تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد السادس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الثاني والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد السادس والتسعون
نافذة من السماء، العدد الخامس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1434 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد السادس
هدى القرآن

العدد السادس ، السنة الثالثة ، شهر جمادي الأول / 1434 هجري، آذار 2013 ميلادي

مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

لسحب العدد PDF اضغط هنا

 

 

  كلمة العدد

 الحاجة الدائمة إلى القيم القرآنية والنفحة الإلهية والروح الإيمانية

  تفسير القرآن في فكر الإمام الخميني (قده)

  التمسك بالقرآن الكريم

  خدمة الإسلام وخدمة القرآن

  نقاط وتأملات

  مفردات قرآنية

  الآية في القرآن

  الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي

  قصة النبي يونس (عليه السلام)

  القرآن في نهج البلاغة

  نظرية السير والسلوك

  العقل بين الرجل والمرأة على ضوء القرآن الكريم

  كيف تنظم وقتك لحفظ القرآن وتجويده ؟

  أشهر القراء المبدعين

  حوارات قرآنية

  كلام أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن

  استفتاءات قرآنية لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله)

  فاطمة (عليها السلام) في القرآن والسنة

  مقابلة العدد مع الحاجة إيناس محمد حرب (أم أحمد)

  الهدهد والعنب في القرآن الكريم

  أنشطة الجمعية

  مسابقة العدد

 الأجوبة الصحيحة للمسابقة

   كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يهْدِى لِلَّتى هِىَ أَقْوَمُ وَ يُبَشرُ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ سورة الإسراء - 9

صدق الله العلي العظيم


إنَّ هذا القرآن يمثل أقصر وأفضل طرق الاستقامة والثبات والهداية وبهذا فإنّ الطريق القويم، يهدي إلى الديانة والملة والطريقة التي هي أشد استقامة ويرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات وأصوبها وهي كلمة التوحيد ويهدي إلى الحال التي هي أعدل الحالات وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته ويعبِّر عن أرقى وأقوم مضامين الهداية والإصلاح والاعتدال.
والقرآن الكريم فيه أقوم وأرفع القوانين الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والأخلاقيَّة، التي يحتاجها المجتمع، فهو الذي يوجه الروح الإِنسانية إلى تقويم الجوانب المادية والمعنوية ويدفع الجميع نحو التكامل والاتساق.
إنَّ هذا القرآن العظيم هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهداً برب العالمين جلَّ وعلا يهدي للتي هي أقوم إلى الطريق التي هي أسدّ وأعزّ وأصوب وأنقى سبل الهداية للوصول إلى السعادة الأبدية.
ونحن في جمعيَّة القرآن نعمل من خلال هذه المؤسسة الرسالية ما استطعنا للوصول بأنفسنا والمجتمع إلى سعادة الدارين على نهج القرآن الهادي إلى الحق والخير، فأعنا على ذلك يا ربّ العالمين لنيل جنّة النعيم.
 

جمعية القرآن الكريم

للتوجيه والإرشاد

 

   الافتتاحية

الحاجة الدائمة إلى القيم القرآنيَّة
والنفحة الإلهية والروح الإيمانيَّة


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء وسيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
يقول سبحانه: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (1) .
في عصر التكنولوجية والتواصل السريع، حيث تطوى المسافات وتهدم الحواجز وتتحول الكرة الأرضية إلى عالم صغير ويتطور العلم في زمن كهذا ألسنا بحاجة الى القرآن الكريم؟ ولماذا؟ وما هو موقع القرآن الكريم في هذا العصر؟ وهل إذا ما تمسكنا بكتاب الله فاتنا قطار التقدم وأصبحنا خارج دائرة الزمن؟!
الجواب عن كل هذه الأسئلة يرجع إلى نظرة الإنسان إلى أخيه الإنسان، لأننا إذا عرفنا واقع هذا المخلوق سهل علينا حل أكثر الأزمات العالقة، أو سهل علينا معرفة حلول المشاكل الراهنة.
فيا ترى ما حقيقة الإنسان؟ هل هو شهوات ومخاطر وأوهام ؟ أم هو أبعد من ذلك؟ ومن صاحب الحق الأول في رسم شخصيته ووجوده؟
لا شك ولا ريب إنه:﴿ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ (2) ، فهو الأعرف بما خلق، لا سواه. فهو القائل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(3) ، وأنه قد كرّمه على سائر مخلوقاته: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(4) ، ومن هنا ينبغي أن ننظر إليه نظرة ملؤها الإحترام، لأنه صنيعة الله عزَّ وجل.
فالإنسان أبعد من أن يكون مجرد شهوة أو مخاطر أو أوهام، ولو كان كذلك لما ثار على الطغاة، ولما أسقطت عروش الجبابرة.
وهذا الإنسان الذي يحاول أصحاب الهيمنة والسلطة النيل من مكانته، هو الذي نفخ فيه الله من روحه وأسجد له الملائكة، فكانت تلك النفخة عبارة عن القيم التي صنعت الحضارة والتقدم.
واليوم حيث تتكدس في هذا العالم الثروات وتغمره الشهوات، يحاول الحكام في بلدان كثيرة تنحية الإنسان عن هدفه الذي رسم له لتحقيق مصالحهم، في هذا الزمن نحن بأمس الحاجة الدائمة إلى القيم القرآنيَّة والنفحة الإلهية والروح الإيمانيَّة.
ففي عصر العولمة (5) ووسائل الإعلام والاغواء والإغراء المالي ونشر المخاوف والصواريخ والذرة... نحن بحاجة للإنسان المتوكل على الله تعالى، والمتمسك بحبله. إلى الإنسان الذي يصرخ بوجه الإنحراف الفكري والعقائدي والأخلاقي والإرهاب والإستعباد رافعاً كلمة التوحيد والعزة قائلاً: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (6) . ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (7) .
لقد تحدى المقاومون ظلم الطغاة والحقد بإيمانهم وروحهم الجهادية التي أودعها الله فيهم، وتحدوهم بقرآنهم، تماماً كما واجه الإمام الحسين (ع) طغيان يزيد وزمرته ونهجه بالقرآن والرسول والإيمان.
في حرب تموز وقبله رأينا فتية لبنان المجاهدين قد طردوا العدو الصهيوني من أرضنا ، ليس بإمكاناتهم وإعلامهم المتواضع، وإنما اخرجوا الصهاينة الغزاة بالروح والإرادة الإيمانية العالية والقرآنية.
كذلك الشعب الفلسطيني عندما انتفض بشجاعة وبروحية القرآن ضد الغاصبين الصهاينة، وهو لا يملك الا قوَّة الإيمان دون أي دعم دولي، يعجز اليوم الصهاينة على مواجهتهم رغم ما يملكون من وسائل مادية للقمع والتنكيل، وهذا يعني أن وراء هذه المقاومة قوَّة نصرتنا ونصرتهم قال سبحانه:﴿ إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (8) .
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (9) .
اليوم تعددت الوسائل لمحاربتنا ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وروحياً ومن اخطرها وسائل الإعلام الخبيثة والإنترنت والأساليب الماكرة والمغرية، ومن أجل مواجهة هذه الوسائل نحتاج أكثر للتمسك بهدي القرآن الكريم والرسول الأمين وأله الطاهرين.
ويمكن لنا تأمين هذه الحاجة الضرورية من خلال الوسائل التالية:
أولاً: أن نبني القواعد الفكرية للأجيال الصاعدة في مجتمعنا على أساس القرآن وحب الرسول والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، لنهيء مستقبلاً قرآنياً سليماً، عن طريق تحفيظ الأطفال الآيات الكريمة وتوضيحها لهم بالإسلوب العلمي المناسب والشيق. وهذا الأمر بحاجة إلى جمعيات ومؤسسات ومعاهد وروضات وحدائق خلابة خاصة، لنحي أرواح أطفالنا وعقولهم بالقرآن والعشق لحملته والاستيناس بآياته وكلماته سبحانه.
ثانياً: تحريض المؤسسات التربوية في بلداننا على أن تجعل القرآن وعلومه ومفاهيمه محوراً لمناهجها الدراسية. وذلك لدحض ومواجهة الثقافات الغربية المعادية لهذا الدين والتي دسوها في عقول الجهلة من هذه الأمة.
ثالثاً: دعوة الحوزات العلمية إلى وضع القرآن الكريم في أولوية دراساتها ومناهجها، لأن حكمة القرآن وتعاليمه يمنح الحياة الكريمة والعالية للإنسان. ومن هنا يتأكد على علماء الدين في الحوزات العلمية أن يأخذوا فقههم وتاريخهم وحكمتهم من القرآن المصدر الأول للشريعة، لأن الله قد أكد لنا أن فيه تبيان لكل شيءٍ. ولذا فإن عليهم توجيه كل جهودهم لتقوية العلاقة وتعميم الإستفادة من القرآن، بل ينبغي أن يكون هدفهم الأساس في هذا المجال هو تخريج جيل مؤمن عالم بالقرآن، ونؤكد على بذل كل الجهود لنشر هذا الدستور الإلهي المقدس في وسط مجتمعاتنا، لنمكن الناس كي يكونوا قرآنيين في تفكيرهم وعقائدهم وأعمالهم وعاداتهم وتقاليدهم، حتى لا يكون القرآن مهجوراً من قبلهم فتحل محله الجاهلية القديمة والجاهلية الحديثة وعندها تتظافر الجاهلية بفرعيها للإجهاز نهائياً على ما تبقى من روح قرآنية فينا.
نسأل الله تعالى أن يبعد سلبيات العولمة وأن لا يكون أية تأثيرات على مجتمعاتنا وأن يساعدنا على مواجهتها وتوجيه الأجيال وتعريفهم مخاطرها واستخدام العدو لها كأداة للفتنة وأن يقوي المؤسسات والجمعيات كجمعية القرآن الكريم على توضيح سبيل القرآن الكريم لقطع الطريق على الأعداء إنه سميع مجيب.
والحمد لله ربّ العالمين

رئيس التحرير


(1) - سورة الفرقان، الآيات: 29 - 32.
(2) - سورة الحشر، الآية: 24.
(3) - سورة التين، الآية: 4.
(4) - سورة الإسراء، الآية: 70.
(5) - العولمة يطلق هذا المصطلح الذي انتشر في التسعينيات من القرن العشرين على عملية التداخل الثقافي بين أنحاء العالم المختلفة، وما ينتج عن ذلك من تأثير ثقافي وسياسي واقتصادي. والعولمة ترجمة لمصطلح إنجليزي، وقد اشتقت بالعربية من توحد العالم بتوحد المؤثرات الثقافية أو الحضارية.
(6) - سورة محمد (ص)، الآية: 19.
(7) - سورة المنافقون، الآية: 8.
(8) - سورة محمد، الآية: 7.
(9) - سورة آل عمران، الآية: 126

 

   القرآن والقادة

 كلام الإمام الخميني (قدس سره)


 تفسير القرآن (1) في فكر الإمام الخميني (قده)


إن تفسير القرآن ليس من المهام التي يستطيع أمثالنا أداء حقها, بل إن علماء الطراز الأول ـ من العامة والخاصة ـ ألّفوا على طوال التاريخ الإسلامي كتباً كثيرة في هذا الباب, ومساعيهم مشكورة بلا شك, ولكن كل واحد منهم لم يقم بأكثر من تفسير احد وجوه القرآن الكريم وفقاً لتخصصه والوقت الذي كان لديه وحتى هذا فليس من المعلوم انه كان بشكل كامل.
فمثلاً عمد العرفاء على مدى مدّة قرون إلى كتاب تفاسير عديدة وفق طريقتهم, وهي طريقة المعارف أمثال محي الدين في بعض كتبه وعبد الرزاق الكاشاني في تأويله, والملا سلطان علي في تفسيره, وبعضهم أجاد التأليف في الفن الذي كان لديه, ولكن القرآن لا ينحصر فيما ألفوا, فما قاموا به هو قراءة بعض وجوه القرآن الكريم وقراءة بعض أوراقه.
كما قام الطنطاوي وأمثاله, وكذلك قطب بتفسير القرآن بطريقة أخرى هي أيضاً ليست تفسيراً للقرآن بكافة معانية, فهم أيضاً كشفوا حجاباً واحداً آخراً عنه.
وللكثير من المفسرين ـ من غير هاتين الطائفتين ـ تفاسير أخرى كتفسير «مجمع البيان» وهو تفسير جيد جامع بين أقوال العامة والخاصة, وحال هذه التفاسير كحال سابقتها, فالقرآن ليس ذلك الكتاب الذي نستطيع نحن أو غيرنا تأليف تفسير جامع له يحوي كافة علومه كما هي, ففيه علوم هي فوق ما نفهم نحن, إننا نفهم ظاهراً منه, ووجهاً منه, والباقي يحتاج إلى تفسير أهل العصمة, وهم المعلّمون بتعليمات رسول الله (ص).
وقد ظهر في الآونة الأخيرة أشخاص ليسوا من أهل التفسير أصلاً أرادوا تحميل ما لديهم من أفكار على القرآن والسنة, حتى إن فئة من اليساريين والشيوعيين عمدت إلى التمسك بالقرآن أيضاً لنفس أهدافهم التي لهم, وهؤلاء لا علاقة لهم أصلاً بالتفسير ولا بالقرآن, فما يريدونه هو خداع شبابنا بما يقدمونه لهم على أنه هو الإسلام.
لا ينبغي للذين لم يصلوا بعد إلى المستويات العالية من النضوج العلمي أن يدخلوا مضمار التفسير, فلا ينبغي للشباب, غير المطلع على هذه المسائل, وعلى المعارف الإسلامية, والذين لا إطلاع لهم على الإسلام ـ اقتحام ميدان تفسير القرآن, وإذا حدث أن تطفّل أمثال هؤلاء لغايات وأهداف معينة, فلا ينبغي لشبابنا أن يولوا أهمية, أو يقيموا وزناً لمثل هذه التفاسير, فمن الأمور الممنوعة في الإسلام «التفسير بالرأي» كان يعمد أيّاً كان إلى فرض آرائه على القرآن, فيطبق المادي أفكاره على بعض الآيات القرآنية, ويفسر القرآن ويؤوله وفق رأيه, أو أن يعتمد أحد أصحاب الآراء المعنوية والروحية إلى تأويل كل ما في القرآن الكريم, ويفسره بما يعتقده هو, لذا يجب علينا أن نحترز من كليهما من جميع هذه الجهات.

