تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد السادس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الثاني والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد السادس والتسعون
نافذة من السماء، العدد الخامس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1435 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد الثالث عشر

العدد الثالث عشر ، السنة الرابعة ، شهر رمضان إلى ذي الحجة / 1435 هجري، تموز  2014 ميلادي
مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية



- الافتتاحية: ليلة القدر المباركة ما تزال ليلة ولادة القرآن الكريم

- القرآن والقادة: الدعوة إلى التفكر في القرآن الكريم

- كلمة الإمام الخامنئي: نعمة تنامي حب القرآن والارتباط به في مجتمعنا

- ألوهية الله سبحانه وعبودية الإنسان لله عزَّ وجل

- التفسير والبيان: المساواة والتعارف والتقوى أصول قرآنيَّة

- مفردات قرآنية: سُورَةُ الرَّعْد

- مناهج التفسير: التفسير على ضوء العلم الحديث

- الأمثال في القرآن

- معجم المفسرين

- علوم قرآنية: ظهور القراءات

- استفتاءات قرآنية: لسماحة المرجع آية الله الإمام الخامنئي (دام ظله)

- قصص قرآنية: قصة النبيّ إسماعيل بن إبراهيم (عليه السلام) في القرآن والروايات

- القرآن في نهج البلاغة: الرجوع إلى القرآن الكريم والكتاب الحكيم

- الأخلاق في القرآن: علاقة العمل بالأخلاق

- حفظ القرآن: التحذير من الوقوع في أخطاء أثناء قراءة وحفظ القرآن الكريم

- المرأة في القرآن: المرأة في المنظور الإسلامي

- تجويد القرآن: الوقف والابتداء

- حوارات قرآنية: حفظة القرآن الكريم

- أشهر القراء المبدعين: القارىء الشيخ أبو العينين الشعيشع

- مقابلة العدد: مقابلة مع القارئ الشيخ نصر السعيد محمد أبو الجلاجل

- القرآن في كلام أهل البيت (عليهم السلام)

- الحج في القرآن الكريم

- يوم غدير خم يوم العيد الأكبر

- نباتات ذكرت في القرآن

- حيوانات ذكرت في القرآن

- أنشطة الجمعية

- مسابقة العدد


    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
صدق الله العلي العظيم


عندما يكون الإنسان طموحاً، فإنه يطمح ويتطلّع إلى أفضل وأسمى ما يتقرب به إلى الله عزَّ وجل، إلى مصادقة نور الله الذي أوحى به إلى رسوله والأُنس بكلام ربّه، فالقرآن نعم الصديق ونعم الرفيق الموجه والمرشد إلى السعادة، إنما يصادق كتاب الله تعالى ويأنس بالله وبكلامه، حيث يعيش مع القرآن ويعيش القرآن معه.
والعيش مع القرآن إنما يتحقق في البدء في أن يحب الإنسان كتاب ربه، ومن أحب القرآن فقد أحب الله، ذلك لأن كتاب الله بما يحوي من أفكار وروح وقدسية هو الوسيلة الى الله، وأي وسيلة أفضل وأمتن من كلام الله، ومن رسول الله وأهل بيته الطبيبين الطاهرين، الذين لا يفارقون القرآن، ولا هو يفارقهم.
عن النبي (صلى الله عليه وآله): الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله هم العروة الوثقى والوسيلة إلى الله.
فمن دون القرآن لا يمكن أن نصل لأهل البيت (عليهم السلام)، ومن دونهم أيضاً لا يمكن أن نفهم القرآن.
إنَّ باستطاعة كل إنسان أن يأنس إلى ربه ويتقرب منه من خلال آياته ، وذلك عبر تكريس المحبة لكلامه والالتزام به. وهذا المستوى من الطموح والتطلع ليس حكراً على أحد في حال من الأحوال ، وما على من أراد تحقيق ذلك سوى التقدم بإرادة وعزيمة نحو المصادقة وعقد الميثاق.
ونحن في جمعية القرآن الكريم نسأله تعالى أن يمنحنا القوَّة للتقرب إليه من خلال كتابه وسنَّة نبيّه آمين ربّ العالمين.

جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والإرشاد


    الافتتاحية

ليلة القدر المباركة
ما تزال ليلة لولادة القرآن الكريم



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء وسيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
يقول سبحانه: ﴿ حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (1) .
أقسم سبحانه بالقرآن الدال على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله) وفيه بيان الأحكام والفصل بين الحلال والحرام ذلك الكتاب الواضح محتواه، والبينة معارفه... الحية تعليماته، البناءة أحكامه، الدقيقة برامجه وخططه، وهو الكتاب الذي يدل بنفسه على كونه حقّاً، كما أنَّ بزوغ الشمس دليل على الشمس. كانت ليلة القدر المباركة وما تزال ليلةً لولادة القرآن الكريم، فقد أنزله مرةً ثم أنزله مرات، ولهذه الليلة كل الفخر على سائر الليالي. ولم يكن شهر رمضان ربيع القرآن، إلاّ لأن فيه ليلة القدر، ليلة قال عنها ربنا عزّ وجل: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ أي أن فيها تتنزل الملائكة تنزيلاً بالبركة على الإنسانية جميعاً، لأن فيها ولد القرآن؛ الكتاب ذو البركة والرحمة والعطاء والعناية الإلهية. ففي هذه الليلة يبارك الله للناس بالعطاء والرحمة أيضاً، وذلك لشرف القرآن الكريم. و إنما وصف الله سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لأن فيها يقسم الله نعمه على عباده من السنة إلى السنة فتدوم بركاتها وخيراتها وهي الليلة التي أنزل فيها كتاب الله مباركة ينمي الخير فيها على ما دبر الله سبحانه لها من علو مرتبتها واستجابة الدعاء فيها فأي ليلة هذه التي تكون مبدأ الخيرات، ومنبع الإحسان والعطايا الدائمة؟ لقد فسّرها أغلب المفسّرين بليلة القدر، تلك الليلة العظيمة التي تغيرت فيها مقدرات البشر بنزول القرآن الكريم... تلك الليلة التي تقدر فيها مصائر الخلائق... نعم، لقد نزل القرآن على قلب النّبي المطهر في ليلة حاسمة مصيرية. وكان لابد -لدى الحديث عن القرآن- أن نتحدث عمن أُنزل عليه القرآن ألا ترى أن ربنا سبحانه وتعالى يحدثنا في سورة الدخان عن الكتاب وعمن أُنزل عليه الكتاب، تبعاً إلى أن رسالة السماء لم تنزل في قراطيس، ولم تنزل كما ينزل المطر، وإنما نزلت على قلب واسع وكبير يستطيع استقبال ملك الوحي جبرائيل (عليه السلام) والأمانة التي جاء بها دفعةً واحدةً. هذا الاستقبال الأعظم الذي يصفه الله في موقع آخر بقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (2) .

فكان قلب رسول الله صلى الله عليه وآله أقوى بما لا يوصف من الجبال والأرض والسماوات. فالله الذي يقول عن نفسه المقدسة واصفاً ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ يقول فيما بعد  ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ فكان الوعاء متناسباً كل التناسب مع ما يحتوي.
نحن نعلم أن القرآن الكريم نزل على مدى ثلاث وعشرين سنة ـ وهي فترة نبوةّ النّبي (صلى الله عليه وآله) وما أوحي إليه (صلى الله عليه وآله) ونقرأ في سورة البقرة قوله تعالى ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ ومن جهة ثاًلثة نقرأ في سورة القدر ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ فيستفاد جيداً من مجموع هذه الآيات أن الليلة المباركة في هذه الآية إشارة إلى ليلة القدر التي هي من ليالي شهر رمضان المبارك.

وإضافة إلى ما مر، فإنه يستفاد من آيات عديدة أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان عالماً بالقرآن قبل نزوله التدريجي، كالآية (114) من سورة طه ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
ومن هنا يتبين لنا أنَّ للقرآن نزولان:
الأوّل: نزوله دفعة واحدة، حيث نزل من الله سبحانه على قلب النبي (صلى الله عليه وآله) الطاهر في ليلة القدر من شهر رمضان.
والثّاني: النّزول التدريجي، حيث نزل على مدى (23) سنة بحسب الظروف والحوادث والاِحتياجات.

وما روي في تفسير علي بن إبراهيم. عن الإِمام الباقر والصادق وأبي الحسن موسى بن جعفرٍ (عليهما السلام) أنّهم قالوا في تفسير ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾: «هي ليلة القدر، أنزل الله عزَّوجلَّ القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول الله في طول عشرين سنة» (3) .

وبتعبير آخر، فإن ما استفدناه وفهمناه من الآيات السابقة، بأن القرآن نزل على النّبي (صلى الله عليه وآله) مرتين: نزولا دفعياً في ليلة القدر، ونزولا تدريجياً طوال (23)عاماً، لا ينافي الحديث المذكور الذي يقول: إنّه نزل في ليلة القدر إلى البيت المعمور، لأن قلب النّبي (صلى الله عليه وآله) مطلع على البيت المعمور (4) .

وهنا نشير إلى إتصال ليلة القدر بمبدأ الولاية، لأن القرآن الذي أُنزل على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم كان لابد له من الانتقال إلى قلب آخر مماثل فيما بعد الرسول، وكان لابد من إمام ووصي شرعي مختار من قبل منزل القرآن نفسه. وكما كان الرسول قرآنا ناطقاً يمشي في الأسواق بين الناس، فكذلك كان الإمام رجلاً يحمل صفات الرسول وصفات القرآن ليشهد على الناس بالقرآن ، فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو وليد الكعبة وشهيد المحراب في ليلة القدر أيضاً.

فهل سألنا الله تعالى في ليالي القدر أن يجعلنا من المنقادين للقرآن الناطق والمتمسكين بالولاية ؛ ولاية الله والرسول والإمام المعصوم؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وليعمد كل واحدٍ منا إلى إعادة حساباته، ولينظر المسلم إلى نفسه وطريقة حياته. ومن أجل ذلك علينا بفتح القرآن واعتباره ميزاناً لصحيفة اعمالنا، فقد جاء في الحديث الشريف المروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث قال: «عباد الله، زنوا انفسكم قبل أن توزنوا، وحاسبوها قبل أن تحاسبوا» (5) .

نسأله تعالى حسن الخاتمة لنا ولجميع المؤمنين ، وأن يرفع كلمة التوحيد في ربوع العالم ، ويوفق المسلمين لتوحيد الكلمة ورص الصفوف ، إنه على ذلك لقدير ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمّد وآله الطاهرين.


رئيس التحرير


(1) - سورة الدخان، الآيتان: 1 - 5.
(2) - سورة الحشر، الآية: 21.
(3) - مجمع البيان: ج9، ص163.
(4) - البيت المعمور: وهو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة.
(5) - بحار الانوار: ج4، ص310.


    القرآن والقادة

كلام الإمام الخميني (قدس سره)
الدعوة إلى التفكر
في القرآن الكريم



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لقد تحدث الإمام الخميني (قده) عن الآداب المهمة لقراءة القرآن في كتابه (الآداب المعنوية للصلاة) حيث قال:من آداب قراءة القرآن حضور القلب, وقد ذكرناه في الآداب المطلقة للعبادات في هذه الرسالة ولا يلزم إعادته, ومن الآداب المهمة لها: التفكر, والمقصود من التفكر أن يتحسس من الآيات الشريفة المقصد والمقصود, وحيث أن مقصد القرآن كما تقوله نفس الصحيفة النوارنية هو الهداية إلى سبل السلام والخروج من جميع مراتب الظلمات إلى عالم النور, والهداية إلى طريق مستقيم فلا بد أن يحصّل الإنسان بالتفكر في الآيات الشريفة مراتب السلامة من المرتبة الدانية والراجعة إلى القوى الملكية إلى منتهى النهاية فيها وهي حقيقة القلب السليم على ما ورد تفسيره عن أهل البيت وهو أن يلاقي الحق وليس فيه غيره وتكون
سلامة القوى المُلكية (1) والملكوتية (2) ضالة قارىء القرآن فإنها موجودة في هذا الكتاب السماوي ولا بد أن يستخرجها بالتفكر, وإذا صارت القوى الإنسانية سالمة عن التصرف الشيطاني وتحصّل طرق السلامة وعمل بها ففي كل مرتبة من السلامة تحصل له ينجو من ظلمة ويتجلى فيه النور الساطع الإلهي قهراً حتى إذا خلص عن جميع أنواع الظلمات التي أولها ظلمات عالم الطبيعة بجميع شؤونها وآخرها ظلمة التوجّه إلى الكثرة (3) بتمام شؤونها يتجلى النور المطلق في قلبه ويهديه إلى طريق الإنسانية المستقيم وهو في هذا المقام طريق الرب ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4) .

وقد كثرت الدعوة إلى التفكر وتمجيده وتحسينه في القرآن الشريف, قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (5) . وفي هذه الآية مدح عظيم للتفكر, لأن غاية إنزال الكتاب العظيم السماوي والصحيفة العظيمة النورانية قد جعلت احتمال التفكر وهذا من شدّة الاعتناء به حيث أن مجرد احتماله صار موجباً لهذه الكرامة العظيمة, وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(6) .
والآيات من هذا القبيل أو ما يقرب منه كثيرة والروايات أيضاً في التفكر كثيرة, فلقد نقل عن الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) انه لما نزلت الآية الشريفة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ ... (7) إلى آخرها.. قال (صلى الله عليه وآله) : «ويل لمن قرأها ولم يتفكر بها».

والعمدة في هذا الباب أن يفهم الإنسان ما هو التفكر الممدوح, والا لا شك في أن التفكر ممدوح في القرآن والحديث , فأحسن التعبير فيه ما عبّر به الخواجة عبد الله الأنصاري قال: اعلم أن التفكّر تلمّس البصيرة لاستدراك البغية, يعني أن التفكر هو تحسّس البصيرة وهي بصر القلب للوصول إلى المقصود هو السعادة المطلقة التي تحصل بالكمال العلمي أو العملي فلا بد للإنسان أن يتحصل على المقصود والنتيجة الإنسانية وهي السعادة في الآيات الشريفة للكتاب الإلهي وفي قصصه وحكاياته وحيث أن السعادة هي الوصول إلى السلامة المطلقة وعالم النور والطريق المستقيم فلا بد للإنسان أن يطلب من القرآن المجيد الشريف سبل السلامة ومعدن النور المطلق والطريق المستقيمة كما أشير إليها في الآية الشريفة السابقة, فإذا وجد القارىء المقصد وتبصّر في تحصيله وانفتح له طريق الاستفادة من القرآن الشريف وفتحت له أبواب رحمة الحق فإنه لا يصرف عمره القصير العزيز ورأس مال تحصيل سعادته على أمور ليست مقصودة لرسالة الرسول ويكف عن فضول البحث وفضول الكلام, في مثل هذا الأمر المهم فإذا أشخص بصيرته مدّة إلى هذا المقصود وصرف نظره عن سائر الأمور تتبصّر عين قلبه ويكون بصره حديداً ويكون التفكر في القرآن للنفس أمراً عادياً وتنفتح طرق الاستفادة وتفتح له أبواب ليس مفتوحة له إلى الآن, ويستفيد مطالب ومعارف من القرآن ما كان يستفيدها إلى الآن بوجه, فحين ذاك يفهم كون القرآن شفاء للأمراض القلبية ويدرك مفاد الآية الشريفة ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (8) ومعنى قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه «وتعلموا القرآن فإنه ربيع القلوب واستشفعوا بنوره فإنه شفاء الصدور» ولا يطلب من القرآن شفاء الأمراض الجسمانية فقط بل يجعل عمدة المقصد شفاء الأمراض الروحانية الذي هو مقصد القرآن بل القرآن ما نزل لشفاء الأمراض الجسمانية وإن كان يحصل به كما أن الأنبياء لم يبعثوا للشفاء الجسماني وإن كانوا يشفون فهم أطباء النفوس والشافين للقلوب والأرواح  (9) .

الملك: إن الملك هو الشيء المادي العنصري المحسوس, ويقال عالم الملك لعالم الشهادة الذي هو العالم الطبيعي المشهود الجسماني.عالم الملكوت هذا هو عالم مجرد من المادة والزمان والمكان بشكل مطلق.
الكثرة في الوحدة: قال الفلاسفة بأن الوجود رغم كونه واحداً يكون جامعاً بجميع مراتب الكمال والكثرات, وأن الموجودات رغم كونها متكثرة ولكنها فانية من حقيقة واحدة, لأنها ظل للوجود البسيط الواحد بالوحدة الحقيقة.


(1) - سورة هود, الآية: 56.
(2) - سورة النحل, الآية: 44.
(3) - سورة الأعراف، الآية: 176.
(4) - سورة آل عمران, الآية: 190.
(5) - سورة الإسراء، الآية: 82.
(6) - الآداب المعنوية للصلاة, صفحة 349.


  القرآن والقادة

الإرشاد الروحي للحجاج في كلام الإمام الخميني (قدس سره)
الإنس بالقرآن في الحج

 


إني أذكِّر الحجّاج المحترمين أن لا يغفلوا في جميع المواقف المعظّمة وطيلة فترة سفرهم إلى مكة المكرمّة والمدينة المنوّرة عن الاستئناس بالقرآن الكريم، هذه الصحيفة الإلهية وكتاب الهداية، لأن كل ما عند المسلمين وما سيكون، على طول امتداد التاريخ الماضي وكذلك في المستقبل، إنما هو من بركات هذا الكتاب المقدّس، ولذا أرجو من العلماء الأعلام، وأبناء القرآن والمفكرين العظام، أن يستفيدوا من هذه الفرصة ولا يغفلوا عن هذا الكتاب المقدس وهو تبيان لكل شيء، وصادر عن مقام الجمع الإلهي إلى قلب النور الأوّل وينبض بتجليات جمع الجمع . هذا الكتاب السماوي الإلهي الذي هو الصورة العينية والكتبية لجميع الأسماء والصفات والآيات والبينات، ونحن عاجزون عن إدراك مقاماته الغيبية، ولا يعلم أحد أسراره غير وجود الأقدس الجامع من خوطب به.
حيث أدركه خُلّص أوليائه العظام ببركة ذاته المقدسة وتعليمه إيّاهم والذي ينهل منه خُلّص أهل المعرفة، وعلى قدر استعداداتهم ومراتب سلوكهم بفضل مجاهداتهم ورياضاتهم القلبية. والآن وهو في صورته المدونة بعد نزوله بلسان الوحي وصلنا دون نقص أو زيادة حرف، ومعاذ الله أن يصبح مهجوراً إلا أن أبعاده المختلفة والتي ينطوي في كل بعد منها على مراحل ومراتب بعيدة عن متناول البشر العاديين، ولكن أهل المعرفة والتحقيق في مختلف فروعه وبنسبة العلم والمعرفة والاستعداد لديهم من خلال بياناتهم وخطبهم وأحاديثهم المتفاوتة إنما يقربون الفهم من هذه الخزائن اللامتناهية بالعرفان الإلهي والبحر الموّاج للكشف المحمدي ويقدمونه للآخرين، وأن يقوم أهل الفلسفة والبرهان ببحث ودراسة الرموز الخاصة لهذا الكتاب الإلهي وكشف أصل الأدلة الفلسفية الإلهية لإشارات تلك المسائل العميقة ويضعوها في متناول أهلها. وأن يقوم المستقيمون أصحاب الآداب القلبية والمراقبات الباطنية والذين حصلوا على رشفة وجرعة من عوالم ادبني ربي ويقدموها هدية لأجل أولئك العطاشى لهذا الكوثر ويؤدبوهم بالحد الميسور بآداب الله.ويقدم المتقّون لعطشى الهداية بارقة من نور التقوى التي نهلوها من هذا النبع
الفوّار ﴿ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ هدية لأجل العشّاق الذين يتحرقون لنور هداية الله. وأخيراً إنَّ أي طائفة من العلماء الأعلام والمفكرين العظام، الذين بروا أقلامهم لكشف بُعد من الأبعاد الإلهية لهذا الكتاب المقدس وحققوا آمال عاشقي القرآن، وصرفوا وقتهم في سبر أغوار الابعاد السياسية, الاجتماعية ,الاقتصادية, العسكرية، الثقافية، والحرب والصلح في القرآن، حتى أصبح معلوماً أنَّ هذا الكتاب هو منبع كل شيء، بدءاً من العرفان والفلسفة إلى الأدب والسياسة، حتى لا يقول الجهلة والذين لا يعرفون شيئاً إنَّ العرفان والفلسفة ليسا سوى نسج من الخيال ليس أكثر، وإن السير والسلوك والرياضة النفسية إنما هي من عمل الدراويش. أو ما شأن الإسلام بالسياسة والحكومة، وإدارة البلاد، إن هذا من اختصاص وعمل الملوك والسلاطين ورؤساء الجمهوريات وأهل الدنيا. أو إن الإسلام هو دين الصلح والمساومة وإنه بريء من الحروب والجدال مع الظالمين وينسبون هذه الأمور للقرآن...!
يجب أن نعلم أن الحكمة هي أن هذا الكتاب الخالد الأبدي إنما هو لأجل هداية وإرشاد البشرية من أي لون أو قومية وفي أي قطب أو قطر وحتى قيام الساعة.
وأن تبقى المسائل الحياتية المهمة حية سواء فيما يخص المعنويات أو فيما يتعلق بنظام الملكية. وإفهام الناس أن مسائل القرآن ليست لعصرٍ وجهةٍ خاصة، ولا يظن أن هدف إبراهيم وموسى ومحمد عليهم وعلى آلهم السلام يختص بزمان خاص.


   القرآن والقادة

نعمة تنامي حب القرآن والارتباط به في مجتمعنا
خطاب الإمام الخامنئي (دام ظله)
في جلسة تلاوة‌ القرآن الكريم في أول شهر رمضان


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


نشكر الله تعالى ونحمده أن منّ علينا بالتوفيق وأعطانا من العمر بفضله ولطفه لنستطيع المشاركة مرة أخرى في هذه الجلسة، وهي جلسة جد طيبة ومحببة ومؤثرة ومفيدة، وأن ننتفع من تلاوة آيات القرآن الكريمة التي قدمها المقرئين الأعزاء. الحق أنني أعتبر هذه النعمة الكبيرة وهي نعمة تنامي حب القرآن والارتباط به في مجتمعنا، اعتبرها كبيرة إلى درجة ربما لا أرى نعمة أخرى تضاهيها.

وجلسة اليوم أيضاً كانت جلسة‌ جد جيدة.. المقرئون المحترمون سواء‌ أساتذة القراءة الذين تلا بعضهم اليوم، أو الشباب الأعزاء الذين دخلوا هذا الميدان، ويشعر المرء أن هناك مواهب جيدة وأصوات جيدة ورغبات واندفاع جيد يبشر بمستقبل أفضل لبلادنا. حسناً، منحنا الله تعالى هذه النعمة: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (1) .. هذه نعمة كبيرة‌ جداً أن جعل الله الإيمان وعلامات الإيمان محببة لدى شعبنا وزيّنها في قلوبنا. لو أردنا الانتفاع من القرآن بالمعنى الحقيقي للكلمة فيجب علينا التعرف على معارف القرآن ومفاهيمه. وهذه التلاوات والحفظ والأنس بالقرآن يساعد على هذا الاتجاه. لولا استقاء الدروس من القرآن لما أوصونا كل هذه التوصيات بتلاوة القرآن، لأننا يجب أن نتنبه إلى أن الهدف ليس أن تنتشر هذه الأمواج الصوتية في الهواء، هذا ليس الهدف، كما ليس الهدف أن يقرأوا القرآن بألحان حسنة نستمتع بها كما لو قرأ شخص شعراً بألحان حسنة.. هذه ليست أهدافاً وإنما كلها مقدمات - التلاوة
وكل ما يساعد على إشاعة التلاوة في المجتمع من قبيل الصوت الحسن والألحان العذبة وما إلى ذلك من العناصر التي تساعد على إشاعة التلاوة في المجتمع وتشوّق الناس إليها - لفهم المعارف القرآنية، ولفهم المعارف القرآنية‌ درجات. الدرجة الأولى تبدأ من التأمل في ألفاظ القرآن وترجمته، أي إننا حينما نقول المعارف القرآنية فليس معنى هذا تلافيف غامضة عجيبة لا يمكن لأحد بلوغها؛ نعم ثمة‌ معارف سامية قد لا يستطيع أمثالنا بلوغها والوصول إليها، ولكن ثمة أيضاً الكثير من المعارف يمكننا نحن الناس العاديين بشرط التوجه لهذا الكلام والبيان أن نفهمها وننتفع منها. هناك الكثير من هذه المفاهيم في الآيات القرآنية، وهي دروس لنا في حياتنا؛ مثلاً في الآية الشريفة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (2) .

هذا درس على كل حال، إنه درس واضح لنا في حياتنا: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ ، إذا نكثتم ونقضتم العهد الذي عقدتموه مع النبي ومع الإسلام ونكثتم البيعة التي بايعتم الله بها فإنما تفعلون ذلك ضد أنفسكم: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ ، نكث البيعة مع الله ورسوله فعل نفعله ضد أنفسنا وليس ضد الله ورسوله، فهما لن يُضرّا شيئاً: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ . أما إذا وفينا بهذا العهد الذي عاهدنا به الله ورسوله لكان ذلك لصالحنا وسوف نتلقى من الله تعالى أجراً عظيماً، ولم يقل إنَّ هذا الأجر سيؤتيه الله في الآخرة أو في الجنة، والجزء الأكبر منه طبعاً في الآخرة، ولكنه أجر دنيوي كذلك وسوف نؤتاه في الدنيا أيضاً.

هذه الآيات المباركة من سورة الأحزاب التي تلاها أحد الإخوة أو جماعة منهم ربما: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً (3) .. وهذا هو الصدق: ﴿ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي إنهم عقدوا مع الله عقداً وعاهدوه عهداً بصدق وبقوا عند عهدهم ولم تحرفهم عن هذا السبيل صعوبات الحياة ولا تجليات الدنيا المغرية: ﴿ لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ . الله يجازي على هذا الصدق وهذا الثبات على الوعود والعهود مع الله، هذه معارف يمكن فهمها من مراجعة ظاهر القرآن الكريم، مع أن هناك فوقها بلا شك معارف أرقى وأسمى قد لا يدركها إلا الخواص وعباد الله الصالحين المصطفين، ولا يمكننا نحن إدراكها إلا عن طريق أولئك العباد الصالحين. لا مراء أن هناك مثل هذه المفاهيم، إذ قيل إن للقرآن بطون، وثمة العديد من الروايات تفيد أنَّ للقرآن ظاهراً وله باطن وأسرار وأعماق، فهو كالبحر الذي له ظاهر هو الماء، لكنه لا يختزل في هذا الظاهر، إنما له أعماق وفي تلك الأعماق حقائق وأشياء هي موجودة بلا ريب، لكن بوسعنا الانتفاع من هذا الظاهر، بأي شرط؟ بشرط الدقة والتأمل.

لذلك نقول مراراً وتكراراً - منذ سنوات ونحن نقول هذا ولحسن الحظ فقد بانت النتائج ويمكن للمرء أن يرى الآثار - ونقول الآن أيضاً إنَّ عليكم إدراك معنى الآية التي تتلونها، أدركوا هذا المعنى الظاهري الذي يمكن لمن يعرف العربية أن يدركه، إذا حصل هذا الإدراك عندئذ تتاح للمرء الفرصة والقدرة‌ على التدبر، وأقول لكم: حينما تعلمون معنى الآية فإنَّ هذا الفهم نفسه سيوجِّه اللحن والصوت والقراءة لدى المقرئ. إذا علمنا ما الذي نقرؤه فلن يكون هناك أبداً ضرورة لأن ننظر ما الذي يفعله المقرئ الفلاني حينما يتلو هذه الآية وأين يهبط وأين يصعد ومتى يقرأ برقة ومتى يقرأ بشدة. لا، لن يعود ثمة ضرورة لذلك. إذا فهمنا المعنى فإن هذا الفهم نفسه يوجِّه المقرئ صاحب الصوت واللحن والمرونة في الألحان، الفهم نفسه سيمنحنا اللحن، وستكون العملية كالكلام العادي. إنكم في التحدث العادي حينما تتكلمون يهبط صوتكم أحياناً ويرتقي أحياناً، وتتمهلون في كلامكم في موضع، وتحتدون فيه في موضع آخر. تارة تتحدثون بتؤدّة، وتشددون على كلمة معينة تارة أخرى، وهذا ما لم تكتب له مسبقاً أية نوطات، إنما هو أمر نابع من مشاعركم وغريزتكم. إذا فهمتم معنى الآية القرآنية فسوف تساعدكم هذه الغريزة على ما يجب أن تفعلوه.. متى تقرأون بتمهّل، ومتى تتوقفون، ومتى تصلون، ومن أين تبدأون، التمكن من آيات القرآن يمنح الإنسان هذه القدرة.

