السورة:


عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من قرأها فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة فإن خرج الدجال في تلك الثمانية الأيام عصمه الله من فتنة الدجال ومن قرأ الآية التي في آخرها: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ الآية حين يأخذ مضجعه كان له في مضجعه نور يتلألأ إلى الكعبة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه فإن كان في مكة فتلاها كان له نوراً يتلألأ إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ».

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظاً لم تضره فتنة الدجال ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة».

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك، حين نزلت ملأت عظمتها ما بين السماء والأرض؟ قالوا: بلى. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سورة أصحاب الكهف مَن قرأها يوم الجمعة غفر الله لهُ إِلى الجمعة الأُخرى، وزيادة ثلاثة أيّام، وأعطي نوراً يبلغ السماء، ووُقِيَ فتنة الدجّال».

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن حفظ عشر آيات مِن أوّل سورة الكهف، ثمّ أدرك الدجّال لم يضره. ومَن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت لهُ نوراً يوم القيامة».

وعن الإِمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال في فضل سورة الكهف: «مَن قرأ سورة الكهف في كلِّ ليلة جمعة لم يمت إِلاَّ شهيداً، وبعثهُ الله مع الشهداء، ووقف يوم القيامة مَع الشهداء» (١) .

إِنَّ عظمة السور القرآنية وتأثيرها المعنوي، وبركاتها الأخلاقية، إِنّما يكون بسبب الإِيمان بها والعمل وفقاً لمضامينها.

الآيات من (٩ إلى ١٣):

يقول سبحانه: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً (12) نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ﴾ .

اللغة والبيان:

﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ معناه بل أحسبت يا محمد ﴿ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴾ فلخلق السماوات والأرض أعجب من هذا، ويحتمل أنه لما استبطأ الجواب حين سألوه عن القصة قيل له أحسبت أن هذا شيء عجيب ؟ حرصاً على إيمانهم حتى قوي طمعك إنك إذا أخبرتهم به آمنوا، والمراد بالكهف كهف الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قص الله أخبارهم، واختلف في معنى الرقيم، فقيل إنه اسم الوادي الذي كان فيه الكهف، وقيل الكهف غار في الجبل، والرقيم الجبل نفسه، وقيل الرقيم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقيل هو لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وقيل جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك لأنه من عجائب الأمور، وقيل الرقيم كتاب ولذلك الكتاب خبر فلم يخبر الله تعالى عما فيه، وقيل إنَّ أصحاب الرقيم هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم فقالوا ليدعو الله تعالى كل واحد منا بعمله حتى يفرج الله عنا ففعلوا فنجاهم الله ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾ أي اذكر لقومك إذ التجأ أولئك الشبان إلى الكهف وجعلوه مأواهم هرباً بدينهم إلى الله ﴿ فَقَالُواْ ﴾ حين آووا إليه ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي نعمة ننجو بها من قومنا وفرّج عنا ما نزل بنا ﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي هيىء وأصلح لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد، وقيل هيىء لنا مخرجاً من الغار في سلامة، وقيل معناه دلنا على أمر فيه نجاتنا لأنَّ الرشد والنجاة بمعنى، وقيل يسر لنا من أمرنا ما نلتمس به رضاك وهو الرشد، وقالوا: هؤلاء الفتية قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون الإسلام خوفاً من ملكهم، وكان اسم الملك دقيانوس، واسم مدينتهم أفسوس، وكان ملكهم يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من خالفه، وقيل إنه كان مجوسياً يدعو إلى دين المجوس، والفتية كانوا على دين المسيح لما برح أهل الإنجيل، وقيل كانوا من خواص الملك وكان يسر كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثم اتفق أنهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم فأووا إلى الكهف وقيل إنهم كانوا قبل بعث عيسى (عليه السلام) ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾ معناه أنمناهم سنين ذات عدد وتأويله فأجبنا دعاءهم وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة لأن النائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة نفس ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي أيقظناهم من نومهم ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ والمعنى لننظر أي الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف عد أمد لبثهم وعلم ذلك وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بيتهم فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر وقيل يعني بالحزبين أصحاب الكهف لما استيقظوا اختلفوا في تعداد لبثهم وذلك قوله وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم الآية. ثم بين سبحانه قصة أصحاب الكهف فقال ﴿ نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أي نتلو عليك يا محمد ﴿ نَبَأَهُم ﴾ أي خبرهم ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالصدق والصحة ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ﴾ أي أحداث وشباب ﴿ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ﴾ أي بصيرة في الدين ورغبة في الثبات عليه بالألطاف المقوية لدواعيهم إلى الإيمان وحكم لهم سبحانه بالفتوة لأن رأس الفتوة الإيمان وقيل الفتوة بذل الندى وترك الأذى وترك الشكوى وقيل هي اجتناب المحارم واستعمال المكارم.

أسباب النّزول:

عن ابن عباس: أنَّ النضر بن الحرث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار اليهود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالا لهم ما قالت قريش، فقال لهما أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاث ؟ فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فرأوا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ وفي رواية أخرى، فإن أخبركم عن الثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبي فانصرفا إلى مكة، فقالا يا معاشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وقصا عليهم القصة، فجاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غداً ولم يستثن، فانصرفوا عنه فمكث (صلى الله عليه وآله وسلم) خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرائيل حتى أرجف أهل مكة وتكلموا في ذلك، فشق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يتكلم به أهل مكة عليه، ثم جاءه جبرائيل (عليه السلام) عن الله سبحانه بسورة الكهف، وفيها ما سألوه عنه عن أمر الفتية والرجل الطواف وأنزل عليه: ويسألونك عن الروح الآية، قال ابن إسحق: فذكر لي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل حين جاءه، لقد احتبست عني يا جبرائيل فقال له جبرائيل (عليه السلام) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا الآية (٢) .


(1) - مجمع البيان: ج ٣، ص ٤٤٧.
(2) - مجمع البيان: ج ٣، ص ٤٤٧.

 

  الأمثال في القرآن



التمثيل بالبَأساء والضـــرّاء والزلزلة

 


قال تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ (١) .

سبب النزول:

قيل نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة وحوصر المسلمون في المدينة فدعاهم الله إلى الصبر ووعدهم بالنصر، وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب النبي: إلى متى تقتلون أنفسكم لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليه الأسر والقتل، وقيل نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر.

مفردات الآية:

وردت لفظة (أم) للاِضراب عمّا سبق وتتضمن معنى الاستفهام، والمعنى (بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة) .

و(البَأساء): من مادّة (بأس) وفي الأصل تعني الشّدة وأمثالها، وتُطلق على كلّ نوع من العذاب والمشّقة، ويُطلق على الأشخاص الشّجعان الّذين يخوضون الحرب بضراوة وشدّة (بأس) أو (ذو البأس) .

و(الضرّاء): هي النقطة المقابلة للسرّاء، وهي ما يُسرّ الإنسان ويجلب له النفع، فعلى هذا الأساس تعني كلمة ضرّاء كلّ ضرر يُصيب الإنسان، سواءً في المال أو العرض أو النفس وأمثال ذلك.

و(الزلزلة) شدة الحركة، والزلزال البلية المزعجة لشدة الحركة والجمع زلازل، وأصله من قولك زلّ الشيء عن مكانه، ضوعف لفظه بمضاعف معناه، نحو صرى وصرصر، وصلى وصلصل، فإذا قلت زلزلته، فمعناه كرّرت تحريكه عن مكانه.

وقد جاء ما يقرب من مضمون الآية في آيات أخرى، منها قال سبحانه: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (٢) .

وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ (٣) .

وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ (٤) .

تدلُّ مجموع هذه الآيات على دوام الابتلاء والامتحان في جميع الأمم خصوصاً في الأمة الإسلامية.

ثمّ إنّ الهدف من امتحان أبناء البشر هو تحصيل العلم بكفاءة الممتحن، لكنّه فيه سبحانه يستهدف إلى إخراج ما بالقوة من الكمال إلى الفعلية مثلاً: فإنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يتمتع بموهبة التفاني في الله وبذل ما يملك في سبيله غير أنّه لم تكن لها ظهور وبروز، فلما وقع في بوتقة الامتحان ظهرت تلك الموهبة إلى الوجود بعد ما كانت بالقوة.

وما ذكرنا هو المستفاد من الآيات وقد صرح به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: قال:(لا يقولنّ أحدكم: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فإنّ الله سبحانه يقول: ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ومعنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يُستحق الثواب والعقاب) (٥) .

إلى هنا تبين معنى مفردات الآية وسبب نزولها والآيات التي وردت في هذا الصدد في حقّ سائر الاُمم.

بيان وتوضيح الآية:

يفهم من الآية أنّ الابتلاء بالبأساء والضراء سنة إلهية جارية في الأمم كافة ولا تختص بالأمة الإسلامية، فالتمحيص وتمييز المؤمن الصابر عن غير الصابر رهن الابتلاء، فلا يتمحض إيمان المسلم إلاّ إذا غربل بغربلة الامتحان ليخرج نقياً، ولا يترسخ الإيمان في قلبه إلاّ من خلال الصمود والثبات أمام أعاصير الفتن الهوجاء.

وكأنّ الآية تسلية لنبيه وأصحابه مما نالهم من المشركين وأمثالهم، لأنّ سماع أخبار الأمم الماضية يسهّل الخطب عليهم، وإنّ البلية لا تختص بهم بل تعم غيرهم أيضاً، ولذلك يقول: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أي أظننتم وخلتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ ، أي أن تدخلوا الجنة ولما تبتلوا وتمتحنوا بمثل ما ابتليت به الأمم السالفة وامتحنوا به، فعليكم بالصبر والثبات كما صبر هؤلاء وثبتوا.

توضيح التمثيل

وعلى ضوء هذا فالمثل بمعنى الوصف فإنّ من معاني المثل هو الوصف، فقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ ، أي (لمّا يأتكم وصف الذين خلوا من قبلكم) فلا يدخلون حظيرة الإيمان الكامل إلاّ أن يكون لهم وصف مثل وصف الذين واجهوا المصائب والفتن بصبر وثبات وعانوا الكثير من القلق والاضطراب، كما قال تعالى في حقّ المؤمنين: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ ففي خضّم هذه الفتنة التي تنفد فيها طاقات البشر، فإذا بالرحمة تنزل عليهم من خلال دعاء الرسول (ص) وصالح المؤمنين.

كما قال سبحانه ﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ والجملة ليست إلاّ طلب دعاء للنصر الذي وعد الله به رسله والمؤمنين بهم واستدعاءً له، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ﴾ (٦) ، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي ﴾ (٧) .

والحديث النبوي الشريف: يقول أنَّ (الخبّاب ابن الأرت) الّذي كان من المجاهدين في صدر الإسلام: قال قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه؛ ثمّ قال: والله ليتمن هذا الأمر حتّى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله والذئب على غنمه وكلّكم يستعجلون» (٨) .

ثمّ إنّ القراءة المعروفة هي الرفع في قوله: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴾، وعند ذلك تكون الجملة لحكاية حال الأمم الماضية. وقرئ بنصب (يقول) وعلى هذا تكون الجملة في محل الغاية لما سبقها وهو قوله: ﴿ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ و ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ ولعل القراءة الاُولى أفضل لبعد كون الجملة غاية لمس البأساء والضراء والزلزال.

وعلى أيّة حال، فإنّ الآية أعلاه تحكي أحد السنن الإلهيّة في الأقوام البشريّة جميعاً، وتنذر المؤمنين في جميع الأزمنة والأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النّصر والتوفيق والمواهب الاُخرويّة أن يتقبّلوا الصّعوبات والمشاكل ويبذلوا التضحيّات في هذا السبيل، وفي الحقيقة إنّ هذه المشاكل والصّعوبات ما هي إلاّ إمتحان وتربية للمؤمنين ولتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان.

وأساساً فإنّ رمز التكامل للبشريّة أن يُحاط الأفراد والمجتمعات في دائرة البلاء والشّدائد حتّى يكونوا كالفولاذ الخالص وتتفتّح قابليّاتهم الداخليّة وملكاتهم النفسانيّة ويشتد إيمانهم بالله تعالى، ويتميّز كذلك المؤمنون والصّابرون عن الأشخاص الإنتهازيّين.

وقد تبين ممّا ذكرنا أنّ المثل بمعنى التمثيل والتشبيه، فتشبيه حال الأمة الإسلامية بالأمم السابقة في أنّهم يعمّهم البأساء والضراء والزلزال، فإذا قرب نفاد طاقاتهم وصمودهم في المعارك يدعو الرسول ومن معه من المؤمنين لهم بالنصر والغلبة والنجاح (٩) .


(1) - سورة البقرة، الآية: ٢١٤.
(2) - سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(3) - سورة الأنعام، الآية: ٤٢.
(4) - سورة الأعراف، الآية: ٩٤.
(5) - نهج البلاغة: قسم الحكم: الحكمة ٩٣.
(6) - سورة الصافات، الآيتان: ١٧١ ١٧٢.
(7) - سورة المجادلة، الآية: ٢١.
(8) - الدر المنثور: ج١، ص٢٤٣، تفسير الكبير: ج٦، ص٢٠.
(9) - أهم المصادر: مجمع البيان، الأمثل، الأمثال في القرآن.

 

  مناهج التفسير

التفسير البياني للقرآن الكريم

 



هذا المنهج الذي ابتكره حسب ما تدّعيه الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ أُستاذها الأمين الخولي المصري، عبارة عن استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كلّه التماساً لسرّه البياني.

وحاصل هذا المنهج يدور على ضوابط، وهي:

أ- التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن، ويُبدأ بجمع كل ما في الكتاب المحكم من سور وآيات في الموضوع المدروس.

ب- ترتّب الآيات فيه حسب نزولها، لمعرفة ظروف الزمان والمكان كما يستأنس بالمرويات في أسباب النزول من حيث هي قرائن لابست نزول الآية دون أن يفوت المفسّـر أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية.

ج- في فهم دلالات الألفاظ يُقدّر أنّ العربية هي لغة القرآن، فتلتمس الدلالة اللغوية الأصلية التي تعطينا حس العربية للمادة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية. ثم يخلص لِلَمحِ الدلالة القرآنية بجمع كل ما في القرآن من صيغ اللفظ وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة وسياقها العام في القرآن كله.

د- وفي فهم أسرار التعبير يحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً، ويعرض عليه أقوال المفسّرين فيقبل منها ما يقبله النص.

هذا خلاصة هذا المنهج الذي ابتكره الأُستاذ الخولي المصري واقتفت أثره تلميذته بنت الشاطئ، فخرج من هذا المنهج كتاب باسم«التفسير البياني للقرآن الكريم»في جزئين تناول تفسير السور التالية في الجزء الأوّل:«الضحى، والشرح، الزلزلة، النازعات، العاديات، البلد، التكاثر» كما تناول في الجزء الثاني تفسير السور التالية:«العلق، القلم، العصر، الليل، الفجر، الهمز، الماعون».

ولا شك أنّه نمط بديع بين التفاسير، إذ لا يماثل شيئاً مما أُلّف في القرون الماضية من زمن الطبري إلى العصر الأخير الذي عرف فيه تفسير الإمام عبده وتفسير المراغي، فهذا النمط لا يشابه التفاسير السابقة، غير أنّه لون من التفسير الموضوعي أوّلاً، وتفسير القرآن بالقرآن ثانياً، والنقطة البارزة في هذا النمط هو استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده في الكتاب.

وبعبارةأُخرى: يهتم المفسّر في فهم لغة القرآن بالتتبع في جميع صيغ هذا اللفظ الواردة في القرآن الكريم ثم يخرج من ضمّ بعض إلى بعض بحقيقة المعنى اللغوي الأصيل، وهو لا يترك هذا العمل حتى في أوضح الألفاظ. مثلاً تتبع في تفسير قوله سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ كل آية ورد فيها مادة«الشرح»بصورها، أو كل آية ورد فيها مادة«الصدر»بصيغه المختلفة، وهكذا في كل كلمة حتى وإن كان معناها واضحاً عندنا لكنّه لايعتني بهذا الوضوح، بل يرجع إلى نفس القرآن ثم يطبّق عليه سائر الضوابط من تدبّر سياق الآية وسياق السورة، وسياق الآية العام في القرآن كله.

والذي يؤخذ على هذا النوع من التفسير فمع أنّه أمر بديع قابل للاعتماد، غير أنّه لا يكفي في تفسير الآيات الفقهية بلا مراجعة السنّة، لأنّها عمومات فيها مخصصها، أو مطلقات فيها مقيدها، أو مجملات فيها مبينها.

نعم هذا النمط من التفسير يُغني عن كثير من الأبحاث اللغوية التي طرحها المفسرون، لأنّ المفسّـر في هذا النمط يريد أن يستخرج معنى اللفظ من التدبّر في النص القرآني، نعم معاجم العربية وكتب التفسير تعينه في بداية الأمر.

وربما يوجد في روايات أهل البيت في مواضع، هذا النوع من النمط، وهو الدقة في خصوصيات الآية وجملها ومفرداتها.

١ - روى الصدوق بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك فقال:«يا زرارة قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أنّ يغسل، ثم قال: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلامين فقال: ﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ أنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء» ثم وصل الرجلين بالرأس، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس فضيّعوه» (١) .

٢ - روى الكليني بسند صحيح عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سئل عن التيمّم، فتلا هذه الآية: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ وقال: ﴿ َاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ قال: فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع (٢) .

فقداستظهر الإمام في التيمّم كفاية المسح على الكفين بحجّة أنّه أطلق الأيدي في آية السرقة والتيمّم ولم تقيّد بالمرافق وقال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ﴾ (٣) فعلم أنّ القطع والتيمّم ليس من المرفقين.

وأمّا التعبير عن الزند بموضع القطع مع أنَّه ليس موضع القطع عند السرقة كما مرّ فإنما هو لأجل إفهام مبدأ المسح بالتعبير الراسخ ذلك اليوم، أي موضع القطع عند القوم.

سأل أبو بصير أحد الصادقين (عليهما السلام) هل كانت صلاة النبي إلى بيت المقدس بأمر الله سبحانه أو لا؟ قال: «نعم، ألا ترى أنّ الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ » (٤) .

الخلاصة

الصورة الثانية من المناهج التفسيرية النقلية: التفسير البياني للقرآن.

هذا المنهج الذي ابتكره حسب ما تدّعيه الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطيء أستاذها الأمين الخولي المصري وهو عبارة عن استقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كله التماساً لسرّه البياني.


ضوابطه هي:

١ - التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن.
٢ - ترتّب الآيات فيه حسب نزولها.
٣ - نتلمس الدلالة اللغوية للألفاظ من خلال اللغة العربية التي هي لغة القرآن.
٤ - يحتكم إلى سياق النص في فهم أسرار التعبير في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً، ويعرض عليه أقوال المفسّرين فيقبل منها ما يقبله النص.

في هذا المنهج يهتم المفسّر في فهم لغة القرآن بالتتبع في جميع صيغ هذا اللفظ الواردة في القرآن الكريم ثم يخرج من ضم بعض إلى بعض بحقيقة المعنى اللغوي الأصيل، مثلاً التتبع في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ كل آية ورد فيها مادة «الشرح» بصورها، أو كل آية ورد فيها مادة «الصدر» بصيغه المختلفة. والذي يؤخذ على هذا النوع من التفسير فمع أنه أمر بديع قابل للاعتماد، غير أنه لا يكفي في تفسير الآيات الفقهية بلا مراجعة السنّة، لأنها عمومات فيها مخصصها، أو مطلقات فيها مقيدها، أو مجملات فيها مبينها (٥) .


(1) - الوسائل:١، الباب ٢٣ من أبواب الوضوء، الحديث١. والآية ٦ من سورة المائدة.
(2) - الوسائل:٢، الباب ١٣ من أبواب التيمم، الحديث٢. والآية ٣٨ و ٦ من سورة المائدة.
(3) - سورة المائدة، الآية:٦.
(4) - الوسائل:٣، الباب ٢ من أبواب القبلة، الحديث٢. والآية ١٤٣ من سورة البقرة.
(15) - المصدر: دروس في مناهج التفسير (جمعية القرآن الكريم) .

 

   معجم المفسرين

الصافي في تفسير القرآن


العنوان المعروف: تفسير الشيخ المفيد المستخرج من تراثه.(تفسير القرآن المجيد المستخرج من تراث الشيخ المفيد) .

المؤلف: محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد.

عدد المجلدات: مجلد كبير.

طبعات الكتاب: قم - مركز النشر، مكتب الاعلام الإسلامي، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤م.

حياة المؤلف: هو العالم الحكيم والمصلح الكبير زعيم المتكلمين، ولد في الحادي عشر من ذي القعدة عام ٣٣٦ هـ بسويقة ابن البصري من عُكبراء قرب بغداد.

ترعرع في كنف أبيه وتعلّم القرآن وبعض المبادىء العربية وكان والده معلّماً، فلذا يدعى بابن المعلم، ثم انحدر مع أبيه إلى بغداد، واشتغل فيها بالقراءة، وبعد مضي عدة سنوات في الدرس والتحصيل سارع إلى حضور مجالس أعلام الفقهاء والمحدثين كابن قولويه القمي وابن حمزة الطبري والشيخ الصدوق، وقد تصدى الشيخ للدفاع عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن طريق التصنيف والتأليف والمناظرات والمطارحات العلمية وتوجيه الطلاب وإعدادهم، توفي ليلة الجمعة الثاني أو الثالث من شهر رمضان عام ٤١٣ هـ في مدينة بغداد، ودفن بداره في بغداد ثم نقل إلى الكاظمية.