صعوبة فهم باطن القرآن (2)

إن هذه الآيات التي قيل عنها في رواياتنا أنها جاءت للمتعمّقين في آخر الزمان مثل: سورة التوحيد وست آيات من آية سورة الحديد لا أعتقد أن أحداً من الناس اكتشف حقيقتها كما هي الآن, ولا في المستقبل سيكتشف, وطبعاً فقد قيل الكثير في هذا المجال وكُتبت تحقيقات كثيرة وثمينة, إلاّ أن أفق القرآن هو فوق هذه المسائل ويتصور الإنسان أن كلمة ﴿ الْأَوَّلُ ﴾ في الآية الشريفة ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ(3) تعني أن أول خلق الله ﴿ وَالْآخِرُ ﴾ هو كذلك ﴿ وَالظَّاهِرُ ﴾ بحسب آثاره أيضاً ﴿ وَالْبَاطِنُ ﴾ أيضاً بحسب أسمائه إلاّ أن الموضوع هو غير هذا الذي فهمناه نحن وفهموه, والموضوع أعمق من هذا فـ ﴿ هُوَ الظَّاهِرُ ﴾ تريد نفي أصل الظهور عن غيره, وأنه خاص به, وحقيقة الأمر هي هكذا, لكن فهم هذا المعنى أن الظهور هو ظهوره وأن العالم وجميع الوجود هو ظهوره, صعب للغاية.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ الواردة في نفس هذه الآيات, فإن ﴿ مَعَكُمْ ﴾ تعني معنا, أي إنه هنا, ونحن هنا, إن المعيّة يسميها الفلاسفة بـ «معيّة القيّومية, فهل يتضح الموضوع؟ هل إنها مثل معية العلّة والمعلول؟ مثل معية التجلي وصاحب التجلي؟ ليس الموضوع هكذا, وان المتعمقين في آخر الزمان فهموا بمستوى عمق إدراكهم أفضل من الآخرين, وإلاّ فإن حد القرآن هو «إنما يعرف القرآن من خوطب به, فهذه الجملة» يعرف القرآن من خوطب به, مرتبطة بمثل هذه الآيات, وإلاّ فإن بعض الآيات المرتبطة بالأحكام الظاهرية وبالنصائح يفهمها الجميع, وإن المقصود بـ لا يعرفه إلاّ من خوطب به, هو الرسول الأكرم (ص)أي أن الوسيط ـ وهو جبرئيل ـ لا يمكنه الفهم أيضاً, لقد كان جبرئيل الأمين وسيطاً ليس إلاّ, يقرأ على الرسول (ص)تلك الآيات الواردة من الغيب, فهو مكلف بإيصالها, لكنه ليس هو «من خوطب به» أيضاً. إن «من خوطب به» هو الرسول الأكرم (ص) فقط, وإن الآخرين فهموا أيضاً بواسطة ذلك النور المشع من رسول الله (ص), والتعليم النوراني الخارج من قلبه إلى قلوب الخواص, وأما أمثالنا ـ نحن البشر العاديين ـ فإننا عاجزون حقاً عن فهم حقيقة معنى ﴿ هُوَ مَعَكُمْ ﴾ فما هي هذه المعية؟ وما هو معنى نور السماوات والأرض ﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾؟ ما يعني ﴿ نُورُ السَّمَاوَاتِ ﴾؟ وكيف يكون ﴿ نُورُ السَّمَاوَاتِ ﴾؟ ولذا قالوا: «منور السماوات» وهذا لا يرتبط بالآية أبداً.
فالتحول المعنوي, والتحول العرفاني الحاصل بواسطة القرآن هو فوق جميع المسائل, وإن الناس ينظر كل واحد منهم من بعدٍ واحدٍ إلى القرآن, فالبعض ينظرون إلى بعده الظاهري, أو إلى بعده الاجتماعي, أو إلى بعده السياسي, أو إلى بعده الفلسفي, أو إلى بعده العرفاني, بَيدَ أن البعد الحقيقي بين العاشق والمعشوق, والسر الموجود بين الخالق والرسول الأكرم (ص) لا يمكننا أن نفهمه نحن, وقد نُقِلَ عن الإمام الباقر (ع) قوله بأنه قادر على نشر جميع الأحكام والشرائع والحقائق من كلمة«صمد» فهنا سر موجود, طبعاً نحن أيضاً يمكننا فهم أصول المعارف من كلمة «صمد» لكن الإمام الباقر يقول أكثر من ذلك.
أسفي لأولئك الناس الذين لا يريدون أن يعلموا, ولم يسلكوا طريق العلم, ولم يخطوا خطوة في طريق التعرف على كتاب الله, ولم يحققوا ذلك الارتباط مع مصدر الوحي حيث إن التفسير يأتي من هذا المصدر.
وكان هذا الارتباط قائماً بين الخالق ورسوله فقط, وبواسطته أيضاً بين الخواص الذين كانوا موجودين.


(1) - منهجية الثورة الإسلاميَّة: 92.
(2) - منهجية الثورة الإسلامية: ص95.
(3) - سورة الحديد، الآية: 3

 

   القرآن والقادة

 كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) أما قرّاء القرآن الكريم

والمشاركين بالمسابقات القرآنية الدولية (1)

 التمسك بالقرآن الكريم
 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في البدء أتوجه بالشكر الجزيل إلى القرَّاء الأعزاء - الذين هم قرة عينٍ لنا - حيث عطروا مجلسنا المبارك بآيات من القرآن المجيد.
لقد انتشر صوت القرآن الكريم - ولله الحمد - ببركة نظام الجمهوريَّة الإسلاميَّة في كافة أنحاء البلد.
يجب على شبابنا أن يعلموا أنَّ القرآن في السابق كان غريباً في بلدنا بكل معنى الكلمة.
ليس لم يعمل بأحكامه أو يكرَّم، بل حتى تلاوته كانت غريبة ! إلا في بعض المناسبات الرسميَّة أو في زاوية مهجورة.
وأما الاهتمام بالقرآن -المرجو والمطلوب - فلم يكن متعارفاً بين الناس وخصوصاً الشباب. وأما اليوم فإننا نشاهد أن عدد قرَّاء القرآن من الشباب بل والناشئة الذين استمعنا اليهم قد ازداد بشكل كبير.
وللحقيقة والإنصاف فإنَّ هؤلاء الشباب بل والناشئة الذين اتحفوا مسامعنا الآن بتلاواتهم المعطرة كانوا ممتازين.
لقد تصاعد هذا الاهتمام بالقرآن بشكل ملفت في بلدنا، وقد قلت مراراً وأقولها ثانية: إنَّ لدينا تلاوات متميزة في بلدنا، ولأجل أن يشاع الأنس وقراءة القرآن بين عامة الناس، على الشباب الأعزاء أن يأنسوا بالقرآن. إننا لا نمتلك لساناً عربياً - نستطيع فهم ذلك من خلال مراجعة التراجم - لكن لدرك معاني القرآن وفهمها لا يتم من خلال ذلك، وإن كان الوصول إلى معرفة بواطن الآيات - في بعض الأحيان - ليس بالأمر الميسور، حتى بالنسبة للذين لهم القدرة على تفسير القرآن الكريم ، إلا أنَّ ذلك يحتاج لتدبر وإمعان دقيق عند تفسير الآيات القرآنيَّة.
ليكن تعاملنا مع القرآن كتعاملنا مع المرآة، فجمال ولطافة الصور التي تنطبع في المرآة يكون أشد عند تنظيفها، وكذا الحال بالنسبة للقرآن، فعندما تطهر القلوب وذلك بإزالة المتعلقات المادية عنها نشاهد الأثر الروحي والمعنوي للقرآن قد انعكس في تمام وجودنا، وهذا بالنسبة للذين تمكنوا من تطهير بواطنهم من الأدران المادية، فعاشوا مع القرآن بكل وجودهم.
وإلا فإن أصحاب القلوب المعاندة، مبدأهم عدم الاستماع والفهم أصلاً، فنداء وكلام القرآن ورسالته لا يجد طريقاً لقلوبهم ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ ...(2) .
بعض الأشخاص لو انطبقت السماء على الأرض فإنَّ قلوبهم الصدئة لا تذعن ولا تؤمن، لذا تراهم يقرؤون القرآن ولكنهم بعيدون عن روحه ومعانيه.
يجب علينا الاقتراب من القرآن.
أنتم أيها الشباب - وكل الشباب في البلد - الذين تسمعون هذا الحديث، اعلموا أنَّ في القرآن حكمة ونور وشفاء، وأنَّ الحكمة القرآنيَّة تستطيع أن تحل جميع العقد التي تنشئها الصراعات الموجودة في عالم المادة في قلب الانسان وروحه، وهذه حقيقة، فإنَّها تفتح القلوب وتشرح الصدر وتبعث على الأمل وتهب النور وتولّد العقيدة الثابتة التي تسير بالإنسان نحو الصراط المستقيم، فعلينا تلقي القرآن والتمسك به.
إننا عندما ننغمس في ملذات الدنيا، ونحرم أنفسنا من القرآن نكون كما لو شوهنا مرآة بالوحل، فمن الواضح أنَّه لا يمكن لها أن تعكس صور الأشياء ، فعلينا أن لا نحرم أنفسنا من القرآن.
إنَّ العالم الاسلامي اليوم للأسف قام بحرمان نفسه من القرآن.
والأمة الإسلاميَّة قد حرمت نفسها أيضاً.
ولهذا نجد أنَّ البعض يقرأ الآيات القرآنيَّة مع علمه أنها تحذر وبشدة من عقوبة الشرك بالله والارتباط بالتيارات والمعسكرات غير الإلهيَّة - إلا أنَّ قلبه متعلق بأمريكا ومستكبري العالم وبالشركات الرأسماليَّة المستبدة للكيان الصهيوني وغيره.
وإنَّ عدم تحرك العالم الإسلامي وتوجهه نحو السمو مرجعه إعراضهم عن القرآن.
إنَّ مما يبعث على السرور اليوم أنَّ المسلمين قد استيقظوا وأنَّ الصحوة الإسلاميَّة أصبحت أمراً ملموساً في جميع أنحاء العالم، وسوف تزداد هذه الصحوة وهذه الأخوَّة بين المسلمين يوماً بعد يوم إن شاء الله تعالى.

والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته


(1) - الزمان: 14 / 7 / 1384ش - ق - 2/9/2005م، طهران.
(2) - سورة الأنعام، الآية: 111.

 

   القرآن والقادة

كلمة سماحة الأمين العام لحزب الله
حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصرالله (حفظه الله)

في لقاء مع جمعية القرآن الكريم
ضم القراء والحفاظ المشاركين في الأمسيات القرآنية
(1)
 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