طبعاً هناك أفراد يفهمون الآيات القرآنية لأنهم عرب، ويعرفون ترجمتها أيضاً بصورة جيدة، ولكن يشعر المرء وكأنهم لا يقرأونها في ضوء المعنى. بين المقرئين المصريين المعروفين أشخاص حينما ينظر المرء يجد وكأنما أعطوهم نصاً وأمروهم بقراءته فراحوا يقرؤونه من بدايته إلى آخره دون اكتراث للمعنى والتفاهم مع المتلقي، هذا ما يشعر به المرء لدى بعض المقرئين، لكن البعض الآخر منهم ليسوا كذلك، بل قراءتهم وتلاوتهم كالتحدث مع المتلقين، يجب أن تكون تلاوتكم هكذا.

طبعاً للأسف غالبية أبناء شعبنا قلما ينتفعون بشكل مباشر من ألفاظ الآيات القرآنية الكريمة. بمعنى أن غالبيتهم لا يجيدون العربية، وهذه من جملة الأشياء التي حرمناها، لذلك كان تعلم اللغة العربية وهي لغة القرآن من الأمور الضرورية حسب قوانين البلاد. إذا أردنا أن نفهم معاني القرآن فعلاً فبوسع الناس العاديين الذين لم يدرسوا اللغة العربية مراجعة التفاسير والترجمات.

لحسن الحظ توجد حالياً ترجمات جيدة، بذل بعض الأشخاص جهودهم وقدموا ترجمات جيدة، على كل حال توصيتي لكم أيها الإخوة الأعزاء الذين تتلون القرآن بأصوات حسنة هي أن تتنبهوا لهذه النقطة، أي أن تقرأوا القرآن بملاحظة معانيه، إقرأوه وكأنكم تتكلمون مع المتلقين والمخاطبين بلغة القرآن، إذا كان هذا انتفعتم من قراءتكم وانتفع الناس من الاستماع لكم ومن تلاوتكم.

نتمنى أن يوسع الله تعالى يوماً بعد يوم من دائرة فهم القرآن والاستفاضة منه وفهم معانيه بين أبناء شعبنا، ويوفقنا للانتهال أكثر فأكثر من بركات القرآن.
وأوصي توصية أكيدة بأن يهتم الإخوة المقرئين بترجمة القرآن، بمعنى أن يكونوا متمكنين تمكناً حقيقياً من ترجمة القرآن، وبالطبع فإن حفظ القرآن مهم جداً على هذا الصعيد، وفقكم الله وأيدكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (4) .


(1) - سورة الحجرات، الآية: 7.
(2) - سورة الفتح، الآية: 10.
(3) - سورة الأحزاب، الآيتان: 23 و 24.
(4) - كلمته في جلسة تلاوة‌ القرآن الكريم في أول شهر رمضان: 12/08/ 2010م.


  القرآن والقادة

أبارك لكم وللأمة الإسلامية عيد الفطر السعيد
الخطبة الأولى لسماحة آية الله الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله)
لصلاة عيد الفطر السعيد


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين سيما بقية الله في الأرضين.
أبارك لكم أيها الإخوة والأخوات المصلين الأعزاء وللشعب الإيراني وللأمة الإسلامية جمعاء في كافة أرجاء العالم عيد الفطر المبارك، سائلاً المولى عزّ وجلّ أن يفيض على سائر الإخوة والأخوات المسلمين في جميع أنحاء العالم وابل رحمته وتفضله، ويتقبل منهم طاعاتهم وعباداتهم في هذا الشهر الفضيل بأحسن القبول، ويجعل هذا اليوم إن شاء الله عيداً حقيقياً للأمة الإسلامية.

لقد تمكن العديد من الناس المحظوظين والموفقين من جني ثمار كثيرة في شهر رمضان المبارك؛ ثمار ستكون بركة لهم طوال عامهم المقبل، بل ربما طيلة سنوات عمرهم، فالبعض أنس تلاوة القرآن، واستلهم من معارفه، وتدبّر فيه؛ والبعض الآخر اتخذ مناجاة الباري تعالى منهجاً له في هذا الشهر وأضاء بها قلبه، فالناس حين صاموا، فهم بصيامهم قد أسبغوا على نفوسهم حالة النقاء والصفاء؛ وهذه النقاوة والألفة والنورانية، تعد مصدراً للكثير الكثير من البركات على الصعيد الفردي والاجتماعي، إنّها تمنح الإنسان سلامة التفكير، كما إنّها تطهّر النفس من شرور الحسد والبخل والتكبر والشهوة، وصفاء النفس يجعل البيئة الاجتماعية بيئة مفعمة بالأمن والأمان الروحي والمعنوي؛ ويؤلف بين القلوب؛ ويجعل المؤمنين رحماء بينهم؛ ويوسع دائرة التواصل والتراحم بين أفراد المجتمع المؤمن، وهذه هي ثمار شهر رمضان لذوي السعادة والتوفيق.

الثمرة الأساسية الأخرى لهذا الشهر هي التقوى؛ قال تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1) ؛ معني التقوي ما قاله الشاعر: «اليد التي تمسك لجام نفسها».. هذا هو المراد من التقوى. أحياناً قد يكون بمقدورنا الإمساك بلجام الآخرين؛ لكن الفخر كل الفخر أن نمسك لجام أنفسنا، وأن نسيطر على توحّشها وتهوّرها، أن نجنّبها التجاوز على الخطوط الإلهية الحمراء. التقوى تعني مراقبة الذات في مسيرتها على الصراط الإلهي المستقيم؛ وتحصيل العلم والمعرفة والبصيرة والسير على هداها. ونحمد الله علي أن مجتمعنا يزخر بأشخاص ذوي توفيق قد حصدوا الكثير من الخيرات والبركات في شهر رمضان المبارك؛ ويمكن القول إن الطابع العام لبلدنا وشعبنا كان بحمد الله على هذه الشاكلة. فقد اكتظت مجالس الذكر والدعاء، وتلاوة القرآن، وليالي القدر، والمراسم المختلفة ـ حسب الأخبار التي تابعناها، والصور التي شاهدناها ـ بشبابنا، ورجالنا ونسائنا، وبكافة طبقات مجتمعنا، وبمختلف الشرائح الاجتماعية، بشتى توجّهاتها وانتماءاتها، والتقى الجميع حول مائدة الرحمن في شهر ضيافة الله عزّ وجلّ.. شهر رمضان الكريم، وكلّ قد تزوّد منها واغتنم.

وإذا كان الشاعر قد قال يوماً: «اليد التي تمسك لجام نفسها لن تعثر عليها اليوم في كُمّ أحد» فإنّنا اليوم نجد الأيادي التي تمسك لجام نفسها غير قليلة، فمجتمعنا الذي يشكّل الشباب غالبيته العظمى، وهذا الجيل المتقدّم والمفعم بالحيوية، والذي يتحرّك في الاتجاه الصحيح، ويتمرّن على التقوى، يمثّل بشارة عظمى ليس لمستقبل هذا البلد فحسب، إنّما لمستقبل الأمة الإسلامية جمعاء.

والمهم في هذا الأمر هو الإبقاء على هذه المنجزات، وصيانتها من أن تصيبها صاعقة الذنوب فتحرقها، وتبيد كل الحصاد الثمين، ومن المهم أيضاً أن نبقي طريق الله، طريق صفاء الروح، طريق الأنس بالقرآن، طريق توطيد العلاقة بيننا وبين الله، طريق المناجاة والحديث مع الله سالكة؛ واعلموا أنكم حين تتحدّثون مع الله فإنّ الله سبحانه وتعالى يتحدّث إليكم: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (2) .

اللهم! بمحمد وآل محمد اجعل مجتمعنا مجتمعاً قرآنياً، نقياً، تغمره المحبة والودّ والانسجام والألفة. اللهم بلغ شبابنا الأعزاء آمالهم ومبادئهم السامية؛ وانصرهم على أعدائهم. اللهم اجعل قلب المولى صاحب العصر مسروراً بنا، واشملنا بدعائه. اللهم تغمد روح إمامنا الخميني الكبير وأرواح شهدائنا الأبرار برحمتك وأرضهم عنّا.

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ (3) (3) .
والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته (4) .


(1) - سورة البقرة، الآية: 183.
(2) - سورة البقرة، الآية: 152.
(3) - سورة العصر، الآيات: 1 - 3.
(4) - الأول من شوال: 1432 هـ - 31/08/2011م.



  القرآن والقادة

ألوهية الله سبحانه
وعبودية الإنسان لله عزَّ وجل
كلمة سماحة حجة الإسلام والمسلمين
السيد حسن نصر الله
(حفظه الله)


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا شفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى جميع الشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم إلى قيام يوم الدين.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
الموضوع الذي سنتناوله يرتكز على أصل كبير من الأصول المعنوية والإيمانية الحاكمة في مسيرتنا وفي حركة الحياة، سواء في جانب السلوك الشخصي أم في جانب السلوك العام أم في أيّ ساحة من ساحات الحياة.
الأصل هو ألوهية الله سبحانه وتعالى وعبودية الإنسان لله عزَّ وجل؛ ولعلّنا كمؤمنين، ومن ناحية معنوية ونفسية وفكرية، بحاجةٍ للعودة إلى هذا البحث.

حقيقة واحدة:

هناك حقيقةٌ واحدة هي: (الله)، الوجود الحقيقي والمطلق، وما سواه آثار وجوده ومظاهرُ لهذا الوجود، ولذاته وصفاته، وما في الوجود من رحمةٍ وقوّة إنما هو مظهر لرحمة الله وقوة الله. وما في الوجود من علمٍ إنما هو مظهرٌ لعلم الله سبحانه وتعالى، والإنسان في مقابل الله عزَّ وجل هو عبدٌ محض، والمشكلة التي يُعاني منها الإنسان في الحياة هي فهم العبودية لله عزَّ وجل، كيف أكون عبداً لله فكرياً، ومعنوياً ونفسياً؟ كيف يمكن أن لا أتحوّل إلى إله؟

كيف أكون عبداً لله؟

هذا يمكن أن يحصل لأي إنسان، قد يعيش الإنسان في ظاهر سلوكه حركة العبد ولكنه في باطن روحه وقلبه ونمط تفكيره ومشاعره يعيش روحية: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ ، وهذا الأمر يمكن أن نجد له الكثير من النماذج حتى في أصحاب الأنبياء وفي أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ؛ والسؤال الهام هو كيف أمارس عبوديتي لله عزَّ وجل؟ وكيف أكون عبداً لله في كل شيء؟.
للإجابة عن هذا السؤال يجب معرفة أمرين اثنين:
أولاً: يجب أن أحسم، على مستوى العقيدة والحالة النفسية، ألوهية الله، قدرته المطلقة، حكمته البالغة، رحمته الواسعة وبالتالي أن أؤمن عقائدياً وأشعر نفسياً أن مصدر القوة والقدرة والعظمة والجبروت هو الله سبحانه وتعالى، أن أعيش شعور أن الله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
كيف يمكنُ أن تحملَ هذا الإيمان ويملأ كل كيانك وكل وجودك؟ المشكلة تكمن في الحياة التي تُمتحن فيها (بالفقر) وتشعر فيها بضعفك، أن تحمل هذه المشاعر في محيطك الذي فيه ما فيه من جبابرة وقوّة عظمى، هذا هو الصراع، وهنا المسألة الأساس.


مشكلتنا الغفلة:

إنَّ هذا الأمر يحتاج إلى توجّه نفسي وقلبي وتوجّه عقلي وروحي باتجاه الله للتعرّف إليه أكثر، ولنقترب منه أكثر حتى نزداد إيماناً وقوةً وعزيمة، وهذا له طُرُق كثيرة ومن أهمّ هذه الطرق التفكّر في خلق الله سبحانه وتعالى.
وأهم مشكلة هي الغفلة، فنحن غافلون عن الله وعن آثاره، مع العلم أنَّ الله سبحانه وتعالى ملأ الوجود بالآيات المشيرة إليه، مظاهر وآيات الطبيعة وكل مظاهر الوجود هي مظاهرُ لوجوده وصفاته وذاته، هذه المظاهر عندما يذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام)  كان يقول:
«ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه». عندما لا يغفل الإنسان يمتلئ قلبه إيماناً وشعوراً بهذه الألوهية، حينئذ يتحوّل إلى إنسانٍ آخر، والمشكلة هي النسيان والذكر، فالذاكر ليس من يحمل مسبحة أو يقضي ساعات يقرأ ويتلو كتاب الله وهو في قلبه غافلٌ عنه سبحانه وتعالى وليس الذي يقف في الصلاة وهو ليس متوجهاً إلى الله، هذا ليس ذكراً لله، وإنما الذكر لله في تذكّره، والتفكّر فيه، والإحساس به وحضور القلب بين يديه سبحانه وتعالى.


أن تشعر معاني العبوديّة

ثانياً: أن تكون عبداً لله يعني أن تشعر بضعفك أمامه، بجهلك وبفقرك أمامه... هذا التخضّع والتذلّل والتخشّع لله سبحانه وتعالى هو المطلوب.
عندما نقرأ في أدعية الأئمة (عليهم السلام)  نرى فيها: الخاضع، الذليل، الحقير، المسكين، المستكين، الضعيف، العاجز والفقير بين يدي الله سبحانه وتعالى. قد تشعر أمام الآخرين بعلمك في مقابل جهلهم، بقوتك في مقابل ضعفهم، هذا أمرٌ نسبي نسبةً للآخرين. أما بين يدي الله سبحانه وتعالى فيجب أن يعيش الإنسان كلّ معاني العبودية لله حتى لا تتحرّك النفس باتجاه مشاعر الألوهية التي قد يشعر بها الآخرون.
فالله سبحانه أعطانا الحياة والعلم ومنّ علينا وأكمل علينا نعمته وأرسل لنا أنبياءه وأكمل لنا دينه بولاية أوصيائه، في مقابل نِعم الله يجب أن نشعر دائماً بإحساس العبودية أمامه والحاجة إليه.


الألوهية ممارسة:

من هذه النقطة نبدأ لنقول إنَّ من لديه إمكانيّات مالية كبيرة جداً يحمل شيئاً من مشاعر الألوهية والربوبية: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (1) . استغنى: تعني الاستغناء عن الآخرين مالياً وعلمياً من حيث القوة والسلطان والجاه. هل وجدتم في تاريخ الشعوب ضعيفاً يدّعي الألوهية؟ عبر التاريخ نمرود ادعى الألوهية وفرعون أيضاً وأمثال هذين النموذجين. ليس شرط الألوهية أن يقف الإنسان ويقول للناس: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (2) . الألوهية أن يمارس الإنسان على الناس حقيقة: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ ، مثلاً: عندما يصير شخص ما مسؤولاً عن مجموعة ويشعر أنَّ تحت إمرته عدداً من الناس يأتمرون بأوامره تبدأ عنده حالة من الشعور بالقوّة، نفس الأمر نجده في الجيوش النظاميّة، مثلاً: هناك فرق بين روحية الرقيب والنقيب والمقدّم والعقيد والعميد إذ يزداد الشعور بالعجرفة والجبروت والكبرياء والطغيان كلّما تدرجنا صعوداً، وحتى في مجالات العمل الإسلامي والحركة الجهادية يُبتلى المجاهدون بأشخاصٍ تتحوّل القضية عندهم كيف يكون هو
المحور والآمر والناهي، حتى لو أدّى ذلك إلى إرباك مجمل الصراع.
هذا شكلٌ من أشكال الألوهية وشكلٌ من أشكال الخروج من العبودية لله سبحانه وتعالى، في هذا الإطار هناك نماذج كثيرة موجودة في تاريخ المسيرة الإسلامية وفي تاريخنا المعاصر، الجميع مؤهلون للانزلاق والسقوط في هذه الحبائل الشيطانية التي تضلّ الإنسان، وتبعده عن العبودية لله سبحانه وتعالى، هذا البلاء هو بلاءٌ عظيم يجب الانتباه له.


الإرادة الإلهية قسمان:

من جهة أخرى، عندما أسلّم لله سبحانه وتعالى بالعبودية يجب أن تستسلم إرادتي لإرادته ومشيئتي لمشيئته؛ وهنا لله تعالى إرادتان ومشيئتان:
الأولى: التكوينية حيث تستسلم كل الموجودات للإرادة الإلهية التكوينية. مثلاً: موضوع (الأجل) يدخل في المشيئة الإلهية التكوينية: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (3) . هذا أمرٌ جبريٌ قهريٌّ لا فضل لنا فيه.
الثانية: الإرادة والمشيئة الإلهية التشريعية، فالاستسلام لهذه المشيئة يعني الاستسلام للأحكام والتكاليف الإلهية.
لقد أعطى الله الإنسان في دائرةٍ معيّنة ساحة واسعة من الإرادة والحرية والمشيئة، فللإنسان أن يريد وأن يختار؛ والله تعالى في ساحة
الاختيار لم يدعه وحيداً وإنما هداه ودلّه على الطريق، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4) و ﴿ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (5) . وللإنسان أن يختار شكل الحياة التي يشاء، يختار أن يصلّي أو لا يصلّي، أن يُقيم العدل في الأرض أو أن يملأ الأرض فساداً، أن يكون عبداً صالحاً أو أن يكون عبداً ظلوماً كفوراً، ترك الله له العنان وأجّله إلى يوم القيامة ولكن نبّهه أيضاً إلى أن الأفعال الدنيوية في دائرة الاختيار لها نتائج على مستوى السنن الحاكمة في المجتمع، وفي التاريخ وفي الروح. حيث يجب أن تستسلم إرادتنا واختيارنا لاختيار الله سبحانه وتعالى وأن نرضى بقضاء الله وقدره وأمره، وتستسلم مشيئتنا أمام مشيئة الله، وهذا هو الشكل العملي من أشكال العبودية.


اختيار الطاعة لله:

فممارسة العبودية لله سبحانه وتعالى يجب أن تترجم في دائرة الاختيار إلى الطاعة المطلقة لله والاستسلام له بمعزل عن الآخرة، إذ يجب أن يمارس الإنسان حالة العبودية أمام الله سبحانه وتعالى، هذا المعنى بحاجة إلى مستوى من التوجه الروحي والمعنوي، وهنا نفهم ماذا يقصده الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)  عندما يقول: «اللهم ما عبدتك خوفاً من نارك وما عبدتك طمعاً في جنتك وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك، إن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فإن تلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله
حباً أو لأنهم وجدوه أهلاً للعبادة فتلك عبادة الأحرار». نحن، حتى الآن، ما زالت علاقتنا بالله علاقة لا نفصل بينها وبين العلاقة بالآخرة وبين الجنة والنار، وهذا أمر مشروع؛ ولكن هناك مستوى أعلى، فنحن نحترم القويّ ونعظّم العالِ؛ تخشع قلوبنا لصاحب الهيبة، هذه حالات نفسية نعيشها، ولو تأملنا في الله سبحانه وتعالى في جماله وعظمته وقدرته وغناه وجبروته وقوته وكبريائه لشعرنا بانشدادٍ قويّ إليه بمعزلٍ عن جنته وبمعزلٍ عن ناره. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


(1) - سورة العلق، الآيتان : 6 - 7.
(2) - سورة النازعات، الآية: 24.
(3) - سورة الأعراف، الآية: 34.
(4) - سورة العنكبوت، الآية: 69.
(5) - سورة محمد، الآية: 7.


   التفسير والبيان

المساواة والتعارف والتقوى أصول قرآنية

 

يقول سبحانه:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1)



نقاط وتأمُّلات:‏
اعتبر بعضهم هذه الآية مرتبطة بالآيات السابقة وقالوا: حيث إنّ الاستهزاء والغيبة ناشئان من روح الاستكبار وتحقير الآخرين تقول هذه الآية: إنّ ملاك التفوق والفضل، والكرامة هو التقوى.
في هذه الآية جاءت الإشارة إلى ثلاثة أصول: أصل المساواة، وأصل التعارف بين المسلمين والمجتمعات الإسلامية، وأصل التقوى.
طبعاً نلاحظ في آيات أخرى في القرآن الكريم معايير وملاكات أخرى من قبيل العلم والسَّوابق الحسنة، والأمانة، والقوة، والهجرة.
دروسٌ وبصائر:
1 - الذكورة والأنوثة أو كون هذا من القبيلة الفلانية، أو الجماعة الفلانية أو الشعب الفلاني ليس ملاكاً للفخر والاعتزاز، لأن هذه الأمور من صنع الله وليست من صنع الإنسان «خلقنا، جعلنا».
2 - الفروق الموجودة بين المخلوقات أمور حكيمة وهي مخلوقة من أجل التعارف والتعرف، وليست للتفاخر: ﴿ لِتَعَارَفُواْ ﴾ .
3 - الكرامة عند الناس شي‏ء عابر، والمهم هو الكرامة عند الله تعالى: ﴿ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .
4 - على الأتقياء أن لا يطلبوا ولا يتوقعوا من الناس شيئاً بحجّة أنهم أتقياء مكرمين عند الله تعالى، لأن هذه الكرامة مقام معنوي وهو: ﴿ عِندَ اللَّهِ ﴾ .
5 - إنّ القرآن الكريم ألغى ورفض جميع أشكال وأنواع التمييز العرقي، والحزبي، والقومي، والقبلي، والإقليمي، والاقتصادية، والاجتماعي، والعسكري، وجعل صفة التقوى وحدها معياراً للتفاضل والإكرام ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .
6 - إن بسط رقعة التفوق، والاستعلاء شي‏ء فطري في الإنسان، وقد جعل الله سبحانه مسير هذه الرغبة الفطرية باتجاه التقوى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .
7 - إنّ الخالق يعرف بصورة أفضل أن العرق والقبيلة ليست ملاكاً ومعياراً للتقييم، وأن جميع مناشى‏ء التفوق المتعارفة عند الناس لاغية: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .
8 - لا تتظاهروا بالتقوى ولا تدعوا إدّعاء فإنَّ الله يعرف كل شي‏ء جيداً: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ(2) .


الأصول الثلاثة على ضوء الآية الكريمة:

أصل المساواة في الاسلام:

لقد شرع الاسلام مبدأ المساواة، ونشر ظلاله في ربوع المجتمع الإسلامي بأسلوب مثالي فريد، لم تستطع تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ. فأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسوقة، أغنياء وفقراء. كلهم في شرعة الاسلام سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون الا بالتقوى والعمل الصالح كما عبرت الآية.
والقوانين الاسلامية والفرائض الشرعية نافذة عليهم جميعاً دون تمايز وتفريق بين الأجناس والطبقات. وما انفك النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تركيز مبدأ المساواة وتصعيده حتى استطاع تطويره والتسامي به الى المؤاخاة الروحية بين المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (3) .
حسبك في ذلك أن الملوك كانوا يحسبون أنهم فوق مستوى البشر، ويترفعون عنهم في ابراج عاجية يطلون منها زهواً وكبراً على الناس.
يأمر القرآن الكريم سيد المرسلين أن يعلن واقعه للناس: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ(4) .
وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذريته الاطهار: المثل الاعلى في تطبيق مبدأ المساواة والدعوة اليه قولاً وعملاً.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الله تبارك وتعالى قد اذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنَّ الناس من آدم، وآدم من تراب، واكرمهم عند الله اتقاهم» (5) .
ويحدثنا الرواة: انه  (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في سفر فأمر باصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال آخر عليّ سلخها، وقال آخر عليّ طبخها، فقال  (صلى الله عليه وآله وسلم): وعليّ جمع الحطب. فقالوا يا رسول الله نحن نكفيك، فقال: قد علمت انكم تكفوني، ولكن اكره ان اتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه وقام فجمع الحطب (6) .
وبتقرير مبدأ المساواة استشعر المسلمون مفاهيم العزة والكرامة، ومعاني الوئام والصفاء، وغدوا قادة الأمم وروادها إلى العدل والحرية والمساواة.
وفي الوقت الذي قرر الاسلام فيه المساواة، فانه قررها بأسلوب منطقي حكيم يلائم العقول النيرة والفطر السليمة ويساير مبادئه الخالدة في اشاعة العدل، وإتاحة فرص التكافؤ بين عامة المسلمين، وإناطة التفاضل والتمايز بينهم فيما هو مقدور لهم وداخل في امكاناتهم من أعمال الخير والصلاح دون ما كان خارجاً عن طاقتهم وإرادتهم من وفرة المال أو سعة الجاه: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .

أصل التعارف في الإسلام:

إنَّ من الواجبات المهمة هو التعارف كما تشير الآية: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ ﴾ . فمن الضروري أن يبحث كل مسلم عن إخوة له في الله جاؤوا من مشارق الارض ومغاربها، فيجلس معهم، ويستمع اليهم، ويتحدث معهم، ويتعرف على آمالهم وآلامهم، ثم يطرح الحلول والعلاج.
عن جابر الجعفي قال؛ تنفّست بين يدي أبي جعفر (عليه السلام)  ثم قلت: (في الحديث...) فقال: يا جابر إن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب تلك الأرواح في بلد من البلدان شيء حزنت عليه الأرواح لأنها منه (7) .

أصل التقوى في الإسلام:

نقرأ في بعض الروايات الإسلامية أنّ النّبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب يوماً في مكّة فقال: «يا أيّها الناس إنّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان رجل برّ تقي كريم على الله وفاجر شقي هيّن على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ » (8) .
وقد جاء في كتاب «آداب النفوس» للطبري أنّ النّبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) التفت إلى الناس وهو راكب على بعيره في أيّام التشريق بمنى «وهي اليوم الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر» من ذي الحجة فقال: «يا أيّها الناس! ألا إنّ ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلاّ بالتقوى ألا هل بلّغت: قالوا نعم! قال: ليبلغ الشاهد الغائب» (9) .

كما ورد في حديث آخر بهذا المعنى ضمن كلمات قصيرة ذات معاني غزيرة أنّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا الى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنّن الله عليه وإنّما أنتم بنو آدم وأحبّكم إليه أتقاكم» (10) .
«إلاّ أنّ العجيب أنّه مع هذه التعليمات الواسعة الغنية ذات المغزى الكبير ما يزال بين المسلمين من يعوّل على الدم والنسب واللسان ويقدّمون وحدة الدم واللغة على الأخوة الإسلامية والوحدة الدينية ويحيون العصبية الجاهلية مرّةً أخرى، وبالرغم من الضربات الشديدة التي يتلقّونها من جراء ذلك، إلاّ أنّهم حسب الظاهر لا يريدون أن يتيقّظوا ويعودوا إلى حكم الإسلام وحظيرة قدسه! حفظ الله الجميع من شر العصبية الجاهلية» (11) .


(1) - سورة الحجرات، الآية: 13.
(2) - تفسير سورة الحجرات: لسماحة الشيخ قراءتي ، ص185 مع بعض التصرف) .
(3) - سورة الحجرات، الآية: 10.
(4) - سورة الكهف، الآية: 110.
(5) - الوافي: ج14 في وصية النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) .
(6) - سفينة البحار: ج1، ص 415.
(7) - بحار الأنوار: ج 61 / ص 147 / رواية 23.
(8) - تفسير القرطبي: ج9، ص6161.
(9) - المصدر السابق: ص6162.
(10) - المصدر السابق.
(11) - الأمثل: موضع الآية .


   مفردات قرآنية

 

سورة الرعد مكية وَعَدَدُ آياتِهَا مِئة وَثلاث وَأَرْبَعُون آية


فضلها:

أبي بن كعب عن النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله تعالى. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) : من أكثر قراءة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا وإن كان مؤمنا أدخل الجنة بغير حساب وشفع في جميع من يعرفه من أهل بيته وإخوانه (1) .

قال سبحانه في سورة الرعد: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (2)


اللغة والبيان:

ذكَّر سبحانه بالنعمة على من أرسل إليه النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ أي كما أنعمنا على المذكورين بالثواب في الجنة أنعمنا على المرسل إليهم بإرسالك ﴿  فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ أي في جماعة قد مضت من قبلها قرون وجماعات فليس إرسالك مستغرباً ﴿ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ بين الغرض في إرساله وهو أن يقرأ عليهم القرآن ليتدبروا آياته ويتعظوا بها ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ أي وقريش يكفرون بالرحمن ويقولون قد عرفنا الله ولا ندري ما الرحمن كما أخبر عنهم بأنهم قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾ أي الرحمن الذي أنكرتموه ربي، خالقي ومدبري ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي إليه فوضت أمري متمسكا بطاعته راضيا بحكمه واعتمد عليه ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ أي إلى الرحمن توبتي وتوبتكم ومرجعي ومرجعكم.