أهم آثاره ومؤلفاته: ١- النصرة في فضائل القرآن -٢- البيان في تأليف القرآن -٣- الكلام في وجوه إعجاز القرآن، وغيرها من الكتب الكثيرة.

وتفسيره غير شامل لجميع سور القرآن وآياته بالاتجاه العقائدي والكلامي والحقيقة المتمايزة في تفسيره عقلانيته في التعامل مع قضايا الفكر الديني واستنباط الحكم الشرعي.

منهجه: يعتمد على فهمه بتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسّنّة والمأثورات الواردة من أهل بيت الرسول عليهم السلام، والشاهد الأدبي والمعنى اللغوي، والاجتناب عن التفسير بالرأي وأخبار الضعاف والغلاة في الاعتقاد.

 

   علوم قرآنية

سلامة القرآن من التحريف

 

نظرة تمهيدية:

من البحوث المتعلّقة بتاريخ القرآن، موضوع عدم تحريفه، فالكتب السماوية قبل الإسلام تعرّضت للتغيير والتحريف، وهذا ما أدّى إلى زعزعة الثقة والاعتقاد بما فيها من معارف، والإسلام باعتباره آخر وأكمل وأفضل دين إلهي، فيه تشريعات تضمن رقي وتكامل الإنسان ماديّاً ومعنويّاً، ومصدرها الأكثر أصالة وخلوداً هو القرآن الكريم.

رغم أنَّ التحريف الذي حصل في الكتب السماوية السابقة قد فتح الباب للتشكيك في أصول وأركان تلك الأديان، إلّا أنَّ المسار التدريجي للتشريعات الإلهية، وتوالي الشرائع السماوية لتحلّ كل واحدة مكان السابقة لها، قلّص وعوّض إلى حدٍّ ما عن الخسارة الناتجة عن التحريف، فهل تعرض القرآن خلال تاريخه المليء بالمنعطفات لمثل هذا العمل، وحصل فيه تغيير وتحريف ؟ أو أنَّه طوى حقبة الزمن بسلام من غير زيادة ولا نقصان، وأضاف في هذا المجال مفخرة أُخرى إلى مفاخره ؟

يعود موضوع كون التحريف أمراً تاريخياً، إلى أنَّ التحريف أو عدمه كان ممكناً خلال برهة معيّنة من تاريخ الإسلام: وهي المرحلة التي أعقبت وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين جمع المصاحف في زمن الخليفة الثالث وكتابة المصاحف الخمسة أوالسبعة (في حدود عام ٣٠ للهجرة) ومنذ ذلك العهد إلى أوائل القرن الرابع أي مرحلة حصر القراءات بالقراءات السبع على يد ابن مجاهد، ومنذ القرن الرابع فصاعداً لم يدّع أحد وقوع التحريف، وفي العصر الحاضر انتفى موضوع التحريف.

تعريف التحريف:

قال الأزهري: حَرَفَ عن الشيء حرفاً وانحرفَ وتحرّف واحْرورَفَ (١) ، حَرْفُ كل شيء طرفه وجانبه (٢) .

قال الراغب في مفردات ألفاظ القرآن: تحريف الشيء إمالته كتحريف القلم، أي قَطُّه من جانب وجعله مائلاً والقلم المحرّف المقطوط على هذا النحو وفيه مقطع مائل. وتحريف الكلام، جعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين.

وبعبارة أُخرى، تحريف الكلام يعني نقل معناه من موضعه الأصلي إلى شيء آخر غير المراد منه، نذكر على سبيل المثال أنَّ القرآن الكريم عندما يقول: ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ (٣) فالمراد هو هذا المعنى.

وبعبارة أوضح التحريف في مثل هذه الحالات تغيير وتبديل معنى الكلام وتفسيره وتأويله إلى غير معناه الحقيقي، وهذا يعني أنَّ كلّ من يفسّر القرآن على نحو غير حقيقي فذلك يعني أنَّه حرّفه مثلما فعل بعض اليهود بالتوراة.

التحريف اصطلاحاً:

التحريف اصطلاحاً على خلاف التحريف لغة؛ فالتحريف لغة يعني تغيير معنى الكلمة. والتحريف اصطلاحاً يعني تغيير ألفاظ القرآن، وبعبارة أُخرى التحريف بمعناه الاصطلاحي يختص بالتحريف اللفظي، بينما التحريف لغة يختص بالتحريف المعنوي.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنَّ القرآن لم يستحدم مفهوم التحريف إلّا بمعناه اللغوي، في حين أنَّ محور بحث عدم تحريف القرآن يختص بالتحريف بمعناه اللفظي والاصطلاحي.

أقسام التحريف: أ- المعنوي. ب- اللفظي.

واللفظي: أ- تحريف بالنقيصة. ب- تحريف بالزيادة.

١- التحريف المعنوي للقرآن:

رغم أنَّ القرآن الكريم لم يستحدم كلمة التحريف في هذا المجال، إلّا أنَّه قال في الآية السابعة من سورة آل عمران حول الآيات المتشابهة: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ فهذه الآية تبيّن صراحة أنَّ البعض يتّخذون الآيات المتشابهة ذريعة لتأويل باطلهم رغبة في اثارة الفتنة.

ليس ثمة شك في حصول تحريف معنوي للقرآن؛ لأنَّ التفسير بالرأي يعني تحريف المعنى، وهو ما حصل كثيراً فقد ظهرت في تاريخ تفسير القرآن مذاهب كلاميّة وفرق كان المنشأ الأصلي لظهورها الفهم المغلوط لآيات القرآن الكريم أمثال المفوّضة والمجسّمة وغيرهم.

وقد أشارت الروايات إلى وقوع مثل هذا التحريف، وذمّت من فعلوا ذلك. فقد جاء في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «وكان من نبذهم الكتاب أن أقامُوا حروفه وحرَّفوا حدوده، فهم يروونَه ولا يَرْعونه، والجُهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية...» (٤) .

٢- التحريف اللفظي:

أ- لم ولا يزعم أحد من المسلمين وجود تحريف لفظي في القرآن الكريم، وجود زيادة في آياته وكلماته، وهناك دليل عقلي أيضاً على عدم وجود هذا التحريف؛ وذلك لأنَّ اهتمام المسلمين الفائق بحفظ وتعلم القرآن وقراءته، خلق بينهم جواً جعل ما نزل من آيات القرآن معروفة ومأنوسة لديهم جميعاً، وعلى هذا الأساس لو كانت هناك جملة أو جُمَل تطرح كآيات من القرآن لانكشفت للجميع ولرفضوها.

ب- أما القول بتحريف القرآن بحذف كلمة أو جملة أو آية أو سورة منه، فهذا هو القسم الأساسي من بحث التحريف. ورغم أنَّ هناك من قالوا بهذا التحريف، إلّا أنَّ محققي ومفكّري جميع الفرق الإسلاميّة ينفون نفياً قاطعاً أي تحريف بالنقيصة.

والنتيجة: هي أنَّ النزاع بين القائلين بالتحريف اللفظي ورافضيه يقتصر على موضوع التحريف بالنقيصة، وهو ما يشكّل صُلْبَ هذا البحث.
 

آراء العلماء المسلمين:

المشهور والمعروف بين علماء الإسلام (شيعة وسنّة) عدم وقوع تحريف بالنقيصة في القرآن، والذي بين أيدينا كل القرآن الذي نزل على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

يقول أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي المعروف بالسيد المرتضى، علم الهدى (تـ ٤٣٦هـ) وهو الفقيه، والمفسّر، والمتكلم، والأديب، والشاعر، ورئيس الإماميّة بعد الشيخ المفيد: «إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوّة ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد...» (٥) .

بيّن الأستاذ محمد هادي معرفة آراء أكثر من عشرين شخصاً من أعلام الإماميّة في سلامة القرآن من التحريف، وذكر أيضاً آراء المعاصرين، ومنهم الرأي القاطع لعلماء كبار من أمثال العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قدس سره)، وآية الله أبو القاسم الخوئي (قدس سره)، والإمام الخميني (قدس سره) (٦) .

أطبق كبار محدّثي الشيعة على رفض احتمال التحريف في كتاب الله من لدن أوّلهم، وهو الشيخ الصدوق حتى عصر آخر علمين وهما الحر العاملي والفيض الكاشاني، وجاءت فكرة التحريف من قبل فئة متطرفة من الإخباريين ممن يتصفون بالسذاجة وسرعة الاسترسال، وكان السيد نعمة الله الجزائري (١٠٥٠- ١١١٢هـ) علم هذه الفئة الشاخص، والمبدع لفكرة التحريف استناداً إلى الشوارد من الأخبار، وكتابه الأنوار النعمانية مليء بأخبار وقصص خرافيّة غريبة لا نظير لها في كتب الإماميّة.

وهذا الكتاب هو المصدر الأصلي للقول بالتحريف، وقد اعتمد الشيخ ميرزا حسين النوري (١٢٥٤ - ١٣٢٠هـ) في كتابه: فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب (٧) .

هل يمكن نسبة المعتقد الشخصي لهؤلاء الافراد المعدودين إلى طائفة ومذهب معيَّن، في حين هبّت مجموعة كبيرة من علماء ومفسري ومحققي ذلك المذهب لمناهضته؟
فما الذي يهدف إليه من يتشبّثون بمثل هذه الآراء الضعيفة التي لا أساس لها، ويصمون آذانهم ويغمضون أعينهم عن قداسة القرآن ومكانته العظمى لدى عموم المسلمين بشيعتهم وسنّتهم ؟
يعتبر القرآن اليوم محوراً للوحدة الإسلامية ودستور الإسلام، ويمكنه أن يأخذ دوره في الهداية عندما لا يكون هناك شك في سنده، والذين يحاولون نشر مثل هذه الإشاعات ضد القرآن، بهدف النيل من مذهب معيّن، إنما ينالون في واقع الحال من أصل القرآن من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
 

خلاصة الدرس:

هنا عدّة مسائل ينبغي معرفتها، هي:

١- عدم التحريف من البحوث المتعلّقة بتاريخ القرآن الكريم، ويقتصر على مرحلة ما بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين جمع المصاحف في عهد الخليفة الثالث، ومنذ ذلك العهد إلى أوائل القرن الرابع؛ أي عهد حصر القراءات بالقراءات السبع.
٢- تحريف الكلام يعني تغييره وتبديل مفهومه وتفسيره على نحو غير صحيح.
٣- جاءت عبارة: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ﴾ أربع مرّات في القرآن، وكلها تتعلق بالمعنى اللغوي للتحريف؛ أي التحريف المعنوي.
٤- التحريف اصطلاحاً يختص بالتحريف اللفظي؛ أي زيادة أو نقص كلمات أو آيات القرآن، وموضع الخلاف في بحث عدم التحريف هو التحريف بمعناه الاصطلاحي.
٥- أنواع التحريف اللفظي: التحريف بالنقيصة، والتحريف بالزيادة.
٦- وقوع التحريف المعنوي قطعي، وعدم وقوع التحريف بالزيادة متّفق عليه، والقسم الذي يدور حوله النزاع هو التحريف بالنقيصة.
٧- ينفي كبار المحدّثين من السنّة والشيعة أي احتمال لوقوع التحريف في القرآن الكريم.
٨- الآراء التي تطرحها فئة قليلة من إخباريي الشيعة، وجماعة من أهل السنَّة، ويشيرون فيها إلى تحريف القرآن، لا تكاد تمثل شيئاً ذا بال أمام الرأي القاطع لعلماء الشيعة ومحققيهم، الذي يؤكد صيانة القرآن من التحريف.
٩- إلصاق تهمة تحريف القرآن ببعض المذاهب الإسلاميّة لا يؤدي إلى شيء سوى النيل من قداسة القرآن من قبل بعض الجهلة (٨) .


(1) - لسان العرب: ابن منظور .
(2) - المصدر السابق؛ قاموس القرآن؛ مفردات الفاظ القرآن .
(3) - سورة النساء ، الآية: ٤٦ .
(4) - البيان في تفسير القرآن: ص٢٢٧ .
(5) - تَارِيخ القُرآنِ: ص١٦١ .
(6) - صيانة القرآن من التحريف: ص٥٩ - ٧٨ .
(7) - المصدر السابق: ص١١١ - ١١٣ .
(8) - دروس في علوم القرآن الكريم: ( إصدارات جمعية القرآن الكريم) .

 

   قصص قرآنية

قصة أصحاب الكهف في القرآن


 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً (12) نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُواْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذاً أَبَداً ﴾ .
 

قصة أصحاب الكهف في القرآن:

وقد قال تعالى مخاطباً لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ كان أصحاب الكهف والرقيم فتية نشأوا في مجتمع مشرك لا يرى إلا عبادة الأوثان فتسرب في المجتمع دين التوحيد فآمن بالله قوم منهم فأنكروا عليهم ذلك وقابلوهم بالتشديد والتضييق والفتنة والعذاب، وأجبروهم على عبادة الأوثان ورفض دين التوحيد فمن عاد إلى ملتهم تركوه ومن أصر على المخالفة قتلوه شر قتلة.
 

وكانت الفتية ممن آمن بالله إيمانا على بصيرة فزادهم الله هدى على هداهم وأفاض عليهم المعرفة والحكمة وكشف بما آتاهم من النور عما يهمهم من الأمر وربط على قلوبهم فلم يخشوا إلا الله ولا أوحشهم ما يستقبلهم من الحوادث والمكاره فعلموا أنهم لو أداموا المكث في مجتمعهم الجاهل المتحكم لم يسعهم دون أن يسيروا بسيرتهم فلا يتفوهوا بكلمة الحق ولا يتشرعوا بشريعة الحق وعلموا أن سبيلهم أن يقوموا على التوحيد ورفض الشرك ثم اعتزال القوم، وعلموا أن لو اعتزلوهم ودخلوا الكهف أنجاهم الله مما هم فيه من البلاء.
 

فقاموا وقالوا ردا على القوم في اقتراحهم وتحكمهم: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾ .
ثم قالوا: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً ﴾ .
 

ثم دخلوا الكهف واستقروا على فجوة منه: ﴿ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ فدعوا ربهم بما تفرسوا من قبل أنه سيفعل بهم ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين ولبثوا في كهفهم - وكلبهم معهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .

ثم إن الله بعثهم بعد هذا الدهر الطويل وهو ثلاثمائة وتسع سنين من يوم دخلوا الكهف ليريهم كيف نجاهم من قومهم فاستيقظوا جميعا ووجدوا أن الشمس تغير موقعها وفيهم شيء من لوثة نومهم الثقيل قال قائل منهم: كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ قال قوم منهم: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم لما وجدوا من تغير موقع الشعاع وترددوا هل مرت عليهم ليلة أو لا؟ وقال آخرون منهم: بل ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ فَابْعَثُواْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ ﴾ فإنكم جياع ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ الذاهب منكم إلى المدينة في مسيره إليها وشرائه الطعام ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ إنهم إن علموا بمكانكم ﴿ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

وهذا أوان أن يعثر الله سبحانه الناس عليهم فإن القوم الذين اعتزلوهم وفارقوهم يوم دخلوا الكهف قد انقرضوا وذهب الله بهم وبملكهم وملتهم وجاء بقوم آخرين الغلبة فيهم لأهل التوحيد والسلطان وقد اختلفوا أعني أهل التوحيد وغيرهم في أمر المعاد فأراد الله سبحانه أن يظهر لهم آية في ذلك فأعثرهم على أصحاب الكهف.
 

فخرج المبعوث من الفتية وأتى المدينة وهو يظن أنها التي فارقها البارحة لكنه وجد المدينة قد تغيرت بما لا يعهد مثله في يوم ولا في عمر والناس غير الناس والأوضاع والأحوال غير ما كان يشاهده بالأمس فلم يزل على حيرة من الأمر حتى أراد أن يشتري طعاما بما عنده من الورق وهي يومئذ من الورق الرائجة قبل ثلاثة قرون فأخذت المشاجرة فيها ولم تلبث دون أن كشفت عن أمر عجيب وهو أن الفتى ممن كانوا يعيشون هناك قبل ذلك بثلاثة قرون، وهو أحد الفتية كانوا في مجتمع مشرك ظالم فهجروا الوطن واعتزلوا الناس صونا لإيمانهم ودخلوا الكهف فأنامهم الله هذا الدهر الطويل ثم بعثهم، وها هم الآن في الكهف في انتظار هذا الذي بعثوه إلى المدينة ليشتري لهم طعاما يتغذون به.

فشاع الخبر في المدينة لساعته واجتمع جم غفير من أهلها فساروا إلى الكهف ومعهم الفتى المبعوث من أصحاب الكهف فشاهدوا ما فيه تصديق الفتى فيما أخبرهم من نبإ رفقته وظهرت لهم الآية الإلهية في أمر المعاد.
 

ولم يلبث أصحاب الكهف بعد بعثهم كثيرا دون أن توفاهم الله سبحانه وعند ذلك اختلف المجتمعون على باب الكهف من أهل المدينة ثانيا فقال المشركون منهم: ﴿ ابْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾.
 

أين كهف أصحاب الكهف؟

عثر في مختلف بقاع الأرض على عدة من الكهوف والغيران وعلى جدرانها تماثيل رجال ثلاثة أو خمسة أو سبعة ومعهم كلب وفي بعضها بين أيديهم قربان يقربونه، ويتمثل عند الإنسان المطلع عليها قصص أصحاب الكهف ويقرب من الظن أن هذه النقوش والتماثيل إشارة إلى قصة الفتية وأنها انتشرت وذاعت بعد وقوعها في الأقطار فأخذت ذكرى يتذكر بها الرهبان والمتجردون للعبادة في هذه الكهوف.

وأما الكهف الذي التجأ إليه واستخفى فيه أهل الكهف فجرى عليهم ما جرى فالناس فيه في اختلاف وقد ادعي ذلك في عدة مواضع.
 

أحدها: كهف إفسوس وإفسوس هذا مدينة خربة أثرية واقعة في تركيا على مسافة ٧٣ كيلو مترا من بلدة إزمير، والكهف على مساحة كيلو متر واحد أو أقل من إفسوس بقرب قرية «اياصولوك» بسفح جبل «ينايرداغ».

وهو كهف وسيع فيه - على ما يقال - مئات من القبور مبنية من الطوب وهو في سفح الجبل وبابه متجه نحو الجهة الشمالية الشرقية وليس عنده أثر من مسجد أو صومعة أو كنيسة، وهذا الكهف هو الأعرف عند النصارى، وقد ورد ذكره في عدة من روايات المسلمين.
 

وهذا الكهف على الرغم من شهرته البالغة - لا ينطبق عليه ما ورد في الكتاب العزيز من المشخصات.

أما أولا: فقد قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ وهو صريح في أن الشمس يقع شعاعها عند الطلوع على جهة اليمين من الكهف وعند الغروب على الجانب الشمالي منه، ويلزمه أن يواجه باب الكهف جهة الجنوب، وباب الكهف الذي في إفسوس متجه نحو الشمال الشرقي.
 

وهذا الأمر أعني كون باب كهف إفسوس متجها نحو الشمال وما ورد من مشخص إصابة الشمس منه طلوعا وغروبا هو الذي دعا المفسرين إلى أن يعتبروا يمين الكهف ويساره بالنسبة إلى الداخل فيه لا الخارج منه مع أنه المعروف المعمول - كما تقدم في تفسير الآية - قال البيضاوي في تفسيره: إن باب الكهف في مقابلة بنات النعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم.
 

انتهى ونحو منه ما ذكره غيره.

على أن مقابلة الباب للشمال الشرقي لا للقطب الشمالي وبنات النعش كما ذكروه تستلزم عدم انطباق الوصف حتى على الاعتبار الذي اعتبروه فإن شعاع الشمس حينئذ يقع على الجانب الغربي الذي يلي الباب عند طلوعها وأما عند الغروب فالباب وما حوله مغمور تحت الظل وقد زال الشعاع بعيد زوال الشمس وانبسط الظل.

اللهم إلا أن يدعى أن المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ عدم وقوع الشعاع أو وقوعه خلفهم لا على يسارهم هذا.
 

وأما ثانيا: فلأن قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي في مرتفع منه ولا فجوة في كهف إفسوس - على ما يقال - وهذا مبني على كون الفجوة بمعنى المرتفع وهو غير مسلم وقد تقدم أنها بمعنى الساحة.

وأما ثالثا: فلأن قوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾ ظاهر في أنهم بنوا على الكهف مسجدا، ولا أثر عند كهف إفسوس من مسجد أو صومعة أو نحوهما وأقرب ما هناك كنيسة على مسافة ثلاث كيلو مترات تقريبا ولا جهة تربطها بالكهف أصلا.

على أنه ليس هناك شيء من رقيم أو كتابة أو أمر آخر يشهد ولو بعض الشهادة على كون بعض هاتيك القبور وهي مآت هي قبور أصحاب الكهف أو أنهم لبثوا هناك صفة من الدهر راقدين ثم بعثهم الله ثم توفاهم.

الكهف الثاني: كهف رجيب وهذا الكهف واقع على مسافة ثمانية كيلو مترات من مدينة عمان عاصمة الأردن بالقرب من قرية تسمى رجيب والكهف في جبل محفورا على الصخرة في السفح الجنوبي منه، وأطرافه من الجانبين الشرقي والغربي مفتوحة يقع عليه شعاع الشمس منها، وباب الكهف يقابل جهة الجنوب وفي داخل الكهف صفة صغيرة تقرب من ثلاثة أمتار في مترين ونصف على جانب من سطح الكهف المعادل لثلاثة في ثلاثة تقريبا وفي الغار عدة قبور على هيئة النواويس البيزنطية كأنها ثمانية أو سبعة.