خدمة الإسلام وخدمة القرآن

والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.
عندما نشاهد سواءً في اللقاءات الخارجية أو على شاشة التلفزيون، عندما نشاهد هذه الأمسيات القرآنية نحن نشعر بأنَّ هذا الجهد هو الذي يحفظ دماء الشهداء، وهذه طبعاً إضافة الى القيمة الذاتية المقدسة للأمسية القرآنية، إلا أنَّ هذه قيمة إضافية، نشعر بأنَّ دماء شهدائنا محفوظة وبأنَّ ما نشاهده في المساجد والأماكن العامة، خصوصاً في الأمسيات القرآنية، أنَّه يحقق آمال شهدائنا وأهداف شهدائنا، لأنَّ هذه في الحقيقة كانت أهدافهم وآمالهم خلال عشرين سنة من الجهاد المتواصل في لبنان، سقط العديد من الأعزاء شهداء كذلك أصيب الكثير من الإخوة والأخوات بالجراح، وكان هناك تضحيات كبيرة وجسيمة، في حقيقة الأمر كان هدف هؤلاء الشهداء وهؤلاء الجرحى، وهؤلاء الأسرى الذين ما زال بعضهم في الأسر أيضاً، وهؤلاء المجاهدين كان هدفهم رفعة الإسلام وعزَّة الإسلام وعودة الإسلام الى هذا البلد، هم لم يقاتلوا من أجل قطعة أرض أو قليل من الماء، هذه يمكن أن تكون في أخر اللائحة، ولكن في رأس اللائحة الذي حرّكهم الى ساحة التضحية هذه، في زمن التخاذل والقعود والسكون وفي الزمن الذي يمكن أن يجد الإنسان لنفسه الكثير من الأعذار للقعود، الذي حرّكهم هو طلب رضا الله سبحانه وتعالى، والجهاد في سبيله عزَّ وجل والتضحية لتكون كلمة الله هي العليا، والحمد لله هذا الهدف تحقق.
اليوم ما حصل في لبنان بشكل أو بآخر، هو شكل نوع من أنواع التمكين: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَاةَ ...(2) ، نحن عندما نشاهد المساجد تمتلئ بالمصلين وبالمقرئين وبالمستمعين الى تلاوة القرآن، نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، ونعتبر أنَّ هذه الدماء حققت بعضاً من أهدافها.
السادة الضيوف الذين جاؤوا من البلدان المختلفة من المفيد أن يطلعوا. اللبنانيون طبعاً يعرفون. الإخوة اللبنانيون الموجودون هنا والأخوات يعرفون هذا الأمر، أنَّه قبل عشرين سنة كان في بعض المناطق اللبنانية الدخول الى المسجد، أصل الدخول الى المسجد قد يكلّف الإنسان حياته ودمه، لأنَّه وللأسف الشديد قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ألف وتسعمائة وإثنان وثمانين ميلادية، الذي كان حاكماً على الساحة هي القوى التي كانت تسمي نفسها بالقوى الوطنية القوى القومية. ولكن كانت قوى، يعني الآن هم أصبحوا أصدقاءنا، يعني عندما أصبحنا نحن أقوياء هم ضعفوا، ولكن عندما كانوا هم أقوياء يجاهرون بالأفكار الإلحادية... والمستوردة من الخارج، وكانوا يمنعوننا حتى من الدخول إلى المساجد وكان ثمن الدخول الى المسجد غالياً، لأنَّ هذا يشكل رجعية وتخلّف في عصر العلم والعلمنة، كان يعني أنَّك تستحق القتل أو الطرد أو الضرب أو... اليوم عندما تجدون أبواب المساجد ما شاء الله مفتوحة كأبواب الجنان إن شاء الله، ومملؤة بالإخوة والأخوات وخاصة جيل الشباب، مَنْ يستعيد بالذاكرة تلك المرحلة يعرف قيمة المرحلة الحالية، وعلى كل حال ما جرى قبل عشرين سنة هو من أعلى مصاديق: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ (3) ، يعني جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومحا كلَّ هذه الأفكار، تصوّروا من ؟ يعني ليس نحن الذين محوناهم، جاء الاجتياح الإسرائيلي الى لبنان هو أسقط كلَّ هذه الشعارات وكلَّ هذه الأفكار وكلَّ هذه التوجهات الإلحادية، وأوجد أرضية لإنطلاقة مقاومة تستند إلى القرآن وإلى الإيمان بالإسلام وإلى الإيمان بالله وبالرسول وباليوم الآخر.
وبدأت هذه المقاومة تتعاظم ويتعاظم هذا المد والتيار الإيماني والإسلامي في البلد، الى أن وصلنا بنعمة من الله سبحانه وتعالى إلى ما وصلنا إليه الآن، بعض الذين يأتون الى لبنان يقولون أنَّ الوضع في لبنان يتراجع دينياً وإيمانياً، أنا أقول لهم لماذا ؟ يقولون يوجد نساء بلا حجاب، يوجد شباب لا يصلُّون، يوجد أشخاص لا يلتزمون بالأحكام الشرعية، يوجد أناس غير مهتمين بالإسلام، وطبعاً هؤلاء مشتبهون لأنَّهم يأتون بخلفية أن صورة لبنان السابقة مختلفة، لكن صورة لبنان السابقة أنَّك إذا كنت ترى الآن حجاباً فقبل عشرين سنة لم يكن هناك حجاب، إذا كنت ترى شباباً في المساجد فقبل عشرين سنة اغلب هذه المساجد كانت خالية من الشباب، الحمد لله ترى في هذه الأيام في كل مناطق المسلمين -بحمد الله - من المسلمين الشيعة والمسلمين السنة، عندما يأتي وقت الإفطار تخلو طرقات المدن والقرى والبلدات، وهذا مؤثر على أنَّ أهل هذه المدينة كلهم صائمون وذهبوا لتناول الإفطار، يعني أصبح لدينا حالة صوم واسعة جداً، في الحد الأدنى لا يوجد تجاهر بالإفطار في الكثير من مناطق المسلمين.
نحن نتحدث عن بلد، أيُّها الإخوة والأخوات، قبل عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة كان معروفاً بسويسرا الشرق، يعني أفسد بلد في العالم العربي والعالم الإسلامي، أفسد من أي بلد إسلامي آخر، وصحيح كانت الأحوال الاقتصادية في البلد طيبة، والسياحة مفتوحة، ولكن كانت تأتي إلينا بكل الفاسدين في العالم العربي والإسلامي بفضل هذه السياحة الفاسدة التي كانت موجودة في لبنان، اليوم أصبحت الأمور والحمد لله مختلفة بدرجة كبيرة.
على كل حال، من الجميع هنا يعرف، واللبنانيون جمعياً يعرفون، وهذه الرسالة وصلت الى كل العالم العربي والإسلامي، أنَّ الانتصار الأول في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، الانتصار الكبير والساحق والمذل للصهاينة، الذي حصل في لبنان ببركة دماء الشهداء وتضحيات المجاهدين وأولاً وآخراً بعون الله عزَّ وجل، إنَّما حصل هذا الأمر بسبب انتماء هؤلاء المجاهدين إلى هذا الدين وإلى هذا القرآن، وهذا طبعاً أحدث تحولاً كبيراً في كثير من الأماكن وأعطى مصداقية ممتازة جداً في هذه المرحلة التي يواجه فيها الإسلام درجة كبيرة أو محاولات كثيرة للتشكيك.
ما قمتم به في هذه الأيام والليالي، طبعاً في هذا الزمن له خصوصيته، أيضاً هو دائماً مبارك ودائماً له آثار طيبة، ولكن في هذه السنين الاستعداد أكبر، يعني الأرضية التي تتقبل وتتعطش وتحتاج الى جهودكم وأصواتكم وتوجيهاتكم وثقافتكم القرآنية هي أكثر من أي زمنٍ مضى، والحمد لله عزَّ وجل والأهم في هذه المرحلة أنَّ ساحتنا وأنَّ أهلنا وأنَّ شعبنا هم بحاجة إلى تعميق هذه الثقافة القرآنية وهذه العلاقة بالقرآن الكريم.
إنَّ ما ينتظرنا من تحديات وأخطار هو أكبر مما سبق وسلف خصوصاً في هذه المرحلة، قلت هناك حملة شعواء للتشكيك بالإسلام والهجوم على نبي الإسلام (ص) واتهام النبي الأكرم والأعظم (ص) بأنَّه نبي الإرهاب وإمام الإرهاب، كما يحصل الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، وكما بدأوا ينظِّرون في وسائل الإعلام الأمريكية التي يحضرها عشرات الملايين من الأمريكيين.
وعلى ما نقل...أنَّ بعض الرهبان والقساوسة وبعض الذين يدَّعون أنَّهم مفكرون ومثقفون يأتون بنسخة القرآن الكريم، يعني تجاوزوا مرحلة الأشخاص والمذاهب والأحزاب والحركات والشخصيات الإسلامية المعاصرة وابن لادن وغيره، وباتوا يأتون بنسخة القرآن ويقرأون باللغة العربية غير الصحيحة (المكسرة) ويترجمونها الى الإنكليزية، ويبدأون بالشرح ليقولوا أنَّ هذا القرآن هو ضد السامية وأنَّ هذا القرآن يدعو الى القتل، وأنَّ هذا القرآن يدعو الى الإرهاب، يعني انتهى الأمر فهم تجاوزوا مرحلة أن يناقشوا في فقه المذاهب، وفي فكر الجماعات الإسلامية، وفي أداء وثقافة الشخصيات وقادة الحركات والعالم الإسلامي. في هذه المرحلة وصلوا الى المنبع، الى آخر الحصون، والى أعلى الخطوط الحمراء عندما جاؤوا الى القرآن نفسه، والى رسول الله الذي أنزل الله القرآن على قلبه، وبدأوا يناقشون أنَّ هذا القرآن وهذا النبي هم جماعة الإرهاب ومروِّجي الإرهاب ودعاة الإرهاب، وللأسف الشديد أنَّ السُّنَّة السيئة التي سنَّها سلمان رشدي قتله الله في الاساءة الى رسول الله (ص) يعني بدأت تؤتي أكلها في الكثير من أماكن هذا العالم، اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية أن يساء الى النبي هذا الأمر أصبح أمراً عادياً، والذي حصل في نيجيريا كما سمعتم قبل أيام أيضاً يبدو بأن المسلمين في نيجيريا أكثر غيرة على رسول الله (ص) من بقية المسلمين، من أجل مقالة سيئة الى النبي حصل كل هذه الحوادث الدموية في نيجريا.
على كل حال، لكن هذه الحملة الشديدة، هي أيضاً أنا أشبهها اليوم بالاجتياح الإسرائيلي في لبنان عام ألف وتسعمائة واثنان وثمانين ميلادية، ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (4) ، الهجوم على الإسلام، وعلى نبي الإسلام، وعلى كتابنا المقدس، أصبح كما نقل لي الأخوة، سبباً لأن يبحث الكثير من الغربيين والأمريكيين عن حقيقة الأمر، وعندما يُتاح لهم فرصة التعرف على الحقيقة هم يعتنقونه. ولذلك وبالرغم من الحملة الإعلامية والسياسية وحتى الأمنية، واليوم يُعتقل كثير من شباب المسلمين في شتى أنحاء العالم، ويُقَتَّلون بتهمة الإرهاب وبتهمة الانتماء إلى هذا التنظيم وذاك التنظيم، وبالرغم من حالة الرعب الشديد التي أشيعت في الكثير من البلاد الإسلامية، نجد أن عودة الناس إلى الدين، عودة الناس إلى الإسلام والمساجد والصيام وحج بيت الله الحرام والاهتمام بكتاب الله يزداد ويكبر بشكل مطرد، وخرج من سيطرة الشياطين الكبار والشياطين الصغار، وأنا أظن أنَّ هذه الحملة هي ستعزز هذه العودة إلى الدين ولن تحول بين الناس وبين أن يعودوا إلى دينهم.
نحن في هذا الإطار، طبعاً كلنا يجب أن يتحمل جزءاً من مسؤوليته، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، في لبنان نحن جزء من هذه الحالة، جزء من هذه المواجهة الكبيرة، لكن يضاف إليها التهديد العسكري المباشر...إن شاء الله هذه الأمسيات القرآنية وهذا الجو الإيماني هو بشكل طبيعي واتوماتيكي وتلقائي، كما يقولون، سوف يوجد حالة من الثبات وحالة من الرسوخ لدى المؤمنين في لبنان، تمكنهم من مواجهة الأخطار الآتية والقريبة على ما يبدو، لأنَّ الإسرائيليين والصهاينة لن يناموا على الذل الذي لحق بهم في لبنان، وأيضاً هم يئسوا تقريباً من إنهاء الانتفاضة في فلسطين، يعني ماذا ينهون ؟ ضربوا التنظيمات وضربوا الفصائل وضربوا البنى التحتية والتشكيلات، ولكن لم تتوقف العمليات الاستشهادية، لأنَّ العمل الجهادي والاستشهادي في داخل فلسطين المحتلة أصبح مبادرة الأفراد وما أكثرهم في الشعب الفلسطيني، وعندما تصبح خلفية المعركة كذلك، عندما نتحدث عن هذه المعركة بتفاؤل كبير جداً أنَّ خلفية هذه المعركة... هي خلفية إلهية هي خلفية قرآنية، هذا الدين هو أقوى دين، يصنع العشَّاق، عشَّاق لقاء الله عزَّ وجل، ولن يستطيع احد أن يَحُولَ بين عشَّاق لقاء الله وبين الله عزَّ وجل، اليوم هؤلاء كثر في فلسطين، في لبنان، في كل عالمنا العربي والإسلامي، وبالتالي هم باتوا عاجزين، ولذلك قد يتوجهون إلى الأماكن التي يفترضون أنها تشكل الجبهة الخلفية التي تدعم وتدرب وتمد بالسلاح وترسل المال وتقدم الدعم المعنوي، والحمد لله نحن ملفنا نحن، ملف الاتهام لنا يعني ملف حزب الله كبير جداً لدى الإسرائيليين خلال هاتين السنتين، ومن المتوقع جداً أنَّه في الوقت الذي (طبعاً الباقين في البلد لا يخافون - والماشيين - يدعون لنا بالخير) أنَّه ممكن الإسرائيليين يستغلون تطوراً معيناً، ممكن الأمريكان يهاجمون العراق وهم في وقت متزامن يهجمون على لبنان بحجة ليستبقوا الأمور أو ما شاكل، لذلك الساحة خلال شهر رمضان المبارك وخلال الأشهر القليلة المقبلة بانتظار حصول حدث من هذا النوع قد يحصل وقد لا يحصل، بالنِّهاية الأمور مربوطة بمشيئة الله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى لن يختار لعباده المؤمنين، الصادقين، المخلصين، الذين اثبتوا صدقهم وإخلاصهم بالتجربة وبالجهاد وبالدموع وبالعرق وبدماء الشهداء، لن يختار لهم إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم سلماً أم حرباً، مهما كان، وعلينا أن نسلِّم لإرادة الله سبحانه ولمشيئته فيما يختار لنا، لكن نحن يجب أن نكون مهيئين ومستعدين ومعبئين، والأهم من السلاح هو الحالة الإيمانية والروحية والمعنوية والنفسية. ولذلك إن شاء الله هذه الليالي ليست ككل سنة، نحن نعتبرها جزءاً من: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ (5) أنتم ساهمتم إن شاء الله في هذا الشهر المبارك في هذه الحالة التعبوية، التي ستمكننا جيداً من الوقوف في وجه أيِّ تهديد أو عدوان إسرائيلي، على أمل أن الله سبحانه وتعالى سيعين عباده المجاهدين والصالحين ويعطيهم نصراً مؤزراً وكبيراً إن شاء الله.
قبل مدَّة كان عندي صحفي من إحدى الصحف الأمريكية المشهورة، وهو جاء ببعض الأوراق من إسرائيل وفيها كلمات واتهامات، وهو يريدني أن أجيب عليها، المهم بعد أن انتهينا قال هناك قراءة إسرائيلية، يعني كلام إسرائيلي على أعلى المستويات، يقول إذا خضنا الحرب مع حزب الله، أنا لم أسمع هذا الكلام سابقاً، ولكن قبل أن نسمعه من الإسرائيليين هذا كنا نقوله لإخواننا في الجلسات الخاصة يعني مع المجاهدين مع المقاومين، كنا نقول لهم، الإسرائيليون إذا بدأوا حرباً علينا فسوف لن تكون حرباً متدحرجة، لن تمشي من الصغير إلى الوسط إلى الكبير، سوف تبدأ بأقصى طاقة نارية يمكن أن يستخدمها الاسرائلييون سيستخدمونها في اليوم الأول، من أجل إيجاد حالة رعب شديد جداً، وبالتالي تتلاشى الإرادة والمعنويات والعزم، وينهار كلُّ الوضع. لكن لو صمدنا لأيام، ليس فقط سنسقط أهداف الإسرائيليين، بل سوف يكون أمامنا انتصار كبير جداً، وسينقلب السحر على الساحر، ولا تستغربوا! ونحن الذين نفكر أن ندافع عن لبنان قد تُفتَح أمامنا الأبواب للذهاب إلى القدس، وأنا أرجو ذلك إن شاء الله، المهم الآن أنَّ كبار الخبراء العسكريين الإسرائيليين، يقولون ما يلي: إذا أردنا أن ندخل حرباً مع حزب الله في لبنان، يجب أن نحسمها خلال سبعة أيام، فلو صمد حزب الله سبعة أيام فقط، (أنا ما كنت حاسب كم يوم والآن هم دلّونا)، لو صمد حزب الله سبعة أيام فقط، فبعد صمود الأيام السبعة سوف تنقلب المعادلة لمصلحة حزب الله، هذا الكلام كلام الإسرائيليين.
نحن إن شاء الله ببركة القرآن والإيمان وهذا الالتزام وهذه المعنويات وهذه الثقة بالله عزَّ وجل، لأنَّنا نحن خلال عشرين سنة الماضية، قاتلنا بهذه الخلفية وبهذه الثقافة، ولم يكن لدينا لا العدد ولا العدَّة المادية الكافية للوصول إلى النصر. هذا النصر هو نصر إلهي بحت ومحض، هو توفيق من الله سبحانه وتعالى، وهو مِنّة إلهية، يعني بمعزل عن الاستحقاق، الله سبحانه مَنَّ علينا بهذا النصر، إن شاء الله هذه الروحية بحاجة إلى تعزيز، القرآن وحفظتُه وقرَّاؤه ومفسّروه هم خير مَنْ يستطيعون تكريس وترسيخ هذه الروحية إن شاء الله.
وأنا كما أقول عن فلسطين أقول عن لبنان: طالما أنَّ خلفية الصمود هنا وخلفية المعركة أصبحت خلفية إلهية وقرآنية ومحمدية: ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (6) ، إن شاء الله، لن يكون هناك خوف، ولن يكون هناك حزن، ولن يكون هناك قلق، فإن شاء الله نحن دخلنا في عصر الإسلام، وعصر القرآن، وعصر عودة البشرية إلى سيد البشرية، إلى رسول الله الأعظم (ص).
يبقى أن يكون لكل واحد منا مساهمته، ليكون له أجره وثوابه إن شاء الله، وإلا الحمد لله هذه الصحوة اليوم هي صحوة كبرى وعظيمة جداً وهي طبق المشيئة الإلهية، وغير متوقفة لا على شخص ولا على أشخاص ولا على مجموعات ولا على تنظيمات ولا على فئات محددة. نحن أمام المشيئة الإلهية، ويبدو أننا أمام - إن شاء الله - تحقيق الوعد الإلهي بوراثة الصالحين والمستضعفين لهذه الأرض بعون الله عزَّ وجل.
مجدداً، أنا أشكركم على كل ما قمتم به خلال هذه الأسابيع المباركة، وأيضاً أشكركم على تشريفكم إلى هذا المكان المتواضع، وإن شاء الله سبحانه وتعالى يتقبل منكم، وأرجو إن شاء الله أن يوفقنا لأن نكون نحن وأنتم في خدمة الإسلام وخدمة القرآن، وأن يديم هذه الجلسات واللقاءات والأمسيات بحرمة محمد وآله الطاهرين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