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً ﴾ أي إن كان هناك في الوجود قرآناً بهذه الصفات لكان هذا القرآن ﴿ سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ أزيلت عن أماكنها لعظمة ذلك القرآن ﴿ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾ أي شققت فجعلت أنهاراً وعيونا ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾ أي أحيي بالقرآن الموتى حتى يعيشوا ويتكلموا ﴿ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ معناه أن جميع ما ذكر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى وكل تدبير يجري هذا المجرى لله لأنه لا يملكه سواه ولا يقدر عليه غيره ولكنه لا يفعل لأن فيما أنزل من الآيات مقنعا وكفاية للمنصفين والأمر ما يصح أن يؤمر به وينهى عنه وهو عام ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ استفهام إنكار، أي لابد وأن ييأسوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله عزَّ وجل بأنهم لا يؤمنون بعد عنادهم ﴿ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ بأن يجبرهم على الهداية، أي أن الله لو أراد أن يهدي الخلق كلهم إلى جنته لهداهم لكنه كلفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق لا الإلجاء لأنه ينافي التكليف ويبطل الغرض به ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ من الكفر والمعاصي والأعمال الخبيثة ﴿ قَارِعَةٌ ﴾ أي نازلة وداهية تقرعهم ومصيبة شديدة من الحرب والجدب والقتل والأسر عليهم وما أشبه على جهة العقوبة للتنبيه والزجر ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ القارعة ﴿ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ فيخافون منها فإن الخوف أيضاً عذاب ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ﴾ أي ما وعد الله من فتح مكة بالغلبة عليهم أو عذابهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ الذي وعد رسوله - بنصر المؤمنين وهلاك الكافرين.
﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كما استهزأ هؤلاء بك ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي فأمهلتهم وأطلت مدتهم ليتوبوا ولتتم عليهم الحجة ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ أهلكتهم ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ أي فكيف حل عقابي بهم وهكذا آخذ المستهزئين بك.

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أفمن هو قائم بالعلم والتدبير عليها برزقها وحفظها والدفع عنها كمن ليس بهذه الصفات من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ يعني أن هؤلاء الكفار جعلوا لله شركاء في العبادة من الأصنام التي لا تقدر على شيء مما ذكرنا ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ سَمُّوهُمْ ﴾ أي سموهم ماذا خلقوا وهل ضروا أو نفعوا ؟ حتى يتبين أنهم ليسوا شركاء ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾ أتخبرون الله بشركاء له في الأرض ؟ وهو لا يعلم أنهم شركاء له ﴿ أَم ﴾ بل تسمونها شركاء ﴿ بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ﴾ بقول ظاهري فقط لا حقيقة له وليس هاهنا دليل عقلي ولا سمعي يوجب استحقاق الأصنام الإلهية، ثم بين سبحانه بطلان قولهم فقال ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ ﴾ شركهم. وسمي مكراً لأنهم احتالوا بجعل الآلهة لأجل معاشهم وسيادتهم بل زين لهم الرؤساء والغواة كذبهم وزورهم ﴿ وَصُدُّواْ ﴾ منعوا عن الحق، والمانع لهم الشيطان ﴿ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ سبيل الله ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ يتركه لعناده حتى يضل ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ يهديه لأن الهداية خاصة بالله.
﴿ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بالقتل والأسر والمصائب والأمراض ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي أغلظ وأبلغ في الشدة على النفس لدوامه وخلوصه وكثرته ﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ أي ما لهم من دافع يدفع عنهم عذاب الله تعالى.


أسباب النزول:

نزلت الآية (30) الأولى في صلح الحديبية حين أرادوا كتابة الصلح فقال رسول لله  (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : اكتب ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فقال سهيل بن عمرو والمشركون ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب أكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ثم قال رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك ولكن اكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله فقال أصحاب رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): دعنا نقاتلهم، قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون فأنزل الله عزَّ وجل ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ الآية؛ وقيل نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن. أما الآية (31) الأخرى فقد نزلت في نفر من مشركي مكة منهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية المخزومي جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاهم فقال له عبد الله بن أمية: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسخ فإنها أرض ضيقة واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت أهون على ربك من داود (عليه السلام)  حيث سخر له الجبال تسبح معه أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليها مسيرتنا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا فقد كان سليمان سخرت له الريح فكما زعمت لنا فلست أهون على ربك من سليمان وأحي لنا جدك قصيا أو من شئت من موتانا لنسأله أحق ما تقول أم باطل فإن عيسى (عليه السلام)  كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه فأنزل الله سبحانه ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً ﴾ الآية (3) .


(1) - مجمع البيان: ج6، ص32.
(2) - سورة الرعد، الآيات: 30 - 34.
(3) - مجمع البيان: ج6، ص33.


   مناهج التفسير

التفسيرعلى ضوء العلم الحديث

 


كنا قد تحدثنا في عددين سابقين عن تفسير القرآن على ضوء السنن الاجتماعية وبيّنا أنّ الواجب على المسلمين الرجوع إلى القرآن لمعالجة دائهم، كما يقول الإمام علي (عليه السلام) : «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم».

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم، فالحقّ أنَّ القدامى لم يولوا العناية بهذا الجانب من التفسير إلاّ شيئاً يسيراً، وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه هو السيد جمال الدين الأسد آبادي، فقد وجه أنظار المسلمين إلى الجانب الاجتماعي من التفسير، فقال في خطبته المعروفة: عليكم بذكر الله الأعظم، وبرهانه الأقوم، فإنّه نوره المشرق، الذي به يخرج من ظلمات الهواجس، ويتخلّص من عتمة الوسواس، وهو مصباح النجاة، من اهتدى به نجا، ومن تخلّف عنه هلك، وهو صراط الله القويم، من سلكه هُدي، ومن أهمله غوى.

ونحن في هذا العدد نتحدث عن تفسير القرآن على ضوء العلم الحديث إنَّ من المولعين بهذا النمط من التفسير الشيخ طنطاوي جوهري (1287-1358هـ) في كتابه المعروف «الجواهر في تفسير القرآن» وهو يهتم بهذا النمط، قائلاً بأنّ في القرآن من آيات العلوم ما يربو على 750 آية في حين أنَّ علم الفقه لا تزيد آياته الصريحة على 150 آية.
ثمّ إنّه يهيب بالمسلمين أن يتأمّلوا في آيات القرآن التي ترشد إلى علوم الكون ويحثّهم على العمل بما فيها ويندد بمن يغفل عن هذه الآيات على كثرتها، وينعى على من أغفلها من السابقين الأوّلين ووقف عند آيات الأحكام وغيرها ممّا يتعلق بأُمور العقيدة.

ثمّ إنّ الشيخ الذهبي قد ذكر نماذج من هذا النوع من التفسير استخرجها من دراسة هذا التفسير وقال: إنّا لنجد المؤلف (رحمه الله) يفسر آيات القرآن تفسيراً علمياً يقوم على نظريات حديثة وعلوم جديدة لم يكن للعرب عهد بها من قبل ثمّ قال: وإليك بعض ما جاء في هذا التفسير.
1- يقول سبحانه: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(1) وقوله سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(2) والشيخ طنطاوي يفسر الآيتين ونظائرهما بما أثبته العلم.
يقول: أو ليس الاستدلال بآثار الاقدام، وآثار أصابع الأيدي في آياتنا الحاضرة، هو نفس الذي صرح به القرآن، وإذا كان الله يعلم ما في البواطن بل هو القائل للإنسان: ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(3) .
والقائل: ﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(4) أفلا يكون ذكر الأيدي والأرجل والجلود وشهادتها يوم القيامة ليلفت عقولنا إلى أنّ من الدلائل ما ليس بالبينات المشهورة عند المسلمين ؟ وأنَّ هناك ما هو أفضل منها ؟ وهي التي يحكم بها الله فاحكموا بها. ويكون ذلك القول لينبهنا ويفهمنا أنَّ الأيدي فيها أسرار، وفي الأرجل أسرار، وفي النفوس أسرار، فالأيدي لا تشتبه، والأرجل لا تشتبه، فاحكموا على الجانين والسارقين بآثارهم أوليس في الحق أن أقول: إنّ هذا من معجزات القرآن وغرائبه ؟ وإلاّ فلماذا هذه المسائل التي ظهرت في هذا العصر تظهر في القرآن بنصها وفصها (5) .

2- يقول سبحانه: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (6) .
فقد فسر القدماء فتق السماء بنزول المطر وفتق الأرض بخروج النبات غير أنَّ الشيخ طنطاوي يفسره بما يوحي إليه العلم الحديث، يقول: ها أنت قد اطّلعت على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين، من أنّ السماوات والأرض أي الشمس والكواكب وما هي فيه من العوالم، كانت ملتحمة فصلها الله تعالى، وقلنا: إنَّ هذه معجزة، لأنّ هذا العلم لم يعرفه الناس إلاّ في هذه العصور، ـ إلى أن قال: كأنّه يقول: سيرى الذين كفروا أنَّ السماوات والأرض كانت مرتوقة ففصلنا بينهما، فهو وإنْ ذكرها بلفظ الماضي فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾ وهذه معجزة تامة للقرآن، وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس في هذه الحياة الدنيا (7) .

3- يذكر في تفسير قوله سبحانه: ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (8) قوله: والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أنَّ الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواع من اللهب مختلطات، ولقد ظهر في الكشف الحديث أنّ الضوء مركب من ألوان سبعة غير ما لم يعلموه. فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أنّ اللهب مضطرب دائماً، وإنّما خلق الجن من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أنَّ نفوس الجان لا تزال في حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمّل في مقال علماء الأرواح الذين استحضروها إذ أفادتهم أنَّ الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أمّا الروح الناقصة فإنّها تكون قلقة مضطربة (9) .

هذه النماذج ونظائرها استخرجها الأُستاذ الذهبي من تفسير الشيخ طنطاوي، وأعقبها بقوله: والكتاب ـ كما ترى ـ موسوعة علمية، ضربت في كلّ فن من فنون العلم بسهم وافر، ممّا جعل هذا التفسير يوصف بما يوصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه (فيه كلّ شيء إلاّ التفسير) بل هو أحقّ من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به، وإذا دلّ الكتاب على شيء، فهو أنَّ المؤلف كان كثيراً ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره، ويطوف في نواح شتى من العلم بعقله وقلبه، ليجلي للناس آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، ثمّ ليظهر لهم بعد هذا كلّه أنَّ القرآن قد جاء متضمناً لكلّ ما جاء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكلّ ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقاً لقول الله تعالى في كتابه: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه (10) .
ويلاحظ على ذيل ما ذكره الذهبي أنَّ المراد من «الكتاب» في الآية هو الكتاب التكويني لله سبحانه، لا التدويني، يظهر ذلك لمن أمعن في الآية وسياقها (11) .


(1) - سورة النور، الآية: 34.
(2) - سورة يس، الآية: 65.
(3) - سورة الاسراء، الآية: 14.
(4) - سورة القيامة، الآية: 14.
(5) - الجواهر: 3/9.
(6) - سورة الأنبياء، الآية: 30.
(7) - الجواهر: 10/ 199.
(8) - سورة الرحمن، الآية: 15.
(9) - الجواهر: 17/24.
(10) - التفسير والمفسرون: 2/517.
(11) - دروس في مناهج التفسير / جمعية القرآن الكريم.


  الأمثال في القرآن

التمثيل ببيت العنكبوت

 


قال عزَّ وجل : ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (1) .

توضيح التمثيل :
شبّه سبحانه حال الكفار الذين اتخذوا من دونه آلهة بحال العنكبوت ، والتشبيه يترك تأثيراً بالغاً في النفوس مثل تأثير الدليل والبرهان، فتارة ينهى عن الغيبة ويقول: لا تغتب فانّه يوجب العذاب ويورث العقاب، وأُخرى يمثل عمله بالمثل التالي: وهو أنَّ مثل من يغتاب مثل من يأكل لحم الميت، لأنّك نلت من هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب، فكان نيلك منه كعمل من يأكل لحم الميت وهو لا يعلم ما يفعل به ولا يقدر على الدفع. ثمّ إنَّ الغرض من تشبيه الآلهة المزيفة بهوام وحشرات الأرض كالبعوض والذباب والعنكبوت هو الحط من شأنها والاستهزاء بها.

إنَّ العنكبوت حشرة معروفة ذكورها أصغر أجساداً من إناثها، وهي تتغذى من الحشرات التي تصطادها بالشبكة التي تمدها على جدران البيوت، فتصنع تلك الشبكة من مادة تفرزها لها غدد في باطنها محتوية على سائل لزج تخرجه من فتحة صغيرة، فيتجدد بمجرد ملامسته للهواء ويصير خيطاً في غاية الدقة، وما أن تقع الفريسة في تلك الشبكة حتى تنقض عليها وتنفث فيها سمـاً يوقف حركاتها، فلا تستطيع الدفاع عن نفسها (2) .

يقول آية الله الشيخ جعفر السبحاني: «ومع ذلك فما نسجته بيتاً لنفسها من أوهن البيوت، بل لا يليق أن يصدق عليه عنوان البيت، الذي يتألف من حائط هائل، وسقف مظلٍّ، وباب ونوافذ، وبيتها يفقد أبسط تلك المقومات هذا من جانب، ومن جانب آخر فانّ بيتها يفتقد لأدنى مقاومة أمام الظواهر الجوية والطبيعية، فلو هبّ عليه نسيم هادىَ لمزق النسيج، ولو سقطت عليه قطرة من ماء لتلاشى، ولو وقع على مقربة من نار لاحترق، ولو تراكم عليه الغبار لمزق. هذا هو حال المشبه به، والقرآن يمثل حال الآلهة المزيفة بهذا المثل الرائع. وهو انّها لا تنفع ولا تضرّ، لا تخلق ولا ترزق، ولا تقدر على استجابة أي طلب. بل حال الآلهة المزيفة الكاذبة أسوأ حالاً من بيت العنكبوت، وهو أنَّ العنكبوت تنسج بيتها لتصطاد به الحشرات ولولاه لماتت جوعاً، ولكن الأصنام والأوثان لا توفر شيئاً للكافر» (3) .

وهنا يظهر لنا أهمية ومكانة التمثيل الوارد في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ شبَّه سبحانه من اتخذ الأصنام آلهة يريدون نصرها ونفعها وضرها والرجوع إليها عند الحاجة ﴿ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾ لنفسها لتأوي إليه فكما أنَّ بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئاً لكونه في غاية الوهن والضعف ولا يجدي نفعاً كذلك الأصنام لا تملك لهم خيراً وشراً ونفعاً وضراً ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ﴾ أي أضعفها ﴿ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ صحة ما أخبرناهم به ويتحققون ولو متعلقة بقوله ﴿ اتَّخَذُواْ ﴾ أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً لم يتخذوهم أولياء ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ هذا وعيد منه سبحانه ومعناه أنه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفار وما يتخذونه من دونه أربابا ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ الذي لا يغالب فيما يريده ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في جميع أفعاله ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ ﴾ وهي الأشباه والنظائر يعني أمثال القرآن ﴿ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ﴾ أي نذكرها لهم لندعوهم إلى المعرفة والتوحيد ونعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة الأصنام ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ أي وما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل والممثل به ، وما يعقل تلك الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله تعالى (4) .


(1) - سورة العنكبوت ، الآيات : 41 - 43 .
(2) - انظر دائرة معارف القرن الرابع عشر:6/772.
(3) - التمثيل الثامن والثلاثون .
(4) - راجع مجمع البيان : موضع الآية .



   معجم المفسرين

تفسير مُقتنيات الدُرَر وملتقطاتُ الثمر

 

المؤلف: الحاج مير سيد علي الحائري الطهراني المعروف بـ«المفسر».

عدد المجلدات: 12 مجلداً. 

طبعات الكتاب: طهران، الطبعة الأولى، سنة 1377هـ.
 

حياة المؤلف:
ولد الحاج مير سيد علي الحائري في كربلاء في حدود سنة 1270هـ، وقرأ على علماء كربلاء والنجف الأشرف مدّة طويلة، وقرن العلم بالعمل، وهبط في سامراء، ثمّ في طهران سنة 1312هـ قبل وفاته بفترة وجيزة... كان على جانب عظيم من الصلاح والعبادة، عكف على تأليف تفسيره للقرآن حتى أتمه، كانت وفاته سنة 1340هـ بطهران.

أهم آثاره ومؤلفاته:
1- مُقتنيات الدُرَر وملتقطاتُ الثمر.


تعريف عام:
يعد هذا التفسير، تفسيراً شاملاً لجميع آيات القرآن الكريم، قد القاه قبل تدوينه لجمع من المؤمنين ثم دوّنه، جمع فيه المؤلف من بعض ما سبقه من التفاسير، وما كان مرتبطاً بالبحث الأخلاقي والتربوي، ولهذا كان تفسيره تفسيراً لطيفاً مفيداً، فيه الكثير من المواعظ، اعتمد فيه على الروايات المروية عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) ، واستشهد باقوال المفسرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم كصاحب الكشاف، ومفاتيح الغيب، ومجمع البيان، وأقوال العرفاء والسالكين واصحاب الاشارة. كان تفسيره مزيجاً من العقل والنقل، وإن كان وجه النقل فيه أكثر.

منهجه في التفسير:
وأما منهجه في التفسير، فكان يبدأ باسم السورة أحياناً، ومكيّها ومدنيها، مع ذكر فضل السورة وقراءتها. ثم الشروع بالتفسير اللفظي، آية آية، مع مراعاة الاختصار، والدخول بالشرح والايضاح ونقل الأحاديث واقوال الاعلام والمفسرين، فسر جميع آيات القرآن ولم يترك آية منها، واذا نقل رواية لم يذكر سندها وكذا لم يذكر المصدر، كما كانت سيرته في نقل الاقوال من المفسرين. وذكر أيضاً الروايات المختصة باسباب النزول، وفضل قراءة القرآن في آخر السورة من دون تعيين لصحيحها عن سقيمها.

الخلاصة:
وأما موقفه بالنسبة للأخبار الإسرائيلية، فانه يكاد أن لا يخلو التفسير منه... ومما أخذ عليه، نفس هذا المنهج، يعني عدم تطبيقه هذه الروايات على القواعد الشرعية والعقلية وترجيح الصواب منها. وكان الأفضل للمفسر أن لا يورد هذه الاخبار الضعيفة... لكي لا يشوب تفسيره بهذه النقولات السقيمة والمدسوسة.


   علوم قرآنية

ظهور القراءات


1- مراحل ظهور وكتابة القراءات.

مرّت قراءة القرآن بمراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: قراءة الرسول على الصحابة، في هذه المرحلة كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بنفسه على الصحابة، وكانت هناك مجموعة من الصحابة تتعلم قراءة القرآن منه مباشرة وبلا واسطة، يمكن أن نذكر منهم مثلاً علي بن ابي طالب (عليه السلام) ، وعبد الله بن مسعود، وعثمان، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، وعند تصنيف طبقات القرَّاء، أطلقوا على هذه المجموعة اسم الطبقة الأولى من القرّاء، وهم الذين عرضوا القرآن على الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم).
ذكر الذهبي في كتاب معرفة القرّاء الطبقة الأولى من القرّاء، كما يلي:
1- عثمان بن عفّان.
2- علي بن ابي طالب (عليه السلام) .
3- ابيّ بن كعب.
4- عبد الله بن مسعود.
5- زيد بن ثابت.
6- ابو موسى الاشعري.
7- ابو الدرداء (1) .

المرحلة الثانية: قراءة الصحابة وظهور المصاحف، كان صحابة الرسول من الطبقة الأولى الذين تعلّموا القرآن منه، مكلّفين بتعليم القرآن للآخرين وقراءته عليهم، وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغ بعض أصحابه منزلة رفيعة في القراءة، بحيث اشتهرت قراءتهم ومصاحفهم بين المسلمين، مثل مصاحف أُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والظاهرة المشهورة في المرحلة الثانية من تعلّم قراءة القرآن حيث كان يجري تعليمه على يد بعض الصحابة انتشار قراءة كل واحد منهم في البلاد التي كان لهم فيها نفوذ أكثر ومكانة أفضل، نلاحظ في هذه المرحلة أنهم إذا أرادوا تشخيص قراءة نسبوها إلى صاحبها؛ كأن يقولوا مثلاً: قراءة ابن مسعود، أو قراءة أُبي، قراءة معاذ، أو قراءة أبي موسى وما إلى ذلك.
وعلى هذا الأساس فالسمة الأساسية لهذه المرحلة نسبة القراءة إلى الاشخاص، وهذا هو ما يميّز هذه المرحلة عن المرحلة التالية لها، وعد تصنيف القرّاء إلى طبقات، يُصنّف ضمن طبقة القرّاء الذين عرضوا القرآن على قراءة الطبقة الأولى، وقد ذكر الذهبي أسماء اثني عشر من مشاهير هذه الطبقة (2) .

المرحلة الثالثة: قراءة الأمصار وتوحيد المصاحف، شكّل عثمان لجنة من عدّة أشخاص تكفّلت مهمة جمع ما كان موجوداً من المصاحف من كل الولايات الاسلامية، ونظّمت عدّة مصاحف (الاحتمال الأقوى أنّها خمسة) على نمط واحد، وكان هدف عثمان من هذا العمل توحيد قراءة القرآن، ولهذا السبب بعث المصاحف إلى الامصار الأربعة المهمة وهي الكوفة، والبصرة، والشام، ومكةّ، وبقيت نسخة في المدينة عاصمة الخلافة، أرسل أيضاً مع كل مصحف قارئاً وهم كل من: عبد الله السائب المخزومي (تـ تقريباً 70هـ) إلى مكّة، وأبي عبد الرحمن السُلمي (تـ 47هـ) إلى الكوفة، وعامر بن عبد القيس (تـ 55هـ) إلى البصرة، والمغيرة بن شهاب المخزومي (تـ 91هـ) إلى الشام، وكان زيد بن ثابت قارىء المصحف الذي بقي في المدينة.

ويمكن أن نعتبر تلك المرحلة فما بعدها، المرحلة الثالثة من مراحل قراءة القرآن، والطابع الأساسي لهذه المرحلة نسبة القراءة إلى البلدان، فأطلقوا عليها تسمية قراءة الأمصار (3) . في هذه المرحلة خرجت قراءة القرآن من انحصار الاشخاص فاذا برزت اختلافات في القراءة، صاروا يعبّرون عنها بقراءة الكوفة، أو قراءة البصرة، أو قراءة الشام، وما إلى ذلك، ولا يخفى أن هدف عثمان كان توحيد القراءات المختلفة التي ظهرت يومذاك الّا أنّه أمر أن تكتب العبارات على نحو يحتمل وجوهاً مختلفة للقراءة، وفي الحالات التي يتعذّر فيها ذلك، تكتب الحالات التي فيها خلاف في كل واحد من المصاحف بشكل مغاير للآخرين؛ لكي تتوزع القراءات المعتبرة على مجموع المصحف (4) .
أنجزت عملية توحيد المصاحف في العقد الهجري الثالث، أي عام 25 للهجرة على وجه الدقّة.

المرحلة الرابعة: ظهور جيل جديد من القُرّاء، بدأ النصف الثاني من القرن الأول في وقت كان فيه قرّاء الطبقة الأولى (الذين أخذوا القرآن عن الرسول مباشرة)، والكثير من القرّاء الممتازين الذين كان لكل واحد منهم مصحف معروف، أو اضطلعوا بدور مهم في جمع القرآن في زمن الخليفة الأول وتوحيد المصاحف في زمن الخليفة الثالث، قد ماتوا، وحلَّ محلّهم جيل جديد من الحفَّاظ وقرَّاء القرآن. إنَّ القاء نظرة على تاريخ وفاة أفراد هذه الطبقة يفيد في استجلاء الظروف التي سادت في المرحلة الرابعة: أبو بكر (12هـ)، عمر (23هـ)، أُبي بن كعب (29 أو 33هـ)، عبد الله بن مسعود (32هـ)، أبو الدرداء (32هـ)، معاذ بن جبل (33هـ)، حذيفة بن اليمان (35هـ)، علي بن ابي طالب (عليه السلام)  (40هـ)، أبو موسى الأشعري (44هـ)، زيد بن ثابت (45هـ)، أبو عبد الرحمن السُلّمي (47هـ)، ابن عباس (68ه) .
ذكرابن الجذري والدكتور عبد الهادي الفضلي قرّاء الأمصار في النصف الثاني من القرن الأول، ممن كانوا قد أخذوا قراءة القرآن من الصحابة، نذكر فيما يلي بعضاً منهم:
أ- المدينة: سعيد بن المسيب (تـ 92هـ)، عروة بن الزبير (تـ 95ه) .
ب- مكّة: عبيد بن عميرات (تـ 74هـ)، مجاهد بن جبير (تـ103ه) .
ج- الكوفة: عمرو بن شرحبيل (تـ بعد عام 60هـ)، علقمة بن قيس (تـ 62هـ) أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُلّمي (تــ72هـ)، زرّ بن حبيش (تـ82هـ)، سعيد بن جبير (تـ 95ه) .
د- البصرة: عامر بن عبد القيس (تـ55هـ)، يحيى بن يعمر العدواني (تـ90هـ)، نصر بن عاصم (تـ قبل 100ه) .
هـ- الشام: المغيرة بن ابي شهاب المخزومي (تـ بعد 70هـ)، خليد بن سعد (5) .
وهكذا يتضح أنَّ جيل القرّاء الذين أدرك الكثير منهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، قد فارقوا الدنيا في هذه المرحلة، وانتقلت قراءة القرآن إلى جيل آخر.

المرحلة الخامسة: العصر الذهبي للقراءات، يمكن اعتبار المرحلة الخامسة من قراءة القرآن مرتبطة ببداية القرن الثاني للهجرة؛ إذ كانت في هذا القرن وفاة القرّاء السبعة عن آخرهم فمن بين الاشخاص السبعة الآخرين الذين عُرّفوا إلى جانب القرّاء السبعة باسم القرّاء العشرة أو القرّاء الاربعة عشر، توفّي ثلاثة منهم فقط في بدايات القرن الثالث، وهم كل من: يعقوب الحضرمي (تـ 205هـ)، ويحيى بن مبارك اليزيدي (تـ 220هـ)، وخلف (تـ 229هـ) ونظراً إلى التأثير الفائق لقرّاء هذه المرحلة في قراءات قرّاء القرون اللاحقة، يمكن القول بكل ثقة أنَّ القرن الثاني كان قرن ازدهار وذروة علم القراءات، فالمدارس والمذاهب المختلفة في القراءات ظهرت في هذا القرن، بلغ اساتذة القراءات في هذه المرحلة مرتبة بحيث بقيت الأجيال اللاحقة تتطلع إلى قرّاء القرن الثاني لمعرفة أفضل القراءات والقرّاء.
ففي أواخر القرن الأول، وعلى امتداد القرن الثاني كانت هناك جماعة اهتمت بقراءة القرآن فقط، وكرّست كل جهودها لتدوين علم القراءات (6) .
وعلى هذا الأساس يمكن تسمية القرن الثاني قرن تأسيس علم القراءة، وكانت مدينتا الكوفة والبصرة مهداً مهماً له.

المرحلة السادسة: تدوين القراءات، يرى الكثير من الباحثين في علوم القرآن أنَّ أوّل من كتب في قراءات القرآن أبو عبيد القاسم بن سَلّام (تـ 224هـ) (7) . وجاء من بعده أبو حاتم السجستاني (تـ 255هـ)، ثم أبو جعفر الطبري (تـ 310هـ)، ثم إسماعيل القاضي (8) .
ونُسبَ إلى أبي العباس محمد بن يزيد البصري المعروف بالمبرّد (تـ 286هـ) الذي كان من كبار الادباء والعلماء في القرن الثالث، صاحب تأليف خمسة كتُبٍ في المباحث القرآنيّة منها كتاب احتجاج القراءات.
وهكذا فانَّ علم القراءة الذي ذاع صيته بظهور قُرّاء بارزين، ظهر في القرن الثالث بشكل مدوّن، ويُرجع الباحثون في علوم القرآن سبب تدوين وكتابة القراءات في القرن الثالث إلى شيوع القراءات وكثرتها، وبروز الاختلاف في القراءات.
فقد أدى اتساع استنساخ المصاحف وكثرة القُرّاء الذين تَبوَّأ بعضهم كرسي قراءة القرآن من تلقاء انفسهم، وزعموا أنهم أصحاب رأي في القراءات، وغير ذلك من العوامل التي بعثت على ظهور الاختلاف في القراءات، أدّى كل ذلك إلى أن يبادر أمثال أبي عبيد القاسم بن سلّام إلى التفكير في تدوين ضوابط وقواعد هذا العلم، وحفظ قراءات القرآن من التشتت والضياع.
المرحلة السابعة: حصر القراءات، كان القرن الرابع بداية لهذه المرحلة من مراحل قراءات القرآن.
تلزم الاشارة إلى أنَّ بعض من ألّفوا في تاريخ القرآن تطرّقوا إلى تصنيف طبقات القرّاء بدلاً من توضيح مراحل القراءات، فقد ذكر الذهبي (تـ 748هـ) في كتاب معرفة القرّاء الكبار أسماء ونبذة عن حياة 734 قارئاً حتى القرن الثامن ضمن ثماني عشرة طبقة (9) (10) .