وعلى الجدران نقوش وخطوط باليوناني القديم والثمودي منمحية لا تقرأ وأيضا صورة كلب مصبوغة بالحمرة وزخارف وتزويقات أخرى.

وفوق الغار آثار صومعة بيزنطية تدل النقود والآثار الأخرى المكتشفة فيها على كونها مبنية في زمان الملك جوستينوس الأول (٤١٨) - (٤٢٧) وآثار أخرى على أن الصومعة بدلت ثانيا بعد استيلاء المسلمين على الأرض مسجداً إسلامياً مشتملا على المحراب والمأذنة والميضاة، وفي الساحة المقابلة لباب الكهف آثار مسجد آخر بناه المسلمون في صدر الإسلام ثم عمروها وشيدوها مرة بعد مرة، وهو مبني على أنقاض كنيسة بيزنطية كما أن المسجد الذي فوق الكهف كذلك.

وكان هذا الكهف - على الرغم من اهتمام الناس بشأنه وعنايتهم بأمره كما يكشف عنه الآثار - متروكا منسيا وبمرور الزمان خربة وردما متهدما حتى اهتمت دائرة الآثار الأردنية أخيراً بالحفر والتنقيب فيه فاكتشفته فظهر ثانياً بعد خفائه قرونا، وقامت عدة من الأمارات والشواهد الأثرية على كونه هو كهف أصحاب الكهف المذكورين في القرآن.
 

وقد ورد كون كهف أصحاب الكهف بعمان في بعض روايات المسلمين ذكره الياقوت في معجم البلدان وأن الرقيم اسم قرية بالقرب من عمان كان فيها قصر ليزيد بن عبد الملك وقصر آخر في قرية أخرى قريبة منها تسمى الموقر وإليهما يشير الشاعر بقوله:

يزرن على تنانيه يزيدا. بأكناف الموقر والرقيم.

وبلدة عمان أيضا مبنية في موضع مدينة «فيلادلفيا» التي كانت من أشهر مدن عصرها وأجملها قبل ظهور الدعوة الإسلامية وكانت هي وما والاها تحت استيلاء الروم منذ أوائل القرن الثاني الميلاد حتى فتح المسلمون الأرض المقدسة.

والحق أن مشخصات كهف أهل الكهف أوضح انطباقا على هذا الكهف من غيره.

والكهف الثالث: كهف بجبل قاسيون بالقرب من الصالحية بدمشق الشام ينسب إلى أصحاب الكهف.
والكهف الرابع: كهف بالبتراء من بلاد فلسطين ينسبونه إلى أصحاب الكهف.
والكهف الخامس: كهف اكتشف - على ما قيل - في شبه جزيرة إسكاندنافية من الأوربة الشمالية عثروا فيه على سبع جثث غير بالية على هيئة الرومانيين يظن أنهم الفتية أصحاب الكهف.
وربما يذكر بعض كهوف أخر منسوب إلى أصحاب الكهف كما يذكر أن بالقرب من بلدة نخجوان من بلاد قفقاز كهفا يعتقد أهل تلك النواحي أنه كهف أصحاب الكهف وكان الناس يقصدونه و يزورونه.
ولا شاهد يشهد على كون شيء من هذه الكهوف هو الكهف المذكور في القرآن الكريم.

على أن المصادر التاريخية تكذب الأخيرين إذ القصة على أي حال قصة رومانية، وسلطتهم حتى في أيام مجدهم وسؤددهم لم تبلغ هذه النواحي نواحي أوربة الشمالية وقفقاز.
 

الدروس:

أ- إِنَّ أول دروس هذه القصّة هو تحطيم حاجز التقليد، والابتعاد عن التلوّن بلون المجتمع الفاسد.
ب- الهجرة مِن الأوساط المنحرفة لكي يحفظوا إِيمانهم، ولا يكونوا من عوامل وأعوان جهاز الظلم والجور والكفر والشرك.
ج- التقية بمعناها البنّاء درس آخر نستفيده مِن هذه القصّة، لقد كانوا يصرون على عدم اطّلاع أهل المدينة على حالهم وخبرهم، واحتاطوا ليبقى أمرهم وحالهم مخفياً، حتى لا يخسروا أنفسهم بدون سبب، وكي يتجنبوا أن يُجبروا على الرجوع إِلى المحيط المنحرف الذي تخلّصوا منهُ.
د- عدم وجود تفاوت بين الناس وهم في طريق الله، فالوزير كانَ إِلى جانب الراعي، بل كان الاثنان إلى جانب الكلب كان يقوم بالحراسة.
هـ- الإِمدادات الإِلهية العجيبة عند ظهور المشاكل، هي نتيجة أُخرى يجب الاعتبار بها، فقد رأينا كيف قامَ الخالق جلَّ وعلا بإنامة أصحاب الكهف كل تلك المدّة الطويلة، مِن أجل إِنقاذهم مِن تلك الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت تحيط بهم.
و- لقد تعلَّمنا مِن أصحاب الكهف قيمة (طهارة الطعام) حتى في أصعب الظروف وأدقّها، لأنَّ طعام الإِنسان لهُ آثار عميقة في روحه وفكره وقلبه، وعندما يختلط الطعام بالحرام والنجاسة، يبتعد الإِنسان عن طريق الله؛ طريق التقوى.
ز- ضرورة الاعتماد على مشيئة الله وطلب العون مِن لطفه تعالى: وقول (إن شاء الله) في كل ما يتعلق بأُمور المستقبل.
ح- تسمية القرآن لهم بـ (الفتية) للدلالة على صفات الشهامة والرشد والطُهر والفتوة والعفو والتسامح.
ط- ضرورة النقاش المنطقي مع المعارضين درسٌ آخر نستفيده مِن قصّة أصحاب الكهف.
ي- إمكانية المعاد الجسماني وعودة الناس إلى الحياة مرّة أُخرى عند البعث.
 

إِنّنا لا نستطيع القول بأنَّ الدروس التربوية في قصّة أصحاب الكهف تقتصر على ما ذكرناه، ولكنّا نعتقد أنَّهُ حتى لو كان هُناك درس واحد نستفيده مِن هذه القصة لكفانا ذلك، فكيف بِنا وأمامنا هذه الدروس الكثيرة؟!



 

   القرآن في نهج البلاغة

المَهْدِيُّ مُحْيِي اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له يومىء فيها إلى ذكر الملاحم (١) واتّفق الشراح على أنّ هذا الفصل منها اشارة إلى ظهور القائم المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسهل الله مخرجه وجعلنا الله فداه ومنحنا اتّباع آثاره وهداه:

«يَعْطِفُ اَلْهَوَى عَلَى اَلْهُدَى إِذَا عَطَفُوا اَلْهُدَى عَلَى اَلْهَوَى وَيَعْطِفُ اَلرَّأْيَ عَلَى اَلْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا اَلْقُرْآنَ عَلَى اَلرَّأْيِ منها: حَتَّى تَقُومَ اَلْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلاَ وَفِي غَدٍ وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ اَلْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وَتُخْرِجُ لَهُ اَلْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ اَلسِّيرَةِ وَيُحْيِي مَيِّتَ اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ» (٢) .
 

الشرح:

أشار (عليه السلام) إلى إمام يظهره الله في آخر الزمان، وكون ذاك الإمام العاشر من ولده (عليه السلام) والثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر من ضروريات مذهب الإماميّة، كيف لا وقد تواتر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الخاصة والعامة أنّه قال لكميل في كلام طويل «اَللَّهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اَللهِ وَبَيِّنَاتُهُ» (٣) .

وروى النعماني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسويّة، وعدل في الرعية. فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وإنّما سمّي المهدي مهديا لأنّه يهدي إلى أمر خفي يستخرج التوراة، وسائر كتب الله تعالى من غار، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن» (٤) .
 

قوله (عليه السلام) «يَعْطِفُ اَلْهَوَى عَلَى اَلْهُدَى» يريد به أنه (عليه السلام) إذا ظهر يردّ النفوس الضالة عن سبيل الله التابعة لظلمات أهوائها لطرقها الفاسدة ومذاهبها المختلفة إلى سلوك النّهج القويم والصّراط المستقيم، فتهدى الأمم بظهوره وتسفر الظّلم بنوره وذلك «إِذَا عَطَفُوا اَلْهُدَى عَلَى اَلْهَوَى» أي إذا ارتدّت تلك النّفوس عن اتّباع أنوار هدى الله تعالى في سبيله الواضح إلى اتّباع أهوائها فيجدّد الشّريعة المحمّديّة بعد تضيعها، ويبرم عقدها بعد انتقاضها، ويعيدها بعد ذهابها وانقراضها.
 

«وَيَعْطِفُ اَلرَّأْيَ عَلَى اَلْقُرْآنِ» أي يردّ الآراء الفاسدة المخالفة للقرآن عليه ويأمر بالرّجوع إليه، ويأخذ ما وافق الكتاب وطرح ما خالفه في كلّ باب وذلك «إِذَا عَطَفُوا اَلْقُرْآنَ عَلَى اَلرَّأْيِ» وتأوّلوه على ما يطابق مذاهبهم المختلفة وآرائهم المتشتّته قد تمسّك كلّ على مذهبه الفاسد واستشهد على رأيه الكاسد بآيات الكتاب وزعم أنّ ما رآه ودان به إنّما هو الحقّ والصّواب مع أن كلاّ منهم قد حاد عن سوي الصّراط، واعتسف في طرفي التّفريط والافراط، لعدولهم عن قيّم القرآن، واستغنائهم عن خليفة الرّحمن، وتركهم السؤال عن أهل الذّكر والرجوع إلى وليّ الأمر، وإنّما يعرف القرآن من خوطب به ومن نزل ببيته، وهم أهل بيت النّبوّة ومعدن الوحي والرّسالة، فمن رجع في تفسيره إليهم كالشّيعة الإماميّة فقد اهتدى، ومن استغنى برأيه عنهم فقد ضلّ وغوى، ومن فسّره برأيه فليتبوّء مقعده النار، وليتهيأ لغضب الجبار.

روى النعماني مسنداً عن حبّة العرني قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما أنزل. أما إنّ قائمنا إذا قام كسره وسوّى قبلته (٥) .

(منها) اشارة إلى الفتن التي تظهر عند ظهور القائم (عليه السلام) وهو قوله (عليه السلام): «حَتَّى تَقُومَ اَلْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ» أي: تقيمكم الحرب على ساق والقيام على ساق كناية عن الجد، أراد به اشتدادها والتحامها، كما أنّ الكشف عن الساق كناية عن الشدّة.

«بَادِياً نَوَاجِذُهَا» جمع الناجذ. لأنّ بدو النّواجذ وظهورها من أوصاف الأسد عند غضبه وافتراسه، فأثبته للحرب على سبيل التخييل بعد تنزيلها منزلة الأسد المغضب باعتبار الشدّة والأذى على الاستعارة بالكناية.

وفي (النهاية): في حديث عليّ (عليه السلام): «إنّ الملكين قاعدان على ناجذي العبد يكتبان» يعني سنّيه الضاحكين بين الناس والأضراس (٦) .

وفي (الأساس): أبدى ناجذه إذا بالغ في ضحكه أو غضبه، ومن المجاز أبدت الحرب ناجذيها. قال بشر:

إذا ما الحرب أبدت ناجذيها    غداة الروع والتقت الجموع (٧)

«مَمْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا» جمع الخلف بالكسر، وهو الضرع، تأكيد ثالث لشدّتها نزّلها منزلة الناقة ذات اللّبن في استعدادها واستكمالها عدّتها ورحالها كما تستكمل النّاقة باللّبن وتهيّئوه لولدها.

«حُلْواً رَضَاعُهَا» أنّها عند اقبالها تستلذّ وتستحلي بطمع الظّفر على الأقران والغلبة على الشجعان، كحلو لبن الأمهات عند الأطفال.

«عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا» أي: مرّا والأصل في العلقم: شجر مرّ، فقيل لكلّ مرّ، والمعنى يكون آخرها مرّاً لأنّه القتل والهلاك، ومصير الأكثر إلى النّار، وبئس القرار وفي هذا المعنى قال الشّاعر:

الحرب أوّل ما تكون فتية تسعى بزينتها لكلّ جهول

حتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها    عادت عجوزا غير ذات خليل

شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت      مكروهة للشمّ والتقبيل (٨)

عن أبي جعفر (عليه السلام) في خبر لا يقوم القائم (عليه السلام) إلاّ على خوف شديد، وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتّت في دينهم، وتغيّر من حالهم حتّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا، وخروجه إذا خرج عند الإياس، والقنوط، فيا طوبى لمن أدركه، وكان من أنصاره إلى أن قال: يقوم بأمر جديد، وسنّة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد... (٩) .

«أَلاَ وَفِي غَدٍ وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ» صدّر الخبر الّذي أراد (عليه السلام) بيانه بكلمة «أَلاَ» وعرّضه بجملة «وَسَيَأْتِي...» دلالة على عظمه وأهميته، وهذا تنبيه على عظم شأن الغد الموعود بمجيئه وعلى معرفته بما لا يعرفون.

«يَأْخُذُ اَلْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا» قال ابن أبي الحديد: هذا كلام منقطع عمّا قبله، وقد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس ذات ملك وإمرة فذكر (عليه السلام) أنّ الوالي يعني الإمام الذي يخلقه الله في آخر الزمان يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم (١٠) .

ولكن: لم يعلم انقطاعه، ولو أراد الرضي (عليه السلام) قطع الكلام لقال: «منها» كما قال هنا «منها: حتّى تقوم الحرب...» وكما قال بعد «منها»: «كأنّي به قد نعق بالشام...» لكن الظاهر كون الكلام مصحّفا وأنّ الأصل: «يأخذ الوالي غير عمّالها على مساوي أعمالها».

وورد الأخبار أيضا بملك الجبابرة والولاة السّوء عند ظهوره (عليه السلام) في النبوي الذي رواه كاشف الغمّة من كتاب كفاية الطّالب عن الحافظ أبي نعيم في فوائده والطّبراني في معجمه الأكبر عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سيكون بعدى خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثمّ يخرج المهدي من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا.

«وَتُخْرِجُ لَهُ اَلْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا» (أفاليذ) وهي جمع فلذة أي: قطعة.

استعار لفظ الكبد لكنوز الأرض وخزائنها والجامع مشابهة الكنوز للكبد في الخفاء وبذلك الاخراج فسّر قوله تعالى: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ ، في بعض التّفاسير. وفي خبر عن الباقر (عليه السلام) يجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها. فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرّم الله تعالى فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله ويملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا، كما ملئت ظلما وجورا وشرّا (١١) .

«وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً» أي منقاداً «مَقَالِيدَهَا» مفاتيحها، قال الشّارح البحراني: أسند لفظ الالقاء إلى الأرض مجازاً لأنّ الملقى للمقاليد مسالماً هو أهل الأرض وكنّى بذلك عن طاعتهم وانقيادهم أجمعين لأوامره وتحت حكمه. والأقرب أن يراد بالقاء المقاليد فتح المداين والأمصار.

في خبر عليّ بن عقبة عن أبيه قال: إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وآمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقّ إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان أما سمعت الله سبحانه يقول: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ (١٢) وحكم بين الناس بحكم داود، وحكم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته... (١٣) .
 

وروى (الاكمال): عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام) إذا خرج القائم (عليه السلام) من مكّة ينادي مناديه: ألا لا يحملنّ أحد طعاماً ولا شراباً، وحمل معه حجر موسى بن عمران (عليه السلام) وهو وقر بعير. فلا ينزل منزلا إلاّ انفجرت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً روي ورويت دوابهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة (١٤) .

«فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ اَلسِّيرَةِ» أي العدل في السيرة أو السيرة العادلة، روى النعماني عن عبد الله بن عطا قال: سألت شيخا من الفقهاء يعني أبا عبد الله (عليه السلام) عن سيرة المهدي (عليه السلام) فقال: يصنع كما صنع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يهدم ما كان قبله كما هدم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً(١٥) .
 

وفي (الإرشاد): وأمّا سيرة القائم (عليه السلام) عند قيامه. فروى المفضّل عن الصادق (عليه السلام) إذا أذن الله تعالى للقائم (عليه السلام) في الخروج صعد المنبر.

فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله، ودعاهم إلى حقّه، وأن يسير فيهم بسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعمل فيهم بعمله. فيبعث الله تعالى جبرئيل حتّى يأتيه. فينزل على الحطيم يقول: إلى أيّ شيء تدعو ؟ فيخبره القائم (عليه السلام) فيقول جبرئيل: أنا أوّل من يبايعك ابسط يدك. فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمئة، وبضعة عشر رجلا. فيبايعونه ويقيم بمكّة حتّى يتمّ أصحابه عشرة آلاف نفس. ثمّ يسير منها إلى المدينة.
 

«وَيُحْيِي مَيِّتَ اَلْكِتَابِ وَاَلسُّنَّةِ» أي يعمل بهما ويحمل النّاس على أحكامهما بعد اندراس أثرهما وهو إشارة إلى بعض سيرته (عليه السلام) عند قيامه وطريقة أحكامه.

روى النعماني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كأنّني بدينكم هذا لا يزال مولّيا يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه، حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله وسنّة رسول الله (١٦) .
 

وروى عليّ بن عقبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيّامه الجور وامنت به السبل واخرجت الأرض بركاتها وردّ كلّ حقّ إلى أهله ولم يبق أهل دين حتّى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: وله أسلم من في السّموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون، وحكم في النّاس بحكم داود وحكم محمّد صلّى الله عليهما فحينئذ يظهر الأرض كنوزها وتبدى بركاتها فلا يجد الرّجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته ولا لبرّه، لشمول الغنى جميع المؤمنين ثمّ قال (عليه السلام): إنّ دولتنا آخر الدّول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأو سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
 

وممّا أخبر (عليه السلام) بالمهدي (عليه السلام) ما رواه النعماني عن الأصبغ قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم فوجدته مفكّراً ينكت في الأرض. فقلت: يا أمير المؤمنين أرغبة منك فيها ؟ فقال لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا ساعة قط، ولكن فكري في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الّذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. له حيرة وغيبة يضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون. فقلت: يا أمير المؤمنين فكم تكون تلك الحيرة والغيبة ؟ فقال: سبت من الدهر. فقلت إن هذا لكائن ؟ فقال: نعم. كما أنّه مخلوق. قلت: أدرك ذلك الزمان ؟ قال: قال: أنّى لك يا أصبغ بهذا الأمر. أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة. قلت نعم ما يكون بعد ذلك ؟ قال: ثمّ يفعل الله ما يشاء فانّ له إرادات، وغايات، ونهايات (١٧) (١٨) .

نسأل الله عزّ وجلّ أن يعجّل في فرجه وأن يقرّ عيوننا برؤيته ويجعلنا في زمرة أنصاره آمين يا رب العالمين، بمحمد وآله الطاهرين (١٩) .


(1) - الملاحم: جمع الملحمة، الوقعة العظيمة في الفتنة.
(2) - الخطبة: (١٣٦) .
(3) - نهج البلاغة: ج٤، ص٣٧، ضمن الحكمة ١٤٧.
(4) - غيبة النعماني: ١٥٧.
(5) - غيبة النعماني: ٢١٧ - ٢١٨.
(6) - النهاية ٥: ٢٠، مادة (نجذ) .
(7) - اساس البلاغة: ٤٤٧، مادة (نجذ) .
(8) - الشعر والشعراء: ١٣٨.
(9) - غيبة النعماني: ١٥٤.
(10) - شرح ابن أبي الحديد: ج٢، ٣٨٨.
(11) - أخرجه النعماني في الغيبة: ١٥٧.
(12) - سورة آل عمران، الآية: ٨٣.
(13) - رواه المفيد في الأرشاد: ٣٦٤.
(14) - كمال الدين: ج٢، ص٦٧٠، ح١٧.
(15) - غيبة النعماني: ١٥٢.
(16) - غيبة النعماني: ١٥٨.
(17) - غيبة النعماني: ٤١ وأيضا الكافي ج١، ص٣٣٨،ح ٧.
(18) - أهم المصادر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، في ظلال نهج البلاغة، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.
(19) - بقلم: الشيخ فادي الفيتروني.

 

 

   الأخلاق في القرآن



إتّفق علماء الأخلاق أنّ التّوبة الجامعة للشّرائط، مقبولة عند الله تعالى، ويدل على ذلك الآيات والرّوايات، ولكن يوجد نقاش حول قبول التّوبة، هل هو عَقلي أم عقلائي، أم نَقلي؟.
 

ويعتقد جماعة، أنّ سقوط العقاب الإلهي، هو تفضل من الباري تعالى، فبعد تحقق التّوبة من العبد، يمكن للباري تعالى أن يتوب على عبده ويغفر له، أو لا يغفر له، كما هو المُتعارف بين النّاس، عندما يقوم أحد الأشخاص بظلم الغَير، فِللمظلوم أن يغفر له، أو لا يعفو عنه.

وترى جماعةٌ اُخرى، أنّ العقاب يسقط حتماً بعد التّوبة، وعدم قبول عُذر المجرم، من الله تعالى، بعيدٌ وقبيحٌ، ولا يصدر منه تعالى.