 (1) - تمَّ في عام 1424هـ.
 (2)
-
سورة الحج، الآية: 41.
 (3) - سورة البقرة، الآية: 216.
 (4) -
سورة البقرة، الآية: 216.
 (5) -
سورة الأنفال، الآية: 60.
 (6) -
سورة يونس، الآية: 62

 

   التفسير والبيان

  نقاط وتأمُّلات
 

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) ﴾ سورة الحجرات



لقد طرحت هذه السورة من بدايتها أنواع من المواقف والممارسات:
أ ـ الموقف من الله والنّبي... ﴿ لَا تُقَدِّمُوا... ﴾.
ب ـ التعامل مع النّبي الكريم، (التأدب معه، وعدم رفع الصوت عليه).
ج ـ نوع التعامل مع الفاسق، (التحقق والتثبت من إخباره ودراسة التقارير).
د ـ التصدّي الحاسم للمتمرّد.
هـ ـ التعامل بمحبة، وأخوَّة. و... مع المؤمن (الآيات الّلاحقة).
نقرأ في الحديث بأنَّ على المؤمن أن ينصر أخاه المؤمن ظالماً ومظلوماً: «فأمّا نصرته ظالماً فيرده عن ظلمه، أمّا نصرته مظلوماً فيعينه على أخذ حقّه» (1) .
يجب أن تكون للمسلمين تشكيلات وحكومة، وقدرة، ونظام وتعليم، وتعبئة وإعلام، وميزانية، وإلا فإنَّ العمل بهذه الآية يعني مواجهة وردع قوى الاستكبار العالمي مع كلِّ ذلك التقدم العلمي والتكنولوجي، والارتباطات، من دون أجهزة وتشكيلات، وهو أمر لا يكون ممكناً، ولا متيسراً.(نعم إذا كان ردع المعتدين وقمعهم واجباً، وجب توفير مقدمة لذلك وهو إقامة الحكومة الإسلامية كذلك واجباً).

دروسٌ وبصائر:
1 - الإيمان لا يمنع من الاصطدام والتنازع ولكن النزاع بين المؤمنين لا يكون سوى شرارة عابرة وليس حدثاً مستمراً، فهو أمر مؤقت وليس دائمياً، لأنّ لفظة ﴿ اقْتَتَلُواْ ﴾ تعرب عن مجرد ظهور نزاع لا دوامه، إذ لو كان دائمياً لقال تعالى: «يقتتلون».
2 - يقضي الأدب بأن لا ننسب الأمور السلبية والقبيحة إلى مخاطبنا مباشرة ففي هذه الآية لم يقل سبحانه إذا اقتتلت طائفتان منكم، بل قال: من المؤمنين وكأنه يريد أن يقول: «أنتم لستم من هذا النمط»: ﴿ اقْتَتَلُواْ ﴾.
3 - إن من طبيعة القتال أن يجر الجميع إلى ساحة المعركة ولا يقنع بالفريقين المتنازعين ولهذا قال تعالى:﴿ اقْتَتَلُواْ ﴾ وإلا لقال: اقتتلنا.
4 - إنَّ المسلمين يعتبرون أنفسهم مسؤولين ومعنيّين عند مشاهدة حوادث التصارع والتقاتل بين المؤمنين، ويرفضون حالة اللامبالاة:﴿ فَأَصْلِحُواْ ﴾.
5 - لإيجاد السلام، وإقرار الصلح بين المسلمين يجب الإقدام بسرعة، وعدم التلكّؤ (وهذا ما يستفاد من استخدام حرف الفاء في لفظة:﴿ فَأَصْلِحُواْ ﴾.
6 - إذا بغت إحدى الطائفتين المتقاتلتين وجب على جميع الأمة أن تتعبأ ضدّها: ﴿ فَإِنْ بَغَتْ...فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ﴾.
7 - من أجل إقرار وحفظ الأمن والعدالة يجوز حتى قتل المسلمين البغاة وإبادتهم، نعم لا قيمة لدم الباغي العنيد: ﴿ فَإِن بَغَتْ ... فَقَاتِلُواْ ﴾.
8 - يجب مواجهة التحدي بالتحدي والعنف بالعنف،:
﴿ فَإِن بَغَتْ ... فَقَاتِلُواْ ﴾ (لا يجوز في النظام الإسلامي إمهال الباغي وإعطاؤه فرصة التحرّك).
9 - لا يجوز التسامح والتغافل في ردع الباغي: ﴿ فَقَاتِلُواْ ﴾، فحرف الفاء في قوله: ﴿ فَقَاتِلُواْ ﴾ تفيد السرعة.
10 - في قمع الباغي وردعه يجب أن لا نتعرض للزوجة والأولاد بل يجب فقط أن نقصد الباغي نفسه: ﴿ فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي ﴾.
11 - في ردع الباغي وقمعه يجب أن لا نلاحظ شرطاً أو شيئاً، فلا بدّ من ردعه وقمعه قريباً كان أو بعيداً، لإطلاق قوله: ﴿ فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي ﴾.
12 - مدة مكافحة الباغي ليست محددة بل تمتد إلى أن نصل إلى الهدف: ﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ﴾ ولا تشترط فيها الساعة أو الشهر أو تاريخ خاص، فهي مثل مراجعة المريض للطبيب ومثل إستعمال الدواء الذي يجب أن يستمر إلى حين تحقق الشفاء.
13 - في ردع الباغي وقمعه لا مكان للأخذ بنظر الاعتبار ما هو من قبيل الأهداف الشخصية، ولا القومية، ولا الحزبية، ولا الانتقام ولا التظاهر او إظهار القوة، أو التخويف بل لا يراعى فيه شيء إلا الهدف وهو رجوع الباغي إلى الله فحسب: ﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ﴾.
14 - لإيقاف قتال الباغي يكفي مجرد شروع الباغي في الفيء إلى أمر الله، وفي الرجوع إلى سبيل الحق، ففي هذه الحالة يجب الكف عنه لأنَّ الشرط هو البدء في العودة إلى طريق الحق وليس الرجوع مائة بالمائة: ﴿ حَتَّى تَفِيءَ ... ﴾.
15 - في مرحلة التقاتل إذ لا يُعرف المعتدي يجب السعي لإيقاف التقاتل وإطفاء نار الفتنة وإقرار الصلح: ﴿ فَأَصْلِحُواْ ﴾ ولكن فيما بعد ذلك، وبعد أن يتضح ويعرف المعتدي والمصر على التقاتل، يجب أن يتم إطفاء نار الفتنة، وإقرار الصلح والعمل لصالح المظلوم وفي سياق الدفاع عنه، وأخذ حقه من الظالم: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ﴾.
16 - تختلف وظيفة المسلمين وتتفاوت في الظروف المختلفة، فقد تكون وظيفتهم الإصلاح، وقد تكون وظيفتهم القتال، والمحاربة (في هذه الآية وردت لفظة:﴿ فَأَصْلِحُواْ ﴾ مرتين، لفظة: ﴿ فَقَاتِلُواْ ﴾ مرة واحدة) وهو يشعر بأنه قد تكون الوظيفة هي الصلح وقد تكون الحرب، وقد تكون الصلح مرة أخرى.
17 - عند الإصلاح بين فئتين يجب أخذ الخسارة التي سببتها المعركة من المعتدي: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾.
18 - قال رسول الله (ص): «لا تُقدَّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير مُتعتَع».
19 - كلما كان طوفان الغرائز أقوى ونار الغضب أشدّ، وكان هناك خطر الانزلاق، كانت الحاجة إلى النصائح المتوالية أكثر: ﴿ بِالْعَدْلِ ... وَأَقْسِطُواْ ... يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.
20 - الإصلاح القيّم هو الذي يؤدي إلى وصول الحق إلى أهله وإلا كان صلحاً ذليلاً ومميتاً ومفروضاً: ﴿ فَأَصْلِحُواْ ... وَأَقْسِطُواْ ﴾.
21 - كلّما كان الأمر بحاجة إلى تحمل مشاكل، واحتمال متاعب، استفيدوا من سلاح المحبة ومن لهجة الحب: ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.
22 - إنما يحب الله من يتحركون ويتصرفون على أساس العدل والقسط، وإلا فإنَّ الذي يتوصل إلى إقرار الصلح بين متقاتلين من دون إقامة العدل والقسط لا يحبّه الله سبحانه: ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.

العدالة:
حيث إنه تكرّرت لفظة العدالة في هذه الآية ثلاث مرّات: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، نتحدث قليلاً حول العدالة.
1 - إنَّ الخلق قائم على أساس الحق والعدل «بالعدل قامت السماوات» (2) .
2 - إنَّ بعث الأنبياء إنما هو من أجل أن يقوم الناس بالعدل، وبعبارة أخرى يكون قيامهم عادلاً: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (3) .
3 - إنَّ العدل حياة، والظلم موت: «العدل حياة والجورُ مماتٌ» (4).
4 - إنَّ ساعة واحدة من السلوك العادل أفضل من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها (5) .
5 - دعاء الإمام العادل مستجابٌ (6) .
6 - جاء في الحديث: «إن الناس يستغنون إذا عدل بينهم وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركاتها بإذن الله تعالى» (7) .
7 - قال الإمام الكاظم (ع):«لو عدل في الناس لاستغنوا» (8) .
وقال: «إن العدل أحلى من العسل» (9) .
8 - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) في تفسير قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ليس يحييها بالقطر (المطر) ولكن يبعث الله رجالاً فيُحيُون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل(10).
9 - قالت فاطمة الزهراء (عليها السلام) : «وجعل العدل تنسيقاً للقلوب» (11) ، أجل إنَّ الناس يمكن أن يتحملوا الفقر ولكنهم لا يتحمّلون الظلم بل ويغضبون لذلك (12) .
 