(1) - معرفة القرّاء الكبار
(2) - المصدر السابق: ص43 - 61.
(3) - السجستاني، كتاب المصاحف: ص39.
(4) - الإتقان: ج1، ص157.
(5) - النشر في القراءات العشر: ج1، ص8.
(6) - مناهل العرفان: ج1، ص415 - 416.
(7) - مناهل العرفان: ج1، ص416.
(8) - مناهل العرفان: ج1، ص415 - 416.
(9) - مناهل العرفان: ج1، ص416.
(10) - دروس في علوم القرآن, حسين جوان آرسته: ص171.


استفتاءات قرآنية
لسماحة المرجع آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي
(دام ظله)

 

 


سؤال: ما هي الأسماء المباركة المكتوبة التي يجب احترامها ويحرم مسّها بدون وضوء؟
الجواب: لا يجوز مسّ أسماء ذات الباري تعالى، وأسماء الصفات الخاصّة بالله المنّان بدون وضوء، والأحوط إلحاق أسماء الأنبياء العظام والأئمّة المعصومين (عليهم السلام)  بأسماء ذات الله المتعال في الحكم المذكور.

سؤال: تجمّعت لدينا كميّة لا بأس بها من الجرائد المتنّوعة والمرسلة لنا من قبل المؤسّسات الداخليّة منذ تأسيس السفارة، وحيث إنّ أغلب الصفحات تحتوي على أسماء الله تعالى وما شابهها، فتفضّلوا ببيان حلٍّ لمشكلة الإحتفاظ بها؟
الجواب: لا مانع من دفنها في الأرض، أو وضعها في الصحراء إن لم يكن فيه هتك.

سؤال: ما هي الطرق الشرعيّة لمحو الأسماء المباركة، والآيات القرآنيّة عند الحاجة إلى ذلك؟ وما هو حكم إحراق الأوراق المكتوب عليها إسم الجلالة والآيات القرآنيّة إذا دعت الضرورة إلى محوها تحفّظاً على الأسرار؟
الجواب: لا إشكال في دفنها في التراب، أو في تحويلها إلى عجين بالماء، وأمّا الإحراق فمشكل، وإذا عُدّ هتكاً فلا يجوز، إلّا إذا إقتضت الضرورة ولم يتيسّر إقتطاع الآيات القرآنيّة والأسماء المباركة منها.

سؤال: ما هو حكم تقطيع الأسماء المباركة والآيات القرآنيّة تقطيعاً كثيراً، بحيث لا يبقى حرفان منها متّصلين وتصبح غير قابلة للقراءة، وهل يكفي في محوها وإسقاط أحكامها تغيير صورتها الخطيّة بإضافة حروف عليها، أو بحذف بعض حروفها؟
الجواب: لا يكفي التقطيع إذا لم يوجب محو كتابة لفظ الجلالة والآيات القرآنيّة، كما لا يكفي تغيير الصورة الخطيّة لزوال الحكم عن الحروف التي رسمت بقصد كتابة لفظ الجلالة، نعم لا يبعد في تغيير صورة الحرف زوال الحكم إلحاقاً له بالإمحاء، وإن كان الأحوط التجنّب عن مسّها من دون وضوء.

سؤال: هل هناك إشكال في إتلاف الأوراق والجرائد ونحوها التي تحتوي على آيات قرآنيّة ولفظ الجلالة بالآلة الكهربائيّة المسمّاة بالتلاّفة والتي غالباً ما تفصل حروف الكلمات؟
الجواب: لا إشكال في تقطيعها بما ذكر إذا لم يعدّ ذلك إهانة بنظر العرف، ولكن إذا لم توجب محو كتابة لفظ الجلالة والآيات القرآنيّة فلا يكفي في جواز مسّها من دون طهارة. والله العالم.

سؤال: هل يحرم على الجنب قراءة سور آيات السجدة؟
الجواب:من جملة المحرمات على الجنب قراءة آيات السجدة بالخصوص، وأمّا قراءة سائر الآيات الأخرى من تلك السور فلا إشكال فيها.

سؤال: ما هي الأعمال التي تحرم على الجنب؟
الجواب:
1- مسّ خطّ القرآن والأسماء والصفات الخاصّة بالباري تبارك وتعالى، والأحوط وجوباً إلحاق أسماء الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)  بها.
2- دخول المسجد الحرام ومسجد النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان بنحو الاجتياز.
3- المكث في غير المسجدين من سائر المساجد، بل مطلق الدخول فيها إن لم يكن مارّاً بأن يدخل من باب ويخرج من آخر.
4- وضع شيء في المسجد.
5 - قراءة آيات العزائم الأربع فقط، وأمّا قراءة بقيّة الآيات من هذه السورة أو السور الأخرى فلا إشكال فيه (1) .


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: اصدار جمعية القرآن الكريم، ص 35 .



  قصص قرآنية

قصة نبيّ الله إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) في القرآن والروايات

 

يقول سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾ .


يقول سبحانه:﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾ (1) .


طفولة اسماعيل (عليه السلام) :

﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ بولد ذي حلم وهو إسماعيل (عليه السلام) .
في تفسير القمي، عن الصادق(عليه السلام)  قال: إن إبراهيم كان نازلا، في بادية الشام فلما ولد له من هاجر إسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا، لأنه لم يكن لها ولد، وكانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمه، فشكى إبراهيم ذلك إلى الله عزَّ وجل، فأوحى الله إليه: «مثل المرأة مثل الضلع العوجاء، إن تركتها استمتعت بها، وإن أقمتها كسرتها» ثم أمره: أن يخرج إسماعيل وأمه، فقال: يا رب إلى أي مكان؟ فقال إلى حرمي وأمني، وأول بقعة خلقتها من الأرض، وهي مكة فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم وكان إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر وزرع ونخل إلا وقال إبراهيم: يا جبرئيل إلى هاهنا، إلى هاهنا فيقول جبرئيل لا امض، امض، حتى وافى مكة فوضعه في موضع البيت، وقد كان إبراهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها، فاستظلوا تحته، فلما سرحهم إبراهيم ووضعهم أراد الانصراف عنهم إلى سارة، قالت له هاجر: يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع؟ فقال إبراهيم: الله الذي أمرني، أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم ثم انصرف عنهم، فلما بلغ كداء، وهو جبل بذي طوى التفت إبراهيم، فقال: رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلوة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون، ثم مضى وبقيت هاجر، فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل، فقامت هاجر في موضع السعي فصعدت على الصفا، ولمع لها السراب في الوادي، فظنت أنه ماء، فنزلت في بطن الوادي، وسعت فلما بلغت المروة غاب عنها إسماعيل، عادت حتى بلغت الصفا، فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع، وهي على المروة نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه فعادت حتى جمعت حوله رملا، فإنه كان سائلا، فزمته بما جعلت حوله، فلذلك سميت زمزم وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات، فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء، فنظرت جرهم إلى تعكف الطير والوحش على ذلك المكان فاتبعتها، حتى نظروا إلى امرأة وصبي نازلين في ذلك الموضع، قد استظلا بشجرة، وقد ظهر الماء لهما، فقالوا لهاجر: من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبي؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم خليل الرحمن، وهذا ابنه، أمره الله أن ينزلنا هاهنا، فقالوا لها: أتأذنين لنا أن نكون بالقرب منكم؟ فقالت لهم: حتى يأتي إبراهيم، فلما زارهم إبراهيم في اليوم الثالث قالت هاجر: يا خليل الله إن هاهنا قوما من جرهم يسئلونك: أن تأذن لهم، حتى يكونوا بالقرب منا، أفتأذن لهم في ذلك؟ قال إبراهيم: نعم، فأذنت هاجر لهم، فنزلوا بالقرب منهم، وضربوا خيامهم، فأنست هاجر وإسماعيل بهم، فلما زارهم إبراهيم في المرة الثانية نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا، فلما تحرك إسماعيل وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد منهم شاة، وشاتين فكانت هاجر وإسماعيل، يعيشان بها ...


شباب اسماعيل (عليه السلام) :

فلما بلغ إسماعيل (عليه السلام)  مبلغ الرجال، أمر الله إبراهيم (عليه السلام) : أن يبني البيت إلى أن قال: فلما أمر الله إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه، فبعث الله جبرئيل، وخط له موضع البيت إلى أن قال فبنى إبراهيم البيت، ونقل إسماعيل من ذي طوى فرفعه في السماء تسعة أذرع، ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم، ووضعه في موضعه الذي هو فيه الآن، فلما بنى جعل له بابين بابا إلى الشرق، وبابا إلى الغرب، والباب الذي إلى الغرب، يسمى المستجار، ثم ألقى عليه الشجر والإذخر، وألقت هاجر على بابها كساء كان معها وكانوا يكونون تحته، فلما بنى وفرغ منه، حج إبراهيم وإسماعيل، ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية، لثمان من ذي الحجة فقال: يا إبراهيم قم وارتو من الماء، لأنه لم يكن بمنى وعرفات ماء، فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم، فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم ... ﴾ الآية، قال(عليه السلام) : من ثمرات القلوب، أي حببهم إلى الناس، ليستأنسوا بهم، ويعودوا إليهم.


رؤيا إبراهيم(عليه السلام)  المبتنية على ذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) :

قال تعالى في ذلك: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ... ﴾ الفاء في أول الآية فصيحة تدل على محذوف والتقدير فلما ولد له ونشأ وبلغ معه السعي، والمراد ببلوغ السعي بلوغه من العمر مبلغا يسعى فيه لحوائج الحياة عادة وهو سن المراهقة، والمعنى فلما راهق الغلام ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ ... ﴾ «إلخ».
رضا إسماعيل (عليه السلام)  بذبحه من قبل أبيه:
يظهر ذلك من قوله سبحانه: ﴿  يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ... ﴾ هي رؤيا إبراهيم ذبح ابنه، وقوله: ﴿ إِنِّي أَرَى ﴾ يدل على تكرر هذه الرؤيا له كما في قوله: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى ... (2) .
وقوله: ﴿ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ هو من الرأي بمعنى الاعتقاد أي فتفكر فيما قلت وعين ما هو رأيك فيه، وهذه الجملة دليل على أن إبراهيم(عليه السلام)  فهم من منامه أنه أمر له بالذبح مثل له في مثال نتيجة الأمر ولذا طلب من ابنه الرأي فيه وهو يختبره بماذا يجيبه؟.
وقوله: ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ جواب ابنه، وقوله: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ إظهار رضا بالذبح في صورة الأمر وقد قال: افعل ما تؤمر ولم يقل اذبحني إشارة إلى أن أباه مأمور بأمر ليس له إلا ائتماره وطاعته.
وقوله: ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ تطييب منه لنفس أبيه أنه لا يجزع منه ولا يأتي بما يهيج وجد الوالد عن ولده المرمل بدمائه، وقد زاد في كلامه صفاء على صفاء إذ قيد وعده بالصبر بقوله: ﴿ إِن شَاءَ اللَّهُ ﴾ فأشار إلى أن اتصافه بهذه الصفة الكريمة أعني الصبر ليس له من نفسه ولا أن زمامه بيده بل هو من مواهب الله ومننه إن يشأ تلبس به وله أن لا يشاء فينزعه منه.


إقدام إبراهيم (عليه السلام)  على ذبح اسماعيل ونجاحه في امتحان الله:

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ الإسلام الرضا والاستسلام: والتل الصرع والجبين أحد جانبي الجبهة واللام في ﴿ لِلْجَبِينِ ﴾ لبيان ما وقع عليه الصراع كقوله: ﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً (3) ، والمعنى فلما استسلما إبراهيم وابنه لأمر الله ورضيا به وصرعه إبراهيم على جبينه.
وجواب لما محذوف إيماء إلى شدة المصيبة ومرارة الواقعة.
قوله تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا .. ﴾ معطوف على جواب لما المحذوف، وقوله: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ أي أوردتها مورد الصدق وجعلتها صادقة وامتثلت الأمر الذي أمرناك فيها أي إن الأمر فيها كان امتحانيا يكفي في امتثاله تهيؤ المأمور للفعل وإشرافه عليه فحسب.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾ الإشارة بكذلك إلى قصة الذبح بما أنها محنة شاقة وابتلاء شديد والإشارة بهذا إليها أيضا وهو تعليل لشدة الأمر.
والمعنى: إنا على هذه الوتيرة نجزي المحسنين فنمتحنهم امتحانات شاقة صورة هينة معنى فإذا أتموا الابتلاء جزيناهم أحسن الجزاء في الدنيا والآخرة، وذلك لأن الذي ابتلينا به إبراهيم لهو البلاء المبين.


الذبح العظيم من قبل الله بدلاً من اسماعيل:

قوله تعالى: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ أي وفدينا ابنه بذبح عظيم وكان كبشا أتى به جبرئيل من عند الله سبحانه فداء على ما في الأخبار، والمراد بعظمة الذبح عظمة شأنه بكونه من عند الله سبحانه وهو الذي فدى به الذبيح.
قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾ المعنى أن يبعث الله في الآخرين من يقوم بدعوته ويدعو الناس إلى ملته وهي دين التوحيد. قوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ تحية منه تعالى عليه، وفي تنكير سلام تفخيم له. قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(4) .


بحث روائي حول إسماعيل (عليه السلام) :

عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)  قال: الذبيح إسماعيل (عليه السلام) . وبهذا المضمون روايات كثيرة أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد وقع في بعض رواياتهم أنه إسحاق وهو مطروح لمخالفة الكتاب.
وفي المجمع، عن ابن إسحاق: أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل وهاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي رأى في المنام أن يذبحه فقال له: يا بني خذ الحبل والمدية (السكين) ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب. فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه فقال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شيئا فتراه أمي واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. ثم ساق القصة وفيها ثم انحنى إليه بالمدية وقلب جبرئيل المدية على قفاها واجتر الكبش من قبل ثبير واجتر الغلام من تحته ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.
والروايات في القصة كثيرة ولا تخلو من اختلاف.
وعن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق (عليه السلام) ؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين قال الله سبحانه فبشرناه بغلام حليم يعني إسماعيل وهي أول بشارة بشر الله به إبراهيم (عليه السلام)  في الولد (5) .


زوجتا إسماعيل (عليه السلام) :

وعن ابن عباس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة، وأتت على ذلك مدة، ونزلها الجرهميون، وتزوج إسماعيل امرأة منهم، وماتت هاجر، واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم (عليه السلام)  وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك ؟ قالت ليس هنا ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثم يرجع، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة ؟ قالت: ليس عندي شيء وما عندي أحد، فقال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم (عليه السلام)  فجاء إسماعيل (عليه السلام)  فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه، قال: فما قال لك، قالت: قال لي أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك ؟ قالت: ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله، قال لها: هل عندك ضيافة ؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله براً وشعيراً وتمراً، فقالت له: أنزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثره، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل (عليه السلام)  وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد ؟ قالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، فقال لي: كذا وكذا، وقلت له: كذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه على المقام، فقال إسماعيل لها، ذاك إبراهيم (عليه السلام) . وقد روى هذه القصة بعينها علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان عن الصادق (عليه السلام)  وإن اختلف بعض ألفاظه وقال في آخرها، إذا جاء زوجك فقولي له جاء هاهنا شيخ وهو يوصيك بعتبة بابك خيرا، قال: فأكب إسماعيل على المقام يبكي ويقبله. وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام)  أن إبراهيم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له أن لا يلبث عنها وأن لا ينزل من حماره، فقيل له: كيف كان ذلك ؟ فقال إن الأرض طويت له، وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن نورهما طمس لأضاءا ما بين المشرق والمغرب. وقوله «مصلى» فيه أقوال قيل مدعى من صليت، أي دعوت عن مجاهد وقيل: قبلة عن الحسن، وقيل موضع صلاة فأمر أن يصلي عنده عن قتادة والسدي وهذا هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) واستدل أصحابنا به على أن صلاة الطواف فريضة مثل الطواف لأن الله تعالى أمر بذلك وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم غير صلاة الطواف بلا خلاف، وقوله ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ أي أمرناهما وألزمناهما ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ﴾ أي قلنا لهما أن طهرا بيتي (6) .


دروس من قصة نبي الله اسماعيل (عليه السلام) :

1- الإيمان بقدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء، وادراك أهمية الدعاء، والإكثار منه في السراء والضراء.
2- تظهر القصة أنَّ حب الولد مسألة فطرية جبل الإنسان عليها، وجواز تمني الولد الصالح والأخذ بأسباب ذلك بالطرق المشروعة.
3- أيضاً تظهر حب الزوجة لزوجها وإيثاره على نفسها، وحب الخير لكل الناس كما كان من سارة، وعون الزوج على طاعة أوامر الله كما كان من هاجر مع إبراهيم (عليه السلام) .
4- تُعلّم الصبر على فراق الأحباب إذا كان في طاعة الله تعالى، وكذلك الصبر عند وقوع البلاء والمحن.
5- تبيّن حسن التوكل على الله والثقة بوعده وعدم الركون إلى الأسباب وحدها، فالله عزَّ وجل هو خالقها ومسخرها لنا والقادر على التحكم بها بحسب ما يراه من حكمة ومصلحة للعباد.
6- بيان الجانب الأخلاقي ومنزلة الحلم الذي وصف الله به إسماعيل (عليه السلام)  وامتدحه به، وكذا صدق الوعد والوفاء به مع الله ومع النفس ومع خلقه وعباده.
7-أمر الأهل بالصلاة والزكاة وسائر أعمال البر والصبر على فعلها، وبر الوالدين والتعاون معهما على عمل الخير وطاعة الله سبحانه.
8- أهمية وضرورةالإخلاص لله تعالى في العمل وعدم الاغترار به وطلب قبوله والخوف من رده.وغير ذلك مما يستفاد منها من الدروس والعبر.
فسلام الله على إسماعيل إنه كان نبياً رسولاً وكان من الأخيار وكان من الصابرين.


(1) - سورة الصافات، الآيات: 101 - 108.
(2) - سورة يوسف، الآية: 33.
(3) - سورة الإسراء، الآية: 107.
(4) - الميزان: ج1، ص288.
(5) - الميزان: ج17، ص152 - 156.
(6) - مجمع البيان: ج1، ص344.



 

   القرآن في نهج البلاغة

الرّجوع إلى الكريم والكتاب الحكيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
يقول أمير المؤمنين(عليه السلام)  في خطبة له: «وَاُنْظُرْ أَيُّهَا اَلسَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ اَلْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاِسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَمَا كَلَّفَكَ اَلشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي اَلْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَلاَ فِي سُنَّةِ اَلنَّبِيِّ  (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأَئِمَّةِ اَلْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اَلله سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اَلله عَلَيْكَ وَاِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِينَ فِي اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ اَلسُّدَدِ اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُيُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ الله عَزَّ وَجَلَّ اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَسَمَّى تَرْكَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اَلْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اَلله سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْهَالِكِينَ» (1) .

الشرح:
بعد أن حمد الإمام (عليه السلام)  الله سبحانه وأثنى عليه بما يليق ذاته تعالى من صفات الجمال ونعوت الجلال، عقّبه لتنبيه السّائل على خطائه في سؤاله الناشئ عن توهّمه جواز معرفة الله سبحانه على وجه تكون بمنزلة الرّؤية بالعيان، ولما كان ذلك محالا في حقّ الله القدّوس السّبوح السّبحان أوجب ذلك السؤال غضبه وتغيّر لونه(عليه السلام) .
تضمّن مقصده (عليه السلام)  لتأديب السّائل ولسائر النّاس من الحاضرين والغائبين في وصفهم لله سبحانه ولتعليمهم كيفية السلوك في مدح الله والثناء عليه بما هو أهله، وللنّهي عن التعمّق والخوض في ذات الله وصفاته، والتّكلف فيها بما فوق الاستطاعة، والخطاب فيه وإن كان مخصوصاً بالسّائل إلاّ أنّه عام لجميع النّاس، إذ العبرة بعموم الغرض لا بخصوص الخطاب والمخاطب ولذلك نادى: لاجتماع النّاس.

وكيف كان فقد نبّه بقوله (عليه السلام) : «وَاُنْظُرْ أَيُّهَا اَلسَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ اَلْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَاِسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ» أمر (عليه السلام)  بالرّجوع إلى القرآن الكريم والكتاب الحكيم والاقتداء به والاستضائة بأنوار هدايته والأخذ بأوصاف القدس والجلال ونعوت العظمة والكمال المدرجة فيه، فانه أدلّ دليل وأوضح سبيل وهو كلام الحقّ سبحانه وهو أعلم بصفاته من غيره فما وصف به فيه نفسه فهو الحقّ أحقّ أن يتّبع، وما نزّه ذاته عنه فهو الباطل ينبغي تنزيهه منه ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ .

وقد دلّت الآيات الكريمة على أنّه تعالى ربّ، رحمن، رحيم، شهيد، عليم، حكيم، قادر، قاهر، قديم، خالق، رازق، كريم، سميع، بصير، خبير، غفور، شكور، مجير، عزيز، متكبّر، جبار، قوي، منتقم، قهار، إلى غير هذه ممّا فيها من الأسماء الحسنى والأمثال العليا، وقد تضمّنت مضافا إلى ذلك أنه ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
فانّ هذه الآيات الثلاث نصّ في عدم إمكان معرفته حقّ المعرفة وعدم جواز إدراكه بالأبصار وبمشاهدة العيان؛ أما الآية الاولى فظاهرة؛ وأما الثانية فلأنّ كلّ من أبصر شيئا فقد أحاط به علما لا خلاف لأحد فيه؛ وأما الثالثة فلأنّ الابصار عبارة عن حصول صورة الشيء في حسّ البصر فما لا مثل له لا يمكن حصول صورته في الحسّ وحيث إنه ليس كمثله شيء امتنع تعلّق الأبصار به فظهر من كلّ ذلك بطلان ما توهّمه السّائل.

ونظير إرشاده (عليه السلام)  للسّائل إلى الرجوع إلى القرآن والائتمام به إرشاد أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)  لأبي هاشم الجعفري إلى الرجوع إليه والأخذ به، فعن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)  قال: سألته عن الله هل يوصف ؟ فقال (عليه السلام) : أما تقرء القرآن ؟ قلت: بلى، قال: أما تقرء قوله تعالى: ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ . قال: فتعرفون الأبصار ؟ قلت: بلى، قال: ما هي؟ قلت: أبصار العيون قال (عليه السلام) : إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا يدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام (2) .

فانّ السّائل لما استفهم عن جواز وصفه تعالى بالرّؤية أراد (عليه السلام)  التنبيه والارشاد له على نفي الرّؤية مطلقا عنه تعالى بآية القرآن، ولما ظهر من حال السّائل أنه قرأ القرآن وقرأ قوله تعالى: لا تدركه الأبصار، ولم يعرف من الأبصار إلاّ أبصار العيون عرّفه (عليه السلام)  أنّ أوهام القلوب أكبر وأقوى في باب الادراك من أبصار العيون، لسعة دائرة الاولى وقصور دائرة الثانية من حيث إنّ الوهم رئيس الحواس الظّاهرة والباطنة ومستخدمها ومستعملها، كما أنّ القلب يعني العقل رئيس الوهم ومخدومه، فالأولى أن يكون معنى الآية لا تدركه الأوهام ليدلّ على نفي الادراك مطلقاً إذ كلّ ما يدركه الوهم لا يدركه البصر بخلاف العكس.

وفي الكافي بإسناده عن عبد الرحيم بن عتيك القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليه السلام) : إنّ قوما بالعراق يصفون الله تعالى بالصورة والتخطيط، فان رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليّ بالمذهب الصحيح من التّوحيد ؟ فكتب إليّ: سألت رحمك الله عن التّوحيد وما ذهب إليه من قبلك فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير، تعالى عما يصفه الواصفون المشبّهون لله بخلقه المفترين على الله، فاعلم رحمك الله أنّ المذهب الصحيح في التّوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله تعالى، فانف عن الله تعالى البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه هو الله الثابت الموجود تعالى الله عمّا يصفه الواصفون ولا تعدّوا القرآن فتضلّوا بعد البيان (3) .
قال صدر المتألهين: في شرح الحديث ...

...وقوله (عليه السلام) : فلا تعدّوا القرآن فتضلّوا بعد البيان، أي فلا تجاوزوا ما في القرآن بأن تنفوا عن الله ما ورد في القرآن حتّى تقعوا في ضلالة التعطيل والله يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ أو تثبتوا لله من الصّفات ما يجب التنزيه عنها حتّى تقعوا في زيغ التشبيه والله يقول: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ .

ولما أمر (عليه السلام)  بالرجوع إلى القرآن والاقتداء به والاستضائة بأنواره والأخذ بما ورد فيه من صفات الحقّ تعالى شأنه وتقدّس ذاته أردفه بقوله: «وَمَا كَلَّفَكَ اَلشَّيْطَانُ عِلْمَهُ» من عرفان كنهه «مِمَّا لَيْسَ فِي اَلْكِتَابِ» أي: القرآن «عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَلاَ فِي سُنَّةِ اَلنَّبِيِّ  (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأَئِمَّةِ اَلْهُدَى» وهم أهل بيته عليهم السّلام «أَثَرُهُ فَكِلْ» من وكل أي: فوّض «عِلْمَهُ إِلَى الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ الله عَلَيْكَ» ومراده (عليه السلام)  بذلك المنع من تكلّف ما لم يفرض علمه على المكلّفين، والرّدع عن الخوض فيما لم يثبت وجوب معرفته على العباد في الكتاب المبين، ولا في سنّة النّبيّ الأمين وأئمة الدّين سلام الله عليهم أجمعين معلّلا بأنّ منتهى حقّ الله على العباد أن يقولوا بما دلّ عليه القرآن، ويصفوه بالأوصاف الثّابتة في الفرقان، وينتهوا عما رفع علمه عنهم ويكلوا علمه ويفوّضوه إلى الله عظيم الشأن الملك الديّان مشيراً إلى أنَّ تكلّف ما يزيد على ذلك من تكليفات الشّيطان اللّعين وتدليساته ووساوسه ليضلّ به عن النهج القويم والصّراط المستقيم.

وتوضيح ذلك هو: أنّ الكتاب الكريم قد دلّ على أنّه سبحانه عالم وأنه بكلّ شيء محيط، فيجب لنا الإذعان بذلك وعقد القلب عليه، وأمّا البحث عن كيفيّة علمه وأنه على أيّ نحو هو فلا يجب علينا، وربما يؤدّي التعمق فيه إلى الضّلال كما ضلّ فيه كثير من الحكماء.
فمنهم من تحيّر في معرفته فنفاه رأساً، ومنهم من ضاق به الخناق إلى الاطلاق فنفى علمه بالجزئيات، ومنهم من قرّره على وجه أوجب القول بكون الذّات فاعلاً وقابلاً وبكونه متّصفاً بصفات غير سلبية ولا اضافية إلى غير ذلك من المفاسد التي نشأت من كثرة البحث فيه.

وكذلك قد ورد في القرآن أنّه تعالى خالق الأشياء ومبدعها، فيجب لنا الاعتقاد به وليس بفرض علينا أن نتكلّف البحث في كيفيّة الخلقة حتّى نقع في الضلال البعيد كما وقع فيه الفلاسفة المثبتة للمعقولات العشرة المبتنية على ما ذهبوا إليه من أنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد، فانّهم لمّا ذهبوا إلى أنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد ألجأهم ذلك واضطرّهم إلى القول بالمعقولات مع أنه مخالف لاصول الشّريعة ولم يرد به كتاب ولا سنّة.

وهكذا البحث والتعمق في ساير الصفات، ومثله البحث في متشابهات الآيات مثل قوله سبحانه: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ وقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ .
وغير ذلك، فالواجب في كلّ ذلك وكول علمه إلى الله سبحانه وردّه عليه كما أبان عنه الكتاب العزيز في سورة آل عمران حيث قال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ(4) .

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)  قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنّة ويزجر عن النّار وفيه محكم ومتشابه، فأمّا المحكم فيؤمن به ويعمل به ويدين به وأمّا المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به وهو قول الله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... الآية ﴾ (5) هذا.
«وَاِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِينَ فِي اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ اَلسُّدَدِ اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُيُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْمَحْجُوبِ» يعني أنّ الرّاسخين في العلم إذا وصلوا إلى المتشابهات وإلى ما جهلوا كشف القناع والغطاء عنها وقفوا عندها واعترفوا بها إجمالا كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ . ولا يتعدّون عن ذلك حتى يقتحموا في المهالك.
أما الرّاسخون في العلم: فهم الثابتون فيه والضابطون له كأئمة الدّين وأولياء اليقين الحاملين لأسرار النّبوة وأعباء الولاية وبعض خواصّهم المقتبسين من أنوار الهداية والمهتدين بنور الامامة.