وهنا يمكن قبول رأي ثالث، وهو أنّ قبول التّوبة أمر عقلائي، يعني أنّ العقل وإن لم يوجب قبول التّوبة والعُذر، ولكنّ بناءَ العُقلاء في العالم كلّه، مبنيٌّ على قبول عذر الخاطيء، وإقالة عثرته، إذا ما عاد عن غَيّه، وأصلح أعماله السّيئة، وجَبر ما كسره، وأرضى خصمائه بطرق مختِلفَة، فهذا الموقف هو بناء العقلاء في العالم أجمع، فلو أصرّ شخص على نفي هذا المبدأ العقلائي، ولم يقبله في سلوكه إتجّاه المُعتذر، فسيعتبر حقوداً وخارجاً عن موازين الإنسانية والأخلاق.

ولا شك أنّ الله تعالى، وهو القادر والغني عن العالمين، أَوْلى وأجدر من عباده بالعفو والمغفرة، وقبول عذر التائب، وعدم إنزال العقاب عليه.

ويمكن القول بأكثر من ذلك، وهو وجوب قبول التّوبة، لدى العقل الذي يعتمد على قاعدة: «قُبح نَقض الغَرض».
 

وتوضيح ذلك: نحن نعلم أنّ الباري تعالى، غنيٌّ عن عباده وطاعة العالمين، وإن كلّفنا بشيء فهو لطفٌ منه، للسير في خطّ التّكامل والتّربية، فالصّلاة والصّيام تُربّي النّفس وتُقرّب الإنسان من الله تعالى، وكذلك سائر الواجبات، فلها قِسطٌ في عمليّة التّكامل الإنساني.

فنقرأ عن الحج: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ (١) . ونقرأ في الآيات الاُخرى، أنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (٢) ، والصّوم سبب للتّقوى (٣) ، والزّكاة لتطهير الأفراد والمجتمع من الرذائل الأخلاقيّة والانحرافات (٤) .

وإعتبرت الرّوايات الإيمان، سبباً للطهارة من الشّرك، والصّلاة لِدرء الكِبَر عن الإنسان، والحجّ سبباً لوحدة المسلمين، والجهاد لِعزّة المسلمين ... (٥) .

وعليه فإنّ كلّ التّكاليف الإلهيّة، هي من أسباب سعادة الإنسان، وتكامله في خط الإيمان والحقّ والتّكامل، هذا هو الهدف الأصلي للإنسان، في دائرة الوصول لمرتبة القرب الإلهي، والعبودية الحقّة، قال الباري تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (٦) .

ولا شك فإنّ وجوب التّوبة، وقبولها من قبل الباري تعالى، يشكّل إحدى حلقات التّكامل المعنوي للإنسان، لأنّ الإنسان من طبيعته الخطأ، فإذا أوصد الباب دونه، فلن يتكامل أبداً.

وإذا ما اُحيط الإنسان علماً بالتّوبة، وأنّ الباري فتح الباب أمامه بشرط إصلاح ما مضى، فمثل هذا الإنسان يكون أقرب للسّعادة والتّكامل، ويبتعد عن الإنحراف والخطأ في مسيرة الحياة.

والنّتيجة: أنّ عدم قبول التّوبة يؤدي إلى نقض الغرض، لأنّ الهدف من التّكاليف والطّاعة، هو تربية وتكامل الإنسان، وعدم قبولها لا ينسجم مع هذا الغرض، ومن البعيد عقلاً على الحكيم، أن ينقض غرضه.

وعلى كلّ حال، فإنّ التّوبة وقبولها لها علاقةٌ وثيقةٌ بالتّكامل الإنساني، وبدونها سينتفي الدّافع والقصد للتّكامل، وسيكون الإنسان في غاية اليأس من النّجاة، مما يشجعه على الّتمادي في إرتكاب المعاصي ومُمارسة الجريمة، ولذلك فإنّ كلّ المربّين، سواء كانوا إلهيين أم ماديّين، يؤكّدون على مسألة التّوبة، ويجعلون الطّريق مفتوحاً دائماً أمام الخاطئين، كَي يُحرّكوا فيهم روح اَلْإِنَابَةِ، ودافع الإصلاح والحركة نحو الكمال المُطلق.

وعليه فإنّ التوبة بشرائطها، لم تحكم بها الآيات والرّوايات فقط، بل هي ثابتة بحكم العقل وسيرة العُقلاء، وهذا أمرٌ لا يمكن تجاهله البتّة.
 

التّبعيض في التّوبة:
 

هل يمكن للإنسان أن يقيم على بعض الذّنوب، ويتوبَ عن البعض الآخر؟؛ فمثلاً إذا كان يشربُ الخَمر ويغتابُ الناس، فهل يصحّ منه الإقلاع عن الخمر فقط، بينما يستمر في خط الغِيبة؟
 

نقول: إنّ التّوبة يجب أن تكون شاملةً لكلّ الذّنوب، لأنّ المسألة تعود إلى عِصيان الباري تعالى، وَهَتك حُرمته، فالنّادم يجب أن يترك كلّ الذّنوب، لا أنّ يُصِرّ عليها.
لكن هذا الكلام مُجانب للصواب، حيث يمكن القول بصحّة التّجزئة في عمليّة التّوبة، (وصرّح بها بعض العلماء، مثل المرحوم النّراقي في «معراج السعادة»، وقد نقلها عن أبيهM)، لأنّه ربّما يكون الإنسان، على إطّلاع كامل على آثار بعض الذّنوب وَعَواقبها السّيئة، أو هو عند الله أشدّ وأقبح، ولأجل ذلك فإنّه يتركه على مستوى الممارسة ويتوب منه، أمّا بالنّسبة للذنوب التي هي أقلّ قُبحاً، أو أقل عِقاباً، أو لأنّ علمه بها وإطلاعه على ما يترتب عليها من المفاسد، ليس كافياً بالدّرجة التي تردعه عنه، فإنّه يستمر في ممارستها.
فأكثر التائبين هم كذلك، فغالباً ما يقلعون عن بعض الذّنوب، ويبقون على البَعض، ولم يردنا شيءٌ من قبل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، أو علماء الإسلام، ينفي قبول مثل هذه التوبة، ويؤكّد على التوبة الكاملة الشاملة لكلّ الذنوب التي يرتكبها الإنسان.
ونرى في الآيات الشّريفة، إشارات واضحة على معنى التّجزئة في التّوبة، وصحّة القول بالتّفكيك، فمثلاً بالنّسبة للمُرابين، يقول تعالى: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ (٧) .
وبالنّسبة للمرتدين بعد الإيمان، يقول تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)  ... إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (٨) .
وبالنّسبة للمحاربين والمتسببّين في ضَلال الناس والمجتمع، فبعد ذكر ما يستحقون من العِقاب الشّديد، يقول تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (٩) .

وأمّا بالنّسبة للأعمال المنافية للعفّة، فيقول تعالى: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ (١٠) .
 

وفي مكان آخر أشار إلى الذّنوب، مثل: الشّرك، وقتل النفس، والزنا، وعقوباتها، فقال: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ (١١) .
ورغم أنّ بعض الآيات، تناولت بعض العقوبات الدنيويّة، والعفو عنها بالتّوبة، لكنّ الحقيقة أنّه لا يوجد فرق من هذا اللحاظ، فإذا ما غفرت في الدنيا فستغفر في الآخرة قطعاً.
والخُلاصة: أنّه لا يوجد مانعٌ من التّفكيك والتّفريق، بين الذّنوب من جهاتها الَمختلفة، مثل: (الفرق في ميزان المعلومات، الدّوافع، وقُبح الذّنوب)، ولكنّ التّوبة الكّاملة الشّاملة، هي التّوبة التي تستوعب جميع الذنوب، بدون التّفريق بينها في خطّ العودة إلى الله تعالى. (١٢)


(1) - سورة الحج، الآية: ٢٨.
(2) - سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.
(3) - سورة البقرة، الآية: ١٨٣.
(4) - سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
(5) - نهج البلاغة: الكلمات القصار، مقتبسة من جملة رقم (٢٥٢) .
(6) - سورة الذّاريات، الآية: ٥٦.
(7) - سورة البقرة، الآية: ٢٧٩.
(8) - سورة آل عمران، الآية: ٨٧ و ٨٩.
(9) - سورة المائدة، الآية: ٢٤.
(10) - سورة النساء، الآية: ١٦.
(11) - سورة الفرقان، الآية: ٧٠.
(12) - الأخلاق في القرآن: ٢٠١.

 

   الجهاد في القرآن الكريم

المقام الرفيع للمجاهدين المؤمنين

 

من الآيات التي قيل أول ما نزل في الجهاد مثل الآية الـتي تقدم الحديث عنها في العدد السابق، يقول فيها سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (١) .

اللغة:

﴿ اشْتَرَى ﴾ : الاشتراء هو قبول العين المبيعة بنقل الثمن في المبايعة.
﴿ فَاسْتَبْشِرُواْ ﴾ : مأخوذة من مادة البشارة، والتي أخذت في الأصل من البشرة، أي وجه الإنسان، وهي إشارة إِلى آثار الفرحة والسرور التي تبدو بوضوح على وجه الإِنسان.
﴿ السَّائِحُونَ ﴾ : (سائح) في الأصل مأخوذ من (سيح)، و(سياحة) والتي تعني الجريان والإِستمرار.
 

تجارة لا نظير لها:

إنّ هاتين الآيتين موضع البحث قد بيّنتا المقام الرفيع للمجاهدين المؤمنين مع ذكر مثال رائع. لقد عرّف الله سبحانه وتعالى نفسه في هذا المثال بأنّه مشتر، والمؤمنين بأنّهم بائعون، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾.

ولما كانت كل معاملة تتكون في الحقيقة من خمسة أركان أساسية، وهي عبارة عن: المشتري، والبائع، والمتاع، والثمن، وسند المعاملة أو وثيقتها، فقد أشار الله سبحانه إِلى كل هذه الأركان، فجعل نفسه مشترياً، والمؤمنين بائعين، وأموالهم وأنفسهم متاعاً وبضاعة، والجنّة ثمناً لهذه المعاملة. غاية ما في الأمر أنّه بيّن طريقة تسليم البضاعة بتعبير لطيف، فقال: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ وفي الواقع فإنّ يد الله سبحانه حاضرة في ميدان الجهاد لتقبل هذه البضاعة، سواء كانت روحاً أم مالا يبذل في أمر الجهاد.
 

ثمّ يشير بعد ذلك إِلى سند المعاملة الثابت، والذي يشكل الركن الخامس فيها، فقال: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ﴾ .

إِذا أمعنا النظر في قوله: ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يتّضح جلياً أنّ الله تعالى يشتري الأرواح والجهود والمساعي والتضحيات التي تبذل وتصرف في سبيله، أي سبيل إحقاق الحق والعدالة، والحريّة والخلاص لجميع البشر من قبضة الكفر والظلم والفساد.

ثم، ومن أجل التأكيد على هذه المعاملة، تضيف الآية: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي أنّ ثمن هذه المعاملة وإن كان مؤجلا، إلاّ أنّه مضمون، ولا وجود لأخطار النسيئة، لأنّ الله تعالى لقدرته واستغنائه عن الجميع أوفى من الكل بعهده، فلا هو ينسى، ولا يعجز عن الأداء، ولا يفعل ما يخالف الحكمة ليندم عليه ويرجع عنه، ولا يخلف وعده والعياذ بالله، وعلى هذا فلا يبقى أي مجال للشك في وفائه بعهده، وأدائه الثمن في رأس الموعد المقرر.

والأروع من كل شيء أنّه تعالى قد بارك للطرف المقابل صفقته، ويتمنى لهم أن تكون صفقة وفيرة الربح، تماماً كما هو المتعارف بين التجار، فيقول عزَّوجلّ: ﴿ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ .

وقد جاء نظير هذا المبحث بعبارات أُخرى، ففي سورة الصف يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (٢) .

إنّ الإنسان ليقع في حيرة هنا من كل هذا اللطف والرحمة الإِلهية، فإنّ الله المالك لكل عالم الوجود، والحاكم المطلق على جميع عالم الخلقة، وكل ما يملكه أيّ موجود فانما هو من فيضه ومنحته، يبدو في مقام المشتري لنفس هذه المواهب التي وهبها لعباده، ويشتري ما أعطاه بمئات الأضعاف.
 

والأعجب من ذلك، أنّ الجهاد الذي هو السبب في عزّة الإِنسان وافتخار الاُمّة، وثمراته تعود في النهاية عليها، قد اعتبر دفعاً وتسليماً لهذه البضاعة.
 

ومع أنّ المتعارف أنّ الثمن يجب أن يعادل المثمن أو البضاعة، إلاّ أن هذا التعادل لم يلاحظ في هذه المعاملة، وجعلت السعادة الأبدية في مقابل بضاعة متزلزلة يمكن أن تفنى في أية لحظة، (سواء كان على فراش المرض أو ساحة القتال) .
 

والأهم من هذا أنّ الله سبحانه وتعالى مع أنّه أصدق الصادقين، ولا يحتاج إِلى سند وضمان، فإنّه تعهد بأهم الوثائق والضمانات أمام عبيده.
 

وفي نهاية هذه المعاملة العظيمة، والصفقة الكبيرة، فإنّه قد بارك لهم وبشّرهم، فهل تُتصور رحمة ومحبّة أعلى من هذه؟! وهل يوجد معاملة أكثر ربحاً من هذه؟!
 

ولهذا ورد في حديث عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه لما نزلت هذه الآية كان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، فتلا هذه الآية بصوتِ عال، فكبر الناس، فتقدم رجل من الأنصار وسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، أنزلت هذه الآية؟ فقال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم». فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل (٣) .
 

كما هي طريقة القرآن المجيد، حيث أنّه يُجمِل الكلام في آية، ثمّ يعمد إِلى التفصيل في الآية التي تليها، فقد بيّن سبحانه في الآية الثّانية حال البائعين للروح والمال لربّهم عزَّوجلّ، فذكر تسع صفات مميزة لهم:

١- فهم يغسلون قلوبهم وأرواحهم من رين الذنوب بماء التوبة: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ .
٢- وهم يطهرون أنفسهم بنفحات الدعاء والمناجاة مع ربّهم: ﴿ الْعَابِدُونَ ﴾ .
٣- وهم يحمدون ويشكرون كل نعم الله المادية والمعنوية: ﴿ الْحَامِدُونَ ﴾ .
٤- وهم يتنقلون من مكان عبادة إِلى آخر: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ .

وبهذا الترتيب فإنّ برامج تربية النفس عند هؤلاء لا تنحصر في العبادة، أو في إطار محدود، بل إن كان مكان هو محل عبدة لله وجهاد للنفس وتربية لها بالنسبة لهؤلاء، وكل مكان يوجد فيه درس وعبرة لهؤلاء فإنّهم سيقصدونه.
وهناك بحث بين المفسّرين فيما هو المقصود من السائح في الآية، وأي نوع من الجريان والإِستمرار والسياحة هو؟ فالبعض يرى إن السير في تربية النفس وجهادها إِنّما يكون في أماكن العبادة، ففي حديث عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «سياحة أُمّتي في المساجد» (٤) .
والبعض الآخر يقول: إِنّ السائح يعني الصائم، لأنّ الصوم عمل مستمر طوال اليوم، وفي حديث آخر عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إِن السّائحين هم الصّائمون» (٢٠) .
والبعض الآخر من المفسّرين يرى أن السياحة تعني التنقل والتجوال في الأرض لمشاهدة آثار عظمة الله، ومعرفة المجتمعات البشرية، والتعرف على عادات وتقاليد وعلوم الأقوام التي تحيي فكر الإِنسان وتنميه وتطوره.
وفريق آخر من المفسّرين يرى أن السياحة تعني التوجه إِلى ميدان الجهاد ومحاربة الأعداء، ويستشهدون بالحديث النبوي: «إِنّ سياحة أُمّتي الجهاد في سبيل الله» (٥) .
وأخيراً فإنّ البعض يرى أنّها سير العقل والفكر في المسائل العلمية المختلفة المرتبطة بعالم الوجود والتفكر فيها، ومعرفة عوامل السعادة والإِنتصار، وأسباب الهزيمة والفشل.
إِلاّ أنّ أخذ الأوصاف التي ذكرت قبل السياحة وبعدها بنظر الإِعتبار يرجح المعنى الأوّل، ويجعله الأنسب من بين المعاني الأُخرى، وإن كانت كل هذه المعاني ممكنة في هذه الكلمة، لأنّها جمعت في مفهوم السير والسياحة.
٥- وهم يركعون مقابل عظمة الله: ﴿ الرَّاكِعُونَ ﴾ .
٦- ويضعون جباههم على التراب أمام خالقهم ويسجدون له: ﴿ السَّاجِدُونَ ﴾ .
٧- وهم يدعون الناس لعمل الخير: ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .
٨- ولم يقتنعوا بهذه الدّعوة للخير، بل حاربوا كل منكر وفساد: ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ .
٩- وبعد أدائهم وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقومون بأداء آخر وأهم واجب اجتماعي، أي حفظ الحدود الإلهية وإجراء قوانين الله، وإقامة الحق والعدالة: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ .
وبعد ذكر هذه الصفات التسع فإنّ الله يرغّب مرّة أُخرى أمثال هؤلاء المؤمنين المخلصين الذين هم ثمرة منهج الإيمان والعمل، ويقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
ولما لم يذكر متعلق البشارة، وبتعبير آخر: إنّ البشارة لما جاءت مطلقة فإنّها تعطي مفهوماً أوسع يدخل ضمنه كل خير وسعادة، أي بشر هؤلاء بكل خيرسعادة وفخر.
وينبغي الإلتفات إلى أن الصفات الست الأُولى ترتبط بجانب جهاد النفس وتربيتها، والصفة السّابعة والثّامنة ترتبطان بالواجبات الإجتماعية الحساسة، وتشيران إلى تطهير محيط المجتمع من السلبيات، والصفة الأخيرة تتحدث عن المسؤوليات المختلفة المتعددة المرتبطة بتشكيل الحكومة الصالحة، والمشاركة الجدية في المسائل السياسية الإيجابية (٦) .


(1) - سورة التوبة، الآية: ١١١ - ١١٢.
(2) - سورة الصف، الآية: ١٠ - ١٢.
(3) - الدّر المنثور، كما ورد في تفسير الميزان.
(4) - تفسير الميزان، ذيل الآية.
(5) - تفسير نورالثقلين.
(6) - تفسير الميزان، وتفسير المنار في ذيل الآية.

 

  مفاهيم قرآنية

المعاد في القرآن الكريم
 

 

يقول الله سبحانه: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ (١) .

يتفق جميع الأنبياء وجميع الكتب السماوية على أنَّ حياة الإنسان لا تختم بالموت، بل هناك بعد هذا العالم الدنيوي عالم آخر ينتقل إليه الإنسان ويرى فيه جزاء أعماله وأفعاله، فهو إمَّا صالح وإمَّا طالح فأمَّا الصالحون المحسنون الأبرار الطيبون الذين يحترمون الواجب ويحسنون العمل ويساعدون أبناء جنسهم ويبرّون باليتامى والفقراء والمحرومين وأصحاب الأخلاق الحسنة الرحماء الصادقون، الأمناء الأوفياء لا يظلمون أحداً ولا يؤذون الناس ويحبون العدل، ويعملون به ويدافعون عن حقوق المحرومين والمستضعفين، وربما يعرضون أنفسهم لخطر الموت في سبيل الله ويعملون بواجباتهم بالكامل، ويجتنبون ارتكاب كل مخالفة بشدة، هؤلاء ستكون لهم حياة طيبة وسعيدة، وسوف يعيشون في نعمة، وروح وريحان وجنات النعيم.

وأمَّا الطالحون السيئون المسيئون الذين يظلمون الآخرين، ويعتدون على حقوق الناس وسيئو الأخلاق الكاذبون الخائنون الذين لا يعملون بواجباتهم ولا يحترمون وظائفهم ولا يتورعون عن اقتراف أي عمل قبيح في سبيل الوصول إلى الجاه والمنصب والمال والثروة. واللذة والمجون، وهؤلاء العصاة ستكون لهم حياة صعبة شقية وسيعيشون في عذاب وألم.
 

إنَّ المعاد وعالم ما بعد الموت من القضايا الضرورية في جميع الأديان السماوية، وكل من يقبل بالأنبياء ويؤمن بهم يجب أن يقبل بالمعاد أيضاً ويؤمن به.
 

إنَّ العقل البشري هو الآخر يجب أن يؤمن بوجود عالم آخر ويعتبره ضرورياً ولازماً، ونحن هنا سنركّز على الآيات القرآنيَّة في إثبات المعاد وعالم الآخرة إن شاء الله تعالى.
 

مفهوم المعاد:
 

المعاد: المصير والمرجع وهو يوم القيامة الذي يعود فيه الموتى إلى الحياة مرة أخرى، وينتقلون من عالم البرزخ إلى عالم آخر يُدعى عالم الآخرة، هذا اليوم هو يوم محاسبة أعمال العباد جميعاً بصورة دقيقة.

القرآن والرد على منكري المعاد:

اِعلم أنّ المعاد وإن كان أمراً قطعياً ومسلَّماً وقد اتفق عليه جميع الأنبياء وأقيمت على إثباته البراهين، لكنّ فريقاً من الناس كانوا قد أنكروا ذلك ورفضوا القبول به.
 

يقول المنكرون: عندما يموت الإنسان ويبلى جسمه كيف يعود إلى الحياة مرة أخرى وكيف يحشر ؟.

وقد كان الكفار في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستبعدون ذلك، فقد جاء أحد الكفار بعظم بالٍ وسحقه بيده ثم ذره على الأرض بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: ﴿ مَن يُحْيِي ﴾ (هذه) ﴿ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾.

فنقل القرآن الكريم هذه القصة وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ (٢) .