(1) - وسائل الشيعة: ج12، ص212.
(2) - بحار الأنوار: ج33، ص493.
(3) - سورة الحديد، الآية: 25.
(4) - آثار الصادقين: ج12، ص435.
(5) - جامع السعادات: للنراقي، ج2، ص23.
(6) - وسائل الشيعة: ج7، ص108.
(7) - الكافي: ج3، ص568.
(8) - الكافي: ج1، ص541.
(9) - ج1، ص541.
(10) - بحار الأنوار: ج7، ص174.
(11) - بحار الأنوار: ج29، ص223.
(12) - تفسير سورة الحجرات: لسماحة الشيخ محسن قراءتي، ص95 - 102.

 

   التفسير والبيان

 
  سُورَة الأنعام

 

 

 سورة الأنعام مكية وآياتها مئة وخمس وستون آية

فضلها:

عن النبي (ص) قال: أنزلت علي الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأها صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة، وعنه (ص) قال: من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد فإذا أراد الشيطان أن يوسوس أو يرمي في قلبه شيئا ضربه بها إلى آخر الخبر.
وعن أبي عبد الله (ع) قال: إنَّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك فعظموها وبجلوها فإنَّ اسم الله فيها في سبعين موضعا ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها ثم قال (ع) من كانت له إلى الله حاجة يريد قضاءها فليصل أربع ركعات بفاتحة الكتاب والأنعام وليقل في صلاته إذا فرغ من القراءة يا كريم يا كريم يا كريم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا أعظم من كل عظيم يا سميع الدعاء يا من لا تغيره الليالي والأيام صل على محمد وآل محمد وارحم ضعفي وفقري وفاقتي ومسكنتي يا من رحم الشيخ يعقوب حين رد عليه يوسف قرة عينه يا من رحم أيوب بعد طول بلائه يا من رحم محمدا ومن اليتم آواه ونصره على جبابرة قريش وطواغيتها وأمكنه منهم يا مغيث يا مغيث يا مغيث تقول ذلك مرارا فوالذي نفسي بيده لو دعوت الله بها ثم سألت الله جميع حوائجك لأعطاك.
وعن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: نزلت الأنعام جملة واحدة شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها سبحوا له إلى يوم القيامة (1) .
يقول تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

اللغة والبيان:
﴿ وَلَا تَطْرُدِ ﴾ أي لا تبعّد يا رسول الله ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ يريد يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يعني صلاة الصبح والعصر ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ يعني يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاة الله بصدق وإخلاص لا يعدلون بالله شيئا ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ يريد ما عليك من حساب المشركين شيء ولا عليهم من حسابك شيء إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه بمعنى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2) ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ ﴾ بطردهم ﴿ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ من الضارين لنفسك، لأنه لا يجوز طرد المسلم.
﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي كما ابتلينا قبلك الغني بالفقير والشريف بالوضيع ابتلينا هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي آنفا أن يسلم ويقول سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم ﴿ لِيَقُولُواْ ﴾ الأغنياء، واللام للعاقبة ﴿ أَهَؤُلَاءِ ﴾ الفقراء، والاستفهام للإنكار ﴿ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بالخير ﴿ مِن بَيْنِنَا ﴾ نحن الأغنياء، فشملهم الخير دوننا نحن الرؤساء والأشراف ﴿ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ هذا جواب لهم بأن الله أعلم بالشاكر فيوفقه، والفقراء حيث شكروا وفقّوا، دونكم أنتم وهذا دليل واضح على أن فقراء المؤمنين وضعفاءهم أولى بالتقريب والتقديم والتعظيم من أغنيائهم وقد قال أمير المؤمنين علي (ع) من أتى غنيا فتواضع لغنائه ذهب ثلثا دينه.
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ ﴾ يا رسول الله ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ أي يصدقون بحججنا وبراهيننا والقرآن وسائر الآيات ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أنه أمر نبيه (ص) أن يسلم عليهم من الله تعالى تكرمة لهم ﴿ كَتَبَ ﴾ أوجب ﴿ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ إيجابا مؤكدا ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ﴾ أي بغفلة، فإن السوء لا يرتكبه العاقل إلا عن جهل ﴿ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ ﴾ بعد عمل السوء ﴿ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فأنتم منّ الله عليكم أولاً بالايمان، وثانياً بالغفران.

سبب النّزول:
ذكرت روايات عديدة في سبب نزول الآيتين (52 - 53)، ولكنّها متشابهة، من ذلك ما جاء في تفسير «الدار المنثور»: مرّت جماعة من قريش بمجلس رسول الله (ص) حيث كان «صهيب» و«عمار» و«بلال» و«خباب» وأمثالهم من الفقراء والعمال حاضرين فيه، فتعجبوا من ذلك (لأنّهم كانوا يحسبون أن شخصية المرء مرهونة بالثروة والجاه والمقام، ولم يستطيعوا إِدراك المنزلة المعنوية لهؤلاء الأشخاص، ولا ما سيكون لهم من دور بناء في إِيجاد المجتمع الاسلامي والانساني الكبير) فقالوا: يا محمّد! أرضيت بهؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهم؟، أهؤلاء الذين منّ الله عليهم؟! اطردهم عنك، فلعلك إِن طردتهم اتّبعناك، فأنزل الله الآية (3) .
أما الآية (54) اختلف في من نزلت فيه، فقيل نزلت في الذين نهى الله عزَّ وجل نبيه عن طردهم وكان النبي إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام. وقيل نزلت في جماعة من الصحابة منهم حمزة وجعفر ومصعب بن عمير وعمار وغيرهم.وقيل نزلت في التائبين وهو المروي عن أبي عبد الله (ع) (4) .


(1) - مجمع البيان: ج4، ص421.
(2) - سورة الأنعام، الآية: 164.
(3) - الأمثل: ج4، ص298.
(4) - مجمع البيان: ج4، ص 475.

 

   مناهج التفسير


الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي


العدد السابق تحدثنا عن التفسير بالرأي ويتلخص في أمرين:
الأوّل: أن يتوخى من تفسير القرآن دعم عقيدته ورأيه المسْبَق حتى يحتج بالآية على الخصم أو يبرر به عمله، ففي ذلك الموقف ينظر المفسر إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر دعم موقفه وعقيدته ومذهبه.

الثاني: الاستبداد بالرأي في تفسير القرآن من دون أن يقتفي الأُسلوب الصحيح في تفسير القرآن..
ويظهر من السيد الطباطبائي (قده) أنّه خص التفسير بالرأي بالقسم الثاني ببيان آخر وهو أنّ كلام اللّه سبحانه لرفع مستواه لا يُفسّر كما يفسّر به كلام الإنسان حيث قال:
إنّ الاضافة في قوله «برأيه» يفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال، بأن يستقل المفسر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي، فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس، فانّ قطعة من الكلام من أيِّ متكلم إذا ورد علينا، لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي، ونحكم بذلك انّه أراد كذا، كما نجري عليه في الإقرار والشهادات وغيرهما كلّ ذلك لكون بياننا مبنياً على ما نعلمه من اللغة، ونعهده من مصاديق الكلمات، حقيقة ومجازاً.
والبيان القرآني غير جار هذا المجرى، بل هو كلام موصول بعضه ببعض، في حين انّه مفصول ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي (ع).
فلا يكفي ما يتحصل من آية واحدة باعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبر فيها كما يظهر من قوله تعالى: ﴿ أَفَلا يَتَدبَّرون القُرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِند غَير اللّهِ لَوَجَدُواْ فيهِ اختلافاً كَثيرًا(1) .
فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف.
وبعبارة أُخرى: إنّما نهى (ع) عن تفهّم كلامه على نحو ما يتفهّم به كلام غيره وإن كان هذا النحو من التفهّم ربما صادف الواقع، والدليل على ذلك قوله (ص) في الرواية الأُخرى: «من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» فانّ الحكم بالخطأ مع فرض الإصابة ليس إلاّ لكون الخطأ في الطريق.
والمحصل: انّ المنهي عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه، وهذا الغير لا محالة إمّا هو الكتاب أو السنة، وكونه هو السنّة ينافي القرآن و نفس السنة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الاخبار عليه، فلا يبقى للرجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلاّنفس القرآن (2) .
ومع انّه فصل الكلام في القسم الثاني من التفسير بالرأي ـ لم تفته الإشارة إلى القسم الاوّل في بعض كلماته قال: يعرض المفسر الآية على ما توصل إليه العلم أو الفلسفة من نظريات أو فرضيات مقطوع أو مظنون بهما ظناً راجحاً ...

نموذج لكلّ من القسمين:
ثمّ إنّ تأويلات الباطنية أو المتصوفة كلّها من قبيل القسم الأوّل.
ولتسليط الضوء نذكر مثالاً:
أثبتت الأُصول الفلسفية انّ الأصل هو الوجود وأنّ الماهية أمر انتزاعي من حدّ الوجود والمنسوب إلى الجاعل هو الوجود، غير أن تنزل الوجود لا ينفك عن عروض الحدود، فالصادر من اللّه سبحانه هو الوجود غير المحدّد المنبسط على الماهيات.
هذا ما أثبتته الأُصول الفلسفية، ثمّ إنّ العرفاء يدعمون تلك النظرية بالآية التالية:
يقول سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(3) . ويفسرون مدّ الظل ببسط الوجود على الماهيات، حتّى أنّ بعض المشايخ من العرفاء كان يدّعي أنّ دلالة الآية على هذا المعنى أمر بديهي، فقد نظر العارف إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر ما يدعم عقيدته. مع أنّ الآية أجنبية عمّا رامه، فإنّ الآية وما بعدها بصدد بيان آياته سبحانه الكونية من جعل الليل لباساً والنوم سباتاً والنهار نشوراً، وإرسال الرياح بشرى بين يدي رحمته، إلى غير ذلك من الآيات، فأي صلة لها بالوجود المنبسط على الماهيات؟!
ومن القسم الثاني، أعني: تفسير القرآن من غير استناد إلى أصل صحيح، بل اعتماداً على ظاهر الآية من دون الوغول فيها بالأساليب المعهودة، يقول سبحانه: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً(4) .
إنّ من يقتنع في تفسير القرآن بالقواعد العربية مع غض النظر عن سائر الأُصول ربما يجعل مبصرة وصفاً للناقة فيصف الناقة بالإبصار مع أنّها وصف لموصوف محذوف أي: «وجعلنا الناقة آية مبصرة» فالآية من قبيل الاختصار بحذف الموصوف.

الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي:
ثمّ إنّ المحظور هو التفسير بالرأي على ما عرفت، وأمّا السعي وبذل الجهد في فهم مقاصد الآيات ومراميها عن الطرق المألوفة بين العلماء خلفاًعن سلف فليس بمحظور بل هو ممدوح، بل لا محيص عنه في فهم القرآن الكريم.
فإنّ ما يهتدي إليه المفسر بعد التفكّر والتأمّل في مفردات الآية وجملها وسياقها ونظائرها من الآيات إذا كان له صلة لها فهو تفسير مقبول ولا صلة له بالتفسير بالرأي، وإذا كانت الآية ممّا تتضمن حكماً فقهياً يرجع في فهم الموضوع وشرائطه وجزئياته وموانعه إلى الروايات والاخبار المأثورة، ثمّ يتمسك في موارد الشك في اعتبار شيء، أو خروج فرد عن تحت الدليل بإطلاقها أو عمومها فلا يعد ذلك تفسيراً بالرأي بل اجتهاداً معقولاً، مقبولاً في فهم الآية.
ولعلّ كون القرآن كتاب القرون والأجيال لا تنقضي عجائبه يلازم قبول هذا النوع من التفسير الاجتهادي، ولأجل ذلك لم يزل كتاب اللّه طريّاً في غضون الأجيال لم يندرس ولم يطرأ عليه الاندراس، بل هو طريّ ما دامت السماوات والأرض، ولازم ذلك وجود معارف وحقائق في القرآن يهتدي إليها الإنسان بالتعمّق في دلالاته اللفظية: المطابقية والتضمنية والالتزامية، وإن كان السلف في الأعصار الماضية غافلين عن هذه المعاني، ولعلّه إلى ذلك يشير الصادق (ع) في جواب من سأله أنّه ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة بقوله: «لأنّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، وهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غض إلى يوم القيامة» (5) .
وبالجملة فإيصاد هذا الباب في وجه المفسرين، يوجب وقف الحركة العلمية في فهم الكتاب العزيز، وبالتالي يكون القرآن كسائر الكتب محدود المعنى ومقصور المراد لا يحتاج إلى تداوم البحث وتضافره.
ولأجل إعطاء نموذج من الاجتهاد الصحيح في فهم القرآن نذكر اجتهاد الإمام أبي الحسن الهادي (ع) في تفسير الآية.
روى ابن شهر آشوب في مناقبه، قال:
قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (ع) يسأله، فلما قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».
فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ(6) فأمر به المتوكل فضرب حتى مات (7) .
فالآية تدلّ بوضوح على أنّ الإيمان لدفع البأس، غير نافع في دفعه وعليه جرت سنة اللّه سبحانه، فليكن المقام من صغريات تلك الكبرى.