وأمّا المراد بالغيب المحجوب: فهو ما غاب عن الخلق علمه وخفى مأخذه إما لعدم الاستعداد والقابليّة وقصور الطبيعة عن الادراك كذات الله وصفاته الذّاتية، وإمّا لاقتضاء الحكمة والمصلحة للاخفاء، كعلم السّاعة وما في الأرحام ونحوهما ممّا حجب الله علمه عن العباد، ومن ذلك القبيل الآيات المتشابهة.
وأمّا المراد بالسّدد المضروبة: فهي الحجب المانعة من الوصول إلى الغيب، وهي بالنسبة إلى الغيب المحجوب بها على قسمين:
احدهما ما هي قابلة للارتفاع إمّا بالرّياضيات والمجاهدات كما يحصل للبعض فيعرف ضماير بعض العباد ويطلع على بعض المخبيات ويخبر عن بعض المغيبات، وإمّا بتعليم من الله سبحانه كما كان في حق الأنبياء والأولياء فانّ عمدة معجزاتهم كانت من قبيل معرفتهم بالغيب وإخبارهم من المغيبات، وإليه الاشارة في قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ .

يعني أنّه عالم بكلّ شيء من مبتدءات الامور وعواقبها، وأنّه الذي يفتح باب العلم ويرفع الحجاب عن الغيب لمن يريد من الأنبياء والأولياء، لأنّه لا يعلم الغيب سواه، ولا يقدر أحد أن يفتح باب العلم به للعباد الاّ الله، وقال سبحانه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ﴾ أراد أنّ من ارتضاه واختاره للنبوّة والرّسالة فانّه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة.
عن الإمام الرّضا (عليه السلام)  في تفسير هذه الآية فرسول الله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرّسول الذي أطلعه الله على ما يشآء من غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة (6) .

ومن هذا الباب معرفتهم بالمتشابهات وعلمهم بتأويلها بسبب تعليمه تعالى بوحي أو الهام، ولا منافاة بين إقرارهم بجملة ما جهلوا تفسيره منها من تلقاء نفسهم ووكول ذلك إلى ربّهم كما حكاه الله وحكاه (عليه السلام)  عن الرّاسخين وبين معرفتهم الحاصلة بتعليمه سبحانه بل ربما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿ قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ .
القسم الثانى ما هي غير قابلة للارتفاع كحجب النور المانعة من الوصول إلى الحقّ والاكتناه في ذاته.
اعترافهم بجملة ما جهلوا تفسيره على ما أشار إليه الامام (عليه السلام)  «فَمَدَحَ اَلله عَزَّ وَجَلَّ اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً» من المتشابه، حيث حكى عنهم أنّهم يقولون: آمنّا به أي: بالكتاب كلّ من المحكم الّذي فهمنا، والمتشابه الذي لم نفهمه من عند ربّنا «وَسَمَّى تَرْكَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اَلْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ» أي: حقيقته وبلوغ غايته «رُسُوخاً» أي: ثبوتا مستحكما، من رسخ الجبل، فعبّر عنهم بقوله: والراسخون في العلم، وحالهم ما قاله الشاعر:
عجز الواصفون عن صفتك   اعتصام الورى بمغفرتك
تب علينا فانّنا بشر           ما عرفناك حقّ معرفتك

«فَاقْتَصِرْ» أيّها السّائل «عَلَى ذَلِكَ» أي على ما دلّ عليه الكتاب العزيز من صفته «وَلاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اَلله سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْهَالِكِينَ» الذين اعتقدوا أنّ عقلهم قدّره سبحانه وأحاط به علما، وصغّروا عظمته سبحانه بحسب عقلهم الضعيف مع أنّ عظمته تعالى أجلّ وأعظم من أن يضبطها عقل بشري، وإنما منشأ ذلك الحكم لمن حصل له هو الوهم الحاكم لمثليّة الله لمدركاته من الأجسام والجسمانيات، وذلك في الحقيقة كفر لاعتقاد غير الصّانع صانعا، وضلال عن طريق معرفة الله، مستلزم للهلاك الدّائم، والخزي العظيم (7) . فعن الإمام الصادق (عليه السلام)  أنه قال: «تكلّموا في كلّ شيء، ولا تتكلّموا في ذات الله تعالى». وعن الإمام الباقر (عليه السلام) : «تكلّموا في خلق الله، ولا تتكلّموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّرا» (8) .
اللهم إني أسألك باسمك يا الله يا رحمان يا رحيم يا كريم يا مقيم يا عظيم يا قديم يا عليم يا حليم يا حكيم سبحانك يا لا إله إلا أنت أن ترحمنا وتنصرنا وتثبتنا على دينك إنك سميع مجيب(9) .


(1) - نهج البلاغة: من الخطبة 89.
(2) - بحار الأنوار: ج4، ص39.
(3) - الكافي: ج1 ، ص143.
(4) - سورة آل عمران، الآيتان: 7 - 8 .
(5) - بحار الأنوار: ج23، ص191.
(6) - مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج 9، ص: 283.
(7) - أهم المصادر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.
(8) - الكافي: ج1 ، ص92 ، ح1.
(9) - إعداد: الشيخ فادي الفيتروني.



   الأخلاق في القرآن

علاقة العمل بالأخلاق

 

صحيح أنّ أعمال الإنسان تتبع أخلاقه الظاهريّة والباطنيّة، بحيث يمكن القول أنّ الإنسان يتأثر في سلوكه العملي، بأخلاقه الباطنية الكامنة في عالم اللاّشعور، ولكن من جهة اُخرى، يمكن لأعمال الشّخص أن تؤُثر في أخلاقه، من خلال صياغة المضمون للصّفات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ومحتواه الباطني، ومعناه أنّ عمليّة الممارسة المستمرة، لعمل ما حسناً كان أو قبيحاً، سيؤثر في نفسيّة الإنسان، و يحوّل ذلك العمل إلى حالة باطنيّة، وبالإستمرار يصبح من ملكات الإنسان الأخلاقيّة الحسنة، أو القبيحة، وبناءً عليه فإنّ من الطرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو تهذيب الأعمال في حركة الواقع الخارجي، فمن مارس الأعمال القبيحة، فسوف تتحول على أثر التّكرار إلى ملكة سيّئة في أعماق روحه، وتكون السّبب في ظهور الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك والممارسة.

وبناءً على ذلك نرى التأكيد في الرّوايات على أنّ يستغفر الناس بسرعة عند الخطأ، ويغسلوا تلك الآثار بماء التوبة، كي لا تخلّف آثارها السّلبية على القلب، وتتحول إلى ملكات أخلاقيّة قبيحة.
وبعكسها نجد التأكيد على تكرار الأعمال الصّالحة، بشكل مستمر كي تصبح عادةً عند الإنسان، في واقعه النفسي والروحي.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، ونستعرض الآيات الشّريفة التي تشير إلى هذا المعنى:

تفسير واستِنْتاجٌ:

في «الآية الاُولى»: نجد إشارةً إلى معطيات الذّنوب السّلبية على قلب روح الإنسان، فهي تسلب الصّفاء والنّورانية منه، وتحلُّ الظّلمة مكانه، فيقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (1) .
فجملة: ﴿ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، جاءت بصيغة الفعل المضارع، الذي يدلّ على الإستمرار، بمعنى أنّ الأعمال القبيحة، بإمكانها أن توجد تغييرات وتحولات كبيرة، في قلب الإنسان وروحه، فهي كالصّدأ الذي يحجب نورانيّة وصفاء المرآة ويكدّرها.
فالرّذيلة تُقسّي القلب وتسلبه الحَياء، في مقابل الذّنب، فيغلب عليه الشّقاء والظّلمة، أمّا «الرّين» على وزن «عين»، فهو الصّدأ يعلو على الأشياء الثمينة، نتيجةً لرطوبة الجوّ، فيكوّن طبقةً حمراء تُغطّي ذلك الشّيء، وهو علامة على فساد ذلك الفِلِز.

فاختيار هذا التعبير هو اختيار مُناسب جدّاً، حيث أكدت عليه الرّوايات الإسلامية، مراراً و تكراراً، وبحثنا الآتي سيكون حول هذا الموضوع.
وفي «الآية الثانية»: تعدّت مرحلة الرّين وأشارت إلى مرحلة «التّزيين»، وبناءً عليه فالتكرار لعمل ما، يبعث على تزيينه في عين الإنسان ونظره، وتتوافق معه النفس الإنسانية، لدرجة يعتبره الإنسان من المواهب والافتخارات التي يتميز بها على الآخرين، فيقول الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ (2) .
فجملة: ﴿ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وكذلك «المسرفين»، هي دليلٌ واضحٌ على تكرارِ الذّنب من قبلهم، فالتّكرار لها، لا يمحو قُبحها فقط، بل وبالتّدريج ستتحول الخطيئة إلى فضيلة في نظرهم، وهذا يعني في الحقيقة المسخ لشخصيّة الإنسان، وهو من النتائج المشؤومة لتكرار الذّنوب.
وهناك خلافٌ حول الفاعل، الذي يزيّن لهؤلاء الأفراد أعمالهم القبيحة...
فقد ورد في بعض الآيات الكريمة، إنتساب ذلك الفعل إلى الباري تعالى، واعتبره كعقاب لهم، لأنّهم أصرّوا على الذّنوب، فالتّزيين هو إستدراج لهم، وليذوقوا وبال أعمالهم فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (3) .

وفي الآية (43) من سورة الأنعام، نسب ذلك الفعل للشّيطان الرّجيم، فيقول عن الكفّار المعاندين، الذين لا يحبون النّاصحين: ﴿ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
ومرةً اُخرى نسب ذلك الفعل للأصنام، فيقول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ (4) .
واُخرى (وكما ورد في الآية التي هي مورد بحثنا الآن)، ورد بصورة الفعل المبني للمجهول: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ﴾ .

وبنظرة فاحصة، نرى أنّ هذه التّعابير لا تتقاطع فيما بينها، بل أحدها يكمّل الآخر، فمرةً تكون الزّينة عاملاً على تكرار العمل، فالتّكرار يُقلّل من قبح العمل، ويصل إلى مرحلة لا يحسّ معها بالذّنب، وبالاستمرار يحسُن في نظر صاحبه، فيُقيّده ولا يستطيع التّحرر من ذلك الفخ، الذي نُصب له، وهي حقيقةٌ يمكن للإنسان أن يلمسها، بالتتّبع والنّظر لحال المجرمين.
وفي موارد اُخرى، فإنّ الوساوس الشّيطانية الخارجيّة، والوساوس الباطنيّة النفسيّة، تزيّن للإنسان سوء عمله، ويصل الأمر به إلى إرتكاب الكبائر، بحجة أنّه يؤدّي واجبه الدّيني فيغتاب شخصاً ما، بدون ذنب وهو يتصور أنّه على حقٍّ، ولكن الحسد في الواقع هو الذي يدفعه الى ذلك، والتأريخ مليءٌ بمثل هذه الجنايات الفظيعة، فوساوس النّفس والشّيطان لا تعمل على التّستر على قبح العمل فقط، بل تجعله من إفتخاراته.

وربّما يعاقب الباري تعالى، أشخاصاً لعنادهم، وعدم قبولهم النّصيحة، ولا يكون العقاب إلاّ بتزيين سوء عمل الإنسان، لتشتدّ عقوبته ويفتضح أكثر فأكثر.
ويجب التّنويه، إلى أنّه وطبقاً للتّوحيد الأفعالي، فإنّ كلّ عمل وأثر موجود في هذا العالم، يمكن أن يُنسب إلى الله تعالى، لأنّ ذاته المقدّسة هي علّةُ العلل، ولا يعني هذا الأمر أنّ الأفراد قد اُجبروا على أفعالهم، فالحمد لله الذي جعل القوّة والقدرة على الفعل ومنَحها لِعباده، واللعنة على الذين يستعملون تلك القوّة في دائرة الشر والذّنوب.
وربّما تقتضي طبيعة الأشياء، التّزيين والزخرفة، فنقرأ في الآيه (14) من سورة آل عمران: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ... ﴾ .

وإحدى العوامل لتزيين الأعمال القبيحة في نظر الشّخص، التّكرار لها، فهو يُؤثر في نفس وروح الإنسان، ويغيّر أخلاقه، والعكس صحيحٌ، فإنّ تكرار الأعمال الحسنة يصبح ملكةً بالتدريج عند الإنسان، ويبدّله إلى أخلاق فاضلة، ولذلك ولأجل تهذيب النّفوس ونمو الفضائل الأخلاقيّة، نوصي السّالكين في هذا الطّريق، بالاستعانة بتكرار الأعمال الصّالحة، وأن يحذروا من تكرار الأعمال السيئة، فالأوّل هو المعين الناصح للإنسان، والثاني عدوّ غدّار.

و«الآية الثالثة»: تتحدث عن تزيين سوء أعمال الإنسان أيضاً، فيقول تعالى: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً(5) .
فكما جاء في تفسير الآية السّابقة: فإنّ من العوامل لتزيين سوء الأعمال هو التّكرار، والتّطبيع عليها، والتّدريج يؤدّي إلى أن يفقد الإنسان، الإحساس بِقُبحها، وسوف يولع بها ويفتخر أيضاً.

واللّطيف أنّ القرآن الكريم، عندما يسأل ذلك السّؤال، لا يذكر النّقطة المقابلة لها، بصورة مباشرة، ويفسح المجال للسّامع، أن يتصور النّقطة المقابلة بنفسه، ويتفهمها أكثر، فهو يريد أن يقول: هل أنّ هذا الفرد، يتساوى مع من يميّز الحق من الباطل في حركة الحياة؟، أو هل أنّ هؤلاء الأفراد، يشبهون الأفراد من ذوي القلوب الطّاهرة، الذين يعيشون حالة الإهتمام بمحاسبة أنفسهم، والبعد عن القبائح...؟.
ويجب الانتباه، الى أنّ الله تعالى يقول، في ذيل الآية مخاطباً رسوله الكريم: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ .
وهو في الحقيقة عقابٌ للّذين يفعلون القبائح، فيجب أن تكون عاقبتهم كذلك.
وقد جاء في تفسير، «في ظلال القرآن»: أنّ الباري تعالى إذا أراد أن يهدي الإنسان للخير، «بسبب نيّته وعمله»، فيجد في قلبه الحساسيّة والتّوجه الخاص لسوء الأعمال، فهو دائماً على حذر من الشّيطان والخطأ والزّيغ ولا يأمن الاختبار، وينتظر المَدد الإلهي دائماً، وهنا يكون الفصل بين طريق الهداية والفلاح، وبين خطّ الضّلال والهلاك (6) .

وقد ورد، أنّ أحد أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام) ، (أو أحد أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) )، قال: سألت الإمام (عليه السلام)  ما هو العجب الذي يبطل عمل الإنسان؟ فقال(عليه السلام) : «العُجبُ دَرَجاتٌ مِنْها أَنْ يُزَيَّنَ لِلعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنعاً» (7) .
و«الآية الرابعة»: تتحدث عن مَلِكَة سَبأ، وعاقبتها والأخبار التي جاء بها الهدهد لسليمان(عليه السلام) ، من تلك الأرض واُولئك القوم: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ (8) .

فالشّمس مع نورها الوهّاج، وعظمتها وفائدتها، لكنّ طلوعها وغروبها، وانحجابها بالغيوم، تبيّن أنّها هي بدورها أيضاً تابعة لقوانين الكون، ولا إرادة لها أبداً، ولا تستحق التقدير. ولكنّ الآباء علّمت الأبناء، والتربية الخاطئة والسُنّة الضّالة، وتكرار العمل، حَدَت بالنّاس لتصوّر القبيح في صورة حسنة، وفي بعض البلدان، يعبدون البقر، ويؤدّون الطّقوس أمامها، وهو مدعاةٌ للسّخريّة والضَّحِك، ولكنهم يفتخرون بذلك. ومن العوامل المهمّة لذلك، هو التّكرار لذلك العمل الذي عوّد الإنسان على القبيح وجعله حسناً.
وقد يُنسب هذا الفعل للشّيطان، ولكن في الحقيقة، الشّيطان له وسائل متعدّدة للغواية، ومنها التّكرار للقبيح والتعوّد عليه.

«الآية الخامسة»: لها نفس المحتوى الوارد في الآيات السابقة، ولكن بتعبيرات جديدة، حيث قال تعالى، مخاطباً رسوله الكريم: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (9) .
فالكلام عن المتضرّر الأوّل في المعركة، وهو الذي يصرف عمره وفكره وطاقته في الطّريق الغلط، وهو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً، وهو فرحٌ ومسرورٌ ويفتخر بذلك.
فلماذا يُبتلى الإنسان بهذه المصائب؟، ليس ذلك إلاّ لأنّه تعوّد على القبائح، وإتّباع هوى النّفس، والأنانية والعجب، فتجعل الحُجب على قلبه وعقله، فلا يرى الحقيقة واضحةً صائبةً كما هي.
والنتيجة لهذا الأمر، جاءت في الآية التي بعدها فقال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ .

وفسرت الروايات الإسلاميّة، هذه الآية بتفسير وتعبيرات متعددة، وكلٌّ منها هو في الحقيقة مصداقٌ للآية، فبعضها فسّرت الآية بالمنكرين لولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وبعضها فسّرت الآية بالرّهبان المسيحيين، فهم الذين يتركون الدنيا بالكامل ولذائذها، وهم في الحقيقة مخطئون، ويتحرّكون في دائرة الفكر والعمل في الطّريق المنحرف.
والبعض الآخر من الروايات، ذكرت في تفسيرها أنّهم أهل البدع من المسلمين؛ واُخرى فسّروها، بخوارج النّهروان، وقال آخرون: أنّها نزلت في أهل البدع من اليهود والنّصارى، فكلّ هؤلاء الأشخاص على خطأ وأعمالهم مليئةٌ بالإجرام والظّلم، ولكنهم كانوا يحسبون أنّهم على صواب.

وتجدر الإشارة إلى أنّ، جملة: «حبطت أعمالهم»، التي جاءت في ذيل الآية، هي من مادة «حبط،» ومن معانيها المعروفة هو البعير أو حيوان آخر، يأكل العلف بشراهة، حتى العلف السّام والضار بحيث يؤدي إلى إنتفاخ بطنه، وقد يؤدّي به في بعض الأحيان للموت، فالبعض يتصور أنّ ذلك هو دليل على قوته وقدرته، ولكنّ الحقيقة هي غير ذلك، بل هو المرض بعينه، أو مقدمةٌ لموته، ولكن الجهّال يعتبرونها من القوّة والقدرة.
وقسمٌ من النّاس يبتلون بمثل هذه العاقبة، فيكون كلّ سعيهم وقوتهم لهلاك أنفسهم، وهم يتصورون أنّهم سلكوا طريق السّعادة والرفاه.

«الآية السادسة»: تتناول مسألة قبول التّوبة من قبل الله تعالى، لمن تتوفر فيهم بعض الشّرائط:
1 ـ الّذين يعملون السّوء بجهالة ولا يعرفون عواقب الذّنوب على نحو الحقيقة.
2 ـ الّذين تابوا بسرعة من أعمالهم القبيحة، فاُولئك الّذين تشملهم الرّحمة الإلهيّة، ويقبل الله تعالى توبتهم، فقال: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (10) .
والمراد من كلمة «الجهالة»، التي وردت في الآيه، ليس هو الجهل المطلق الذي يوجب العذر؛ لأنّ العمل في حالات الجهل المطلق، لا يعتبر من الذنب، بل هو الجهل النّسبي الذي لا يعلم معه عواقب ومعطيات الذّنوب في حركة الواقع والحياة.

وأمّا جملة: «يتوبون من قريب»، فقال بعضهم إنّها قبل الموت، ولكن إطلاق كلمة «قريب»، على فترة ما قبل الموت، التي ربّما تستغرق (50) سنة أو أكثر، لا تكون مناسبة لهذا النوع من التّفسير، وإستدل مؤيّدوا هذه النظريّة، بروايات لا تشير إلى هذا التفسير، ولكنّها بيانٌ مستقلٌ ومنفصلٌ عنه.
وقال البعض الآخر، إنّها الزّمان القريب لإرتكاب الذّنب، حتى تمسح التوبة الآثار السّيئة للذنب في روح ونفس الإنسان، وفي غير هذه الصّورة، فستبقى الآثار في القلب، وهو ما يناسب كلمة القريب عُرفاً و لغةً.

«الآية السابعة»: تناولت مسألة الزكاة ومعطياتها، فجاء الأمر للرّسول الكريم: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ .
ويتحدث القرآن الكريم عن الزّكاة، وبيان معطياتها الأخلاقيّة والمعنويّة، في خطّ التربية، ويقول: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا(11) .
نعم، فإنّ دفع الزكاة يحدّ من الرّكون إلى الدنيا وزخارفها، ويقمع البخل في واقع النفس البشريّة، ويحث الإنسان على مراعاة حقوق الآخرين، ويغرس فيه حبّ السّخاء والإنسانيّة.
فهذه الآية الشّريفة، تبيّن بوضوح أنّ التعفف في العمل يبعث على طهارة ونظافة القلب، وبالعكس فإنّ الجرأة على إرتكاب المنكر وعدم الحياء، يلوّث روح وقلب الإنسان، ويعمّق في نفسه الميل إلى الرذائل الأخلاقيّة.

النّتيجة: كان الهدف من شرح الآيات الآنفة الذّكر، هو معرفة تأثير الأعمال في الأخلاق، وبلورتها لروح الإنسان، فلأجل بناء الذّات وتهذيب النّفس، يتوجب مراقبة أعمالنا من موقع الحذر والإنضباط والمسؤوليّة، لأنّ تكرار الذّنب والإثم يذهب بقبحه من جهة، ومن جهة اُخرى يمنح الإنسان التعوّد عليه، وبالتدريج يصبح ذلك العمل ملكةً لديه، ولا يزعجه فقط، بل ويتحول إلى عنصر فخر من إفتخاراته (12) .


(1) - سورة المطففّين، الآية: 14.
(2) - سورة يونس، الآية: 12.
(3) - سورة النمل، الآية: 4.
(4) - سورة الأنعام، الآية: 137.
(5) - سورة فاطر، الآية: 8.
(6) - تفسير في ظلال القرآن: ج6، ص675.
(7) - نور الثقلين: ج4، ص351، ح30.
(8) - سورة النمل، الآية: 24.
(9) - سورة الكهف، الآية: 103 ـ 104.
(10) - سورة النساء، الآية: 17.
(11) - سورة التوبة، الآية: 103.
(12) - الأخلاق في القرآن لسماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج1، ص169.


  حفظ القرآن

التحذير من الوقوع في أخطاء
أثناء قراءة وحفظ القرآن الكريم (2)


عن رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يوضع يوم القيامة منابر من نور، وعند كلّ منبر نجيب من نجب الجنّة ثمّ ينادي مناد من قبل ربّ العزّة: اين حملة كتاب الله [وهم حفظة القرآن العاملون به ]. اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليهم، ولا انتم تحزنون حتى يفرغ الله تعالى من حساب الخلائق، ثمّ اركبوا على هذه النّجب واذهبوا إلى الجنّة» (1) .

أخطاء شائعة في قراءة القرآن الكريم:
قلنا في العدد السابق إنه توجد أمور مهمة ينبغي أن يلتفت إليها الحافظ وهي: الآيات التي تقدم فيها المفعول به على الفاعل، والحذر من ألأخطاء بسبب التشابه بين آيتين وردت فيهما نفس الكلمة، وأخطاء قد يقع فيها بسبب عدم معرفة قاعدة الرسم القرآني.
وبينا أنَّ هناك عدة أسباب للاختلاف في حركة الكلمة بين موضع وآخر، وذكرنا منها:
1- تغير معنى الكلمة.
2- تغير موضع الكلمة من الإعراب.
3- عدم التفريق بين تاء المتكلم وتاء المخاطب.
4- عدم التفريق بين صيغة المثنى والجمع.
5- عدم التفريق بين صيغة اسم الفاعل واسم المفعول: بقي منها عدّة أمور هي:
- عدم التفريق بين صيغة الاستفهام والخبر: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ(2) ، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً(3) .

فالآية الأولى وردت بصيغة الاستفهام، والثانية بصيغة الخبر، وكلمة (افترى) في الآية الأولى مبدوءة بهمزة الاستفهام، أما في الثانية فهي مبدوءة بهمزة الوصل.
وكم يخطئ الطلاب في ذلك فيقرؤون (أفترى) في الأولى بكسر الهمزة لعدم ملاحظتهم أنها همزة الاستفهام.
- عدم التفريق بين الفعل الماضي وفعل الأمر: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (4) فكلمة (آمنوا) وردت مرتين في هذه الآية، أولاهما بفتح الميم لأنها فعل ماض، والثانية بكسر الميم لأنها فعل أمر.

- عدم ملاحظة الاسم المقصور: الاسم المقصور هو الاسم الذي آخره ألف مقصورة مثل (هدى، بشرى) والمعروف أن الحركات لا تظهر على هذه الألف بل تبقى مقدّرة، وإذا نوِّن الاسم المقصور حُذفت ألفه لفظاً، ولكنها تكتب خطاً وفوقها التنوين (هدىً) .
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(5) . وفي آية أخرى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (6) .
ففي الآية الأولى وردت كلمة (هدىً) معطوفة على (بيانٌ)، ولكن الحركة تبقى مقدرة ثم عطف عليها (وموعظة) فظهر التنوين المرفوع، أما في الآية الثانية فقد وردت كلمة (هدىً) مرتين:
المرة الأولى: محلها من الإعراب (مبتدأ مؤخر) فهي مرفوعة بالضمة المقدرة ولذلك جاء العطف عليها بالضم في كلمة (نورٌ) .
المرة الثانية: محلها من الإعراب (معطوفة على مصدقاً) ولذلك جاء المعطوف عليها منصوباً: (وموعظةً) .
- عدم التفريق بين فعل المضارع المرفوع، والمضارع الواقع جواباً للطلب: إذا وقع الفعل المضارع جواباً للطلب فإنه يصبح مجزوماً، ولكن بعض الطلاب لا يلاحظ ذلك فيقرؤه بالضم، وأمثلة هذا الخطأ عديدة، منها: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ(7) فكلمة (ينقلبْ) مجزومة، والباء فيها ساكنة وليست مضمومة كما يظن بعض الطلاب.

أخطاء بسبب عدم معرفة قاعدة الرسم القرآني:
هناك قواعد خاصة لهذا الرسم يختلف بعضها عن القواعد المعروفة في كتابة الكلمات في اللغة العربية، ولذلك يخطئ من لا خبرة له بهذه القواعد فيتلو بعض الكلمات بشكل خاطئ.
ومن هذه القواعد: قلب الألف واواً يوضع فوقها إشارة تدل على أنها تقرأ ألفاً.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ(8) ، فكلمة (الصلاة) تكتب في المصحف بالواو وهكذا.

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ﴾ ونلاحظ الإشارة الدالة على الألف فوق الواو، ومثلها كلمة (الزكاة) و(الربا) وغيرهما.
ولكن هذه الإشارة إذا وضعت بعد الواو فإن الواو لا تقلب ألفاً وإنما تبقى واواً وتقرأ الألف بعدها، فتقرأ الكلمة (صلواتهم) وليس (صلاتهم) .
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9) . وانظر إلى الرسم القرآني لهذه الكلمة: صَلَوَاتِهِمْ.
فالإشارة الدالة على الألف ليست فوق حرف الواو وإنما جاءت بعده.

وقاعدة أخرى: وهي الهمزة التي توضع قبل الألف فهذه تعني أن حرف الألف يقرأ مداً طبيعياً وليس همزة عادية، أما لو وضعت فوق الألف فهي همزة عادية.
ومثال ذلك قوله وتعالى في سورة الذاريات: ﴿ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (10) فانظر كيف كتبت الهمزة في كلمة (آخذين) وكلمة (آتاهم) فالألف فيهما ممدودة.
أما لو جاءت الهمزة فوق الألف فإنها تقرأ همزة عادية، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ (11) فكلمة (أتى) تختلف عن كلمة (آتى) فاحذر الخطأ أثناء التلاوة في ذلك.

والقاعدة الثالثة: كتابة الكلمة بحذف الألف ووضع إشارة تدل عليها.
مثال ذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (12) فكلمة (أماناتهم) تكتب بدون ألف في المصحف.
وقوله تعالى في أواخر سورة آل عمران: ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
فانظر إلى الفرق في الرسم القرآني بين كلمة (قاتلوا) وكلمة (قُتلوا) ولو أن القارئ لم يلاحظ الإشارة الدالة على الألف لأخطأ في تلاوة هذه الكلمة وربما قرأ الكلمة الأولى فجعلها (قَتَلوا) بدون ألف، بدل (قاتلوا)، وهذا يحدث فعلاً.