وأشار في آيات كثيرة إلى نماذج من خلق الموجودات وحتى الإنسان نفسه لاثبات قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى يقول عزَّ وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ (٣) .

وقال جلَّ جلاله: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ (٤) .
 

القيامة في القرآن الكريم:
 

إذا تصفحنا القرآن الكريم لنطلع على المعاد يوم القيامة نجد آيات كثيرة تبين خصوصيات ذلك اليوم وتفاصيله وإليكم بعض هذه الآيات على سبيل المثال: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ (٥) . فهذه الآيات تفيد بأن النظام الكوني ينتهي يوماً ما، وعندها يقوم يوم القيامة وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال وما خلّفت من آثار.

وقال سبحانه: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ (٦) ، فعندما تفقد الشمس والنجوم ضوءها وتوازنها وتندك الجبال ويحدث غير ذلك مما تتحدث عنه الآيات تقسم الجماعة البشرية إلى طوائف وفرق، فهناك الصالحون وهناك الطالحون، هناك الأبرار وهناك الأشرار.
وقال عزَّ وجل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (٧) .
إن يوم القيامة يوم رهيب مهول يومٌ يقترن بدوي عظيم يترك الناس حيارى مندهشين كالجراد المتفرّق المتبعثر.
يقول عزَّ وجل: ﴿ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾ (٨) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تحكي عن أهوال يوم القيامة وعلاماتها.


تفرّد الله بعلم الساعة واقترابها:

يقول سبحانه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (٩) .

فوفقاً لما ورد في بعض الروايات فإنَّ قريشاً أرسلت عدة أنفار إلى نجران ليسألوا اليهود مسائل مكتوبة ثم يلقونها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رجوعهم إليه ظناً منهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعجز عن إجابتهم ومن جملة هذه الأسئلة كان هذا السؤال: متى تقوم الساعة ؟ فلما سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك السؤال نزلت الآية وافحمتهم.

وقال تعالى أيضاً: ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ (١٠) .

وقال أيضاً جلَّ جلاله: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ (١١) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بعثت والساعة كهاتين - وأشار بإصبعيه (صلى الله عليه وآله وسلم): السبابة والوسطى - ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأجد الساعة بين كتفي (١٢) .

يوم الخروج في القرآن:


قال سبحانه: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾ (١٣) . وهو اليوم الذي يلي النداء والصيحة القيامة والبعث والنشور والخروج من القبور إلى أرض الموقف للحساب وهي من أشد الساعات.

كتاب الأعمال في القرآن:

يقول عزَّ وجل: ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ (١٤) .
تشير هذه الآية إلى أن كل إنسان يحمل عمله من خير أو شر كالطوق في عنقه وهو دليل وشاهد عليها إن كان محسناً فطائره ميمون وإن ساء فطائره مشؤوم ويخرج له يوم القيامة كتاباً مفتوحاً كتبه الحفظة عليه في أعماله فيعرض عليه ليقرأه ويعلم ماضيه، كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا: ﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ (١٥) .
أيضاً ورد أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحاسب المؤمن أعطاه كتابه بيمينه وحاسبه فيما بينه وبينه، وإذا أراد بعبدٍ شراً حاسبه على رؤوس الناس وأعطاه كتابه بشماله.
قال عزَّ وجل: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ (١٦) .
 

قصة عزير في القرآن:
 

يقول الله عزَّ وجل: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (١٧) .

أولا: هذه الآية تدور حول المعاد والحياة بعد الموت. ثانياً: اختلفت الأقوال فيمن المقصود بهذه الآية: قال بعض إنه «أرميا» وقال آخرون: إنه «الخضر» وذكر أنه «العزير».

المهم هو أخذ العبرة والشاهد وسنذكر القصة بشكل مجمل، فالآية تشير إلى حكاية رجل سافر على حماره ومعه طعام وشراب، فمر بقرية قد تهدّمت وتحوّلت إلى أنقاض تتخللها عظام أهاليها النخرة وعندما رأى هذا المشهد المروع قال: كيف يقدر الله على إحياء هؤلاء الأموات، لم يكن تساؤله بالطبع من باب الشك والانكار بل كان من باب التعجب، إذ أن القرائن الأخرى في الآية تدل على أنه كان أحد الأنبياء وقد تحدث إليه الله سبحانه، كما أن الأحاديث تؤيد هذا.. عند ذلك أماته الله مئة سنة، ثم أحياه مرة أخرى وسأله: كم تظن أنك بقيت في هذه الصحراء ؟ فقال وهو يحسب أنه بقي سويعات: يوماً أو أقل، فخاطبه الله بقوله: بل بقيت هنا مائة سنة، انظر كيف أن طعامك وشرابك طوال هذه المدة لم يصبه أي تغير بإذن الله ولكن لكي تؤمن بأنك قد أمضيت مائة سنة كاملة هنا انظر إلى حمارك الذي تلاشى ولم يبق منه شيء بموجب نواميس الطبيعة، بخلاف طعامك وشرابك، ثم انظر كيف أننا نجمع أعضاءه ونحييه مرة أخرى فعندما رأى كل هذه الأمور أمامه قَالَ: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: إنني الآن على يقين بعد أن رأيت البعث بصورة مجسمة أمامي.

نسأل الله عزّ وجل أن يوفقنا لمرضاته وأن يدخلنا فسيح جنانه إنه سميع مجيب

والسلام عليكم ورحمة الله (١٨) .


(1) - سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.
(2) - سورة يس، الآيات: ٧٧-٨١.
(3) - سورة الحج، الآية: ٥.
(4) - سورة القيامة، الآيات: ٣-٤.
(5) - سورة الانفطار، الآيات: ١-٥.
(6) - سورة التكوير، الآيات: ١-٧.
(7) - سورة الزلزلة، الآيات: ١-٨.
(8) - سورة القارعة، الآيات: ١-٥.
(9) - سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(10) - سورة الأحزاب، الآية: ٦٣.
(11) - سورة الأنبياء، الآية: ١.
(12) - بحار الأنوار: ج٦، ص٣١٥.
(13) - سورة ق، الآية: ٤٢.
(14) - سورة الاسراء، الآية: ١٣- ١٤.
(15) - سورة الكهف، الآية: ٤٩.
(16) - سورة الانشقاق، الآيات: ٧- ١٣.
(17) - سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.
(18) - مفاهيم قرآنيّة (إعداد جمعية القرآن الكريم) .

 

 

 

ســــــــؤال: هل عدم وجوب تعيين البسملة في الصلاة خاص

 بالمعتاد أم أنّه يشمل الجميع؟
الجواب: لا يجب تعيين السورة عند قراءة البسملة سواء كان معتاداً على قراءة سورة خاصّة أم لا. والله العالم.
 

ســــــــؤال: هل ثبت عندكم أنّ البسملة ليست جزءاً من السورة؟
الجواب: تجب قراءة البسملة في كلّ سورة غير سورة التوبة، ولكن لم يثبت - عند سماحة السيد القائد (دام ظله) - أنّها جزء منها فيما عدا سورة الفاتحة، فالأحوط عدم ترتيب آثار الجزئيّة عليها. والله العالم.
 

ســــــــؤال: هل يجب الأداء الكامل للألفاظ العربيّة في الصلوات الواجبة؟ وهل الصلاة محكومة بالصحّة في حالة عدم تلفّظ الكلمات بصورة عربيّة صحيحة وكاملة؟
الجواب: يجب أن تكون جميع أذكار الصلاة من قراءة الحمد والسورة وغيرهما على النحو الصحيح، ولو كان المصلّي لا يعرف الألفاظ العربيّة بالكيفيّة التي يجب أن تقرأ بها وجب عليه التعلّم، وحينما يعجز عن التعلّم يكون معذوراً.
 

ســــــــؤال: هل يصدق على القراءة القلبيّة في الصلاة - أيّ ترديد الكلمات في القلب دون التلفّظ بها - أنها قراءة أم لا؟
الجواب: لا يصدق عليها عنوان القراءة ولا يجزي في الصلاة إلّا التلفّظ بها بحيث يصدق عليها القراءة.
 

ســــــــؤال: طبقاً لرأي بعض المفسرين فإنّ عدداً من سور القرآن الكريم، كسورة الفيل وقريش، والانشراح والضحى، لا تعدّ سورة واحدة كاملة، وهم يقولون: إنّ من يقرأ إحدى هذه السور مثل سورة الفيل فيجب عليه بصورة حتميّة أن يقرأ بعدها سورة قريش، وكذلك بالنسبة لسورتي الانشراح والضحى، اللتين يجب أن تُقرءا معاً، فلو أنّ شخصاً قرأ سورة الفيل وحدها، أو سورة الانشراح وحدها في الصلاة، وهو جاهل بهذه المسألة، فما هي وظيفته؟
الجواب: الصلوات الماضية التي أُكتفي فيها بسورة واحدة من سورتي الفيل والايلاف، أو سورتي الضحى وألم نشرح محكومة بالصحّة إذا لم يكن مقصرّاً في تعلّم هذه المسألة.
 

ســــــــؤال: إذا غفل شخص في أثناء الصلاة فقرأ مثلاً في الركعة الثالثة من صلاة الظهر الحمد والسورة، ثمّ انتبه إلى ذلك بعد الفراغ من الصلاة فهل تجب عليه الاعادة؟ وإذا لم ينتبه، فهل صلاته صحيحة أم لا؟
الجواب: تصحّ صلاته في مفروض السؤال ولا شيء عليه.
 

ســــــــؤال: هل يجوز للنساء الجهر بقراءة الحمد والسورة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء؟
الجواب: هنّ بالخيار بين الجهر والاخفات فيها ولكن إذا كان هناك أجنبي يسمع صوتهنّ فالأفضل لهنّ الإخفات.(١)


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: اصدار جمعية القرآن الكريم، ص 44.

 

   المرأة في القرآن



قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (١) .

لقد ولت عصور الجهل، واندحرت عهود الظلام التي سلبت فيها حرية المرأة، وهدرت كرامتها وكانت إنسانيتها محل بحث ونقاش.. وتخلصت البشرية من تلك القرون التي كان الفلاسفة والعلماء فيها يتجادلون حول المرأة: هل إنها روح أم لا ؟؟. وإذا كانت لها روح فهل هي إنسانية أم حيوانية؟ وعلى فرض إن روحها إنسانية فهل وضع المرأة في القيمة والاعتبار بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق أو شيء ارفع منه قليلاً؟.

فقد كان اليونانيون ينظرون إلى المرأة وكأنها مجرد رجس من عمل الشيطان وكانت عندهم من سقط المتاع، تباع وتشترى في الأسواق.

وكان الرومان يعدون المرأة أداة إغواء يستخدمها الشيطان لإفساد القلوب ومن أجل ذلك كانت تنزل بها العقوبات البدنية القاسية وفي أحد الفترات عقدوا مجمعاً علمياً كبيراً للبحث في شؤون المرأة، فانتهوا إلى النتيجة التالية:

أن المرأة كائن لا نفس له وأنها من أجل ذلك لن ترث الحياة الأخروية، فأنها رجس !!.

واما الشرائع الهندية، فقد كانت المرأة عندهم تعتبر حطاماً تحرق بقيد الحياة على قبر زوجها إلى وقت قريب.. ويشار إلى إحراق النساء مع أزواجهن المتوفيّن بلفظ (السوتي) .

ففي ولاية (مارتا) كان لأحد أمراء الهند (١٧) زوجة وكان لأمير آخر هناك أيضاً (١٣) زوجة وبعد موت الأميرين قدمت الزوجات البالغات (٣٠) امرأة للنار، عدى واحدة كانت حاملاً فأجل حرقها حتى تلد !!.

وقد تَذَمَّرَ البرهميون الهنود أشد التَذَمُّر حيث أمرت الحكومة إلغاء (السوتي) . فحين صدر الأمر بإلغائه في سنة ١٨٢٩م يعني قبل (١٥٢ سنة) هبت عاصفة من الاعتراض والاحتجاج على الحكومة وأمطرها البرهميون شكايات يلتمسون فيها إلغاء ذلك القرار!!

وعند الفرس كانت حياة المرأة تتعلق بإرادة الرجل فإذا ما أراد إعدامها أو سجنها أبدياً في البيت فله الحق في ذلك.

وقبيل البعثة النبوية وبالضبط في سنة (٥٨٦) عقد في فرنسا مؤتمر دار النقاش فيه حول: استحقاق المرأة أن تعتبر إنساناً أم لا تستحق ذلك؟ وكانت النتيجة أن اعتبرت المرأة إنساناً ولكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب (٢) .

وكلنا يعرف مدى المعاناة البشعة التي عاشتها المرأة في القبائل قبل الإسلام فقد كانوا يرونها عاراً وعيباً وحقارةً كما يتحدث عنهم القرآن الحكيم حيث يقول: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (٣) .

نعم كان كل ذلك في الماضي أما الآن فالمرأة تعيش كإنسان يحترم مثلها مثل الرجل لا أحد في العالم يشك في إنسانيتها أو يناقش في لون روحها أو يتحدث عن هدف آخر لخلقها بل أصبحت هذه الأمور ذكريات يتندر الإنسان ويسخر بها من عهود جهله وحماقته فهي كالرجل تماماً في الروح والقيمة الإنسانية والاعتبار.
 

كيف حدث ذلك؟

وكان السبب الأساسي في إنقاذ المرأة وتغيير وضعها الاجتماعي هو انبثاق فجر الإسلام العظيم الذي نسف التقاليد البالية وحارب العادات السخيفة، وأعلن ثورته العارمة على وضع المرأة المهين في العالم آنذاك.

لقد أكد القرآن الكريم إنسانية المرأة وأنها كالرجل تماماً خلقها الله كما خلق الرجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (٤) . والرجل والمرأة خلقا من مصدر واحد، لا تختلف طينة أحدهما عن الآخر ولا يتفوق معدن أحدهما على الآخر: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ (٥) وعملية الخلق والتكوين واحدة فالجنين الذكر يمر بنفس الأطوار التي يمر بها الجنين الأنثى: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ﴾ (٦) .

وضمن الإسلام للمرأة حياة السعادة والتقدم إن هي التزمت خط الإيمان، وسلكت طريق العمل الصالح كالرجل تماماً: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ (٧) .

وأي عمل تقوم به المرأة لله تعالى فلا ينكر لها جزاؤه وثوابه فعمل المرأة محترم كعمل الرجل عند الله لأنهما من مصدرٍ واحد وعلى مستوىً واحد: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ (٨) .

والمرأة شريكة الرجل في الجنة كما هي شريكته في دار الدنيا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ﴾ (٩) .

وإذا تتبعنا آيات القرآن الحكيم فسنجده يخاطب الإنسان بشقيه الذكر والأنثى ويتحدث للناس رجالاً ونساءً.. فنداءات القرآن كلها: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ ﴾ . ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ . ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
 

وفي أي موضع يذكر فيه القرآن الكريم لفظ (الذكر) يردفه بكلمة (الأنثى) وكان ذلك في خمسة عشر موضعاً تقريباً.

وقد خاض رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نضالاً اجتماعياً طويلاً لإثبات مكانة المرأة وتصحيح نظرة المجتمع إليها.

ففي ذلك المجتمع الجاهلي الذي يعتبر المرأة عاراً وعيباً وشيئاً حقيراً بالنسبة للرجل... في ذلك الوقت كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلن بكل صراحة (النساء شقائق الرجال) (١٠) أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطبائع كأنهن شققن منهم.

بل أكثر من ذلك كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي للمولودة البنت اهتماماً أكثر من المولود الصبي ويقول (خير أولادكم البنات) (١١) .

وبشر (صلى الله عليه وآله وسلم) ببنت وهو جالس مع أصحابه فنظر إلى الكراهة بادية على وجوههم فقال:(مالكم ريحانة أشمها ورزقها على الله) (١٢) .

والرجل الذي يستهين بالمرأة أو يحتقرها يعتبره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لئيماً ساقط الأخلاق حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) (ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم) (١٣) .

بمثل هذه الآيات والأحاديث والمواقف أعاد الإسلام للمرأة كرامتها المسلوبة ووفر لها حريتها المهدورة.

وثمة سبب آخر ساعد الإسلام على تحقيق هذا الهدف العظيم وهو نضال المرأة وجهادها من أجل إثبات وجودها وفرض شخصيتها واسترجاع حقوقها.

فقد كان لكثير من النساء دور مشرف استطعن به أن يثبتن جدارتهن وأن يحطمن حواجز الحقارة والذل التي تراكمت عبر التاريخ.


(1) - سورة الحجرات، آية: ١٣.
(2) - المرأة في ظل الإسلام: ص٢٦-٣٢.
(3) - سورة النحل، آية: ٥٨-٥٩.
(4) - سورة الحجرات، آية: ١٣.
(5) - سورة الأعراف، آية: ١٨٩.
(6) - سورة القيامة، الآيتان: ٣٧ - ٣٩.
(7) - سورة النحل، آية: ٩٧.
(8) - سورة آل عمران، آية: ١٩٥.
(9) - سورة النساء، آية: ١٢٤.
(10) - المرأة في ظل الإسلام: ٦٣.
(11) - المصدر السابق: ١٨٩.
(12) - المصدر السابق: ١٨٨-٦٩.
(13) - المصدر السابق: ١٨٨-٦٩.

 

   حفظ القرآن

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الهداة الميامين.

لقد خاطب الباري تعالى المؤمنين وقال لهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (١) . بينا في العدد السابق أن هناك طُرقًا عدَّةً ومتنوِّعة لجعْل الأطفال يُقبِلون على حفْظ كتاب الله تعالى، وذكرنا توجيهين وفيما يلي بعض التوجيهات المساعِدة الأخرى:
 

٣- قراءة القرآن أمام الأطفال:
كم رأينا مِن طفْل صغير يُحاكي جلوس والدَيه، أو حركات الرُّكوع أو السجود، ومِن ثمَّ فالإكثار مِن قراءة القرآن أمام الأطفال يُحبِّبه إليهم، ويُحفِّزهم على حفْظِه فيما بعْد، إضافة إلى البَركة العظيمة التي يُنزِلها الله تعالى عِند التِّلاوة، فيعمُّ خيرها أهلَ البيت جميعًا، واجتماعُ الأسرة لقراءة القرآن أمرٌ مرغوب محبوب كثيرًا، وفضْله لا يُعد ولا يُحصى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّوجلّ فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض وأنّ البيت الذي لايقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزّوجلّ فيه تقلّ بركته، وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين» (٢) . فالطفل يستلهم كثيراً من سجايا أبيه واُمّه وأُخوته وأخواته، فالشّجاعة والسّخاء والصّدق والوفاء، وغيرها من الصّفات والسّجايا الأخلاقيّة الحميدة، يأخذها ويكسبها الطّفل من الكبار بسهولة، وكذلك الحال في الرّذائل، حيث يكسبها الطّفل من الكبار بسهولة أيضاً.

٤- مِن أجمل الهدايا التي تقدَّم للأطفال المصاحف:
جُبل الإنسان على حبِّ التملُّك، وطالَما رأينا الأطفال يَلتصِقون بلُعَبهم، ويَحفظونها في مكان معين، ويتعهَّدونها مرَّةً بعد مرَّة، فهذه الغريزة لا بدَّ أن نوظِّفها بشكْل إيجابيٍّ أكبر، ومِن ثمَّ؛ فإن إهداء المصاحف للأطفال في مناسبات مختلفة يجعلهم أكثرَ تعلُّقًا به؛ مما يَدفعهم للإقبال على حفْظ القرآن الكريم دون توتُّر.
 

٥- الاحتفال حين يَختِم أطفالُنا قراءة القرآن:
التَّحفيز والترغيب مُحبَّبٌ إلى النفس، وهو في نفْس الأطفال أشدُّ، فكلما وفَّق الله تعالى أطفالَنا لختْم أجزاء مِن القرآن، قدَّمنا له الهدية في حفْل صغير، وهو حدَثٌ لا يُنسَى في حياة الطفل، وفُرصَة يتمنَّى تَكرارها، ويَزيد مِن تعلُّقه بكتاب الله تعالى، إلى أن يصل إلى مرحلة المحبَّة الكُبرى، فالإقبال على الحفظ بحبٍّ وشغفٍ، ودون أوامِر أو تَعنيف.
 

٦ - قصُّ ما ورَد في القرآن الكريم مِن قصص على مَسامع الأطفال:
الحكايات مُحبَّبة إلى نفْس الطفل، وإذا وفِّق الأبوان إلى سرْد ما ورَد في القرآن مِن قصص بأسلوب سهْل ومُشوِّق، واستِخراج العِبر، بطريقة تُسهِّل على الطفل كلَّ ما يَسمعه، لنَختِم ذلك بقراءة النص القرآني التي وردت فيه هذه القصة، فإن ذلك يُسهِم في تعلُّق الطفل بالقرآن، وفي الرغبة في المزيد مِن سماع القصص القرآني؛ بل وحفْظه بكل يُسر، وكل هذا ينمي الرصيدَ اللُّغويَّ القرآني لدى الطفل.
 

٧ - المسابقات المحفِّزة على حفظ القرآن الكريم، خصوصًا قصار السور:
تَنعقِد هذه المسابقات داخل فضاء المنزل بينه وبين إخوته، أو استدعاء أصدقائه إلى البيت مِن أجْل تشجيع الجميع على الحفْظ، أو استدعاء أبناء الجيران، ويُراعى في هذه الأسئلة أن تَتناسب وسنَّ الصغار؛ كأنْ نسأل الأطفال عن الحيوان الذي استعمَله أبرهة الحبشي في حربه ضد قُريش - أي: الفيل - أو نسأل عن كلمة تدل على السفر مِن سورة قُريش - أي: رحلة - وكذلك السؤال عن فصلَين مِن فصول السنة ذُكِرا في سورة قريش - أي: الشتاء والصيف - أو ذكْر كلمة تدلُّ على الرغْبة في الأكل - أي: الجوع - وكل ذلك بما يُناسِب سنَّ الأطفال ويَحثُّهم على حفْظ كتاب الله تعالى.
 