(1) - سورة النساء، الآية: 82.
(2) - الميزان: ج3، ص76 - 77.
(3) - سورة الفرقان، الآية: 45.
(4) - سورة الإسراء، الآية: 59.
(5) - بحارالأنوار:92/15، باب فضل القرآن، الحديث 8.
(6) - سورة غافر، الآية: 84 - 85.
(7) - مناقب آل أبي طالب:4/403ـ 405.

 

 علوم قرآنية

 

الآية في القرآن



نتناول في هذا البحث دراسة معاني الآية، وأوَّل الآيات وآخرها، وعدد آيات وكلمات القرآن، والآيات ذوات العنوان

1 - معنى الآية (1) واستخدامها:
الآية في اللغة هي العلامة والدلالة الواضحة والصريحة، قال ابن فارس: الآية، العلامة (2) . وقال الراغب: الآية هي العلامة الظاهرة (3) .
وفي الاستخدام القرآني، استُخدِم هذا المعنى اللغوي مع مراعاة بعض الجوانب والحيثيات.
أولاً: العلامة الظاهرة: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً(4) .
ثانياً: المعجزة الباهرة: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ (5) .
ثالثاً: الدليل والبيِّنة: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ(6) .
رابعاً: العِبرة: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ (7) .
خامساً: مقطع من السورة: وهذا هو المعنى الاصطلاحي للآية، وأصله قرآني، وقد استخدم بهذا المعنى في مواضع متعددة:
﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(8) .
﴿ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ(9) .
﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (10) .
﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا(11) .
في الحالات السابقة أُطلق لفظ الآية على كلمة أو كلمات من القرآن مفصولة عمّا قبلها وما بعدها، وتقع ضمن سورة.

2 - أوَّل الآيات وآخرها:
أوَّلاً: أوّل الآيات:
معرفة أوَّل آية وسورة نزلت مفيدة لمتتبعي سَير نزول الآيات، وكذلك الآيات المتعلّقة بكل موضوع من حيث التقدّم والتأخُّر الزمني. وإضافة إلى ذلك يجب أن تكون جميع آفاق القرآن واضحة، ولا يبقى ثمة أمر غامضٌ في أي موضع منه ، ولهذا السبب أتُّبعت الدقَّة البالغة حتَّى في الأمور الجزئيَّة المتعلِّقة بالقرآن.
في مجال أوائل ما نزل من الآيات يرى الباحثون والمتخصصون في علوم القرآن أنَّ الآيات الخمس الأوائل من سورة العلق قد نزلت في بداية بعثة الرسول وهناك روايات تؤيِّد هذا الرأي، فقد نقل عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: أوَّل ما نزل على رسول الله (ص)، بسم الله الرحمن الرحيم اقرا باسم ربك... (12) .

ثانياً: آخر الآيات:
هناك تباين شاسع في الآراء حول آخر آية نزلت فقد نقل الزرقاني في مناهل العرفان عشرة أقوال في هذا المجال (13) ، فيما يلي بعضاً منها:
1 - آية:﴿ وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ (14) ، (نقلاً عن ابن عباس وابي حاتم).
2 - آية الربا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا (15) (نقلاً عن ابن عباس وابن عمر).
3 - آية الدين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ...(16) .
قال السيوطي: لا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا (واتقوا يوماً) وآية الدين ، لأنَّ الظاهر أنَّها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنَّها في قصَّة واحدة، فأخبر كل عن ما نزل بأنَّه آخر، وذلك صحيح (17) .
واعتبر الزرقاني في مناهل العرفان أنَّ الآية 281 من سورة البقرة، آخر ما نزل من القرآن الكريم وذلك لسببين ، أحدهما ما تحمله هذه الآية في طياتها من إشارة إلى ختام الوحي والدِّين بسبب ما تحثّ عليه من الاستعداد ليوم المعاد... وثانيهما التنصيص في رواية ابن ابي حاتم على أنَّ النبي (ص) عاش بعد نزولها تسع ليال فقط ولم تظفرالآيات الأخرى بنص مثله (18) .
4 - آية: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(19) .
قال ابن واضح اليعقوبي ، آخر ما نزل هي هذه الآية، وكان نزولها يوم النص على أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) بغدير خم، وقد رجَّح صاحب كتاب التمهيد رأي اليعقوبي قائلاً: لأنها آية الاعلام بكمال الدين ، فكانت إنذاراً بانتهاء الوحي عليه ، فلعلَّ تلك الآية كانت آخر آيات الأحكام، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقاً (20) .

3 - عدد آيات وكلمات القرآن:
أوَّلاً: عدد الآيات:
عدد سُوَر القرآن الكريم 114 سورة بالاجماع، أما عدد الآيات فهناك اختلاف فيه، وهذا الاختلاف لا بمعنى الزيادة والنقصان فيها، بل بسبب تعيين الفواصل بين الآيات وكيفيَّة حسابهم له، وقالوا إنَّ سبب الاختلاف في عددها أنَّ النبي (ص) كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا عُلم محلّها وصل للتمام، فيحسب السامع حينذاك أنَّها ليست فاصلة (21) ، والسبب الآخر هو اختلاف أذواق وآراء القرّاء في الآيات التي فصلها إلى آيتين ، وهذا الاختلاف مجرَّد اختلاف شكلي وظاهري ولا يتجاوز الأعداد وليس ثمة اختلاف في أصل آيات وكلمات القرآن.
كان لكل واحد من القرَّاء في الحواضر الإسلاميَّة الكبرى رأيه ومذهبه في عدد الآيات حتى بلغ عدد الآراء عدد تلك الحواضر، نذكر على سبيل المثال أنَّه عندما يُقال: عدد أهل مكة، فهو يعني عدد آيات القرآن عندهم مما نسب إلى واحد أو أكثر من مشاهير قُرَّائهم.
الذين قالوا أنَّ عدد آيات القرآن 6236 آية، رجَّحوا العدد الكوفي على سائر الأعداد ، وهذا العدد منسوب إلى حمزة بن حبيب الزيات وابي الحسن الكسائي، وخلف بن هشام ، وقال حمزة بن حبيب أنَّه نقل هذا العدد عن ابن ابي ليلى، عن ابي عبد الرحمن السُلَمي، عن علي بن ابي طالب (ع) (22) .

ثانياً: عدد كلمات القرآن:
هناك اختلاف في الأراء أيضاً بين المفسرين وأصحاب المعاجم في عدد كلمات القرآن، وهذا الاختلاف ناتج عن كيفية حسابهم لكلمات القرآن، ليس إلاّ وقد زالت كل هذه الإختلافات بفضل همَّة الدكتور محمود الروحاني وتدوينه لكتاب المعجم الإحصائي للقرآن الكريم حيث أنجز هذا العمل بدقَّة متناهية، وصار هذا الكتاب في الوقت الحاضر أدق معجم لإحصاء كلمات ومفردات القرآن ثمَّ إحصاء كلمات القرآن في هذا المعجم على طريقتين مختلفتين:
1 - الإحصاء المباشر (إحصاء الكلمات).
2 - الإحصاء غير المباشر (إحصاء الكلمات المشتقَّة وغير المشتقة).
وهكذا يتَّضح من خلال مقارنة الطريقتين السابقتين، وتطابق نتائجها، بأنَّ الثقة الحاصلة من هذا الإحصاء، تحظى باعتبار علمي كافٍ، وهي كالآتي: 114 سورة - 6236 آية - 77807 كلمة.
وقد أشار المؤلّف في معجمه هذا إلى عدَّة ملاحظات في كيفيَّة احصائه للآيات والكلمات، ويبيِّن أنَّ الرغبة في مسايرة سائر المعاجم جعلته يحتسب آية «البسملة» في سورة الفاتحة فقط (23) .

4 - الآيات ذوات العنوان:
هناك الكثير من آيات القرآن الكريم تحمل أسماءً خاصة اقتُبِسَ بعضها من الأحاديث بينما اختير بعضها الآخر من قبل المسلمين، ويُعزى سبب هذه التسميات إلى أنها تحمل دلالة على أمرٍ ما، أو حادثة معيَّنة، نورد فيما يلي نماذج من الآيات ذات العناوين:
أوَّلاً: آية الربا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (24) .
ثانياً: آية الدَيْن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ(25) .
ثالثاً: آية المباهلة: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(26) .
رابعاً: آية اكمال الدين: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلَامَ دِينًا(27) .
خامساً: آية الإفك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُواْ بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ(28) .
سادساً: آية التطهير: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(29) .
سابعاً: آية النور: ﴿ الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ(30) (31) .


(1) - مناهل العرفان: ج1، ص338 - 391.
(2) - معجم مقاييس اللغة.
(3) - مفردات ألفاظ القرآن.
(4) - سورة مريم، الآية: 19 ، وآل عمران، الآية: 41.
(5) - سورة آل عمران، الآية: 49.
(6) - سورة البقرة، الآية: 145.
(7) - سورة هود، الآية: 11.
(8) - سورة فصِّلت، الآية: 3.
(9) - سورة الرعد، الآية: 1.
(10) - سورة يونس، الآية: 1.
(11) - سورة الأنفال، الآية: 2.
(12) - التمهيد في علوم القرآن:ج1، ص124. الميزان: ج20، ص378.
(13) - مناهل العرفان: ج1، ص97 - 100.
(14) - سورة البقرة، الآية: 281.
(15) - سورة البقرة، الآية: 278. الآيتان اللتان تليهما (279 و280) مترابطتان معها ترابطاً تاماً، ولابد أنهما نزلتا معها.
(16) - سورة البرة، الآية: 282.
(17) - الإتقان في علوم القرآن ج1، ص87.
(18) - مناهل العرفان: ج1، ص97 - 98.
(19) - سورة المائدة، الآية: 3.
(20) - التمهيد في علوم القرآن: ج1، ص128 - 129.
(21) - الإتقان: ج1، ص21. موجز علوم القرآن: ص181.
(22) - الإتقان: ج1، ص211.
(23) - المعجم الاحصائي للقرآن الكريم: ج1، ص25 فما بعدها.
(24) - سورة البقرة، الآية: 278.
(25) - سورة البقرة، الآية: 282. وهي أطول آية في القرآن الكريم.
(26) - سورة آل عمران، الآية: 61.
(27) - سورة المائدة، الآية: 3.
(28) - سورة النور، الآية: 11.
(29) - سورة الأحزاب، الآية: 33.
(30) - سورة النور، الآية: 35.
(31) - المصدر: دروس في علوم القرآن الكريم لحسين جوان آراسته، ص91 – 97، (مع بعض التصرف).

 

   التفسير والبيان

  معجم المفسرين
  التفسير: تفسير علي بن إبراهيم القمي .



المؤلف: علي بن ابراهيم بن هاشم القمي.


تاريخ التأليف: 1375 هـ.

عدد المجلدات:
مجلدان .

طبعات الكتاب:
طبع عدَّة طبعات في بيروت الطبعة الثانية سنة 1387 هـ، والثالثة سنة 1404 هـ، وفي قم المشرفة سنة 1409 هـ. 

منهجه في التفسير: قدم فيه عن فضيلة القرآن، والتمسك بأهل البيت (ع)، واشتمال القرآن على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، والتحريف والتأويل، والردود. هذا التفسير من اشهر مصادر التفسير المتنهج بنهج المأثور، ومن أقدم التفاسير المأثورة التي وصلت إلينا، ونهج منهج تفسير البرهان للبحراني، ونور الثقلين للحويزي، والدر المنثور للسيوطي، والكشف والبيان للثعلبي، وكان هدفهم من ذلك جمع كل ما روي عن النبي (ص) وأهل البيت (ع) والصحابة بمناسبة الآية، وإن كان الخبر ضعيفاً غير موافق مع ظاهر الآية والعقل السليم، ولهذا قد جمعوا الغث والثمين، وهذا العمل وإن كان غير حسن، ولكن لا يدل على قبولهم وحجيتها عندهم ولا يدل على اعتقادهم بما رووه في كتبهم.


أهم آثاره ومؤلفاته: المغازي، والشرائع، وكتاب التوحيد والشرك، وكتاب فضائل أمير المؤمنين علي (ع)، واختيار القرآن، وكتاب الأنبياء وغيرها.
 