رابعاً: أخطاء أخرى شائعة:
هناك أخطاء تتكرر على الألسنة بسبب عدم ملاحظة بعض الكلمات القرآنية عند قراءتها، وبخاصة أن ضبط هذه الكلمات يختلف بعض الشيء عما ألفه الناس أثناء نطقهم بها، فيسبق إلى اللسان عند تلاوتها ما اعتاده من النطق، وإليك بعض الأمثلة كما وردت في رواية حفص:
1- قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (13) ، فكلمة (يهدِّي) تقرأ بتشديد الدال ومعناها يهتدي، ولكن البعض لا يلاحظ التشديد.
2- قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(14) ، فكلمة (عليهُ) وردت في رواية حفص بالضم وليس بالكسر.
3- قال تعالى: ﴿ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ (15) ، فكلمة (وَلايتهم) وردت بفتح الواو وليس بكسرها.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ (16) تقرأ الواو مفتوحة في كلمة (الوَلاية) وليست مكسورة كما يظن بعض الناس.
4- قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ (17) وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (18) فكلمة (نَهَر) تقرأ بفتح الهاء وليس بسكونها كما يسبق إلى اللسان عند النطق بها.


(1) - مستدرك الوسائل: ج1، ص 290 (النجب جمع نجيب وهو الفرس الاصيل) .
(2) - سورة سبأ، الآية: 8.
(3) - سورة الشورى، الآية: 24.
(4) - سورة النساء، الآية: 136.
(5) - سورة آل عمران، الآية: 138.
(6) - سورة المائدة، الآية: 46.
(7) - سورة الملك، الآية: 4.
(8) - سورة الجمعة، الآية: 10.
(9) - سورة المؤمنون، الآية: 9.
(10) - سورة الذاريات، الآية: 16.
(11) - سورة الذاريات، الآية: 52.
(12) - سورة المؤمنون، الآية: 8.
(13) - سورة يونس، الآية: 35.
(14) - سورة الفتح، الآية: 10.
(15) - سورة الأنفال، الآية: 72.
(16) - سورة الكهف، الآية: 44.
(17) - سورة البقرة، الآية: 249.
(18) - سورة القمر، الآية: 54.


   المرأة في القرآن

المرأة في المنظور الإسلامي
 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ابتليت «المرأة» بوصفها نصف المجتمع البشري، بظلم مضاعف يضاهي الظلم التي تعرضت له البشرية جمعاء. فالمرأة بوصفها «زوجة» كانت شريكة الرجل في همومه ومعاناته، ودرعه في البلايا، بل كان ينبغي لها أن تتحمل المسؤولية في الكثير من الأحيان بمفردها، خاصة عندما كان ظلم الطغاة والمحن تؤدي بحياة زوجها وفضلاً عن ذلك كله، لم تكن المرأة تحظى بشأن أو مكانة تستحق التقدير، سواء كانت فتاة في بيت أبيها، أو زوجة إلى جنب زوجها أو أختاً في علاقتها مع إخوتها وعموماً كإمرأة في مقابل الرجل اذ غالباً ما كان يتم تجاهلها واعتبارها عنصراً ضعيفاً وحقيراً ومشؤوماً أو في أحسن الأحوال كائناً يثير العطف والشفقة (1) .


اعتناء الإسلام بالمرأة:

اعتنى الاسلام بالمرأة عناية كبرى، واعتبرها ركناً أساسياً في عملية البناء الاجتماعي، ونظم علاقتها مع الرجل تنظيماً متيناً يحفظ لكل فيهما شخصيته واستقلاله الذاتي، لتتوحد حركتهما وتتجمع طاقاتهما وقدراتهما في قناة واحدة، فتنبثق عن اتحادهما حركة اجتماعية عالمية.
وحتى يتم النجاح للمسيرة الاجتماعية وتتحقق طموحاتها وآمالها في الحياة جاء الاسلام بقوانينه ونظمه برؤاه، وأفكاره وبين المسؤوليات والواجبات للرجل والمرأة، ليخلقا مجتمعاً انسانياً فاضلاً يحمل بين يديه اهدافاً سامية نبيلة.

ولأننا نبتغي الوصول لاكتشاف الدوافع ومعرفة البواعث والوقوف عند فلسفة التبرير الاسلامي، الذي جعل المرأة لبنة رئيسية في مشروع البناء الاجتماعي، يتحتم علينا التأمل الشديد والقراءة الواعية، المتبصرة لما يجب ان تكون عليه المرأة المسلمة داخل البيت العائلي وخارجه.
فالمرأة المسلمة إذن مربية موجهة مرشدة ناصحة (2) . وقد واجهت المرأة في مجتمعاتنا المعاصرة مشاكل باسم الحرية والمساواة نتيجة التمرد على أمر الفطرة الطبيعية وقد استغل الرأسماليون أصحاب المعامل هذه الظاهرة (ظاهرة الحرية والمساواة) من أجل اجتذاب المرأة من البيت إلى المعمل واستثمار طاقاتها اقتصاديا، رفعوا شعارات حقوق المرأة، الاستقلال الاقتصادي للمرأة، حرية المرأة، مساواة المرأة بالرجل في الحقوق.

إنَّ القرآن الكريم -باتفاق الصديق والعدو- هو الذي أحيا حقوق المرأة فالاعداء قد شهدوا على الأقل أنَّ القرآن في عصر نزوله قد خطا خطوات كبيرة لصالح المرأة وحقوقها الإنسانية. لكن القرآن لم ينس كون المرأة امرأة ولا الرجل رجل حين دعا إلى إحياء «إنسانية» المرأة ومشاركتها للرجل في الإنسانية وحقوق الانسان (3) .
وقد بيَّن رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله الله عزَّ وجل في القرآن الكريم حول هذه الحقوق الانسانية ففي الآية 13 من سورة الحجرات: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .

قام النبي محمد  (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو على البشر آيات الله عزَّ وجل في كون النساء والرجال من جنس واحد، لا قوام للإنسانية إلا بهما.
ففي الآية الأولى من سورة النساء قال عزَّ من قائل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾ وفي الآية 188 من سورة الأعراف قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ .
وفي الآية 72 من سورة النحل قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ .

وقام الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو على الناس ما اثبته الله تعالى من ايمان النساء كايمان الرجال، فمن قوله تعالى في الآية 10 من سورة الممتحنة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ .
ومنه قوله تعالى:في الآية 58 من سورة الأحزاب: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ .
وقوله في الآية العاشرة من سورة البروج: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ .
وأخبرهم بأن الله تعالى أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات جميعاً بقوله في الآية 19 من سورة محمد  (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ .


جزاء المؤمنات في الآخرة كالمؤمنين:

وقام  (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو على العالم في جزاء المؤمنات كالمؤمنين آيات من الله تعالى، منها قوله تعالى في الآية 97 من سورة النحل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

وهناك آيات كثيرة تبين هذا الموضوع كالآية (40) من سورة غافر : ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ . والآية (124) من سورة النساء: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ وقوله تعالى في أولي الألباب الذي يذكرونه كثيراً ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ويدعونه وذلك في الآية 195 من سورة آل عمران: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ وفيها وعدهم جميعاً بإدخالهم الجنة وحسن الثواب. كما ورد أيضاً في قوله تعالى من سورة الأحزاب الآية 35 والآية 72 من سورة التوبة الكثير من الشواهد التي تبين ما أعطى الله للمرأة، من كرامة ومساواة في الحقوق والواجبات فيما بينها وبين الرجل ومنها أيضاً.


المشاركة في الحقوق والواجبات:

النساء يشاركن الرجال في العبادات كالصلاة والحج وقد شرّع لهن من الأمور الاجتماعية والسياسية ما هو أكثر من ذلك. قال تعالى في الآية 71 من سورة التوبة: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فأثبت الله للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين فيدخل فيها ولاية الاخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية، إلا أن التشريعات أسقطت عن النساء وجوب القتال بالفعل، فكانت نساء النبي وأصحابه يخرجن في الغزوات مع الرجال يسقين الماء، ويجهزن الطعام، ويضمدن الجراح، ويحرضن على القتال. وقد ورد أنه لما جرح الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم) تولت فاطمة (عليها السلام) غسل جراحه وتضميده.


الحقوق المالية:

قد أبطل الإسلام ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك والتضييق عليهن في التصرف بما يملكن واستبداد ازواج المتزوجات منهن بأموالهن، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر الزوجية والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع والشراء والاجارة والهبة والصدقة وغير ذلك، ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة، وأن المرأة الفرنسية لا تزال وإلى اليوم مقيدة بإرادة زوجها في جميع التصرفات المالية والعقود القضائية.


حقهن في الميراث:

قال الله تعالى في إبطال ظلم الذين كانوا يمنعون النساء من الارث ويجعلونه للرجال خاصة من سورة النساء في الآية السابعة: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ثم بين نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث من هذه السورة من الآيتين (11 و 14) وهي مبنية على قاعدة: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ وحكمة جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل أنَّ الشرع الاسلامي إوجب على الرجل أن ينفق على المرأة، فبهذا يكون نصيب المرأة مساوياً لنصيب الرجل تارة وزائدة عليه تارة أخرى باختلاف الاحوال.


مهر الزواج:

إن مما امتازت به الشريعة الإسلامية المحمديَّة في تكريم البناء على جميع الشرائع والنظم التي يجري عليها البشر في الزواج أنها فرضت على الرجل أن يدفع لمن يقترن بها مهراً مقدماً على البناء بها، من حيث تفرض الشعوب غير المسلمة على المرأة أن تدفع هي المهر للرجل ولكنهم يسمونه باسم آخر.
وشريعة اليهود تفرض للمرأة مهراً لكنها لا تملكه بالفعل إلا إذا مات زوجها أو طلقها لأنه ليس لها أن تتصرف بمالها وهي متزوجة.


المساواة بين الزوجين:

إن الاصلاح الأكبر الذي جاء به الاسلام، ونزل به القرآن في شأن النساء هو في الآية 228 من سورة البقرة فهذه الآية قد هدمت جميع ما كان من النظريات والدعاوي والعادات والتقاليد التي يستبد بها الرجال الأقوياء ويستعلون على النساء الضعيفات في أنفسهن وأموالهن وأولادهن: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ هذه كلمة جليلة جداً جمعت على إيجازها ما لا يؤدي بالتفصيل إلا في سفر كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمراً واحداً عبّر عنه بقوله «وللرجال عليهن درجة» وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى في الآية 34 من سورة النساء: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ... ﴾ الآية. وقد أحال في معرفة مالهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهن، وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزاناً يزن به معاملته لزوجته في جميع الشؤون والأحوال.
وقد قال رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».
والحمد لله رب العالمين (4) .


(1) - مكانة المرأة في فكر الامام الخميني قده
(2) - المرأة المسلمة والعدوان الحضاري، حسن الصباح.
(3) - نظام حقوق المرأة في الاسلام، الشهيد مطهري، ببعض التصرف
(4) - إعداد: الحاجة صفاء حشوش- القسم التعليمي في جمعيَّة القرآن الكريم - منطقة بيروت.


   تجويد القرآن

الوقف والابتداء


يعتبر الوقف والابتداء من أهم أبواب علم التجويد التي ينبغي للقارىء أن يهتم بها ويتعرف إليها. فقد ورد أن الإمام علي (عليه السلام)  عندما سئل عن قوله تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ فقال (عليه السلام) : «الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف»، فالوقف حلية التلاوة، وزينة القارىء، وبلاغ التالي وفهم المستمع وفخر العالم وبه يعرف الفرق بين المعنيَيْن المختلفَيْن.

يُروى أنَّ أحدهم خطب أمام رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» ووقف، فقال له رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): «إجلس بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» فعلى المتكلم أو القارئ أن يختار مواضع ومقاطع يقف عندها ليظهر المعنى المقصود للسامع، والخطأ فيه مكروه ومستقبح في الكلام الجاري بين الناس، وأشد كراهة وقبحاً في كلام الله سبحانه وتعالى ولهذا كانت معرفة الوقف شطر تعريف الترتيل عند أمير المؤمنين (عليه السلام)  والوقف على مقاطع الكلام نوعان، نوع يجوز الوقف عليه وهو ما يؤدي معنًى صحيحاً، ونوع لا يجوز الوقف عليه وهو ما لا يؤدي معنًى صحيحاً.
فالوقف والابتداء هو عِلمٌ بقواعد يعرف بها محال الوقف ومحال الابتداء وما يصح منها وما لا يصح.
أمّا فائدته فهي صون النص القرآني من أن تنسب فيه كلمة إلى غير جملتها.


تعريف الوقف:

لغة: المنع، والحبس. يقال: أوقفت الدابة أي حبستها.
وعند المجوّدين: هو قطع الصوت على كلمة قرآنية بزمن ما يتنفس فيه عادة القارىء بنيّة استئناف القراءة لا الإعراض عنها ويكون في أواخر الآيات وأواسطها بخلاف السكت والقطع، ولا بد معه من النفس، وله أربعة أقسام ابتداءً:
1 - الاضطراري. 2 - الانتظاري.
3 - الاختباري. 4 - الاختياري.


أقسام الوقف وأنواعه:

1- الوقف الاضطراري: هو ما يعرض للقارىء بسبب ضيق نفس ونحوه كعجز أو عطاس أو نسيان، فله أن يقف على أي كلمة شاء، ولكن يجب عليه الابتداء بالكلمة الموقوف عليها إن صح الابتداء بها.
2- الوقف الانتظاري: هو أن يقف القارىء على كلمة ليعطف عليها غيرها عند جمعه لاختلاف الروايات والقراءات.
3- الوقف الاختباري: هو الذي يتعلق بالرسم لبيان المقطوع والموصول، والثابت والمحذوف ونحوه، ولا يوقف عليه إلاّ لحاجة، كسؤال ممتحن أو تعليم قارىء كيف يقف إذا اضطُرّ لذلك.
4- الوقف الاختياري: وهو أن يقصد لذاته من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة، وهذا النوع من الوقف هو المقصود بيانه، وهو على قسمَيْن: جائز وغير جائز.

والجائز على ثلاثة أقسام:
أ - الوقف التام. ب - الوقف الكافي. ج - الوقف الحَسن.
أما غير الجائز فله نوع واحد وهو الوقف القبيح.
أ - الوقف التام: هو الوقف على كلمة قرآنية ليس بينها وبين ما بعدها تعلق لفظي ومعنوي وأغلب ما يكون عند رؤوس الآيات وعند انقضاء القصص وهو أرقى أنواع الوقف. ويقصد بالتعلق اللفظي من جهة اللغة والإعراب والمعنوي من جهة المعنى والتفسير، وحكمه: يصح الوقف عليه والابتداء بما بعده.
ملحوظة: الوقف اللازم بحسب تعبير علماء ضبط الرسم القرآني هو من قبيل الوقف التام.


من علامات الوقف التام:

1 - أن يكون آخر قصة نحو: ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) وَإِلَى ثَمُودَ... (1) .
2 - الابتداء بما بعده بالنهي نحو: ﴿ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ... (2) .
3 - الابتداء بما بعده بالشرط نحو: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا(3) .
4 - الابتداء بما بعده بالاستفهام نحو: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (26) أَأَنتُمْ أَشَدُّ... (4) .
5 - الابتداء بما بعده بالأمر نحو: ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّىءْ عِبَادِي(5) .
6 - الابتداء بما بعده بياء النداء نحو: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ... (6) .
7 - الفصل بين آية عذاب وآية رحمة نحو: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ(7) .
8 - العدول من الأخبار إلى الحكاية نحو: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ(8) .
9 - عند انتهاء الاستثناء نحو: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(9) ، ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ(10) .
10 - عند انتهاء القول نحو: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(11) .
11 - الابتداء بما بعده بالنفي نحو: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (12) .

وسنكمل بحثنا عن باقي أنواع الوقف في العدد القادم بإذن الله تعالى (13) .


(1) - سورة النمل، الآيتان: 44 - 45.
(2) - سورة آل عمران، الآيات: 195 - 196.
(3) - سورة النساء، الآية: 123.
(4) - سورة النازعات، الآيتان: 26 - 27.
(5) - سورة الحجر، الآيتان: 48 - 49.
(6) - سورة الأحزاب، الآيتان: 40 - 41.
(7) - سورة البقرة، الآيتان: 24 - 25.
(8) - سورة الأعراف، الآيتان: 159- 160.
(9) - سورة التين، الآيتان: 6 - 7.
(10) - سورة النساء، الآيتان: 83 - 84.
(11) - سورة الشعراء، الآيتان: 70 - 71.
(12) - سورة البقرة، الآيتان: 176 - 177.
(13) - الأستاذ الحاج عادل خليل مدير قسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم


   حوارات قرآنية

حفظة القرآن الجامعيين

 

الاسم: نرجس علاء الدين.
نبذة مختصرة: نرجس علاء الدين هي حافظة لكامل القرآن الكريم وطالبة جامعية وقد وفقت بالنجاح في المسابقة السنوية لجائزة السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه) لحفظة القرآن الكريم الجامعيين لعام 2013م.
تعمل كمعلمة في جمعية التعليم الديني الإسلامي وفي جمعية القرآن الكريم.

 

س 1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ .
ج: يُفهم من هذه الآية الكريمة ضرورة الوحدة والتعاون والتكاتف بين المسلمين في سبيل الحفاظ على الدين.

س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً»؟
ج: يلفتنا هذا الحديث الشريف إلى ضرورة احترام وتقدير أهل القرآن العاملين به لما لهم من الشأن عند الله عزّ وجل.

س 3: مروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)  أنَّ: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (2) الكرام البررة (3) »، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ ولماذا؟
ج: بالتأكيد، لكنه يلقي عليَّ مسؤوليَّة كبيرة بالمقابل لأصل إلى مستوى الحافظة العاملة بالقرآن الكريم، فأسأل الله التوفيق.

س 4: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج: مشروع ممّيزٌ وفريد، يعبّر عن مدى الاهتمام بحفظة القرآن الكريم، ويشجّع على تنامي هذه الظاهرة.

س 5: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: حفظ القرآن الكريم يجب أن يواكب دراساتنا الأكاديمية، لأنه يضفي عليها قُدسيَّة وتوفيقاً، ويجعل الدراسة أكثر متعةً، وأوضح أهدافاً.

س 6: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج: لم نعتد منك يا سيّدي إلّا كلَّ جميل، وليس بغريبٍ عليك دعم هذا المشروع لأنه يعني الفوز في الدنيا والآخرة، وهذا هو شعارك، فأسأل الله أن يديمك لنا بحق القرآن.


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة .
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.


   أشهر القراء المبدعين

القارىء: الشيخ أبو العينين الشعيشع
(من جمهورية مصر العربية)


يأتي اسم الشيخ ابو العينين الشعيشع في المقدمة ليس لكونه شاهداً على العصرين فحسب أو لاعتباره «نقيباً سابقاً للقراء في مصر» بل لعظيم مكانته في دولة التلاوة واستيعابه لرسالة القرَّاء.

 ولد الشيخ شعيشع في عام 1922م بمدينة «بيلا» وتوفي في العام 2012م. حفظ القرآن الكريم على يد كتّاب قريته وهو في الثانية عشرة من عمره، امتدت مسيرته القرآنية الثرية أكثر من ستين عاماً منذ أواخر الثلاثينات وحتى أواخر التسعينات ومنذ أن صافح صوته آذان المستمعين في عام 1939م بعد اعتماده بالإذاعة وحتى رحيله أجمع المستمعون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي على أنَّ صوته امتداد أصيل للشيخ رفعت وهذه حقيقة يفاخر بها الشيخ شعيشع الذي ظل يقرأ القرآن متأثراً بأسلوب وأداء الشيخ رفعت على امتداد خمسة عشر عاماً وما يزيد وحتى أصيب باحتباس في صوته في منتصف الخمسينيات وشفى منه وعاد أقوى مما كان، ورب ضارة نافعة حيث أقلع الشيخ شعيشع بعدها عن تقليد الشيخ رفعت واستقل بشخصيته القرآنية بعد عشرين عاماً من اعتماده بالاذاعة وظهرت إمكاناته العالية في فن التلاوة وفرض اسمه على الساحة القرآنية جنباً إلى جنب مع الشيخ الشعشاعي ما بين آخر الثلاثينات ومنتصف الأربعينات ثم جنباً إلى جنب مع الشيخ مصطفى اسماعيل وحتى مطلع الخمسينات وحتى ظهر الشيخ عبد الباسط قبل أن يتراجع ويتقدم في الصف الأول للقرّاء عبر مختلف العصور بصوته الحاد الرخيم الذي يفوق في قوته وموسيقاه صوت الشيخ رفعت بمراحل وكم ذاع صيته وانتشر وكثر محبو صوته ومريدوه.
ويعتبر القارىء الوحيد الذي عاصر أربعة أجيال من القرّاء وتميّز بصوته الحاد الرخيم الذي يفوق بقوّته وموسيقاه الكثير من القرّاء المشهورين.

وفي العام 1962م استدعته الإذاعة لاستكمال بعض الآيات غير الواضحة في بعض تسجيلات الشيخ رفعت ورغم أنه قد استقل بشخصيته القرآنية في تلك الآونة إلا أنه نجح باقتدار في مهمته وأصبح من الصعوبة بمكان التمييز بين صوته وصوت الشيخ رفعت في تلك التسجيلات وتعددت سفريات الشيخ ابي العينين إلى مختلف دول العالم وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي عام 1968م كلّف بإحياء ليالي رمضان بدولتين مختلفتين بحيث يحيى النصف الأول من رمضان في دولة ونصفه الأخير في دولة أخرى.
حظي الشيخ ابو العينين شعيشع بالحصول على عدد من الأوسمة الرفيعة في العديد من البلدان العربيَّة والإسلامية والأجنبية قبل أن يحصل على وسام الامتياز عام 1989م وتسلمه خلال احتفال في بلده مصر بليلة القدر.


   مقابلة العدد

القرآن هو خير جليس للإنسان




مقابلة مع القارئ الشيخ نصر السعيد محمد أبو الجلاجل، من جمهورية مصر العربيَّة، مواليد كفر الشيخ، سنة: 26/2/1975م، درس في كلية أصول الدين، وهو مدرّس بالأزهر الشريف، جاء إلى لبنان بدعوة من جمعية القرآن الكريم للمشاركة في احياء الأمسيات القرآنيَّة، وقد أجريت معه المقابلة التالية.


س 1- بداية حدّثنا عن علاقتك واستئناسك بالقرآن الكريم؟ (المؤسّسة والمدينة، المدرّس) .
القرآن هو خير جليس للإنسان ويجب التمسك به وعدم التفريط فيه والعمل بما فيه من تشريع، وحفظت القرآن منذ الصغر على يد فضيلة الشيخ محمد حسن بلتاجى، وفضيلة الشيخ عبد الفتاح حسن بلتاجى.

س 2 ـ ما هو الباعث أو المشجّع الأساسيّ لانضمامك إلى مسيرة القرآن المباركة؟
القرآن الكريم يريح القلب ويبعث الطمأنينة في قلبي وأرى فيه السعادة في الدنيا والآخرة فيه يرفع الله قوماً ومن دونه يخفض آخرين.

س 3 ـ ما هي التّخصّصات الّتي حصلت عليها خلال رحلتك مع القرآن الكريم؟
لقد حصلت على إجازة في رواية الإمام حفص عن عاصم، أيضاً حصلت على إجازة في رواية الامام ورش عن نافع.

س 4 ـ ما هي أهمّ النّشاطات القرآنيّة الّتي تقوم بها خلال الأسبوع؟
أقرأ القرآن على مدار الأسبوع كل يوم 5 أجزاء 6x أيام، بحمد الله يُختم القرآن في أسبوع وأقوم بتدريسه في المعاهد الأزهرية عندنا.

س 5 ـ هل شاركت في مسابقات قرآنيّة محلّيّة أو دوليّة، وما هي النّتائج الّتي حقّقتها فيها؟
نعم شاركت في مسابقات عديدة محلية في جمهورية مصر العربية على المستوى الدولي وحصلت على المركز الثاني في أحدها.

س 6 ـ ما هو مقدار حفظكم للقرآن الكريم؟
بعون الله وحمده أحفظ كامل القرآن الكريم.

س 7 ـ ما هي الطّريقة الّتي اتّبعتها في حفظ كتاب الله عزّ وجلّ؟
كنت أذهب الى الكتّاب في القرية وكنت أحفظ كل يوم نصف صفحة حتى ختمته وكنت أحفظ من آخر المصحف ويسمى هذا (ماضى) حتى لا أنسى.

س 8 ـ برأيك ما هي مواصفات الحافظ النّموذجيّ؟
لا بد أن يكون مجيداً لحفظ كتاب الله تعالى وأن يتحلى بالأخلاق الحميدة قبل كل شيء وأن يكون ملماً بالتجويد حتى يكون قدوة للذين يريدون حفظ كامل القرآن الكريم.

س 9 ـ ما هي تجربتك الخاصّة في حفظ أو تعليم أو تلاوة القرآن الكريم وتعتقد أنّها مفيدة للآخرين؟ لو سمحت بشرحها لنا وللقرّاء الأعزّاء.
في الحفظ: أراجع القرآن كل يوم 5 أجزاء.
في التعليم: أقرأ الدرس أمام التلاميذ وأسمع كل تلميذ على حده (منفرد) .
في التلاوة: أقرأ القرآن الكريم بأحكامه.
إذن لا بد من مراجعة القرآن كل يوم 5 أجزاء على الأكثر.

س 10 ـ ما هو دور المسابقات القرآنيّة في إيجاد روح التّنافس لدى الشّباب في تلاوة القرآن؟
هذه المسابقات تساعد على التعارف والتآلف بين المسلمين وتوحيد كلمتهم وحبهم لبعض فمن خلالها يتعارف الناس. قال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ .

س 11 ـ برأيك ما هي الأمور الّتي يجب أن يتبّعها القرّاء للوصول إلى القمّة في التّلاوة؟
هو أنه لا بد من (التقوى) قال سبحانه: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ والإخلاص في الدنيا.

س 12 ـ من هو القارئ المفضّل لديك والّذي تستمتع باستماع أو تقليد تلاوته؟ ولماذا؟
أسمع كل القراء واحبهم وأحترمهم صغيراً وكبيراً وأميل إلى الشيخ الليثي رحمه الله تعالى لأنه جمع الأصالة والمعاصرة.

س 13 ـ برأيك ما هي المميّزات الّتي يجب أن يتحلّى بها معلّم أو مدرّس القرآن؟
الاخلاص في العمل وتدريس القرآن بأحكامه التجويدية وأن يكون على خلق حميد حتى يكون قدوة لغيره ولتلاميذه وأن يسامح من اعتدى عليه.

س 14 ـ ما هي الأساليب التي يجب إتّباعها مع الأطفال لتنشئتهم تنشئة قرآنيّة؟
ينبغي أن أرغب الأطفال في القرآن الكريم حتى يقبلوا عليه ويحفظونه ويحافظون عليه من الضياع خاصة في هذه الأيام التي تحيط بنا من خلال أعداء الآسلام.

س 15 ـ كيف يساعد التّدبّر في القرآن الكريم على تزكية النّفس الإنسانيّة؟
القرآن يزيد الانسان ورعاً وزهداً في الدنيا فهو يزكيها ويحفظها من كل سوء طالما أن الانسان حافظ على كتاب الله ولم يتركه أبداً.

س 16 ـ ما هي الآية القرآنيّة الشّريفة الّتي كان لها تأثير عليك واستفدت منها عمليًّا في حياتك؟
قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ ، ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ﴾ ، ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ .

س 17 ـ من خلال عملكم القرآنيّ وتجربتكم كيف نفهم قول رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»؟
القرآن الكريم خير أنيس وخير جليس والحافظ لكتاب الله تعالى يعتبر أفضل انسان على وجه الأرض لأنه بذلك قد ملك الدنيا والآخرة.

س 18 ـ ما هي الإرشادات لمجاميع القرّاء والمسابقات القرآنيّة الدّوليّة والمحلّيّة؟
لا بد من الاهتمام بكتاب الله تعالى وعدم تركه أبداً والمراجعة دوماً عليه والمحافظة على تعاليمه وأوامره ونواهيه.

س 19 ـ ما هي البلدان الّتي زرتها للمشاركة في الأمسيات أو الحفلات القرآنيّة؟
باكستان - بلجيكا - لبنان.

س 20 ـ تزورون لبنان بدعوة من جمعيّة القرآن الكريم للمشاركة في الأمسيات القرآنيّة، فحبّذا لو تحدّثنا عن تقييمك لآثار هذه الأمسيات لدى الشّباب والمجتمع الّذي يواجه العدوّ الصّهيونيّ وكيانه؟
أنها تبعث على التآلف والتعارف والمحبة والوئام وبذلك يتوحد المسلمون صفاً واحداً حتى لا يتمكن منهم العدو الصهيوني.

س 21 ـ ما هو تأثير القرآن الكريم على العلاقات بين الدّول الإسلاميّة؟ وما هو رأيك بالنّشاطات القرآنيَّة في لبنان ومدى انعكاسها على المستوى الدولي؟
يوطد العلاقات بين الناس والنشاطات في لبنان ما أجملها وما أروعها وأبدعها فبسببها تعرفت على أخوة أفاضل يقدرون حفظة كتاب الله تعالى ويحترمونهم.

س 22 ـ ما هو دور وسائل الإعلام في العالم الإسلاميّ لتغطية ونشر النّشاطات والثّقافة القرآنيّة؟
هو دور مهم وفعال حيث من خلال التغطية والنشر يتعرف الناس على أمور كانت بعيدة عنهم.