٨ - نُعلِّم الأطفال في سنواتهم الأولى مِن خِلال القرآن الكريم:
نُعلِّم الأطفال الكتابة والقراءة مِن آي القرآن الكريم، والحِساب، وعِلم الأحياء مما ورد في القرآن مِن ذكْر أصناف الحيوانات، والتاريخ مِن قصص الأمم السابقة، ومَظاهر الكون مما ورَد ذِكرُه في القرآن عن السماء والأرض، والأنهار، والبحار، وغير ذلك، وهذا كله يَزيد مِن تعلُّقهم بالقرآن الكريم.
 

٩- البحث عن كلمات القرآن بما يُوافِق سنَّ الأطفال:
يَكون الطفل حريصًا في سنواته الأولى على تنْمِيَة رصيده اللغويِّ، ويُحاول أن يتعلم ما استطاع مِن المُفردات، ويُحاول تركيبها مع غيرها، وقد نَغنم هذه الفرصة في مساعدته على تنمية رصيده اللغوي مِن القرآن الكريم، خصوصًا قِصار السور، كأن نسأله عن كلمة قريش في أيِّ سورة توجد؟ وكلمتي التين والزَّيتون، وغيرها، مما يَدفعه لحفْظ هذه السور، والرغبة في مَعرِفة المفردات التي تحتويها.
 

١٠- نجعل القرآن يُصاحِب الأطفال في غُدوِّهم ورَواحِهم:
مثْل أن نُهديَهم مُصحفًا مِن الحجم الصغير، ونُرغِّبهم في حمْلِه معهم، باعتباره مَصدر طمأنينة لهم، وبركة تُصاحِبهم في غُدوِّهم ورَواحِهم، وتَحفظُهم - بإذن الله تعالى - مِن الشرور، فيَزيد تعلُّقهم به، والرغبة في حفْظه في الصدور، مع تعليمهم آداب التعامل مع القرآن الكريم.
 

١١- تحفيز الأطفال على مشاهدة القنوات الخاصة بالقرآن، خصوصًا مسابقات الأطفال في حفْظ القرآن:
فهذا يُحفِّزهم على المنافسة؛ إذ يُشاهد أطفالاً مِن نفْس الفئة العمرية التي ينتمي إليه يَتنافسون في حفْظ القرآن، ويُكرمون غايةَ الإكرام، ويَشرفُون لما معهم مِن كتاب الله تعالى، ويقوم الوالِدان بتشجيع الأطفال على الحفظ للمشاركة في هذه المنافسات الربانية، ولنُرسخ في أذهانهم أنهم قادِرون على أن يكونوا أمثال هؤلاء الذين نشاهدهم، أو قد يتفوَّقون عليهم.
 

١٢- استعمال الوسائل الحديثة الميسِّرة للحفظ:
ذلك أن معظم الأطفال لهم ولَعٌ بهذه الوسائل الحديثة، وإذا وظِّفتْ في هذا المجال يسَّرت على الأطفال حفْظَ القرآن، إضافةً إلى تلبية رغبتهم الدفينة في استعمال هذه التقنيات الحديثة، التي غالبًا ما توظَّف في أشياء أخرى، إضافةً إلى أن هذه الوسائل تُمكِّن الأطفالَ مِن تسجيل قراءتهم والاستماع إليها، ومعرفة أخطاء القراءة، إلى غير ذلك.


(1) - سورة التحريم، الآية: ٦.
(2) - الكافي: ج٢، ص٦١٠، ح٣.

 

 

حفظة القرآن الجامعيين

 


الاسم: زينب محمد البيطار.

نبذة مختصرة: زينب حافظة لكامل القرآن الكريم وهي طالبة جامعية في السنة الثالثة وقد وفقت بالمشاركة في المسابقة السنوية لجائزة السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه) لحفظة القرآن الكريم الجامعيين لعام ٢٠١٤م، وقد وجّهت لها بعض الأسئلة وكانت الاجابة على الشكل التالي:

س 1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ
ج: من خلال هذه الآية يتبيّن أهمية التوحّد والوحدة بين المسلمين وخاصة لما يواجهونه من تحدٍّ من الدول الخارجيّة.
 

س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً؟
ج: يقول الحديث اقرأ وارقَ، أي أنَّ لحافظ القرآن مكانة يوم القيامة يرتفع بكلِّ آية درجةً في الجنة وهم في الدرجات العلى بعد النبيين، ولهم حقّ الرفعة في هذه الدنيا.
 

س ٣: مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (٢) الكرام البررة (٣) »، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ ولماذا؟
ج: هذا الحديث هو حافز لحفظ القرآن الكريم فإنَّ في ذلك رضى الله تعالى والتقرّب منه ومن الأئمة والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي ذلك الفوز العظيم.
 

س ٤: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج: مشروع فعّال ومشجّع ويدفع بالمحبين للقرآن أن يستفيدوا من أوقاتهم لحفظ كتاب الله تعالى وفهمه والعمل به.
 

س ٥: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: حفظ القرآن الكريم هو نجاة في الآخرة وهو سفينة النجاة والعبور بسلام إلى دار السّلام وهو العلم الخالد في الآخرة أهم من العلوم الأخرى.
 

س ٦: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج: لا أملك سوى أن أقول شكراً أسأل الله أن يحفظه لنا.


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة.
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.

 

 

أشهر القراء المبدعين

القارىء الشهيد الحاج

محسن حاجي حسني كارگر
(من الجمهورية الإسلامية الإيرانية)


 

موصياً قرّاء القرآن

يا قرّاء القرآن، انتبهوا... فالطريق وعرة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 

في البدء أؤكّد أنّ كلامي هذا موجه لبعض القرّاء وليس للكل، إلى هذا البعض الذي أساء إلى سمعة القرآنيّين، إلى هؤلاء الذين أضاعوا الهدف، فهم لا يعلمون لأي سبب يتلون القرآن الكريم، إلى مَن أضاع الأخلاق والتقوى واتبع الجاه والمال.

منذ فترة وأنا في صدد بيان بعض الحقائق المرّة حول الوضع الحالي لأخلاق بعض القرّاء، هذه الحقائق مؤلمة بمقدار جعلني أتراجع كثيراً عن كتابة هذا المقال ولعدّة مرّات، ولكن الأمور وصلت إلى مستوى من الخطورة؛ بحيث أثارت الكثير من التساؤلات بين عوام الناس، فضلاً عن أصحاب الشأن القرآني، وهذه التساؤلات هي: ماذا يدور في جلسات القرآن الكريم؟! ما هي المواضيع التي يتكلّم فيها قرّاء القرآن الكريم؟! ما هي الأمور المهمة عندهم؟ ما هي نظرتهم الحقيقية حول تلاوة القرآن الكريم؟ هل يهتمون بالأخلاق والآداب الواجب مراعاتها من قبل قارئ القرآن؛ بقدر ما يهتمون بمقام الرست والسيكا والحجاز؟ لماذا يقرأون القرآن أساساً؟

لقد أصبح القليل من الأشخاص الذين يدخلون الوسط القرآني يتتلمذون، فالكثير يعتبر نفسه أستاذاً، ويحسب نفسه الأفضل، ويتّهم الآخرين بعدم الكفاءة، لقد شاهدت لمرّات عديدة بعض القرّاء يغتاب بعضهم الآخر في الجلسات، وعندما يتلو أحدهم، يبدأ الآخرون بالهمز واللمز والسخرية، لقد رأيت بأمّ عيني أنّ قارئاً للقرآن يتلو في الجلسة لكي يرغم أنف قارئ آخر في التراب، أو أنّ بعضهم يفرح لأنّ القارئ الفلاني لم يتلُ بالشكل المطلوب، ونرى التلميذ يسيء الأدب إلى أستاذه، لقد انتهكت الحرمات، إلى أين نحن ذاهبون؟!وفي خضم هذه المشاكل نرى القرآن الكريم متعجباً حيراناً يبكي على هجران القرّاء له، وكأنّ لسان حاله ينطق: أيّها القرّاء، لماذا هجرتموني وأنا الأصل، وتمسكتم بالفرع؟! ماذا تعلّمتم مني؟! أوليس الله تعالى أرسل رسوله ليتمّم مكارم الأخلاق، وأنا كتابه المنزل لهداية الناس، بينما اتخذتموني حرفة لكم؟! أين الأخلاق؟! أين الآداب؟! أين القيم والمبادئ؟! هل هي في جمال التلاوة فقط؟! تعالوا لنرى قرّاء آخر الزمان، لنشاهد نار الحسد كم هي منتشرة عند بعضهم، ولنسمع أحدهم يقول بسخرية: استمعوا إلى نشازات هذا القارئ، ليضحك الآخرين، وبالكاد نعثر على شخص واحد يتمعّن في معاني القرآن الكريم.

في المسابقات، نرى الاعتراضات غير المهذبة وغير المحترمة على هيئة التحكيم من قبل بعض المشاركين لأجل نصف درجة، وفي سبيل المشاركة في الرحلات التبليغية خارج البلاد ولحج بيت الله الحرام، نرى الكثير من المشاجرات وأنواع الغيبة والتهم المتبادلة بين بعض القرّاء.

لماذا نقرأ القرآن؟ ألِكَي يحسد بعضنا بعضاً؟! لكي يتهم بعضنا بعضاً؟! لكي يغتاب بعضنا بعضاً؟! لكي نسيء الأدب لأساتذتنا؟! ما فائدة التلاوة التي لا تؤثّر على أخلاق وأفعال قارئها؟! هذه آلام وسطنا القرآني في الوقت الحاضر، والتي لا يشفيها أيّ دواء، إلا بالرجوع إلى أنفسنا، والتفكير في الحديث الشريف «رب تال للقرآن، والقرآن يلعنه» (١) ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقول في النهاية: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (٢) . اعذروني على قساوة كلامي، هذا بلطيف أخلاقكم (٣) .


(1) - مستدرك الوسائل: ج٤، ص٢٤٩.
(2) - سورة الأعراف، الآية: ٢٣.
(3) - محسن حاجي حسني كاركر: ١٨-٥-٢٠١٢ م.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ سورة فاطر / الآية 32

 


تتقدم جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد في لبنان بالعزاء من صاحب العصر والزمان الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ومن الأمة الإسلامية جمعاء بارتحال نخبة من قرّاء القرآن الكريم الأجلاء وهم: شيخ القرّاء في لبنان القارئ الشيخ سلمان الخليل، والقارئ الكبير الشيخ راغب مصطفى غلوش من جمهورية مصر العربية، والقارئ الدولي الشيخ محمد رضا عباسي
من الجمهورية الإسلامية في إيران، والقارئ أحمد عامر، الذين خسرنا بفقدهم مدارس جليلة من مدارس التلاوة والإبداع بعد أن قَضَوْا أعمارهم في خدمة القرآن، وتلَوْهُ حق تلاوته، ولهجت به ألسنتهم وأنفاسهم آناء الليل وأطراف النهار، وقدموا للمجتمع الإسلامي تلاوات تخشع لها القلوب وتتدبر فيها العقول.ونحن في جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد نسأل الله تعالى أن يعطيهم من رضوانه الأكبر، لتشملهم الرحمة والمغفرة والبركات، ويسكنهم في الغرفات آمنين، وأن يضاعف لهم الأجر الكريم، رحم الله قرّاءنا الأجلاء وأطال في عمر الباقين منهم، ونسأله تعالى أن يُخْلِف على المسلمين والمحبين لكتاب الله بالقرّاء المسارعين في الخيرات، الذين يتلون الآيات البينات الهادية إلى الصراط المستقيم.

وختاماً نسأل الله تعالى أن تقرّ أعين مشايخنا القرّاء المرحومين في جنات النعيم مع النبي محمد وآله الطاهرين ومع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
 

جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

 

   كلام أهل البيت (عليهم السلام)

القرآن الكريم عند أهل البيت (عليهم السلام)
 



لا تجد لأيّ كتابٍ عند المسلمين مكانة عظيمة وكبرى كما للقرآن الكرَيم، فمنذ نزوله أحبُّوه، وتَلَوْا ما تيَسَّر لهم منه آناء اللّيل وأطراف النّهار، وحَفِظُوا آياته، وحَفَّظوهُ لأبنائهم، واعتنَوا بتفسيره، واستجلاء مقاصده. وقد كان هذا طبيعيّاً، فهو كتاب الله العظيم، المستجِمع لجميع عناصرالحاجة الرّوحانية والجمال، وهو الذي أوجدَ منهم اُمةً عظيمةَ الشّأن، منيعة الجانب، سامية الحضارة، محترمةً بين الشّعوب والأمم، بما أعطاهم من شخصيّة وسموٍّ في الذّات والمعنى، غير أنَّ القرآن الكريم كان له عند أهل بيت النّبوّة بدءً بالإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ومروراً بفاطمة الزّهراء (عليها السلام) ثمّ الحسنين والأئمّة التّسعة مِن وُلْد الحسين (عليهم السلام) مكانة أكبر، ومنزلَة أسمى فاقت ما لهذا الكتاب العظيم من المكانة والمنزلة عند غيرهم من المسلمين، فقد ارتبط أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً لا ينفك، فهم المحافظون على تلاوته وتفسيره وحفظه، وحث الناس على التمسك به، وعلينا أن نقتدي بأئمتنا (عليهم السلام) في الارتباط بالقرآن الكريم، حفظاً وتلاوة وتدبراً في آياته وسوره، فلا نترك ملازمة القرآن الكريم في ظل الانشغالات اليومية في حياتنا؛ بل نجعله من ضمن برامجنا اليومية الأساسية لنكون من حملة القرآن والعاملين بما فيه. وكما عودناكم سنذكر شيئاً قليلاً من علاقتهم (عليهم السلام) بالقرآن.
 

السيّدة زينب (عليها السلام) مفسّرة القرآن:

ولادة السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في اليوم الخامس من جمادى الأولى، سنة ٥ هجرية: ذكر أهلُ السِّيَر أنّ العقيلة زينب (عليها السلام) كان لها مجلس خاصّ لتفسير القرآن الكريم تحضره النساء، وليس هذا بمُستكثَر عليها، فقد نزل القرآن في بيتها، وأهلُ البيت أدرى بالذي فيه، وخليقٌ بامرأةٍ عاشت في ظِلال أصحاب الكساء وتأدّبت بآدابهم وتعلّمت من علومهم أن تحظى بهذه المنزلة السامية والمرتبة الرفيعة.

ذكر السيّد نور الله الجزائري في كتاب «الخصائص الزينبيّة» أنّ السيّدة زينب (عليها السلام) كان لها مجالس في بيتها في الكوفة أيّام خلافة أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانت تفسّر القرآن للنساء. وفي بعض الأيّام كانت تفسّر «كهيعص» إذ دخل عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لها: يا قرّةَ عيني، سمعتكِ تفسّرين «كهيعص» للنساء، فقالت: نعم. فقال (عليه السلام): هذا رمز لمصيبة تُصيبكم عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ثمّ شرح لها تلك المصائب، فبكت بكاءً عالياً (١) .
 

الإمام الباقر (عليه السلام) ونهيه عن التفسير بالرأي:

اليوم الأول من رجب ولادة الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) سنة ٥٧ هجرية على رواية: نهى الإمام الباقر (عليه السلام) عن الاستحسانات العقلية. فقد دخل عليه الفقيه المعروف قتادة فقال له الإمام (عليه السلام): أنت فقيه أهل البصرة ؟ (نعم هكذا يزعمون) . بلغني أنك تفسر القرآن: (نعم) . فأنكر الإمام عليه ذلك وقال له: (يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة: ويحك إنما يعرف القرآن من خوطب به) (٢) .

فالإمام الباقر قصر معرفة الكتاب العزيز على أهل البيت (عليهم السلام) فهم المؤهلون لمعرفة المحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ وليس عند غيرهم هذا العلم. وقد أثر عن الأئمة (عليهم السلام) القول: (إنه ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه) (٣) .

نماذج من تفسير الإمام الباقر (عليه السلام)، فقد روى المفسرون الكثير من تفسير آيات القرآن الكريم عن الإمام (عليه السلام) نورد بعضاً منها على سبيل المثال:

١- قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً ﴾ . قال (عليه السلام): (الغرفة: هي الجنة وهي جزاء لهم بما صبروا على الفقر في الدنيا) (٤) .
٢- وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾ . سئل الإمام(عليه السلام) عن غضب الله ؟ فقال (عليه السلام) (طرده وعقابه) (٥) .
٣- وقال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ . فسر (عليه السلام) الهداية بالولاية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقال: فوالله لو أن رجلاً عبد الله عمره ما بين الركن والمقام، ولم يجيء بولايتنا إلا أكبه الله في النار على وجهه) (٦) .

الإمام الهادي (عليه السلام) وتصديه للقول بالتحريف والنقص في القرآن:

اليوم الثاني من رجب ولادة الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) سنة ٢١٢ هجرية، وشهادته (عليه السلام) في اليوم الثالث منه، سنة ٢٥٤ هجرية. فقد تصدى الإمام (عليه السلام) للقول بالتحريف والنقص في القرآن، وفي رسالة رائعة للإمام الهادي (عليه السلام) عرضها ابن شعبة في كتابه تحف العقول والتي كتبها الإمام (عليه السلام) أصلاً كردّ على أهل الجبر والتفويض، يُشدد فيها عليهم، ويؤكد في بدايتها على سلامة القرآن وأصالته ومرجعيته في حياتنا، حيث يقول (عليه السلام): (... وقد اجتمعت الأمة قاطبة، لا اختلاف بينهم، أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مُقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون، وذلك بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الأمة كلها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه، فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه وأنكر الخبر طائفة من الأمة لزمهم الإقرار به ضرورة حين اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب، فإن «هي» جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة) (٧) .
 

الإمام علي (عليه السلام) وعلمه بالقرآن وتأويله:

اليوم الثالث عشر من رجب ولادة أمير المؤمنين ومولى المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة ٢٣ قبل الهجرة والحادي والعشرون منه شهادته (عليه السلام) سنة ٤٠ هجرية: روي عن الأصبغ بن نباتة أنَّه قال: لمَّا بويع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بالخلافة، خرج إلى المسجد فقال: (سلوني قبل أن تفقدوني؛ فوالله إنَّي لأعلم بالقرآن وتأويله من كل مُدَّعٍ علمه، فوالذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسَمة لو سألتموني عن آية لأخبرتكم بوقت نزولها وفيمَ نزلت) (٨) .
 

الإمام الكاظم (عليه السلام) يتلو القرآن ويتفاعل وجدانياً وعاطفياً معه:

اليوم الخامس والعشرون من رجب شهادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سنة ١٨٣ هجرية، يقول الشيخ المفيد في إرشاده عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «كان أفقه أهل زمانه، وأحفظهم لكتاب الله، وأحسنهم صوتاً بالقرآن، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي، ويبكي السامعون لتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المتهجدين» (٩) .

وقال حفص - أحد القرّاء السبعة المشهورين - عن قراءة الإمام الكاظم (عليه السلام) للقرآن الكريم: «ما رأيت أحداً أشد خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر(عليه السلام)، ولا أرجأ الناس منه، وكانت قراءته حزناً، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً» (١٠) .

وهذا يعني أن الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يكن يقرأ القرآن الكريم قراءة مجردة، وإنما قراءة يتفاعل فيها كل مكونات الإنسان: قلبه وعقله وجوارحه، فيحزن عندما يتلو آيات التخويف، ويفرح عندما يتلو آيات البشارة، أو لعل الحزن كناية عن البكاء، كما هي عادة المتفاعلين قلباً وقالباً مع القرآن الكريم.
 

الإمام الحسين (عليه السلام) وفهمه للصديق والشهيد من القرآن:

اليوم الثالث من شعبان ولادة سبط النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الحسين بن علي L سنة ٤ هجرية: قال الإمام الحسين بن علي (عليه السلام): مامن شيعتنا إلا صديق شهيد، قلت: أنى يكون كذلك وهم يموتون على فرشهم، فقال: أما تتلون كتاب الله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ، قلت صدقت جعلت فداك كأني لم أر هذه الآية من كتاب الله، قال: ثم قال الحسين (عليه السلام) لو لم تكن الشهادة إلا لمن قتل بالسيف لأقل الله الشهداء (١١) .
 

الإمام زين العابدين (عليه السلام) وقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ :

اليوم الخامس من شعبان ولادة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) سنة ٣٨ هجرية: روى الحسين بن زيد عن عمه عمرو بن علي عن أبيه السجاد (عليه السلام): أنه كان يشتري كساء الخزّ بخمسين ديناراً ويقول: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ ؟ وعلى هذا مشى الأئمة (عليهم السلام) فكان الحسين بن أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه.. وقتل الحسين (عليه السلام) وعليه جبّة خز.. ولبس الصادق جبة خز وطيلسان خز.. ولما رآه سفيان الثوري على هذا الحال قال له: لم يلبس مثل هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فقال الصادق (عليه السلام): كان رسول الله في زمان قتر... وإن الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها وأحق أهلها بها أبرارها، ثم رفع (عليه السلام) الثوب الظاهر وإذا تحته ثوب غليظ فقال: يا سفيان هذا لبسته لنفسي وهذا للناس!! ثم رفع ما على سفيان من الثوب الظاهر وكان غليظاً خشناً وإذا تحته مما يلي جلده ثوب ناعم لين، فقال: يا سفيان لبست هذا للناس ولبِست لنفسك الليّن تستره عنهم ولا يستر عن الله تعالى.. (١٢) .
 

الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ومعرفة تأويل الكتاب:

اليوم الخامس عشر من شعبان ولادة بقية الله الأعظم الحجة ابن الحسن العسكري (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سنة ٢٥٥ هجرية: عن الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه قال: «الذي يجب عليكم ولكم أن تقولوا إنا قدوة الله وأئمة وخلفاء الله في أرضه وأمناؤه على خلقه، وحججه في بلاده، نعرف الحلال والحرام ونعرف تأويل الكتاب وفصل الخطاب» (١٣) .

وعنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه قال: وأمّا عِلّةُ ما وقعَ من الغَيْبة، فإنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ (١٤) .
 

الإمام الحسن (عليه السلام) في بيان فضل القرآن الكريم:

اليوم الخامس عشر من شهر رمضان المبارك ولادة سبط النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) سنة ٣ هجرية: يقول الإمام الحسن (عليه السلام): «إن هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً يقود قوماً إلى الجنة أحلوا حلاله وحرموا حرامه وآمنوا بمتشابهه، ويسوق قوماً إلى النار ضيعوا حدوده وأحكامه واستحلوا محارمه»(١٥) . ومن كلام له (عليه السلام) في موضع آخر: «إن هذا القرآن يجيء يوم القيامة فيه مصابيح النور وشفاء الصدور، فليجل جال بضوئه، وليلجم الصفة قلبه، فإن التفكير حياة القلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور» (١٦) .
 

الإمام الصادق (عليه السلام) والتفاعل مع القرآن وإكرامه وتحريم إهانته:

اليوم الخامس والعشرون من شوال شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) سنة ١٤٨ هجرية: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): ينبغي لمن قرأ القرآن إذا مر بآية من القرآن فيها مسألة أو تخويف أن يسأل عند ذلك خير ما يرجو ويسأله العافية من النار والعذاب (١٧) .

قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): إذا جمع الله عزَّ وجل الأولين والآخرين إذا هم بشخص قد أقبل، لم ير قط أحسن صورة منه، فإذا نظر إليه المؤمنون وهو يقرأ القرآن قالوا: هذا منا، هذا أحسن شيء رأينا، فإذا انتهى إليهم جازه ... (إلى أن قال): حتى يقف عن يمين العرش فيقول الجبار عزَّ وجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأكرمن اليوم من أكرمك، ولأهينن من أهانك (١٨) .
 

الإمام الرضا (عليه السلام) وقراءة القرآن وتعظيمه:

اليوم الحادي عشر من ذي القعدة ولادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة ١٤٨ هجرية: يقول الإمام الرضا (عليه السلام) في باب الصوم: «وأَكثِرْ في هذا الشّهر المبارك من قراءة القرآن» (١٩)

ذكر الرضا (عليه السلام) يوماً القرآن فعظّم الحجّة فيه والآية والمعجزة في نظمه، فقال: «هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى وطريقته المثلى، المؤدّي إلى الجنّة، والمنجي من النار، لا يخلق على الأزمنة ولا يغثّ على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان والحجّة على كل إنسان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» (٢٠) .
 

الإمام الجواد (عليه السلام) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ :

آخر يوم من ذي القعدة شهادة الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) سنة ٢٢٠ هجرية: روى أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (الإمام الجواد (عليه السلام)) : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، ما معنى الأحد ؟ قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ ، ثم يقولون بعد ذلك: له شريك وصاحبة. فقلت: قوله: ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ ؟ قال: يا أبا هاشم! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار ؟ ! (٢١) .

ما ذكر هو بعض كلمات أهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلق بالقرآن الكريم.


(1) - الخصائص الزينبيّة: ٦٨ و ٦٩ - تراجم أعلام النساء: ج٢، ص١٧٠.
(2) - البيان في تفسير القرآن: ص٢٦٧.
(3) - فرائد الأصول: ص٢٨.
(4) - البداية والنهاية: ج٩، ص٣٠١.
(5) - الفصول المهمة: ص٢٢٧.
(6) - مجمع البيان: ج٤، ص٢٢٣.
(7) - تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ص٣٣٧.
(8) - مقدمة تفسير البرهان: ١٦.
(9) - الإرشاد: ص ٢٩١.
(10) - أصول الكافي: ج٢، ص ٥٧٠، رقم١٠.
(11) - بحار الأنوار: ج٧٩، ص١٧٣.
(12) - مجمع البيان: ج٤، ص٤١٣.
(13) - البحار: ج٩٢، ص٩٦، ب٨، ح٥٨.
(14) - البحار: ج٥٢، ص٩٢، ح٧.
(15) - إرشاد القلوب: ٧٩.
(16) - بحار الأنوار: ج١١٢، ص٩٢، ح٣٥.
(17) - الكافي: ج١، ص٨٣.
(18) - الكافي ج٢، ص٤٤٠، ح١٤.
(19) - مستدرك الوسائل: ج١، ص٢٤٩.
(20) - عيون أخبار الرضا: ٢/١٣٠.
(21) - الاحتجاج: ج٢، ص٤٦٥، ح٣١٩.

    مقابلة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الحـــــــاج
أحمد حسين محمدي


 

مقابلة مع مسؤول منطقة بيروت في جمعية القرآن الكريم: الحاج أحمد حسين محمدي فهو أستاذ ومدير لفرع الجمعية في بيروت، حافظ للقرآن الكريم، شارك في العديد من المسابقات المحلية، وقد طرحنا عليه بعض الاسئلة وكانت الإجابة على الشكل التالي:
 

س ١ : بداية حدّثنا عن علاقتك ومسيرتك واستئناسك بالقرآن الكريم؟ (المؤسّسة والمدينة، المدرّس) .
ج- العلاقة مع القرآن الكريم بدأت منذ أن كنت في الثانية عشرة من عمري ولا أعرف سر استئناسي بالقرآن على وجه الدقة.
 

س ٢ : ما هو الباعث أو المشجّع الأساسيّ لانضمامك إلى مسيرة القرآن المباركة؟
ج- لا أدري ما الباعث لكن أعتقد لكوني كنت أقرأ في الصف منذ الصغر وأتلقى تشجيعاً من زملائي الطلبة ويسمعون صوتي فيزيدون تشجيعي على التلاوة.

س ٣ : ما هي التّخصّصات الّتي حصلت عليها خلال رحلتك مع القرآن الكريم؟
ج- الرحلة مع القرآن الكريم زمنها منذ أربعين سنة وحصلت على شهادات متعددة في التجويد والحفظ والتحكيم والتفسير وأعلى شهادة كانت ماجستير في التفسير وعلوم القرآن.
 

س ٤ ما هي أهمّ النّشاطات القرآنيّة الّتي تقوم بها خلال الأسبوع؟
ج- أهم النشاطات القرآنية خلال الأسبوع إدارة منطقة بيروت في جمعية القرآن الكريم وإعطاء بعض الدروس في التفسير والحفظ والتجويد وعلوم القرآن في الجمعية وخارجها من المؤسسات التعليمية.
 

س ٥ هل شاركت في مسابقات قرآنيّة محلّيّة أو دوليّة، وما هي النّتائج الّتي حقّقتها فيها؟
ج- نعم كانت هناك مشاركات عدة محلية في المسابقات في فئة الحفظ والتلاوة وكانت النتائج متفاوتة.
 

س ٦ ما هو مقدار حفظكم للقرآن الكريم؟
ج- حفظت القرآن كاملاً منذ الثمانينات وكانت قبلها محاولات حفظت خلالها عدة أجزاء ومن ثم اكملت الحفظ أخيراً.
 

س ٧ ما هي الطّريقة الّتي اتّبعتها في حفظ كتاب الله عزّ وجلّ؟
ج- الطريقة كانت تقليدية ولم أتعلمها من أحد وهي حفظ صفحة كاملة يومياً فتم الحفظ في سنة ونصف تقريباً.
 

س ٨ برأيك ما هي مواصفات الحافظ النّموذجيّ؟
ج- الصدق، الاخلاص، التفاني، التواضع، تعليم الآخرين وحثّهم على حفظ القرآن الكريم.
 

س ٩ ما هي تجربتك الخاصّة في حفظ أو تعليم أو تلاوة القرآن الكريم وتعتقد أنّها مفيدة للآخرين؟ لو سمحت بشرحها لنا وللقرّاء الأعزّاء.
ج- ذكرت تجربتي في السؤال السابق، أما تلاوة القرآن الكريم فهي الاكثار من التلاوة ودراسة المقامات والانغام القرآنية المعروفة.
 

س ١٠ ما هو دور المسابقات القرآنيّة في إيجاد روح التّنافس لدى الشّباب في تلاوة القرآن؟
ج- المسابقات القرآنية لها البعد الأهم والأكبر في شحذ الهمم وتحفيز الطاقات وبروز المبدعين.
 

س ١١ برأيك ما هي الأمور الّتي يجب أن يتبّعها القرّاء للوصول إلى القمّة في التّلاوة؟
ج- التقليد أولاً أعني تقليد القرّاء الكبار والمبدعين، والتواضع ثانياً، والتعلّم وعدم الاستهانة بالآخرين، ثالثاً.
 

س ١٢ من هو القارئ المفضّل لديك والّذي تستمتع باستماع أو تقليد تلاوته؟ ولماذا؟
ج- القارىء الأول الذي له الأثر الأكبر في شخصيتي محمد صديق المنشاوي والقارىء المبدع المرحوم الشّحات، والقارىء ذي الصوت الجميل أبو العينين شعيشع.
 

س ١٣ برأيك ما هي المميّزات الّتي يجب أن يتحلّى بها معلّم أو مدرّس القرآن؟
ج- ١- يقدّر الطاقات القرآنية ويحترمها.
٢- أن يتواضع إذا ازداد علمه ومعرفته.
٣- أن يكون عطوفاً ولطيفاً مع طلبته.
 

س ١٤ ما هي الأساليب التي يجب إتّباعها مع الأطفال لتنشئتهم تنشئة قرآنيّة؟
ج- ١- يحبب القرآن لهم.
٢- تبسيط وتوضيح الآيات القرآنية.
٣- أن يكون المدرّس قدوة وانموذج لطلابه.
 

س ١٥ كيف يساعد التّدبّر في القرآن الكريم على تزكية النّفس الإنسانيّة؟
ج- بقدر التدبر والتفكر ترتفع النفس الإنسانية إلى مصاف الملائكة وله شروط ومقومات.
 

س ١٦ ما هي الآية القرآنيّة الشّريفة الّتي كان لها تأثير عليك واستفدت منها عمليًّا في حياتك؟
ج- الآيات كثيرة ولكن المقطع من الآية الذي يخوفني ويطمئنني في آن معاً هو الموجود في سورة الحديد الآية /١١٤ ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ... ﴾ وشبيه هذا المقطع في سورة يونس الآية /٦١ ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ... ﴾.
 

س ١٧ ماذا تفهم من قوله سبحانه: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ ؟
ج- الذي نفهمه من الآية المباركة أن هلاك اسرائيل سيكون على أيدي الرجال المؤمنين الأشداء.
 

س ١٨ من خلال عملكم القرآنيّ وتجربتكم كيف نفهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»؟
ج- أفهم ونفهم الجميع أن أشرف العلوم هو تعلم القرآن لأنه هو المصدر الأول في التشريع وهو منبع كل العلوم الالهية بل والعلوم الأخرى.
 

س ١٩ ما هي الإرشادات لمجاميع القرّاء والمسابقات القرآنيّة الدّوليّة والمحلّيّة؟
ج- ١- الحرص الشديد على إتقان تعلم المقامات في التلاوة.
٢- المشاركة المكثفة لكل القرّاء دون استثناء.
٣- توفير كل المحفزات لجميع المشاركين والاهتمام بتشجيعهم.
 

س ٢٠ هل شاركتم في الأمسيات القرآنيّة، فحبّذا لو تحدّثنا عن تقييمك لآثار هذه الأمسيات لدى الشّباب والمجتمع الّذي يواجه العدوّ الصّهيونيّ وكيانه؟
ج- للأمسيات الدور الكبير في تهيئة الأجواء التي تنمّي ثقافة القرآن ويتذوق الأنغام القرآنية التي تساعد على فهم كلام الله وترجمته عملياً في جميع النواحي.
 

س ٢١ ما هو تأثير القرآن الكريم على العلاقات بين الدّول الإسلاميّة؟ وما هو رأيك بالنّشاطات القرآنيّة في لبنان ومدى انعكاسها على المستوى الدّولي ؟
ج القرآن هو الكتاب الإلهي الوحيد الذي لا يختلف عليه المسلمون وبالتالي فهو مصدر الوحدة الإسلامية، وترويجه يساعد على تقارب المذاهب ووحدتها في مجابهة الأعداء المختلفين والمتنوعين.
 

س ٢٢ ما هو دور وسائل الإعلام في العالم الإسلاميّ لتغطية ونشر النّشاطات والثّقافة القرآنيّة؟
ج- الإعلام له الدور الأعظم في تغطية الأنشطة القرآنية لتحفيز الناس على التأثر بكلام الله وبالتالي العمل به وتطبيقه ولا شك أن هذا الدور يتعلق حصراً بالاعلام المرئي والمسموع.
 

س ٢٣ كيف يمكن للبرامج القرآنية أن تساعد على تقديم الصّورة الحقيقيّة للإسلام أمام العالم؟
ج- بقدر ما تكون البرامج القرآنية مدروسة بدقة وحرفية وملائمة للعصر وواعية ستكون صورة الإسلام ناصعة وبرّاقة ويتقبلها الجمهور.
 

س ٢٤ ما هو واجب ودور النّاشطين القرآنيّين في مواجهة ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلاميّ؟
ج- أهم دور يضطلع به الناشطون القرآنيون في الوقت الحاضر لمجابهة خوارج هذا العصر والارهابيين هو تقديم الإسلام المحمدي الأصيل من خلال القرآن الكريم.
 

س ٢٥ ما هي نصيحتكم لحفّاظ وقرّاء القرآن الكريم ولمن لديه رغبة في حفظه وتلاوته؟
ج-١- محافظة الحفّاظ على تثبيت محفوظاتهم بشكل متواصل دائماً.
٢- عدم التذرّع لضيق الوقت وعدم توفره.
٣- وللقرّاء تلاوة القرآن في جميع الأوقات والتمرين الدائم لجهاز الصوت.
 

س ٢٦ نطلب منكم نصيحة للشّباب والمجتمع في لبنان ليصبحوا مجتمعًا عاملاً بالقرآن؟
ج- أنصح الشباب بشكل خاص لأنهم عصب المجتمع الحرص الشديد على تعلم القرآن وحفظه وتلاوته وسيشدهم القرآن وحده الى إنشاء وتأسيس مجتمع سليم من جميع الجوانب.
 

س ٢٧- حبذا لو تحدّثنا عن نشاط وأعمال جمعية القرآن الكريم في مدينتكم، وما هو دوركم فيها ؟
ج- جمعية القرآن الكريم في منطقة بيروت لها أكبر الأثر في ترويج تدريس القرآن الكريم وهي تعمل بجد واهتمام في تدريس الاخوة والأخوات والناشئة والصغار كل ما يتعلق بفنون القرآن وعلومه مثل تعليم الحفظ والتجويد والتفسير وإقامة الأمسيات والمحاضرات التخصصية القرآنية.

 

   دروس في تجويد القرآن

عملية التنفس الصحيح للتلاوة



في إطار الدروس التي نقدمها للقرَّاء الأعزاء والمستفيدين حول أحكام التلاوة والتجويد. وبعد ما تعرّفنا في العددين السابقيْن إلى أنواع الوقف على أواخر الكلمات أحببنا في هذا العدد أن نبين مسألة هامة من مسائل التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم ألا وهي عملية التنفس.

فالتنفس الصحيح يعتبر الأمر الأول الذي يجب على تالي القرآن أن يهتم به ويمارسه يومياً كي يتمكن من الأداء الصحيح للتلاوة من غير تقطيع في الكلمة أو الآية، لأنَّ التنفس السطحي يحصل في أعلى الرئتين، فيكون النفس قصيراً لا يساعد على التلاوة الصحيحة ولا على الوقف الصحيح على الكلمات وربما يحصل أخطاء كثيرة بسبب إهمال هذا الجانب نعني به التنفس الصحيح.
 

لذلك حدّد العلماء ثلاثة أنواع من أنواع التنفس الصحيح.

- النوع الأول: التنفس البطني.
- النوع الثاني: التنفس التفريغي.
- النوع الثالث: التنفس لتوليد الطاقة.
 

أولاً: التنفس البطني:
يقول بعض المتخصصين: إن التنفس الجيد هو التنفس الذي يأتي من البطن وليس من الصدر. وله فوائد كثيرة منها: الراحة والهدوء، انخفاض ضغط الدم، تهدئة نبض القلب، تحسّن الهضم.
 

خطوات طريقة التنفس البطني بالترتيب:
لكي يتحقق نجاح هذه الطريقة ينبغي اتباع الإرشادات التالية:
 

استلقِ على ظهرك، وذراعاك ممدودتان إلى جانبيك، وساقاك مستقيمان ثم ضع كتاباً على بطنك إلى الأعلى من السرّة مباشرة، واستنشق الهواء ببطء من خلال أنفك (ولسانك بسقف حلقك)، وركّز على التنفس بعمق عن طريق البطن، ووسع بطنك مع كل نفس إلى الحد الأقصى، وستجد الكتاب يرتفع مع كل نفس، وابطىء تنفسك وخذ من الوقت أربع أو خمس ثوانٍ كاملة في كل استنشاق، ثم احبس النفس لحظة ثم ازفر النفس ببطء من خلال أربع أو خمس ثوانٍ. كرّر هذا التمرين المهدىء لمدة عدة دقائق كل يوم في أي وقت.
 

ويستحسن في أثناء تأدية هذا العمل، عدم ارتداء ثياباً ضيقة حول الخصر. لأن البطن يحتاج الى فسحة لكي يتوسع، وراقب وضعك الجسدي وحافظ على استقامة ظهرك وعلى سوية كتفيك، ويكون رأسك في وضع يرتكز فيه بشكل طفيف على أعلى عنقك. تنفس من البطن لا من الصدر، وركز اهتمامك على ذلك، وعليك أن تتنفس بعمق ولسانك بسقف حلقك.
 

عوامل مساعدة لتقوية النفس:
من العوامل الهامة في عملية تقوية النفس هي الرياضة بشكل عام، والمشي بشكل خاص. فالمشي أمر مهم جداً لكن عليك أن تتنفس دائماً من الأنف، وكذلك حبس النفس مع الاسترخاء، كما أن السباحة وحبس النفس تحت الماء والجري مهم جداً. وأيضاً المقيم في الأماكن الطبيعية ذات الهواء النظيف والأشجار الخضراء يجعله يتمتع بنفس أطول وراحة أفضل. ولا شك أن كثرة التمارين تسرع في إعطاء النتائج المأمولة (١) .
 

وللبحث تتمة تأتي إنشاء الله تعالى.


(1) - إعداد: مدير التعليم المركزي الحاج عادل خليل.

 

 

  

 

   نباتات ذكرت في القرآن الكريم

الزنجبيل في القرآن الكريم

 


يقول تعالى: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ﴾ (١) . كل ما ذكره الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له مثل في الدنيا ولكن سماه الله بالاسم الذي يعرف والزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه فلذلك ذكره في القرآن ووعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة.

ما هو الزنجبيل؟

هو نبات طيب الطعم معمر ينمو في المناطق الاستوائية، والريزومات (ساق تنمو تحت الأرض) هي الجزء المستعمل، وأزهار الزنجبيل صفراء ذات شفاه أرجوانية، وأوراقه ذات شكل رمحي، وعندما تذبل الأوراق تستخرج الريزومات من الأرض، وتوضع في الماء حتى تلين، ثم تقشر وتعفر بمسحوق سكري. والزنجيل من العقاقير الدستورية، هي تلك العقاقير المتضمنة في دستور الأدوية، ولها نفع علاجي، أو تستخدم في الأغراض الصيدلية (٢) .

مزاياه وفوائده:

١- يستعمل لتطييب نكهة الطعام.
٢- طارد للغازات.
٣- يدخل في تركيب أدوية توسيع الأوعية الدموية.
٤- مسكن وملطف للحرارة.
٥- يدخل في تركيب وصفات زيادة القدرة الجنسية.
٦- يدخل في تركيب وصفات علاج آلام الحيض.
٧- طارد للبلغم.
٨- معالج للبواسير.
٩- يعالج ظلمة البصر أكلا واكتحالا.
١٠- جاء في كتاب «الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي» (٣) : الزنجبيل حار رطب، يقوي المعدة، ويزيد في الحفظ، لا مضرة فيه، أفضله العطر الذي ليس بمسوس، يؤكل منه بمقدار.
 

طريقة الاستعمال:

الطريقة الأولى: تغلى ملعقة صغيرة من مسحوق الزنجبيل في نصف كوب ماء ويحلى بالسكر، ويشرب بعد الفطور أو بعد العشاء (٤) .

الطريقة الثانية: والزنجبيل معروف، يضاف مسحوقه إلى المشروبات ليقوي المعدة ويبعث الهضم، مقدار نصف إلى جرام واحد ويضاف إلى المركبات الحديدية ليحسن طعمها، ويمضغه الأبخر ويتمضمض بطبيخه، ويتغرغر به، ويضاف إلى صبغات الأسنان ومنه شراب الزنجبيل وصبغة الزنجبيل مقدار ٢٠ إلى ٣٥ نقطة كدواء للمعدة (٥) .