 

 قصص قرآنية

  قصة النبي يونس (عليه السلام)

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
سورة يوسف، الآية: 111
 


1 - في القرآن الكريم:
لم يتعرض القرآن الكريم إلا لطرف من قصته و قصة قومه فقد تعرض في سورة الصافات لإرساله ثم إباقه و ركوبه الفلك و التقام الحوت له ثم نجاته وإرساله إلى القوم و إيمانهم قال تعالى:﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(1) .
وفي سورة الأنبياء: لتسبيحه في بطن الحوت وتنجيته قال تعالى:﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(2) .
وفي سورة ن: لندائه مكظوما وخروجه من بطنه واجتبائه قال تعالى:﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(3) .
وفي سورة يونس: لإيمان قومه و كشف العذاب عنهم قال تعالى:﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(4) .
وخلاصة ما يستفاد من الآيات بضم بعضها إلى بعض واعتبار القرائن الحافة بها أن يونس (ع) كان من الرسل أرسله الله تعالى إلى قومه وهم جمع كثير يزيدون على مائة ألف فدعاهم فلم يجيبوه إلا بالتكذيب والرد حتى جاءهم عذاب أوعدهم به يونس ثم خرج من بينهم.
فلما أشرف عليهم العذاب وشاهدوه مشاهدة عيان أجمعوا على الإيمان والتوبة إلى الله سبحانه فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
ثم إن يونس (ع) استخبر عن حالهم فوجد العذاب انكشف عنهم - وكأنه لم يعلم بإيمانهم وتوبتهم - فلم يعد إليهم وذهب لوجهه على ما به من الغضب والسخط عليهم فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه ظانا أن لا يقدر عليه وركب البحر في فلك مشحون.
فعرض لهم حوت عظيم لم يجدوا بدا من أن يلقوا إليه واحدا منهم يبتلعه وينجو الفلك بذلك فساهموا وقارعوا فيما بينهم فأصابت يونس (ع) فألقوه في البحر فابتلعه الحوت ونجت السفينة.
ثم إن الله سبحانه حفظه حيا سويا في بطنه أياما وليالي و يونس (ع) يعلم أنها بلية ابتلاه الله بها مؤاخذة بما فعل وهو ينادي في بطنه أن:﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (ودعاءه يسمّيه أهل العرفان باليونسية).
فاستجاب الله له فأمر الحوت أن يلفظه فنبذه بالعراء وهو سقيم فأنبت الله سبحانه عليه شجرة من يقطين يستظل بأوراقها ثم لما استقامت حاله أرسله إلى قومه فلبوا دعوته وآمنوا به فمتعهم الله إلى حين.
والأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على كثرتها وبعض الأخبار من طرق أهل السنة مشتركة المتون في قصة يونس (ع) على النحو الذي يستفاد من الآيات وإن اختلفت في بعض الخصوصيات الخارجة عن ذلك.


2 - قصته عند أهل الكتاب:
هو (ع) مذكور باسم يوناه بن إمتاي في مواضع من العهد القديم و كذا في مواضع من العهد الجديد أشير في بعضها إلى قصة لبثه في بطن الحوت لكن لم تذكر قصته الكاملة في شيء منهما.
و نقل الآلوسي في روح المعاني، في قصته عند أهل الكتاب و يؤيده ما في بعض كتبهم من إجمال القصة: أن الله أمره بالذهاب إلى دعوة أهل نينوى (5) و كانت إذ ذاك عظيمة جدا لا يقطع إلا في نحو ثلاثة أيام و كانوا قد عظم شرهم و كثر فسادهم، فاستعظم الأمر وهرب إلى ترسيس، فجاء يافا، فوجد سفينة يريد أهلها الذهاب بها إلى ترسيس فاستأجر و أعطى الأجرة و ركب السفينة فهاجت ريح عظيمة وكثرت الأمواج وأشرفت السفينة على الغرق.
ففزع الملاحون ورموا في البحر بعض الأمتعة لتخف السفينة وعند ذلك نزل يونس إلى بطن السفينة ونام حتى علا نفسه فتقدم إليه الرئيس فقال له: ما بالك نائما؟ قم وادع إلهك لعله يخلصنا مما نحن فيه ولا يهلكنا.
وقال بعضهم لبعض: تعالوا نتقارع لنعرف من أصابنا هذا الشر بسببه فتقارعوا فوقعت القرعة على يونس فقالوا له: أخبرنا ماذا عملت: ومن أين جئت؟ وإلى أين تمضي؟ ومن أي كورة أنت؟ ومن أي شعب أنت؟ فقال لهم: أنا عبد الرب إله السماء خالق البر والبحر وأخبرهم خبره فخافوا خوفا عظيما وقالوا له: لم صنعت ما صنعت؟ يلومونه على ذلك.
ثم قالوا له: ما نصنع الآن بك؟ ليسكن البحر عنا؟ فقال: ألقوني في البحر يسكن فإنه من أجلي صار هذا الموج العظيم فجهد الرجال أن يردوه إلى البر فلم يستطيعوا فأخذوا يونس وألقوه في البحر لنجاة جميع من في السفينة فسكن البحر وأمر الله حوتا عظيما فابتلعه فبقي في بطنه ثلاثة أيام وثلاث ليال وصلى في بطنه إلى ربه واستغاث به فأمر سبحانه الحوت فألقاه إلى اليبس ثم قال له: قم وامض إلى نينوى وناد في أهلها كما أمرتك من قبل.
فمضى (ع) ونادى وقال: يخسف نينوى بعد ثلاثة أيام فآمنت رجال نينوى بالله ونادوا بالصيام ولبسوا المسوح جميعا ووصل الخبر إلى الملك فقام عن كرسيه ونزع حلته ولبس مسحا وجلس على الرماد ونودي أن لا يذق أحد من الناس والبهائم طعاما ولا شرابا وجاروا إلى الله تعالى ورجعوا عن الشر والظلم فرحمهم الله ولم ينزل بهم العذاب.
فحزن يونس وقال: إلهي من هذا هربت، فإني علمت أنك الرحيم الرؤوف الصبور التواب.
يا رب خذ نفسي فالموت خير لي من الحياة فقال: يا يونس حزنت من هذا جدا؟ فقال: نعم يا رب.
وخرج يونس وجلس مقابل المدينة وصنع له هناك مظلة وجلس تحتها إلى أن يرى ما يكون في المدينة؟ فأمر الله يقطينا فصعد على رأسه ليكون ظلا له من كربه ففرح باليقطين فرحا عظيما وأمر الله تعالى دودة فضربت اليقطين فجف ثم هبت ريح سموم وأشرقت الشمس على رأس يونس فعظم الأمر عليه واستطاب الموت.
فقال الرب: يا يونس أحزنت جدا على اليقطين؟ فقال: نعم يا رب حزنت جدا فقال تعالى: حزنت عليه وأنت لم تتعب فيه ولم تربه بل صار من ليلته وهلك من ليلته فأنا لا أشفق على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس قوم لا يعلمون يمينهم ولا شمالهم وبهائمهم كثيرة انتهى.
و جهات اختلاف القصة مع ما يستفاد من القرآن الكريم ظاهرة كالفرار من الرسالة و عدم رضاه برفع العذاب عنهم مع علمه بإيمانهم و توبتهم.
فإن قلت: نظير ذلك وارد في القرآن الكريم كنسبة الإباق إليه في سورة الصافات و كذا مغاضبته و ظنه أن الله لن يقدر عليه على ما في سورة الأنبياء.
قلت: بين النسبتين فرق فكتبهم المقدسة أعني العهدين لا تأبى عن نسبة المعاصي حتى الكبائر الموبقة إلى الأنبياء (عليهم السلام) فلا موجب لتوجيه ما نسب من المعاصي إليه بما يخرج به عن كونه معصية بخلاف القرآن الكريم فإنه ينزه ساحتهم عن لوث المعاصي حتى الصغائر فما ورد فيه مما يوهم ذلك يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة ولذا حملنا قوله: «إذ أبق» وقوله: «مغاضبا فظن أن لن نقدر» على حكاية الحال وإيهام فعله.


3 - ثناؤه تعالى عليه:

أثنى الله سبحانه عليه بأنه من المؤمنين: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(6) ، وأنه اجتباه وقد عرفت أن اجتباءه إخلاصه العبد لنفسه خاصة، وأنه جعله من الصالحين ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(7) وعده فيمن عده من الأنبياء و ذكر أنه فضلهم على العالمين و أنه هداهم إلى صراط مستقيم ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(8) (9) .


بحث روائي:
عن علي بن ابراهيم قال: حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل، قال: قال لي ابي عبدالله (ع): ما رد الله العذاب إلا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فيأبوا ذلك، فهم أن يدعو عليهم وكان فيهم رجلان عابد وعالم، وكان اسم احدهما مليخا والآخر اسمه روبيل، فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم وكان العالم ينهاه ويقول لا تدع عليهم فان الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم، فدعا عليهم فاوحى الله عز وجل إليه يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد وبقي العالم فيها فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب فقال العالم لهم يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فقالوا كيف نصنع؟ قال اجتمعوا واخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء والاولاد وبين الابل واولادها وبين البقر واولادها وبين الغنم واولادها ثم ابكوا وادعوا فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرق العذاب على الجبال وقد كان نزل وقرب منهم، فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم، قال لهم ما فعل قوم يونس؟ فقالوا له ولم يعرفوه: إن يونس دعا عليهم فاستجاب الله له ونزل للعذاب عليهم فاجتمعوا وبكوا ودعوا فرحمهم الله. وصرف ذلك عنهم وفرق العذاب على الجبال فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به، فغضب يونس ومر على وجهه مغاضبا لله كما حكى الله حتى انتهى إلى ساحل البحر فاذا سفينة قد شحنت وأرادوا ان يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة من قدامها فنظر اليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخر السفينة فدار اليه الحوت وفتح فاه فخرج أهل السفينة فقالوا فينا عاص فتساهموا فخرج سهم يونس وهو قول الله عزوجل «فساهم فكان من المدحضين» فأخرجوه فالقوه في البحر فالتقمه الحوت ومر به في الماء.
وقد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين (ع) عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه، فقال يا يهودي أما السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنه الحوت الذي حبس يونس في بطنه فدخل في بحر القلزم ثم خرج إلى بحر مصر ثم دخل في بحر طبرستان ثم خرج في دجلة الغورا ثم مرت به تحت الارض حتى لحقت بقارون، وكان قارون هلك في أيام موسى ووكل الله به ملكا يدخله في الارض كل يوم قامة رجل وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به انظرني فاني اسمع كلام آدمي فاوحى الله إلى الملك الموكل به انظره فانظره ثم قال قارون من أنت؟ قال يونس انا المذنب الخاطئ يونس بن متى قال فما فعل الشديد الغضب لله موسى بن عمران قال هيهات هلك، قال فما فعل الرؤف الرحيم على قوم هارون بن عمران، قال هلك قال فما فعلت كلثم بنت عمران التى كانت سميت لي؟ قال هيهات ما بقي من آل عمران احد، فقال قارون وااسفا على آل عمران ! فشكر الله له ذلك فامر الله الملك الموكل به ان يرفع عنه العذاب ايام الدنيا، فرفع عنه فلما رأى يونس ذلك فنادى في الظلمات: ان لا إله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له وامر الحوت ان تلفظه فلفظته على ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه وانبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدباء فاظلته من الشمس فشكر ثم امر الله الشجرة فتنحت عنه ووقع الشمس عليه فجزع فاوحى الله اليه يا يونس لم لم ترحم مائة الف او يزيدون وانت تجزع من الم ساعة فقال يارب عفوك عفوك، فرد الله عليه بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به وهو قوله: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾.
وقالوا مكث يونس في بطن الحوت تسع ساعات ثم قال الله لنبيه (ص): ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يعني لو شاء الله ان يجبر الناس كلهم على الايمان لفعل.
وفى رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) قال لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة ايام ونادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر﴿ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ ﴾ (تبت اليك ) ﴿ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ، فاستجاب الله له فأخرجه الحوت إلى الساحل ثم قذفه فألقاه بالساحل وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع فكان يمصه ويستظل به وبورقه وكان تساقط شعره ورق جلده وكان يونس يسبح ويذكر الله في الليل والنهار فلما أن قوي واشتد بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست فشق ذلك على يونس فظل حزينا فأوحى الله اليه مالك حزينا يايونس؟ قال يا رب هذه الشجرة التي كانت تنفعني سلطت عليها دودة فيبست، قال يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعيبها إن يبست حين استغنيت عنها ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مئة ألف أردت أن ينزل عليهم العذاب إن أهل نينوى قد آمنوا واتقوا فارجع اليهم، فانطلق يونس إلى قومه فلما دنى من نينوى استحيى أن يدخل فقال لراع لقيه، ائت اهل نينوى فقل لهم ان هذا يونس قد جاء قال الراعي أتكذب أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب، قال له يونس اللهم ان هذه الشاة تشهد لك أنى يونس فنطقت الشاة بأنه يونس، فلما أتى الراعي قومه وأخبرهم أخذوه وهموا بضربه، فقال إن لي بينه بما أقول قالوا من يشهد؟ قال هذه الشاة تشهد؟ فشهدت أنه صادق وأن يونس قد رده الله إليهم فخرجوا يطلبونه فوجده فجاؤوا به وآمنوا وحسن إيمانهم فمتعهم الله إلى حين وهو الموت وأجارهم من ذلك العذاب (10) .
عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): لأي علة صرف الله العذاب عن قوم يونس وقد أظلهم ولم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم؟ فقال: لأنه كان في علم الله أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم و إنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته (11) .


(1) سورة الصافات، الآيات: 139 - 148.
(2) -
سورة الأنبياء، الآيتان: 87 - 88.
(3) -
سورة ن، الآيات: 48 - 50.
(4) -
سورة يونس، الآية: 98.
(5)
نينوى، اسم عدّة مناطق، الاُولى: مدينة قرب الموصل، والاُخرى في ضواحي الكوفة في جهة كربلاء، ومدينة في آسيا الصغرى، عاصمة مملكة آشور وتقع على ضفاف نهر دجلة (دائرة المعارف ده خدا) والبعض الآخر قال: إنّ نينوى هي أكبر مدن مملكة آشور الواقعة في الضفّة الشرقية لنهر دجلة وقد بنيت مقابل الموصل (معجم قصص القرآن).
(6)
سورة الأنبياء، الآية: 88.
(7) -
سورة ن، الآية: 50.
(8) -
سورة الأنعام، الآيتان: 86 - 87.
(9)
الميزان: ج17، ص80.
(10)
تفسير القمي: 318 - 320.
(11)
الميزان: ج17، ص83.