س 23 ـ كيف يمكن للبرامج القرآنية أن تساعد على تقديم الصّورة الحقيقيّة للإسلام أمام العالم؟
ينبغي أن تكون هناك مصداقية في النشر حتى لا يغش الناس وهذه المصداقية لا تأتي إلا من خلال أناس صادقين في عملهم حتى نظهر الاسلام في صورة صحيحة.

س 24 ـ كيف نستفيد من البرامج القرآنيّة لتقوية الوحدة الإسلاميّة بين المسلمين؟
البرامج القرآنية تعين وتساعد على تقوية الروابط بين المسلمين وتوحيد الصفوف بينهم.

س 25 ـ ما هو واجب ودور النّاشطين القرآنيّين في مواجهة ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلاميّ؟
لا بد أن يقف الناشطون في مواجهة الارهاب بتعريف الناس أمور دينهم والثقافة الدينية من خلال كتاب الله تعالى.

س 26 ـ ما هي نصيحتكم لحفّاظ وقرّاء القرآن الكريم ولمن لديه رغبة في حفظه وتلاوته؟
لا بد من المداومة على مراجعة كتاب الله تعالى والعمل بما فيه من أوامر ونواهي.

س 27 ـ نطلب منكم نصيحة للشّباب والمجتمع في لبنان ليصبحوا مجتمعًا عاملاً بالقرآن؟
لا بد من دراسة القرآن الكريم دراسة شاملة جامعة ومعرفة ما في كتاب الله تعالى من تشريعات ينبغي للانسان أن يعرفها ويتبعها وأن لا يتخلى عنها (1) .


(1) - أجرى الّلقاء مدير قسم العلاقات العامة الحاج عباس عساف.


   أهل البيت (عليهم السلام)

القرآن في كلام أهل البيت (عليهم السلام)
 

إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)

خلال الأشهر الأربعة (رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة) هناك عدد من المناسبات التي تتعلق بأهل البيت(عليهم السلام)  هي:
ولادة الإمام الحسن (عليه السلام) : 15 / رمضان /3هـ
شهادة الإمام علي (عليه السلام) : 21/ رمضان / 40هـ
شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) : 25/ شوال/ 148هـ
مولد الإمام الرضا (عليه السلام) : 11/ذوالقعدة/ 148هـ
شهادة الإمام الجواد (عليه السلام) : 29/ ذوالقعدة/ 220هـ
شهادة الإمام الباقر(عليه السلام) : 7/ ذو الحجة/ 114هـ

وهناك مناسبات أخرى متعلقة بهم، ونحن نقتفي آثارهم؛ لأنّ في ذلك إحياء لأمرهم، ورحم الله من أحيى أمرهم ودعا إلى ذكرهم فهم أحد الثقلين، عن الإمام الصادق (عليه السلام)  ـ عَن آبائِهِ (عليهم السلام) : سُئِلَ أميرُ المُؤمِنينَ صَلَواتُ الله عَلَيهِ عَن مَعنى قَولِ رَسولِ الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ كِتابَ الله وعِترَتي، مَنِ العِترَةُ ؟ فَقالَ: أنَا وَالحَسَنُ وَالحُسَينُ وَالأَئِمَّةُ التِّسعَةُ مِن وُلدِ الحُسَينِ، تاسِعُهُم مَهدِيُّهُم وقائِمُهُم، لا يُفارقونَ كِتابَ الله ولا يُفارِقُهُم حَتّى يَرِدوا عَلى رَسولِ الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) حَوضَهُ (1) . بدأنا ونجدد بطيب كلام أمير المؤمنين على ضوء بعض العناوين وهي:

القران كتاب هداية:

هناك جملة من الايات والنصوص تشير إلى أن الوظيفة الأساس للقرآن الكريم هي الهداية، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ . وقال سبحانه: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ . وقال جلَّ وعلا: ﴿ .. إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ .


الائتمام العملي بالقرآن:

القران الكريم ليس للقراءة بصوت حسن فقط دون ائتمام عملي به: وإليكم هذه القصة فقد: ورد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)  وصاحبه كميل سمعا في الليل رجلاً يتلو قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ ... ﴾ بصوت شجيّ، فاستحسن كميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرجل، ولم يقل شيئا، فالتفت (عليه السلام)  إليه وقال: «يا كميل لا يعجبك طنطنة الرجل، إنه من أهل النار، وسأنبّؤك فيما بعد».وبعد مدة طويلة وقعت النهروان وقتل الخوارج، فمرّ أمير المؤمنين (عليه السلام)  على قتلاهم، ووضع رأس سيفه على أحدهم وقال لكميل: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ ... ﴾ فقبّل كميل قدمي علي (عليه السلام)  واستغفر الله (2) .


بيان فضل القرآن الكريم وصفته:

يقول الإمام الحسن(عليه السلام) : «ما بقي في الدنيا بقية غير هذا القرآن فاتخذوه إماماً يدلكم على هداكم، وإن أحق الناس بالقرآن من عمل به وإن لم يحفظه، وأبعدهم منه من لم يعمل به وإن كان يقرؤه» (3) . وقال: «إن هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً يقود قوماً إلى الجنة أحلوا حلاله وحرموا حرامه و آمنوا بمتشابهه، ويسوق قوماً إلى النار ضيعوا حدوده و أحكامه واستحلوا محارمه» (4) .


القرآنُ كلامُ الله:

في قضية ما يسمّى بمِحنة (خلق القرآن) التي استغلّتها السلطات العباسّية لإشغال المسلمين، وصَرفِهم عن الجانب العمليّ للقرآن بطرح القضايا الجانبية التي لا ترتبط بما هو المهمّ من هدف القرآن الكريم.. وقف أهل البيت عليهم السّلام من هذه القضية الاستهلاكية موقفاً رائعاً ومعقولاً، فقد كتب الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)  الرسالة التالية: «بسم الله الرحمن الرحيم عَصَمنا الله وإياك من الفتنةِ، فانْ يفعلْ أَعظِمْ بها من نعمة، وإن لا يفعلْ فهي الهَلَكة. نحن نرى أن الجِدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائلُ والمجيبُ، فيتعاطى السائلُ ما ليس له، ويتكلّف المجيبُ ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله، وما سواه مخلوق، والقرآنُ كلامُ الله، لا تجعلْ له اسماً من عندك فتكونَ من الضالّين. جعلنا الله وإياكَ مِنَ الذين يخشَون ربَّهم بالغيب وهم من الساعة مُشفقُون» (5) .


القرآن حي لا يموت:

وقد روى العياشي باسناده عن أبي جعفرالباقر (عليه السلام)  في قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أنه قال: علي الهادي، ومنا الهادي، فقلت: فأنت - جعلت فداك - الهادي ؟ قال: صدقت إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية، لمات القرآن؛ ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين (6) .


الأَمنٌ لِمَكرِ الله:

قال الإمام الجواد (عليه السلام) : «تَاخِيرُ التوبه اغتِرَار، وطُول التَسوِيفِ حِيرَه، والاعتِلال على الله هَلَكَهٌ، والاصرِارِ عَلى الذنب أَمنٌ لِمَكرِ الله، ﴿ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ » (7) .


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 1 / 57 / 25.
(2) - بهج الصياغة في شرح نهج البلاغة: ج13، ص37.
(3) - الإمامة وأهل البيت عالنظرية والاستدلال: 189.
(4) - إرشاد القلوب: 79.
(5) - التوحيد، للصدوق: 224.
(6) - البيان في تفسير القرآن: 23.
(7) - بحار الأنوار: ج6، ص30.


   الحج في القرآن الكريم



 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وآله الطاهرين.

أهميّة الحجّ في الإسلامي:

يُعتبر الحجّ من أهم العبادات التي شُرّعت في الإسلام ولها آثار وبركات كثيرة جدّاً، فهو مصدر عظمة الإسلام وقوّة الدّين واتّحاد المسلمين، والحجّ هو الشعيرة العباديّة التي ترعب الأعداء وتضخ في كلّ عام دماً جديداً في شرايين المسلمين، فالحجُّ إذاً من أركان الإسلام المهمّة ومن أكبر الفرائض الدينيّة، ولقد عبّر القرآن الكريم عن الأهمية الفائقة للحج في عبارة قصيرة بليغة اذ قال: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ثم قال معقّباً على ذلك: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (1) أي من ترك الحج فقد أضرّ بنفسه. وقد جاء في الحديث: أن «من ترك الحج الواجب من دون عذر حُشِر يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً».

وفي المقابل، ورد لمن يحج من المثوبات العظيمة ما قلّ نظيره في عمل آخر من الأعمال، فاننا نقرأ في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «الحاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم وإن دعوه أجابهم وان شُفعوا شفعهم،... وإن مات متوجهاً غفر الله له ذنوبه». كما ونقرأ في حديث آخر: «إنّ الحج المبرُور لا يعدلُه شيءٌ، ولا جزاء له إلاّ الجنة»! «وأن الحاج يكون كيوم ولدته اُمّه»!.


منافع وأسرار الحجّ:

القرآن الكريم يتحدث عن الحج في عبارة مقتضبة وغنيّة بالمعاني قائلا: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ(2) ، وهذه المنافع عديدةٌ وكثيرةٌ وقد اُشير إليها في أحاديث المعصومين (عليهم السلام) ، ومنها: تربية النفوس، وتهذيب الأخلاق وتقوية اُسس التقوى والاخلاص. «الآثار السياسيّة» فيها عزّة للمسلمين، ودعم لاُسس الدين، ووحدة الكلمة، وتعاظم قوّة المسلمين وشوكتهم أمام الأعداء. «الآثار العلميّة والثقافية» هي الاخرى من آثار الحج الهامّة. «الغايات الاقتصاديّة» من الآثار المترتبة على الحج.
وخلاصة القول: أنّ للحجّ أسراراً هامّة وعديدة ينبغي أن تُبحث وتدوَّن في كتب مستقلَّة، ويتم تعليمها للمسلمين كافة، والشباب منهم خاصّة.


تشريع الحج في الآيات القرآنيَّة:

أمر الله ابراهيم (عليه السلام)  بأن يُسكن هاجر وابنها اسماعيل (عليه السلام) ، عند بيته في مكّة، فامتثل الخليل أمر ربّه، وقال: ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(3) .
الهدف من بناء البيت إقامة الصلاة، فكانت الكعبة قبلة للصلاة، وقد استجاب الله دعاء خليله (عليه السلام)  فجعل البيت الحرام كعبة القلوب يتوافد اليها الناس، وتجلب اليها الثمرات من كلّ بلد.. كما جعل الله البيت الحرام مثابة للناس كلّما زاروه عادوا اليه، لما فيه من عطر التوحيد ورَوح الايمان ورُوحه، وكان أوّل بيت وضع للناس.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(4) .
ونستفيد من هذه الكلمات: أنّ بيت الله الحرام كان أوّل بيت لعبادة الله سبحانه، وهو للناس حيث تلتقي فيه الشعوب والقبائل جميعاً، وفيه البركة لكلّ الناس، ويتزوّدوا فيه بالتقوى والطيّبات، وفيه هدى للناس، وقد جعله الله حرماً آمناً، يحجّ الناس إلى بيته الحرام كل ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .


حرمة صدّ الناس عن المسجد الحرام:

قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (5) .
نستفيد من هذه الآية الكريمة: أنَّ المسجد الحرام لا يكون ملكاً لأحد، وأنَّ الذين يظلمون الناس فيه يأخذهم الله بعذاب أليم. وقد جعل كلّ شيء آمناً من حول البيت حتى الطيور والوحش، وحتى النبات، وفرض الاحرام على مَن يقصده حتى يكون سلماً لمن حوله ولما حوله، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(6) .
فكلّ من يقصد البيت الحرام يكون محترماً، وهو بدوره يحترم الناس ولا يصطاد من تلك الأرض منذ تلبّسه بالاحرام، وحرّم الله على المسلمين أن يعتدوا فيه على أحد بل حثهم على فعل الخير والتعاون فيه والإلتزام بالتقوى.


بيت الطهر والتسليم:

لقد أمر الله سبحانه ابراهيم (عليه السلام)  واسماعيل (عليه السلام)  أن يطهّرا بيت الله (من كلّ رجس) ليكون مهيّأً للطواف والاعتكاف والصلاة فقال ربّنا سبحانه: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (7) .
واستجاب الله دعوة النبي ابراهيم (عليه السلام)  في مكّة اذ جعلها منطقة آمنة، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) .
وقد سأل ابراهيم (عليه السلام)  ربّه بأن يريه مناسك الحجّ، قال الله سبحانه: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (9) .
ويبيّن القرآن أنّ هذا البيت قد وضع لعبادة الله وحده فلا يجوز أن يشرك به غيره، وأنّه يجب أن يطهر قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (10) . ونستفيد من السياق أنّ المشرف على هذا البيت وكلّ بيت عبادة، يجب أن يكون شخصاً ربّانياً، نبيّاً أو وصي نبي، أو واحداً من أولياء الله الكرام، وهكذا فقد أمر الله النبيّ ابراهيم (عليه السلام)  باعلان الدعوة الى الحجّ قال سبحانه: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(11) .


كيف رغّب القرآن في الحجّ ؟

ورغّب القرآن في الحجّ ببيان جملة منافعه الحياتية والاُخروية فقال سبحانه: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (12) .
وهكذا فانّ الهدف الحياتي الأوّل هو أن يشهدوا منافع لهم، حيث يتعارفون ويتعاونون ويتبادلون التجارب ويديرون التجارة، ويتشاورون فيما ينفع بلادهم ويتّحدون ضدّ أعدائهم، فهو اقامة النسك بتقديم الهدي حيث يذكرون اسم الله في أيام العيد فيشكرون ربّهم على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويأكلون منها ويطعمون البائس الفقير. وكأن تقديم القربان إشارة إلى استعداد الإنسان لفداء نفسه - وأعزّ ما يملك- لله تعالى، يقول سبحانه: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (13) .
ثمّ يقول ربّنا سبحانه: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (14) .


أعمال يوم العيد:

ومن أعمال يوم العيد الحلق والتقصير ومنها تقديم النذور والكفّارات، ثمّ اذا انتهت الأعمال نفروا إلى بيت الله للطواف.
وقد أشار الله إلى سنّة القربان عند الشعوب والهدف منه فقال سبحانه: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (15) .
هكذا كان الهدف من المنسك (تقديم الذبائح) بيان أنّ النعم من عند الله، والهدف الأسمى التسليم لله والطاعة التامّة لشرائعه.
قال الله سبحانه: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(16) .


أشهر الحجّ:

قال الله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (17) .
يشترط في احرام الحجّ أن يكون في الأشهر المعلومة (شوّال، ذي القعدة، ذي الحجّة)، ويشترط فيه عقد النيّة، بأن يفرض الانسان على نفسه ترك ما يجب أن يتركه المحرم، وذلك استجابة لدعوة الله له بالحجّ (حيث قال للنبيّ ابراهيم(عليه السلام) ): ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (18) . وهكذا يلبّي المحرم عند عقد الاحرام ويقول:(لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ) وهذا القول من شروط الاحرام.
وهناك كلام عن أنواع الحجّ، وحدود الله فيه، وما يتركه المحرم، وما هي مناسكه، وشرائطه، وغيرها من الأمور، نتحدث عنها في عدد آخر إن شاء الله تعالى.


سِقَايَة الْحَآجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:

ومن بيانات القرآن حول الحجّ هو تقديم خدمة لوفد الرحمن: من سقايتهم، وعمارة المسجد، ولكن يجب ألاّ يتّخذ الكفّار والمنافقون ذلك وسيلة للطغيان، فانّ الايمان بالله والرسول والجهاد في سبيل الله أعظم، قال الله تعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (19) . وهكذا بيّن الله فضل خدمة الحاجّ، ولكنّه حذّر عن تفضيل ذلك على الإيمان الحقّ، والله المستعان.


(1) - سورة آل عمران، الآية: 97.
(2) - سورة الحجّ، الآية: 28.
(3) - سورة ابراهيم، الآية: 37.
(4) - سورة آل عمران، الآيتان: 96 - 97.
(5) - سورة الحج، الآية: 25.
(6) - سورة المائدة، الآية: 2.
(7) - سورة البقرة، الآية: 125.
(8) - سورة البقرة، الآية: 126.
(9) - سورة البقرة، الآية: 127 - 128.
(10) - سورة الحج، الآية: 26.
(11) - سورة الحج، الآية: 27.
(12) - سورة الحج، الآية: 28.
(13) - سورة الصافات، الآيات: 102 - 109.
(14) - سورة الحج، الآية: 29.
(15) - سورة الحج، الآية: 34.
(16) - سورة الحج، الآية: 36.
(17) - سورة البقرة، الآية: 197.
(18) - سورة الحج، الآية: 27.
(19) - سورة التوبة، الآيتان: 19 - 20.


يوم غدير خم يوم العيد الأكبر
 

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 


الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّد وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
يقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1) .
روى الامام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول، يرفعه الى أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الاية ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (عليه السلام)  (2) .

يوم غدير خم أو عيد الغدير، وهو في أواخر أيام حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) , و في أثناء عودة المسلمين من حجة الوداع إلى المدينة المنورة في مكان يُسمى بـ «غدير خم» قريب من الجحفة تحت شجرة هناك, وفي أكبر اجتماع عقده في آخر حياته وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة السنة العاشرة للهجرة, حيث جمع الناس, سابقهم ولاحقهم , على مفترق الطرق قبل افتراقهم وتشتتهم, قام رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطب فيهم النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة ذَكَرَ من فضل علي بن أبي طالب وأمانته وعدله وقربه، حيث توج أمير المؤمنين (عليه السلام)  بتاج الخلافة والإمامة والولاية والحاكمية على المسلمين بعد وفاة النبي محمد  (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان آخر لقائهم به حيث رجع إلى المدينة وتوفّي بعد أشهر.


حادثة الغدير بايجاز:

على الرغم من أنّ الرّوايات التي تذكر هذه الحادثة كثيرة وهي تصف واقعة بعينها، فإِنّ الرّوايات التي عبّرت عنها متنوعة، فبعض هذه الرّوايات مسهب مطوّل، وبعضها الآخر موجز مكثف، وبعضها يتناول جانباً معيناً من الحادثة، ومن مجموع تلك الرّوايات ومن التّأريخ الإِسلامي ومن ملاحظة القرائن والظروف المحيطة بوقوعها وبمكانها يتبيّن مايلي:
أنّه في السنة الأخيرة من حياة النّبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) أدّى المسلمون مع رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة الوداع في عظمة وجلال، وكان لهذه الحجة أثر كبير في النفوس، وبعد إِنتهائها أحاطت بالقلوب هالة من السموّ الروحي، وتشرّبت في الأعماق لذّة هذه العبادة الكبرى.

وكانت الجموع الغفيرة (3) من المسلمين المشاركين في تلك الحجّة يكادون يطيرون فرحاً لهذه السعادة الكبرى التي شرفهم الله بها.
لم يكن أهل المدينة وحدهم قد رافقوا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحجة، بل التحق بركبه مسلمون توافدوا من سائر أنحاء الجزيرة العربية لينالوا شرف الصحبة في هذه الحجّة.

كانت الشمس ترسل أشعتها اللافحة المحرقة على الوديان والسهول لكن لذّة هذا السفر الروحي يسّرت كل شيء، اقترب وقت الظهيرة، واقترب الركب الكبير من أرض الجحفة، وظهرت من بعيد أرض «غديرخم» القاحلة الجافة المحرقة.
كانت المنطقة، في الحقيقة، تقع على مفترق طرق أربع حيث كان على الحجيج أن يتفرقوا إِلى الوجهة التي يقصدونها فطريق يتجه إِلى المدينة نحو الشمال، وآخر يوصل إِلى العراق شرقاً، وطريق الغرب يتجه إِلى مصر، وطريق الجنوب يصل إِلى اليمن، ها هنا كان لابدّ أن يتحقق أهم فصل من فصول هذه الرحلة وآخر ذكرياتها، وكان على المسلمين أن يتلقوا آخر تكليف لهم، أو المرحلة النهائية من المهمات الناجحة التي اضطلع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قبل أن كان يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة، وقد مضت ثمانية أيّام على عيد الأضحى، وإِذا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصدّر أمره للحجيج بالتوقف، فراح المسلمون يتنادون الذين في مقدمة الركب أن يعودوا، وانتظروا حتى يلتحق بهم من كان في المؤخرة أيضاً. كانت الشمس قد تخطت نقطة الزوال، وصعد مؤذن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي في الناس لصلاة الظهر، وأخذ الناس يستعدون ـ مسرعين ـ لأداء الصّلاة. كانت الرياح لافحة محرقة، حتى اضطر بعضهم إِلى أن يضع قسماً من عباءته تحت قدميه وقسماً منها فوق رأسه كي يتقي حرارة الحصى وأشعة الشمس.
ما كان في تلك الصحراء ما يستظل به، ولا ما تستريح إِليه العين من خضرة الأعشاب، اللهم إِلاّ بضع شجيرات عجاف عارية تصارع حرارة الجو صراعاً مريراً.
كان جمع قد لجأ إِلى هذه الشجيرات ونشر رداءه عليها ليستظل به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إِلاّ أنّ الرياح الساخنة كانت تعصف بتلك المظلة فتنشر تحتها حرارة الشمس الحارقة.

انتهت صلاة الظهر. وهرع الحجيج يريدون نصب خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم يلوذون بها من حر الهاجرة. إِلاّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرهم أنّ عليهم أن يستعدوا لسماع رسالة إِلهية، جديدة في خطبته، وكان الذين يقفون على مسافة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستطيعون رؤيته، لذلك صنعوا له منبراً من أحداج الإِبل ارتقاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلّ، ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إِله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

أمّا بعد: أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبيّ إِلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإِنّي أوشك أن أُدعى فأجيب، وإِني مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً.
قال: ألستم تشهدون أن لا إِله إِلاّ الله، وأن محمّداً عبده ورسوله، وأن جنّته حقّ، وناره حقّ، وأن الموت حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللهم اشهد، ثمّ قال: أيّها الناس ألا تسمعون؟ قالوا: نعم.
ثمّ ساد الجوّ صمت عميق، ولم يُسمع فيه سوى أزيز الرياح... قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين».

فنادى مناد: وما الثقلان، يا رسول الله؟
قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عزَّ وجلّ، وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلّوا، والآخر الأصغر عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثمّ أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض إباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال:
أيّها الناس: من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إِنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» «يقولها ثلاث مرات»، وفي لفظ الإِمام أحمد إِمام الحنابلة: «أربع مرات». ثمّ قال: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبَّ من أحبّه،وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».
ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ... ﴾ الآية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«الله أكبر على إِكمال الدين، وإِتمام النعمة، ورضى الرّب برسالتي والولاية لعلي من بعدي».

ثمّ طفق القوم يهنئون أميرالمؤمنين (عليه السلام)  وممن هنّأه أبوبكر وعمر كلّ يقول: بخّ. بخّ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وقال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم.
وانبرى حسان بن ثابت، شاعر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستأذنه في تخليد ذكرى هذه الحادثة في شعره، فقال:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخم وأسمع بالرّسول مناديا
فقال: فمن مولاكم ونبيّكم؟ فقالوا، ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا ولم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إِماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق وواليا
هناك دعا: اللهم وال وليه وكن للذي عادى علياً معاديا (4) .


(1) - سورة المائدة، الآية: 67.
(2) - أسباب النزول: ص 150 ط مصر.
(3) - قيل أنّ عددهم 90 ألفاً، وقيل 120 ألفاً، وقيل 124 ألفاً.يتفرقوا إِلى حال سبيلهم.
(4) - نقل هذه الأبيات جمع من كبار علماء أهل السنة، منهم: الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والحافظ أبو سعيد السجستاني، والخوارزمي المالكي، والحافظ أبو عبدالله المرزباني، والكنجي الشافعي، وجلال الدين السيوطي، وسبط بن الجوزي، وصدر الدين الحموي، وغيرهم، نقلاً عن الأمثل: ج4، ص89.


   نباتات ذكرت في القرآن الكريم

اليقطين في القرآن الكريم


بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



اليقطين ثمرة مباركة وقيمة غذائية ودوائية عالية ورد ذكره في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (1) . وهو نبات، وثمره يسمى بالدباء أوالقرع كان معروفا قبل الاسلام، والقرآن عندما ذكره ربطه بالنبي يونس بن متى (عليه السلام)  الذي عاش في نينوى بأرض الموصل بالعراق. وللنبات معاليق يتسلق بها على الخيام، والمنازل، وأوراقه عريضة تظلل المكان، ومن حكمة الله تعالى هو إنبات اليقطين حول النبي (ذا النون) عندما لفظه الحوت فأنس بإنباته واستبشر بنباته ونموه السريع، واستظل بظله، واكل من ثماره.


تعريف اليقطين:

نباتٌ عشبيٌّ زاحف ينمو في جميع الأقطار العربية يمتد أفقيا على سطح التربة ومنه ما ينمو على شجيرات متسلقة كما يتمتع اليقطين بدورة حياة نباتية قصيرة ولذلك فهو نبات سريع النمو والإزهار والإثمار إذ يمكن جنيه بعد أقل من ثلاثة أشهر بعد زراعته , والأجزاء المستعملة من اليقطين هو الثمار والأوراق، ورقه في غاية النعومة , وكثير وظليل , ولا يقربه الذباب , ويؤكل ثمره من أول نضوجه إلى آخره وتعني كلمة يقطين في اللغة كل نبتة لا تقوم على ساق، ويحتوي القرع على فوائد غذائية وطبية عظيمة.
يزرع على مدار العام ويتكاثر بالبذور وتجنى ثماره بعد خمسين يوما من زراعته ولا يحتاج الى مساحات شاسعة للزراعة، ويستعمل بذر القرع للتسالي والعلاج، وقد تم إستخراج زيت بذر القرع (( Pum kin seed oil)) الذي يعد للاستعمالات الطبية.
واليقطين هو القرع باصطلاح آخر وهو الدباء والكوسة أيضا، لكن القرع معروف عند الناس أكثر من اليقطين والدباء والكوسة.
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)  قال: «شجرة اليقطين هي الدباء وهي القرع» (2) .


ثمار اليقطين:

تأخذ ثماره أشكالا وأحجاما مختلفة كما تتعدد ألوانها وتتنوع بين الأبيض والأصفر المغبر والأخضر الفاتح والبرتقالي حسب كل نوع وجميعها تتسم بأوراق كبيرة مفصصة ومن اليقطين ما هو مخصص للأكل ومنه ما يزرع للزينة ويستفاد منه بأوجه عدة كما توجد أنواع صيفية منه وأخرى شتوية وجميعها يحتاج إلى كمية كبيرة من الماء لريه وهو ما يوفره المناخ الساحلي بأمطاره الوفيرة وتربته الخصبة.


اليقطين المخصص للأكل نوعان:

الأول: يسمى يقطين القرع أو القرع العسلي وهذا النوع يصل في نموه إلى أحجام كبيرة يتخذ كل منها شكلا كرويا مضلعاً ويستفاد إلى جانب لبه من قشرته السميكة ومن مائه وبذوره في أغراض متعددة كما يمكن تخزين هذا النوع لمدة طويلة دون خشية من تعرضها للتلف نظرا لسماكة قشرتها التي تؤهلها لمقاومة العوامل والمؤثرات الجوية الخارجية لعدة أشهر.
النوع الثاني من القرع: هو قرع الكوسا أو القرع الطويل ويعتبر هذا النوع أحد الخضار المهمة في الفصيلة القرعية وفي النظام الغذائي العام للإنسان.
تحتوي ثماره على المواد الغذائية اللازمة للجسم, وتؤكل خضراء طرية ومطبوخة ناضجة, ويقوي الدماغ وله قابلية للتخزين من دون تلف لمدة طويلة وذلك لسمك جدار الثمرة, ليس لليقطين رائحة تجذب النمل والحشرات.