الطريقة الثالثة: يستعمل كمنقوع فشاي الجنزبيل طارد للأرياح ويتناول في النزلات البردية ويفيد في الهضم ومنع التقلصات حيث أنه هاضم وطارد للغازات ويفيد في علاج النقرس، ولا يعطى للحوامل, كما يستعمل الزنجبيل لتوسيع ألأوعية الدموية، وزيادة العرق والشعور بالدفء وتلطيف الحرارة، وتقوية الطاقة، وتعاطيه يوميا يمكن أن يتدخل في امتصاص الحديد والفيتامينات التي تذوب في الدهون كفيتامين K و E و D و A ومشتقات المضادات الحيوية وديجوكسين وفينوتوين.
 

أسمائه:

١- اسمه بالعربية: زنجبيل.
٢- اسمه بالفارسي: أدرك.
٣- اسمه بالإنجليزي: ginger
٤- اسمه بالفرنسي: gingerbread
 

الزنجبيل في الحديث:

في الرسالة الذهبية قال مولانا الرضا (عليه السلام): ومن أراد أن يقل نسيانه، ويكون حافظا، فليأكل كل يوم ثلاث قطع زنجبيل مربى بالعسل، ويصطبغ بالخردل مع طعامه في كل يوم - إلى أن قال: - واعلم أن للعسل دلائل يعرف بها نفعه عن ضره، وذلك أن منه شيئاً إذا أدركه الشم عطش، ومنه شيء يسكر، وله عند الذوق حرقة شديدة فهذه الأنواع من العسل قاتلة - الخبر (٦) .

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
 


(1) - سورة الإنسان، الآية:١٧.
(2) - الدكتورة/ فايزة محمد حمودة في كتاب «النباتات والأعشاب الطبية.. كيف تستخدمها؟».
(3) - محمد العربي الخطابي في كتابه (الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي) .
(4) - الدكتورة/ فايزة محمد حمودة في كتاب «النباتات والأعشاب الطبية... كيف تستخدمها؟».
(5) - الدكتور/ حسن وهبة في كتاب «أعشاب مصر الطبية وفوائدها»...
(6) - مستدرك سفينة البحار: ج٧، ص٢٢٢.

 

 

   حيوانات ذكرت في القرآن الكريم

المَعْز في القرآن الكريم

 


ذكر المَعْز أو الماعز في القرآن الكريم مرة واحدة، قال تعالى: ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (١) .

الماعز: واحد المعز، للذكر والأنثى، وقيل: يقال للذكر ماعز وللأنثى ماعزة. الجدي من أولاد المعز وهو الذكر في السنة الأولى والأنثى العناق. واليعار: صوت الماعز. ويسمى ذكر الماعز «التيس» والأنثى «معزة» وصغيرهما يعرف بالجدي.

جديان: الجدي أو التيس هو ذكر الماعز وكذلك اسم المدار الذي يمر بالنصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
 

حيوان الماعز:

تنتمي الماعز إلى عائلة الحيوانات المجترة ذات الظلف ويرجع أصل الماعز إلى المناطق الجبلية في قارة آسيا الصغرى ومنها انتشرت في مختلف دول العالم ساعدها في ذلك تأقلمها على المناخ الحار والبارد على السواء ومقدرتها على الرعي على مختلف النباتات الصحراوية الشوكية والأشجار والحشائش الجافة على عكس الضأن والأبقار.

وهو من الحيوانات القوية التي يمكنها أن تعيش في كل مكان فهي تعيش في أعالي الجبال وفي السهول وحتى يمكنها في الواحات والصحاري. جسم الماعز رشيق وقوي ومغطى بالشعر وذلك مكنها من إيجاد طعامها بسهولة على الأرض وحتى في تسلقها الشجيرات لأكل الأوراق والبراعم. يمكن تمييزها عن جنس الغنم، الذي يضم الماشية، بوجود غدد الرائحة بالقرب من القدمين، في أعلى الفخذ وأمام العيون، وعدم وجود غدد وجه أخرى، وأيضًا بوجود لحية في الذكور.
 

ولادة الماعز:

مدة حمل إناث الماعز تتراوح بين ٥ أشهر إلى ٥ أشهر وعشرة أيام. تدوم فترة الحمل ما يقارب ١٧٠ يوما، ونرى أن الماعز يوم الولادة تعمد إلى زاوية أو ركن آمن عند احساسها بقرب الولادة وأثناء الولادة تصدر الأنثى بعض الاصوت عند احساسها بألام الوضع وفي أكثر الأحيان لا تحتاج إلى مساعدة أو إلى تدخل بشري. والماعز بشكل عام متعددة أي تضع في الغالب التوائم من اثنين إلى ثلاثه وهناك حالات نادره من ٤ إلى٥ توائم في الولادة الواحدة، وتستطيع الصغار اللحاق بوالدتها مباشرة بعد الولادة. تفطم الجديان بعد ٦ أشهر، وتبلغ الإناث النضوج عند بلوغها ما بين ١.٥ و ٢.٥ سنة بينما تبلغ الذكور عندما تصل إلى سنواتها الثالثة والنصف أو الرابعة. ويمكن أن يبلغ أمد حياة الماعز البرّي من ١٢ إلى ٢٢ عاما.

تعيش الماعز في قطعان صغيرة أو كبيرة في السهول والصحارى والمرتفعات والمناطق الجبلية ويوجد معظمها في قارتي أفريقيا وآسيا. وتعتبر الماعز من أوائل الحيوانات ذات الظلف التي تم استئناسها من قبل الإنسان ويرجع ذلك إلى ٧٠٠٠ عام قبل الميلاد.
 

فوائد اقتصاديَّة:

يعتبر الماعز حيوان اقتصادي من الدرجة الأولى إذ أن تربيته لا تتطلب تكاليف كثيرة سواء بالنسبة إلى التغذية أو المسكن، وتستطيع الماعز أن تتسلق وتقفز ويمكنها أن تقف على أرجلها الخلفية لترعى أوراق الأشجار. وتتميز الماعز بالذكاء وتفضل العيش في شكل قطعان. تعيش الماعز عادة من ١٠ - ١٢ سنة وقد تصل أحيانا إلى عمر ١٥ سنة.
 

حليب الماعز:

يعتبر حليب الماعز ومنتجاته من أكثر المواد الغذائية استهلاكا في العالم بالمقارنة مع الحيوانات الأخرى ويمتاز بقلة الدهون وسهولة الهضم مع ارتفاع القيمة الغذائية ويصنع منه أفضل أنواع الجبن الدسم واللبن الخاثر. يبلغ إنتاج الماعز سنويا من الحليب في العالم ما يقارب ٤.٥ مليون طن.
 

لحم الماعز:

لحم الماعز مفيد جدا لأن الماعز يتغذى على الأعشاب الطبية، ومناسب بالنسبة للأجهزة الهضمية عند معظم الناس ويحتوي على سعرات حرارية أقل ثم لحم البقر والضأن والدجاج. كما أنه يحتوي على نسبة أقل من الدهون والدهون المشبعة وأعلى نسبة من البروتين وبه نسبه عالية من الحديد.
 

الشعر والجلد:

ويستفاد من الماعز من أجل انتاج الألياف الناعمة التي تصنع منها المنسوجات والملابس الفاخرة التي تلائم الأجواء الباردة. ويستفاد من جلود الماعز في المناطق الريفية لصناعة الأوعية التي تستعمل لحفظ مياه الشرب وتبريدها وأيضا لخض الحليب لصناعة اللبن الرائب. ويستعمل شعرها في فتل الحبال لصناعة الخيام والسجاد عند البدو الذين يسكنون الصحراء.
 

صحة الماعز:

يعتبر الماعز من الحيوانات التي تمتلك قدرة كبيرة للتأقلم على العيش في معظم مناطق العالم وتمتلك أيضا القدرة على مقاومة الكثير من الأمراض. تتراوح درجة حرارة الماعز بين ١٠٢.٥ - ١٠٤ فهرنهايت ومعدل دقات القلب من ٦٠ إلى٨٠ دقة في الدقيقة أما معدل التنفس فيراوح بين ١٥ إلى ٣٠ نفس في الدقيقة. وتتمثل علامات الصحة في الماعز والتي يجب أن تراعى من قبل المربيين عند الشراء وهي العيون البراقة لأن العيون الغائرة ربما تدل على الإصابة بمرض العين القرمزية والشعر الناعم واللامع لأن الشعر المجعد قد يدل على الإصابة بالطفيليات أما الخارجية مثل الجرب والقراع أو الداخلية مثل الديدان المعدية والمعوية أو الكبدية ومن علامات الصحة أيضا أن تكون الشهية مفتوحة لأن عدم الرغبة في الأكل قد تعني إصابة الحيوان بالحمى الناتجة عن الإصابة بالمكروبات.
 

الماعز في الحديث:

عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن النعجة أحب إليك أم الماعز ؟ قال: إن كان الماعز ذكراً فهو أحب إلي، وإن كان الماعز انثى فالنعجة أحب إليّ (٢) .
عن سعد بن سعد، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن أهل بيتي يأكلون لحم الماعز، ولا يأكلون لحم الضأن، قال: ولم ؟ قلت: يقولون: إنه يهيج المرار، قال: لو علم الله خيراً من الضأن لفدى به إسحاق، كذا في الحديث (٣) .
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾


(1) - سورة الأنعام، الآية: ١٤٣.
(2) - الكافي: ج٤، ص٤٩٠، ح٥.
(3) - وسائل الشيعة: ج٢٥، (٤٣) .

 

 

    أنشطة الجمعية

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الهدف من بعثة الأنبياء هو التعليم والتربية، قال تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ (١) .

يشير القرآن من خلال هذه الآية إلى نِعَم عادت على المسلمين ببركة النّبي فهو (صلى الله عليه وآله وسلم): يقرأ عليكم آيات الله، لتنفذ إلى قلوبكم، ولإعداد أنفسكم إلى التعليم والتربية، ويزيدكم كمالا مادياً ومعنوياً، وينمّي أرواحكم، ويربّي في أنفسكم الطهر والفضيلة، ويزيل ألوان الرذائل التي كانت تغمر مجتمعكم في الجاهلية. «وَيُعَلِّمُكُمُ» القرآن والوحي من السنة وما لا يعلم إلا من جهته من الأحكام «وَيُعَلِّمُكُمُ» ما لا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع فذكرهم الله بالنعمة فيه. لقد بين القران الكريم إلى أن الهدف من بعثة الأنبياء هو التعليم والتربية وقد ذكرت هذه المسألة بشأنِ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة مرات، فالمعرفة أحد الأهداف المهمة لبعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
 

وقد جاء في حديث أن الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) خاطب أصحابه قائلا: «ايّها الناس، إن الله جلَّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، فاذا عبدوه إستغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه» (٢) .
 

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كفى بالعلم شرفاً أن يدَّعيه من لا يحسنه ويفرح اذا نسب إليه وكفى بالجهل ذمّاً أنْ يبرأ منه مَن هو فيه» (٣) . ونحن في جمعية القرآن نسعى من أجل أن نفهِمَ المتعطشين للمعرفة إلى أهمية الاستفادة من العلوم المتصلة بالقرآن وعلومه وضرورة فهمها والعمل بها وإليكم بعض الأنشطة التي تصب في هذا الاتدجاه.


(1) - سورة البقرة، الآية: ١٥١.
(2) - بحار الانوار: ج٥٠، ص٣١٢.
(3) - بحار الانوار: ج١، ص١٨٥.

 

 

1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:

- يستمر القسم التعليمي في برامجه التعليمية ودوراته في لبنان وفق رؤية البرنامج السنوي الذي يتضمن العناوين التالية:

١- الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
٢- التلاوة والتجويد للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
٣- الصوت والنغم للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
٤- مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
٥- مناهج التفسير وتفسير الجزء السادس من القرآن الكريم.
٦- تفسير سورة النور.
٧- العلوم القرآنيَّة.
٨- علم الوقف والإبتداء.
٩- أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
١٠- أساليب تدريس التجويد وحفظ القرآن.
١١- الورش التعليميَّة.
١٢- الدورات المركزيَّة المغلقة في العناوين التالية:
أ- تأهيل القرَّاء والقارئات.
ب- تأهيل معلمي التجويد والوقف والإبتداء.
ج- تأهيل الحكّام في المسابقات القرآنيَّة.
د- أساليب تدريس حفظ القرآن.
هـ- أساليب تدريس التفسير والعلوم القرآنيَّة.

2- نشاط قسم النشاطات القرآنية:



 نتائج المسابقة السنوية المركزية الثامنة عشرة لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره ورفع الأذان ١٤٣٧ هـ / ٦/٢٠١٥ م
 

الدرجة المنطقة الاسم والشهرة الرقم  
الأول صور عباس عبد الحسين 1 تحقيق إخوة
١٤ مشتركاً
الثاني بيروت عبد الحسن سويدان 2
الثالث بيروت عباس شري 3
الأولى النبطية صفاء هلال حرب 1

تحقيق أخوات
١٣ مشتركة

الثانية بعلبك ليلى عفارة 2
الثالثة بيروت رمزية ياغي 3

 

الدرجة المنطقة الاسم والشهرة الرقم  
الأولى بيروت زينب حسين حمدان 1

ترتيل أخوات
١٣ مشتركة

الثانية النبطية منى سلمان كريّم 2
الثالثة بيروت حوراء محمد المقداد 3
الأولى النبطية هيثم عياش 1

ترتيل أخوة
١٣ مشترك

الثانية الهرمل عمار بليبل 2
الثالث بيروت إسماعيل حمدان 3

 

الدرجة المنطقة الاسم والشهرة الرقم أذان إخوة
١٤ مشتركاً
الأولى صور عباس عبد الحسين 1
الثانية الهرمل جهاد الحاج حسين 2
الثالث بيروت إسماعيل حمدان 3

 

الدرجة المنطقة الاسم والشهرة الرقم  
الأولى بيروت
 
زينب حسين حمدان 1

ترتيل أخوات
١٣ مشتركة

الثانية النبطية منى سلمان كريّم 2
الثالثة بيروت حوراء محمد المقداد 3
الأولى النبطية هيثم عياش 1

ترتيل أخوة
١٣ مشترك

الثانية الهرمل عمار بليبل 2
الثالث بيروت إسماعيل حمدان 3

 

الدرجة المنطقة الاسم والشهرة الرقم  
الأولى صور غدير غنام 1 حفظ كامل القرآن
إخوة + أخوات
٨ مشتركين
الثانية النبطية زهراء شمص 2
الثالثة بيروت زهراء علي 3
الأولى بيروت دعاء البيروتي 1

حفظ ٢٥ جزءاً
إخوة + أخوات
٧ مشتركين

الثانية النبطية فاطمة عطية 2
الثالث النبطية ملاك حمود 3
الأولى النبطية كاميليا أيوب 1 حفظ ٢٠ جزءاً
إخوة + أخوات
١١ مشتركاً
الثانية صور بتول غسان قصير 2
الثالث بيروت صفاء علي نعيم 3
الأولى بيروت فاطمة يونس 1 حفظ ١٥ جزءاً
إخوة + أخوات ١٥ مشتركاً
الثانية النبطية زهراء حسن برو 2
الثالث بعلبك زين العابدين رعد 3
الأولى صور حسين يحيى الحاج 1 حفظ ١٠ أجزاء
إخوة + أخوات
١٤ مشتركاً
الثانية بيروت ريان محمد مصطفى 2
الثالث صور نجاة عباس غضبون 3

 

   مسابقة العدد

 


١- أنَّه تعالى: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ ماذا تسمَّى هذه الإحاطة؟
أ- الإحاطة القيّومية.
ب- الإحاطة الحقيقيَّة.
ج- كلاهما صحيح.
 

٢- قال: ﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ من أين عرفنا أنّ المسح ببعض الرأس؟
أ- لعدم إمكانية المسح بكامله.
ب- لمكان «الباء».
ج- كلاهما صحيح.

٣- ما هو التحريف اصطلاحاً؟
أ- تغيير معنى الكلمة.
ب- تغيير ألفاظ القرآن.
ج- كلاهما صحيح.

٤- أي كهف أوضح انطباقا على كهف أهل الكهف؟
أ- كهف رجيب في الأردن.
ب- كهف إفسوس في تركيا.
ج- الكهف بجبل قاسيون.

٥- هل يصدق على القراءة القلبيّة في الصلاة أنها قراءة أم لا؟
أ- يصدق عليها عنوان القراءة.
ب- لا يصدق عليها عنوان القراءة.
ج- كلاهما خطأ.

٦- أكمل الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس........».
أ- الحديث عن رسول الله.
ب- القرآن كما أنزل.
ج- أحكام القرآن.

٧- ما هو معنى ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ لغة ؟
أ- الجريان.
ب- الاستمرار.
ج- كلاهما صحيح.

٨- كيف نساعد أطفالنا على حفظ القرآن الكريم؟
أ- نجعل القرآن يُصاحِب الأطفال في غُدوِّهم ورَواحِهم.
ب- استعمال الوسائل الحديثة الميسِّرة للحفظ.
ج- كلاهما صحيح.

٩- من القائل: «تعرّفوا على الإسلام من القرآن الكريم ورسوله العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم)»؟
أ- الإمام الخميني (قدس سره) .
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله) .
ج- سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .

١٠- من القائل: «فلواء القرآن يختلف عن ألوية الآخرين، لواء القرآن هو العمل به»؟
أ- الإمام الخميني (قدس سره) .
ب- الامام الخامنئي (دام ظله) .
ج- سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .


تسلية وفائدة قرآنية
 


أفقيَّاً

١- اسم سورة من سورتين تنتهيان بنفس الآية.
٢- معنى لكلمة: ﴿ الْأَبْرَارِ ﴾ .
٣- سورة تبدأ وتنتهي بحرف السين.
٤- اسم القرية في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ .
٥- معنى كلمة: ﴿ لَأَعْنَتَكُمْ ﴾ .
٦- من وصفهم القرآن بأنهم إخوان الشياطين.
٧- وجه مشترك بين الأنبياء والناس.
٨- معنى كلمة: ﴿ سِنَةٌ ﴾ .
٩- عدد المرات التي ذكر فيها نبي الله إدريس (عليه السلام) .
١٠- معنى يعدكم من قوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾.
 

عاموديَّاً
١- معنى كلمة: ﴿ إِلْحَافاً ﴾ .
٢- معنى كلمة: ﴿ نَكَالَ ﴾ .
٣- معنى كلمة: ﴿ أَفْلَحَ ﴾ .
٤- تكملة لقوله تعالى: ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي ... مَّنشُورٍ ﴾ .


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد«17»



الفائزون: الأولـى: جواد ياسين.
الثاني: وسام جميل فرحات.
الثالثة: أسامة حسين الموسوي.
يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (17)



ج١- معنى ﴿ بَيْعٌ ﴾ ، هو:
أ- معبد اليهود والنصارى.
ب- الكنيسة.

ج٢- تفسير «الميزان» كتب على نمط:
ب- تفسير القرآن بالقرآن.

ج٣- من القرّاء السبعة عاصم بن بهدلة:
ب- الكوفي.

ج٤- كان يسكن قوم ثمود:
أ- وادي القرى بين المدينة والشام.

ج٥- هل تجب القراءة جهراً أو إخفاتاً في الركعتين الأوليين من صلاة الصبح والمغرب والعشاء القضائية الإحتياطية؟
أ- لا يوجد فرق بين صلاة الأداء وصلاة القضاء في وجوب الجهر والإخفات.

ج٦- الحديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ القرآن... بعضه بعضاً» تكملته، هي:
أ- يصدّق.

ج٧- معنى الجِهَادِ لغة، هو:
أ- من الجهد.
ب- المشقّة البالغة.

ج٨- الوقف بالرّوْم، هو:
أ- هو تبعيض الحركة وخفض الصوت قليلاً عمّن جاوره من الحروف.

ج٩- القائل: «في ظل القرآن استطاع الإسلام في نصف قرن أن ينتصر على امبراطوريات زمانه»، هو:
أ- الامام الخميني (قدس سره) .

ج١٠- القائل: «هذا القرآن حبل إلهي متين إذا اعتصمنا به أمنّا من الزلل والسقوط والضياع»، هو:
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله) .
 

 

 


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد(17) :

 

 

أفقيَّاً

١- امرأة من دعاها القرآن بحمالة الحطب ؟، هي: زوجة أبو لهب.
٢- سورة يستحب قرائتها في صلاة الجمعة غير المنافقين، هي: سورة الجمعة.
٣- اسم للآية: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ ، هي: آية التطهير.
٤- نبي ركب غواصة إلهية، هو: النبي يونس (عليه السلام) .
٥- سورة خلت من حرف الفاء، هي: سورة الحمد.
٦- سورة لم تبدأ بالبسملة، هي: سورة براءة.
٧- اسم السورة الأخيرة التي نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، هي: سورة النصر.
٨- اسم سورة ذمت أبا لهب، هي: سورة المسد.
٩- سورة تكررت فيها البسملة مرتين، هي: سورة النمل.
١٠- شهر من شهور السنة ذكر في القرآن، هو: شهر رمضان.

عاموديَّاً
١- معنى كلمة الأسفار من قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ جمع سفر ، وهو: الكتاب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.
 

عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت - النويري: 278845/01 -  663914/01 - خلدة: 278845/01
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - بريقع: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

 

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

15-03-2016 | 13-15 د | 1709 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1014564 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2016-10-26 الساعة: 10:53 بتوقيت بيروت