خطوات زراعة اليقطين:

1- إشتر شتلات اليقطين من أي مشتل قريب, وإلا حاول أن تحصل على بذور نبات اليقطين من أي متجر للبذور. لو كان الطقس في منطقتك باردا حاليا إزرع البذور في مكان داخلي ومُغلق لمدة مؤقتة - أي حتى تمضي فترة الصقيع نهائيا - ولكن لا تمنع عنها ضوء الشمس (عليك أن تضعها قرب النافذة) . أما لو كان الطقس معتدلا أو حارا ولا يوجد إحتمال هبوب موجات صقيق في الثلاثة أشهر التالية فلا تتردد في زرع اليقطين. ملاحظة: إن زراعة اليقطين على شكل شتلات هو خيار أفضل خاصة وأن فترة نموه طويلة (حوالي ثلاثة أشهر) .
2- اختر بقعة في حديقتك تصلها أشعة الشمس بشكل مستمر, فاليقطين يحب الشمس, ثم إحفر أو أنكش تلك البقعة جيدا وأضف لها السماد العضوي ثم أخلط السماد بالتراب جيدا, وأغرس الشتلات على بعد 1 1 متر عن بعضها البعض أو إن لم تكن الشتلات متوافرة فالمتوقّع هو أن بذور اليقطين متوافرة. عليك أن تطمر البذور تحت التراب (على عمق 2 سنتمتر) بشكل تبعد فيها البذور عن بعضها البعض 15 سم. لو زرعت اليقطين على شكل بذور ستحتاج إلى جعل المسافة بين الشتلات 1 متر عندما تنمو ويشتد عودها.
3- كالعادة, وهذه خطوة غير إلزامية, عليك أن تمهّد الأرض بالمواد العضوية (كأوراق الأشجار, ومخلفات النباتات, ونشارة الخشب...) . إن تنفيذ هذه العملية سهل وبسيط, لا عليك إلا أن تضع المواد العضوية المذكورة آنفا حول شتلات اليقطين (أي تحتها مباشرة) بحيث تعمل على حفظ رطوبة التربة, وإحذر أن تمهد التراب إذا كانت البذور لم تنبثق من تحت الأرض.
4- إحرص على ري الشتلات ثلاث مرات في الأسبوع, وزدهم مرّة لو إشتدت حرارة الطقس بشكل كبير.
5- بما أن نبات اليقطين من النباتات المعرّشة, أي يمد ويطول (كالعنب), قم بقصه ومنعه من الإمتداد أكثر عندما تظهر على الشتلة بعض الثمرات.
6- لو افترضنا أنك قرأت مقالة «المحلول العضوي المغذي» وكنت قد صنعت هذا المحلول, قم بري الشتلات بهذا المحلول كل أسبوع أو أسبوعين.
7- عند ظهور ثمار اليقطين, قم بوضع لوح صغير من الخشب أو الكرتون أو النايلون تحت كل ثمرة حتى لا تتعفن من جراء إحتكاكها بالتربة. هذه الخطوة يمكن تطبيقها على البطيخ أيضا.
8- بالطبع أنت تعرف أن اليقطين الناضج يكون لونه أصفر, لذلك لن أقول لك متى تحصد الثمار. ولكن هناك شيىء لا تعرفه وهو أنه حتى لو أصبحت الثمار صفراء اللون فإنه عليك أن تحصدها عندما تموت الشتلة وتَـيْـبَس وليس قبل ذلك.
لدي ملاحظة صغيرة: لا تزرع شتلات اليقطين بالقرب من شتلات الخيار لأن ذلك يساعد على ظهور الحشرات الضارة. يمكنك حفظ الثمار في مكان بارد, ولو إضطررت أن تقطف الثمار قبل موعد نضوجها بقليل (بسبب توقع هبوب موجة صقيع) قم بذلك لأنها ستنضج بعد حين إذا حفظتها داخل المنزل.


مكافحة الآفات:

اليقطين قليل الإصابة بالأفات الحشرية ويمكن رشه بصفة وقائية ضد الأكاروسات بمبيد اورتس بمعدل 40 سم / 100 لتر ماء. وكذلك رشه بإحدى المبيدات الفطرية مثل الكبريت الميكرونى بمعدل ¼ كجم/ 100 لتر ماء لمقاومة البياض الدقيقى أو مبيد رادوميل بلاس لمكافحة البياض الزغبى.
الفئران: تكافح بوضع الطعم السام على حواف الحقل وبكميات كافية.
العوامل التى تساعد على إنتاج محصول وافر:
1 - الزراعة فى الأراضي الصفراء جيدة الصرف.
2 - معاملة التقاوي بالسماد الحيوي قبل الزراعة مباشرة.
3 - لم المحصول أولاً بأول حيث النضج يتم على مراحل.
4 - العناية بالتسميد.
5 - الزراعة فى الميعاد المناسب.


تركيب الدباء:

تم تحليل القرع مخبريا فوجد أنه يحتوي على: فيتامين(A) بكميات كبيرة وهذا الفيتامين مغذي لغشاء العين ويشتهر بأنه مقوي للطاقة، ويحتوي القرع أيضا على فيتامين(B) والكثير من الاحماض النافعة للجسم كما يحتوي على حوالي 90% من وزنه ماء و2 مليجرام دهون و10 مليجرام بروتين وحوالي 6جرام نشويات كما يحتوي على نسبة من الاملاح مثل الحديد والكالسيوم وألياف وزيوت والفوسفور والصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم, وفيتامين B1, فيتامين B2, فيتامين C.


محتويات اليقطين الغذائية:

 تبلغ نسبة الماء في اليقطين 94.7 % ويحتوي على كمية قليلة من السكر والألياف وتعطي المئة غرام منه 65 حريرة فقط، فهو غذاء جيد لمن أراد إنقاص وزنه.
وهو فقير جداً بالصوديوم فهو يناسب المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم وغني بالبوتاسيوم الذي يلزم الذين يتناولون الحبوب التي تَدرُّ البول، كما أنه يحتوي على البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيزيوم والفوسفور والحديد والكبريت والكلور. وهو غني بالفيتامينات وفي طليعتها فيتامين () .
اليقطين يعد غذاء رطباً بل غنياً، ينفع المحمومين ماؤه، يقطع العطش ويذهب الصُّداع إذا شرب أو غسل به الوجه، وهو ملين للبطن كيفما استعمل، فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالاً.
وهناك أدلة حديثة تشير إلى أن اليقطين يفيد في الوقاية من السرطان، وقد نشرت مجلة الأبحاث البيوكيميائية عام 1985 دراسة أُجريت في المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة، أشارت هذه الدراسة أن لليقطين فعلاً واقياً من سرطان الرئة عند سكان نيوجرسي في الولايات المتحدة، كما ثبت في السعودية شفاء طفلين من مرض التوحد خضعا لحمية اليقطين والجوز والتمر.


استعمالات وفوائد اليقطين الطبية:
تساعد ثمرة اليقطين وبذورها في علاج العديد من الأمراض:
ملين للمعدة يمنع الإكتام.
ينشط الكبد، يمنع اليرقان (الصفراء) .
يزيل الصداع والشقيقة خصوصا ً النوع النفسي، أكلاً ووضعه موضعياً.
مهدئ للأعصاب وأمراض النفس.
مدر للبول يفتت الحصى والرمل، يزيل التهابات الكلى، ينشط الكلى ويقوي وظائفها.
يكسر العطش ويزيل الحرارة والحمى.
ينفع أمراض الصدر والسعال.
ينشط اللثة ويكافح أوجاع الأسنان.
يستعمله أصحاب معامل المربيات لغش المربى، لأنه لا لون له ولا طعم فيمكن إضافته مع أي فاكهة فيعطي نفس الطعم والرائحة.
هو ملين للطبيعة وفي كميات كبيرة يساعد على القيء والإستفراغ بسبب مادة تسمى Melonemetin.
بذره طارد للدود وخاصة الدودة الوحيدة.
يعالج أمراض الجهاز البولي ومشاكل غدة البروستات.
كما وله فوائد أخرى، ولا يوجد تأثيرات جانبيـة.
اليقطين في السنة النبوية:
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «كل اليقطين، فلو علم الله تعالى شجرة أخفّ من هذا لأنبتها على أخي يونس. وقال: إذا اتّخذ أحدكم مرقاً، فليكثر فيه الدباء فإنّه يزيد في الدماغ والعقل» (3) .
وعن الإمام الرضا عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)  قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا طبختم فاكثروا القرع فانه يسل قلب الحزين» (4) .
وعنه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)  قال: إنه قال: «عليكم بالقرع، فانه يزيد في الدماغ» (5) .
عن عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) ، علل الشرائع: في مسائل الشاميّ عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) : وسأله عن أوّل شجرة نبتت في الأرض، فقال: «هي الدبا، وهي القرع» (6) .
فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ


(1) - سورة الصافات، الآية: 146.
(2) - المحاسن: 520.
(3) - مستدرك سفينة البحار: ج3، ص224.
(4) - عيون الاخبار: 2 - 36.
(5) - عيون الاخبار: 2 - 41.
(6) - مستدرك سفينة البحار: ج3، ص224.



   حيوانات ذكرت في القرآن الكريم

القرد في القرآن الكريم

 


القرد: حيوان معروف، وكنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو خلف وأبو ربة وأبو قشة، وهو بكسر القاف وسكون الراء، وجمعه قرود، وقد يجمع على قردة، بكسر القاف وفتح الراء المهملة، والأنثى قردة بكسر القاف وإسكان الراء، وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء، مثل قربة وقرب، وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة.
لقد ذُكِرَ القرد في القرآن الكريم ثلاث مرات وفي ثلاث سور والآيات هي: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(1) .
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ(2)
وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(3)


خلقة القردة والفرق بينه وبين الإنسان:
قال الصّادق صلوات الله وسلامه عليه: تأمّل خلق القرد وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه، أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر، وكذلك أحشائه شبيهة أيضاً بأحشاء الإنسان، وخصّ مع ذلك بالذهن والفطنة الّتي بها يفهم عن سائسه مايؤمي إليه. ويحكي كثيراً ممّا يرى الإنسان يفعله، حتّى أنه يقرب من خلق الإنسان وشمائله في التدبير في خلقته على ماهي عليه أن يكون عبرة للإنسان في نفسه، فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، ولولا أنه فضيلة فضّله الله بها في الذهن والعقل والنطق، كان كبعض البهائم. على أنّ في جسم القرد فضولاً اُخرى يفرق بينه وبين الإنسان كالخطم والذنب المسدّل والشعر المجلّل للجسم كلّه. وهذا لم يكن مانعاً للقرد أن يلحق بالإنسان لو اُعطي مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه، والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان بالصحّة هو النقص في العقل والذهن والنطق (4) .


الصغار:
تلد غالبية أنواع القرود صغيرًا واحدًا في كل حمل، ولكن قرود المرموص والطمارين تلد أحيانًا توأمًا أو حتى ثلاثة صغار في الحمل الواحد. وطول فترة الحمل لدى غالبية أنواع القرود غير معروفة تمامًا لدى العلماء، ولكن يتراوح طول تلك الفترة في بعض الأنواع بين أربعة شهور ونصف وثمانية أشهر.
تعتمد صغار غالبية أنواع القرود اعتمادًا تامّاً على أمهاتها لتوفير الغذاء والحماية، حيث تتراوح فترة الفطام بين أسابيع قليلة وعامين، تبعاً للنوع. يتعلّق الصغير ممسكاً بفرو أمّه منذ لحظة ولادته تقريباً، وتحمله أمّه حتى يستطيع السير بمفرده بأمان. يتعلق الصغير في بداية عمره بالأجزاء السُّفلى من جسم أمّه ولكنه بعد ذلك يمتطي ظهرها ويتولّى الأب حمل الصغار وإعطاءهم للأم للرضاعة فقط في حالة القرود الصارمة، وقرود المرموص، وقرود الطِّيطي، الشمبانزي والغوريلا والقرود تتشابه في كثير من الأشياء وتتمتع ببصر حاد للغاية.


ذكاء القرد:
القرد حيوان معروف ذكيٌّ سريع الفهم يتعلّم الصنعة. أهدى ملك النوبة إلى المتوكّل قرداً خيّاطاً وآخر صائغاً. وأهل اليمن يعلّمون القردة القيام بحوائجهم حتّى أنّ البقّال والقصّاب يعلّم القردة حفظ الدكّان حتّى يعود صاحبه، ويعلّم السرقة فيسرق.
وعن أحمد بن طاهر قال: شهدت بالرملة قرداً صائغاً، فإذا أراد أن ينفخ أشار إلى رجل حتّى ينفخ له (5) .


ومن ذكاء القرد:
أخبر أبو غانم عبد الملك بن علي السقطي البصري: أنه كان في بعض طرقات اليمن، ومعهم رجل معه قفص فيه قلانس (6) فأصابتهم سماء، فابتلت القلانس، فأخرجها الرجل، فنشرها في الشمس، لما نزلوا. وإذا بقطعة عظيمة من القرود، قد أحاطوا بالقافلة، فلما رأوا القلانس، وكانت خارجة عن القافلة بالقرب منا، وقفوا ينظرون إليها، فجاء قرد كبير يقدمهم، فلبس في رأسه واحدة، وأخذ كل واحد منهم واحدة فلبسها إلى أن فنيت القلانس، فتأملت صاحبها يلطم ويقول: إن مضوا هؤلاء، وهي على رؤوسهم، افتقرت، فإني لا أملك غير هذه القلانس. فقال أهل القافلة: اجلس، واسكت، ولا تهجهم، فجلس، فلما كان بعد ساعة، وضع القرد الكبير القلنسوة من رأسه، فوضعوا كلهم القلانس، وانصرف، فتبعوه في الانصراف، وقام الرجل إلى قلانسه فجمعها.


خدمات القرود المستأنسة:
تحدث بعضهم أنَّه في اليمن تشتري القرود الحاجات من السوق، حيث قال: رأيت قروداً عدة مستأنسة ببلدان اليمن، القرد منها يخرج بالزنبيل (7) من منزل صاحبه، ومعه الفضة، فيقف على بائع اللحم، والخبز، وغيرها، ويومئ له بما يريد، ويعطيه ثمنه، ويحمل الحاجة إلى منزل صاحبه.


الأمثال في القرد:
القرد قبيحٌ لكنه مليحٌ. اسْجدْ لقِرْد السَّوءِ في زَمَانِه. ربّ قرودٍ في برود. ابن الرومي:
شركت القرد في قبحٍ وسخفٍ... وما قصّرت عنه في الحكايه وله: ليتهم كانوا قروداً فحكوا... شيم الناس كما تحكي القرود


جسم القرد:
جسم القرد مناسب تمامًا للعيش على الأشجار ـ بما في ذلك القرود التي تعيش على الأرض ـ حيث إن الذراعين والرجلين طويلان، وهذا يساعد القرد على التسلق والقفز والجري، كما يمكِّنه من استعمال يديه ورجليه لمسك الأشياء بما في ذلك أغصان الأشجار. ولدى معظم أنواع القرود ذيول طويلة تساعدها على الحفاظ على التوازن. وتستخدم بعض أنواع قرود العالم الجديد أذيالها كأياد لمسك الأغصان والطعام أثناء تجوالها بين الأشجار.


الغذاء:
تأكل غالبية القرود أي شيء تجده، حيث يتكون غذاؤها من الطيور وبيض الطيور والأزهار والضفادع والعشب والحشرات وأوراق الأشجار والسحالي والبندق والجزر، بينما تصطاد قرود الرباح صغار الظباء الإفريقية وتأكلها.


الاتصالات:
تتصل القرود فيما بينها بطرق عدة؛ فمثلاً يهدد ذكر قرد الريص السائد أفراد مجموعته بأن يُحَدِّقَ نحوها بشدة وهو فاغر فمه ومكشر أنيابه الكبيرة ومحرك رأسه لأعلى وأسفل حركات سريعة وضارب الأرض بيديه. ويساعد تنظيف الفراء وهندمتها الجماعية بين قرود الرباح على تقوية أواصر الصداقة والمحبة بين أفراد المجموعة (8) .
سُبحانَكَ اللهمَّ وبحَمدكَ لا تُحصى عَجائِبُ خِلْقَتِكَ وإِنَّكَ على كُلِّ شَيء قَديرٌ.


(1) - سورة البقرة، الآية: 65.
(2) - سورة المائدة، الآية: 60.
(3) - سورة الأعراف، الآية: 166.
(4) - مستدرك سفينة البحار: ج8، ص499.
(5) - مستدرك سفينة البحار: ج8، ص499.
(6) - القلنسوة لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال ج قلانس و وقلانيس وقلاس وقلاسي.
(7) - والزَبيْلُ: الجِرَابُ، وهو الزَّنْبِيْلُ، وجَمْعُه زَنَابِيْلُ ؛ وهو المكتل: أي السلة أو القفة الضخمة تصنع من الخوص.
(8) - الموسوعة العربية العالمية.


    أنشطة الجمعية

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.
قال رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): «من علم ولده القرآن فكأنما حج البيت عشرة آلاف حجة، واعتمر عشرة آلاف عمرة، واعتق عشرة آلاف رقبة من ولد إسماعيل (عليه السلام) ، وغزا عشرة آلاف غزوة، واطعم عشرة آلاف مسكين مسلم جائع، وكأنما كسى عشرة آلاف عارٍ مسلم، ويكتب له بكل حرف عشرحسنات، ويُمحى عنه عشر سيئات، ويكون معه في قبره حتى يُبعث ويثقِّل ميزانه ويجاوز به على الصراط كالبرق الخاطف، ولم يفارقه القرآن حتى ينزل به من الكرامة أفضل ما يتمنى» (1) . لقد حث الاسلام المسلمين بكل ما يملك من وسائل الترغيب إلى تعلّم القرآن ودراسته والتدبر فيه وتربية الأولاد والأجيال الصاعدة على حبه وقرائته والتمسك فيه والعمل به. لانَّ القرآن هو الدليل الخالد على النبوة، والدستور الثابت من السماء للأُمّة الاسلامية في مختلف شؤون حياتها، وكتاب الهداية البشرية الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور، وأنشأ أمّةً، وأعطاها العقيدة، وامدها بالقوة، وأنشأها على مكارم الاخلاق، وبنى لها أعظم حضارة عرفها الانسان إلى يومنا هذا. ونحن في جمعية القرآن الكريم نسعى من أجل أن نوصل هذه الرسالة إلى كل المتعطشين لمعرفتها وما يتصل بها لفهمها والعمل بها وإليكم بعض الأنشطة التي تصب في هذا الاتجاه:


(1) - بحار الأنوار: ج92، ص188، ح12.

 1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:

سيبدأ القسم التعليمي برامجه التعليمية ودوراته في لبنان خلال الأشهر الأربعة (رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة) وفق رؤية البرنامج السنوي الذي يتضمن العناوين التالية:
1 - الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
2 - التلاوة والتجويد للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
3 - الصوت والنغم للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
4 - مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
5 - مناهج التفسير وتفسير الجزء السادس من القرآن الكريم.
6 - تفسير سورة النور.
7 - العلوم القرآنيَّة.
8 - علم الوقف والإبتداء.
9 - أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
10 - أساليب تدريس التجويد وحفظ القرآن.
11 - الورش التعليميَّة.
12- الدورات المركزيَّة المغلقة في العناوين التالية:
أ- تأهيل القرَّاء والقارئات.
ب- تأهيل معلمي التجويد والوقف والإبتداء.
ج- تأهيل الحكّام في المسابقات القرآنيَّة.
د- أساليب تدريس حفظ القرآن.
هـ- أساليب تدريس التفسير والعلوم القرآنيَّة.

 

2- نشاط قسم التحفيظ للقرآن الكريم:

- اقامت جمعية القرآن الكريم وجمعية المعارف الثقافية والتعبئة التربوية في حزب الله احتفالاً تكريمياً للفائزين بجائزة الشهيد السيد عباس الموسوي (رض) لحفظة القرآن الكريم الجامعيين والثانويين لعام 2014م وقد تحدث في الحفل آية الله محمدي (رئيس مجلس الأوقاف الإسلامية الإيرانية) ورئيس المجلس التنفيذي لحزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين راعي الحفل ممثلاً أمين عام حزب الله سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصرالله (حفظه الله) وقد قدمت الدروع والهدايا للفائزين.
- برعاية المعاون الثقافي لرئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة الشيخ أكرم بركات أقامت جمعية القرآن الكريم وجمعية المعارف الإسلامية احتفالاً في قاعة رسالات لتوزيع الجوائز والشهادات والهدايا إلى الطلبة الثانويين الذين شاركوا في جائزة سيد شهداء المقاومة الإسلامية لحفظ خمسة أجزاء ومسابقة تفسير سورتي محمد والفتح.
- تنطلق الدورات الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم خلال العطلة الصيفيَّة ابتداءً من 23 حزيران 2014م لتحفيظ جزئين من القرآن الكريم وللمزيد من المعلومات الاتصال بمراكز الجمعيَّة.

3- نشاط قسم النشاطات القرآنية:

- بدعوة من محافظة «واسط» في العراق، شاركت جمعية القرآن الكريم في فعّاليات مهرجان الصحابي الجليل «سعيد بن جبير» القرآني الذي شاركت فيه أكثر من ثلاثين دولة اسلامية وجرى على هامشه مسابقة دولية في الحفظ والتلاوة، مثّل الجمعية الحاج عادل خليل ضمن فعاليات المهرجان وفي لجان التحكيم، ونال الحافظ نوح مرعي الدرجة الثانية في حفظ كامل القرآن الكريم، ونال القارىء محمد علي أمهز الدرجة الرابعة في فرع التلاوة.

-كرّمت بلدية الغبيري وجمعية القرآن الكريم خادم القرآن الكريم الشيخ جعفر خليل الحركة الذي خدم القرآن لأكثر من ثلاثين سنة وكان أول معلّم ومدرس للقرآن في بلدة الغبيري وقد قدمت الجمعية عبر ممثّلها الشيخ فادي الفيتروني والحاج عباس عساف درعاً تقديرياً باسم المكرّم به في خلال الحفل.

برعاية نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم كرّمت بلدية الغبيري وجمعيّة القرآن الكريم القارىء الشيخ سلمان الخليل في حفل كبير حضره شخصيات وفعّاليات الضاحية ، فبعد كلمة الرعاية لسماحة الشيخ نعيم قاسم وكلمة آل الخليل للحاج عادل خليل تمَّ تقديم درع تقديري للمحتفى به من قبل ممثل الولي الفقيه ومدير عام جمعية القرآن الكريم سماحة الشيخ علي عارف ، ودرع بلدية الغبيري من قبل رئيسها الحاج محمد سعيد الخنسا ، ودرع آل الخليل من قبل جمعية آل الخليل الحاج فوزي خليل .

 4- نشاط قسم الدراسات القرآنية:

تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من طباعة الإصدارات التالية:
- طباعة مجلة هدى القرآن العدد (12) .
- مجلة نافذة من السماء العدد (15) .
- أريج القرآن أصبحنا في العدد (81) .
- اصدار كتاب (المترفون وصناعة الفساد في القرآن الكريم) إشكالية الترف في الدين والسياسة.
- وهناك كتب الآن تحت الطباعة.



   مسابقة العدد

 


1- ما هي الأصول التي نستفيدها من الآية: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ؟
أ - أصل التقوى.
ب - أصل التعارف والمساواة.
ج -كلاهما صحيح.
 

2 - ما تأويل ﴿ قَارِعَةٌ ؟
أ - نازلة وداهية تقرعهم.
ب - مصيبة شديدة من الحرب والجدب والقتل والأسر عليهم.
ج - كلاهما صحيح.
 

3 - ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ، اعتبر أن شهادة الأيدي والأرجل أفضل من البينات المشهورة، كيف فسّر الآية؟
أ - فسرها بما أثبته العقل.
ب - فسرها بما أثبته العلم.
ج -كلاهما صحيح.
 

4 - كم كان من المدّة بين بشارة إبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق (عليهم السلام) ؟
أ - كان بين البشارتين سبع سنين.
ب - كان بين البشارتين خمس سنين.
ج - كان بين البشارتين أربع سنين.
 

5 -ماذا يفعل تكرار الأعمال الحسنة؟
أ - يصبح ملكةً بالتدريج عند الإنسان.
ب - يبدّله إلى أخلاق فاضلة.
ج - كلاهما صحيح.
 

6 - أكمل الحديث عن ابي عبدالله (عليه السلام) : «إنّ القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنّة ويزجر عن النّار وفيه محكم ومتشابه، فأمّا المحكم......».
أ - فيؤمن به ولا يعمل به.
ب - فيؤمن به ويعمل به ويدين به.
ج - كلاهما صحيح.
 

7 - ما هي الأعمال التي تحرم على الجنب؟
أ - مسّ خطّ القرآن والأسماء والصفات الخاصّة بالباري تبارك وتعالى.
ب - وضع شيء في المسجد.
ج - كلاهما صحيح.
 

8 - أكمل الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ الحج المبرُور لا يعدلُه شيءٌ، ولا جزاء له......»:
أ - إلاّ الآخرة.
ب- إلاّ الجنة.
ج - إلاّ الرحمة.
 

9- من القائل: «لا بد للإنسان أن يطلب من القرآن المجيد الشريف سبل السلامة ومعدن النور المطلق والطريق المستقيمة»؟
أ - الإمام الخميني
(قده).
ب - الإمام الخامنئي
(دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .
 

10 - من القائل: «لو أردنا الانتفاع من القرآن بالمعنى الحقيقي للكلمة فيجب علينا التعرف على معارف القرآن ومفاهيمه»؟
أ - الإمام الخميني
(قده).
ب - الإمام الخامنئي
(دام ظله).
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .


تسلية وفائدة قرآنية
 

أفقيَّاً:
1 - اسم وعدد قطع الصوت بمقدار حركتين بنيَّة استئناف القراءة.
2 - سورة يستحب قراءتها في يوم الجمعة غير سورة الجمعة.
3 - اسم سورة بدأت بـ(الم) وهي اسم لحشرة.
4 - تكملة لقوله تعالى:﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى ... ﴾ .
5 - تكملة لقوله تعالى:﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ ... ﴾ .
6 - إسم السورة التي ذكرت فيها الآية: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
7 - إسم والد النبي اسحاق(عليه السلام) .
8 - سورة تنتهي بقوله تعالى فسبّح باسم ربك العظيم، غير الحاقة.
9 - سورة اشتهرت بسيدة القرآن.
10 - معنى كلمة شقاق من قوله تعالى: ﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .


عاموديَّاً
1 - أماكن عبادة اليهود كلمة ذكرت في القرآن.
2 - اسم السورة التي ورد فيها قوله تعالى: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ .
3 - المقصود بقوله تعالى: ﴿ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ .


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد«13»




الفائزون: الأولى: بتول فياض جفال.
الثانية: هدى علي مناع.
الثالث: وسام جميل فرحات.
يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (12)


ج1 - معنى كلمة: ﴿ الْمُبِينُ ﴾ هو:
أ - الواضح.
ب - الذي لا غموض فيه.

ج2 - تكملة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ومن فسّر... برأيه فقد افترى على الله الكذب» هو:
ب - القرآن.

ج3- أوقات الاستئذان في الدخول على الأهل هي:
أ - من قبل صلاة الفجر.
ب - عند القيلولة وبعد صلاة العشاء.

ج4 - الذي ابتكر فكرة توحيد المصاحف هو:
أ - حذيفة بن اليمّان.

ج5 - ما هو حكم رمي وطرح ما اشتمل على أسماء الله تعالى في الأنهار والجداول؟ وهل يعدّ ذلك إهانة، هو:
ب - لا مانع من رميه في الأنهار، ولا في الجداول إذا لم يعدّ ذلك إهانة بنظر العرف.

ج6 - تكملة لقوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى ..... ﴾ مع الالتفات إلى حركة الإعراب هو:
ب - إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ.

ج7 - تكملة قول رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم): «ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضّلت...» هي.
ب - النساء.

ج8 - عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)  قال: أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد؟ قال: قلت: لا أدري. قال:
ب - وعد رجلا فجلس له حولا ينتظره.

ج9 - القائل: «اقرأوا القرآن للتدبّر والفهم والانتفاع» هو:
ب - الامام الخامنئي
(دام ظله).

ج10- القائل: «الدنيا هي دار العمل، دار الاختبار، هي دار الامتحان، أو بالتعبير القرآني هي دار البلاء والابتلاء» هو:
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد(12) :

أفقياً:
1 - موحدون سكنوا الكهف هم: أصحاب الكهف.
2 - قوم بادتهم الطيور هم: أصحاب الفيل.
3 - الذين كانوا يعرفون النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يعرفون أنفسهم، هم: أهل الكتاب.
4 - صنعة علمها الله تعالى للنبي داوود(عليه السلام) ، هي: صنع الحديد.
5 - إسم سورة في بداية الجزء الثامن عشر، هي: المؤمنون.
6 - تكملة لقوله تعالى: ﴿
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ... ﴾ ، هي: لِمِيقَاتِنَا.
7 - إسم السورة التي ذكر فيها أكبر عدد، هي: الصافات.
8 - أكبر عدد في القرآن الكريم، هو: مائة ألف.
9 - النبي الذي اكتشف ماء زمزم، هو النبي: اسماعيل(عليه السلام) .
10 - اسم سورة بدأت بـ(طس) أخرها مهموز، هي: الشعراء.


عاموديَّاً
1 - اسم سورة من السبع الطوال أخرها مهموز، هي: السماء.
2 - النبي الذي قال: ﴿
آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ ، هو: عيسى(عليه السلام) .


ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.
 

عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت: 278845/01 - النويري: 663914/01 - كيفون: 270158/05
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - الغسانية: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

05-07-2014 | 13-07 د | 6084 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1604791 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2018-12-05 الساعة: 09:03 بتوقيت بيروت