 

   القرآن ونهج البلاغة

ذِكْر اَلْقُرْآنِ


من خطبة لأمير المؤمنين (ع) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم وفيه وصف لكتاب الله سبحانه
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.


من خطبة لأمير المؤمنين (ع)فِي ذِكْرِ اَلْقُرْآنِ يقول فيها:
فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَصَامِتٌ نَاطِقٌ حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ وَاِرْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ وَقَبَضَ نَبِيَّهُ (ص) وَفَرَغَ إِلَى اَلْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ اَلْهُدَى بِهِ فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلاَّ وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً وَ آيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ ...
(فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ) وصفه بهما من باب التوسع والمجاز لأنّ الآمر والناهي هو الله سبحانه إلاّ أنّ القرآن لما كان متضمّنا لأمره و نهيه اطلق عليه لفظ الآمر والناهي من باب اطلاق اسم السبب على المسبّب، فهو يأمر بالخير والصلاح وبكل الواجبات، ويزجر عن الشر والفساد وكل المحرمات قال تعالى:
﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً(1) .
وقال سبحانه أيضاً:﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً (1) قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً(2) .
(وَصَامِتٌ نَاطِقٌ) وصفه بالصّمت لأنّه كلام مؤلّف من حروف وأصوات صامتة ويستحيل أن يكون ناطقا، لأنّ النطق إنما يحصل بالأداة واللّهوات والكلمات والحروف يستحيل أن يكون ذا أداة تنطق بالكلام، فالتعبير قد يكون باللفظ والكتابة والإشارة، وبالرسم والنحت، وبالآثار والأفعال، وهي أسبق من اللفظ، واللفظ أسبق من الكتابة، فالطفل يتكلم قبل أن يكتب، والقرآن صامت حيث لا صوت له يقرع الأسماع، وهو ناطق، لأنَّ لغته هي نفس اللغة الملفوظة. قال ابن أبي الحديد جعله (ع) صامتا ناطقا لأنّه من حيث هو حروف وأصوات صامت إذ كان الغرض يستحيل أن يكون ناطقا لأن النطق حركة الأداة بالكلام، والكلام يستحيل أن يكون ذا أداة ينطق بالكلام بها وهو من حيث انه يتضمن الإخبار والأمر والنهي والنداء و غير ذلك من أقسام الكلام كالناطق لأن الفهم يقع عنده، وهذا من باب المجاز كما تقول هذه الربوع الناطقة واخبرتني الديار بعد رحيلهم بكذا (3) وتبعه الخوئي (4) .
وبتعبير آخر القرآن بما يتضمن من أنوار كلماته ألنورانيَّة الهادية هو خط والخط صامت ومن بلَّغ به وقرأه على الناس ليطاع فهو ينطق عنه تعالى فكأنه هو الناطق كمسألة طاعة الرسول (ص)، قال عزَّوجل:
﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ﴾ فالقرآن مظهرا لآمريّته وزاجريّته سبحانه قال جلَّ وعلا:﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(5) ، ويشهد لما تقدم قوله (ع) في الاحتجاج على الخوارج: «انّا لم نحكم الرجال وانما حكّمنا القرآن، وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وانما ينطق عنه الرجال ». الخطبة (178) منها في ذكر القرآن.
(حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ) لأنّ اللّه سبحانه يحتجّ بالقرآن على العباد بما أتاهم وعرّفهم به لأنه يحمل في ثناياه البرهان على أنَّ كلَّ ما فيه حق وصدق وبه بيَّن الأحكام وأبان مسائل الحلال والحرام وأزال العذر به عن نفسه في عقاب العاصين أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين.
وأيضا فهو معجزة للنبوّة وحجّة في صدقها «كذا » النبيّ (ص) وقد بعث رسوله (ص) ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بيّنة، ولئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل ، قال سبحانه:﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ...(6) .
(أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ) إنَّ اللّه سبحانه أخذ الميثاق والعهد من المكلّفين بواسطة نبيه العظيم أن يعملوا بالقرآن الكريم وبأحكامه، والمراد به ما ورد في بعض الآيات وصدر عن لسان النبوّة من الحثّ والترغيب عليه والأمر باجلاله وإعظامه والقيام بمعالمه وأحكامه. قال سبحانه:﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ(7) .
(وَاِرْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ) لما كانت ذمم المكلّفين مشغولة بما تضمّنه القرآن من التكاليف والأحكام وكان اللاّزم عليهم الخروج عن عهدة التكليف وتحصيل براءة الذّمة شبّههم بالعين المرهونة لدين المرتهن، فانّ فكّ رهانتها موقوف على أداء حقّ صاحب الدّين فكذا فكّ رهانة هؤلاء موقوف على عملهم بالتكاليف الشرعيّة والأوامر المطلوبة ، فأرواح العباد كلها في قبضة اللّه رهينة على الوفاء بحقه تعالى وطاعته، فمن أدى هذا الحق كاملا سلم ونجا من غضب اللّه وعذابه، ومن قصر وأهمل فهو من الهالكين وهو نظير قول النبيّ (ص) في الخطبة الّتي خطب بها في فضيلة شهر رمضان: «أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من ذنوبكم فخففوا عنها بطول سجودكم».
(أَتَمَّ نُورَهُ) أى جعل نوره تامّا كاملا، أتمّ اللّه به نور نفسه بقرينة ما بعده قال تعالى:﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8) ، ففي القرآن الكريم تبيان كل شيء يصلح البشرية، ويحل مشكلاتها.
أمّا كونه نورا فلأنه نور عقليّ ينكشف به أحوال المبدأ والمعاد يهتدى به في ظلمات برّ الأجسام وبحر النفوس قال اللّه عزّ وجلّ:﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(9) ، وأمّا تماميّته فلكونه أكمل أسباب الهداية أما في بدو الاسلام فلكونه أقوى المعجزات الموجبة لخروج النّاس من ظلمة الكفر إلى نور الاسلام، وأمّا بعده فلبقائه بين الأمة إلى يوم القيامة واهتدائهم به إلى معالم الدّين ومناهج الشرع المبين يوما فيوما.
(وَ) بذلك الاعتبار أيضا (أَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ) «وأكمل» هكذا في (المصرية)، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (وأكرم) أى جعله مكرما معزّزا به. 
(وَقَبَضَ نَبِيَّهُ (ص) وَقد فَرَغَ إِلَى اَلْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ اَلْهُدَى بِهِ) المراد فراغته (ص) من أحكام الهداية أى من التكاليف الّتي يتوقّف الهداية به عليها، مثل قرائته وتعليمه وتفسير معانيه وتوضيح مبانيه، والالزام على العمل باحكامه ونحو ذلك مما يحصل به الاهتداء، قال تعالى:﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(10) .
وكيف كان فالمراد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يمض من الدّنيا إلاّ بعد هداية الناس بالقرآن إلى معالم الاسلام.
روي في الكافي عن عبد العزيز بن مسلم عن الرّضا (ع) أنّه قال: إنّ اللّه لم يقبض نبيّه (ص) حتّى أكمل له الدّين و أنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء بيّن فيه الحلال و الحرام و الحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا فقال عزَّ و جلّ:﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ وأنزل في حجّة الوداع وهى آخر عمره (ص): ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ وأمر الامامة من تمام الدّين ولم يمض حتّى بيّن لأمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّا (ع) إماما وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلاّ بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه، ومن ردّ كتاب اللّه فهو كافر (11) .
(فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ) أى عظّموه عزّ وجلّ مثل تعظيمه لنفسه، والمراد به وصفه بصفات الجلال والاعظام وأوصاف الكمال والاكرام الّتي نطق بها الكتاب، وأفصحت عنها السنّة النبويّة كالإيمان بعدله ورحمته،وتنزيهه عن الشرك والظلم، وأنه على كل شيء قدير، وغني وخبير... إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال.
وعلّل (ع) وجوب تعظيمه بقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ) وعلّة ذلك باعتبار أنّ الشرعيات مصالح المكلّفين وإذا فعل الحكيم سبحانه بهم ما فيه صلاحهم فقد أحسن إليهم، ومن جملة الشّرعيّات ما هو مقرّب إلى الثواب مبعّد من العقاب، وهذا أبلغ ما يكون من الاحسان والمحسن يجب تعظيمه وشكره بقدر الامكان لا سيّما إذا كان إحسانه بالنعم العظام والعطايا الجسام.
(وَ) أكّد عدم إخفائه شيئا من دينه بأنه (لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ) وأدّى إلى ثوابه (أَوْ كَرِهَهُ) وقرب من عقابه (إِلاَّ) وعرّفه وبيّنه (وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً) أى علامة ظاهرة (وَآيَةً مُحْكَمَةً) واضحة التى لا تحتمل من التأويل الا وجها واحدا، فمتى سمعها من عرف طريقة الخطاب ممن علم العربية وعلم القرائن أمكنه أن يستدل في الحال على ما يدل عليه (تَزْجُرُ) وتنهى (عَنْهُ) لكونه مكروها (أَوْ) تأمر و(تَدْعُو إِلَيْهِ) لكونه مرضيّا.
نسأله (سبحانه) المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان،والحمد لله ربّ العالمين (12) .


(1) - سورة فصلت، الآية: 3 - 4.
(2) - سورة الكهف، الآية: 1- 4.
(3) - شرح نهج البلاغة: لإبن ابي الحديد، ص117.
(4) - بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: الخطبة (178) منها في ذكر القرآن .
(5) - سورة النمل، الآية: 76.
(6) - سورة الأنعام، الآية: 155 - 157.
(7) - سورة آل عمران، الآية: 187.
(8) - سورة التوبة، الآية: 32.
(9) - سورة المائدة، الآية: 15.
(10) - سورة البقرة، الآية: 97.
(11) - أصول الكافي: ج1، ص295، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
(12) - بقلم: الشيخ فادي الفيتروني.

 

   أبحاث اخلاقية

 

النظريّة الثالثة
نظريّة السّير و السّلوك

 


 
يشبّه الإنسان في هذه النظريّة، بمسافر إنطلق من نقطةِ العدم، إلى لقاء الله تعالى، ويتحرك في سلوكه بهدف لقاء الله، والقرب من الذّات المقدّسة اللاّمتناهية.
ففي هذا السّفر، كما هو الحال بالنسبة لأسفارنا الماديّة، يجب تحضير المركب والمتاع، وإزالة الموانع التي تقف في الطّريق، والتّفكير في كيفية التّصدي للّصوص وقطاع الطّريق والأعداء، للمحافظة على المال والأرواح، فهذا السّفر الرّوحاني والمعنوي، فيه منازل وطرق ملتوية وصعبة العبور، ومطبّاتٌ خطرةٌ، ولا يمكن العبور منه بسلامة، إلاّ بمعونة الدليل المطّلع والعارف بالطّريق، والعُبور منها واحداً بعد واحد حتّى الوصول إلى محطّ الرّحال ومنزل المقصود.
ويصرّ بعضهم إلى أنّ السّير والسّلوك إلى الله تعالى، ومعرفته ومنازله، وزاده وأدلاّئه، والطّريق الموصل إليه، هو علمٌ غير علم الأخلاق، ومنفصلٌ عنه، لكن وبنظرة أوسع، نرى أنّ السير والسّلوك الرّوحي، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية، وتحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي، أو على الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير والسّلوك الرّوحاني.
وعلى أيّة حال، فإنّ الآيات والروايات، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً، ومنها:قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلِيهِ رَاجِعُونَ (1) .
فمن جهة، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ لله تعالى، ومن جهة اُخرى، يرى نفسه أنّه مُسافر، ويتحرّك باتّجاه الله تعالى شأنه.
ونقرأ أيضاً في سورة العَلق: ﴿ إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجعى (2) .
وجاء في سورة الانشقاق: ﴿ يا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِِلَى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلَاقِيهِ(3) .
وجاء في سورة الرّعد: ﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ... يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلَقاءِ رَبِّكُم تُوقِنُونَ ﴾ (4) .
ويوجد أكثر من (20 آية)، تحدثت عن أن لقاء الله تعالى، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى الله والعارفين به، ويعني اللّقاء المعنوي والرّوحي مع المحبوب، والمقصود الذي لا مثيل له.
وصحيحٌ أنّ هذه الآيات، وآياتُ الرّجوع إلى الله تعالى، تستوعب جميع هذه المعاني، ولكن هذا لا يمنع من أنّ سير وسلوك المؤمن والكافر، من ناحية الفِطرة والخلقة، هو بإتّجاه الباري تعالى، فبعضٌ ينحرف عن طريق الفطرة، فيسقط في واد سحيق، ولكن أولياء الله ومع إختلافهم بالمراتب، يصلون إلى المقصود، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات، وتتوقف عن الحركة، وبعضها يستمر في طريقه، ليصل أحدها إلى الهدف.
وأفضل وأوضح من هذه التّعابير، هو تعبير القرآن الكريم، حيث يقول: ﴿ إِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى ﴾ ، (وعادةً كلمة: الزّاد، تقال للطعام الذي يحمله المسافر معه، ولكنّها في الأصل موضوعةٌ لمعنى أشمل: بحيث تشمل كلَّ ذخيرة).
وعلى هذا الأساس يقول: إنّ التّقوى هي خيرُ الزّاد، وهي إشارةٌ إلى سير الإنسان في طريق التّوحيد الخالص، وعلى كلّ حال فإنّ هذا السّفر الرّوحاني يحتاج إلى زاد، وزاده لابدّ وأن يكون معنوياً أيضاً.
ونرى مثل هذا التعبير، واردٌ بكثرة في الرّوايات الإسلاميّة.
وفي موارد متعدّدة من نهج البلاغة، أتى ذكر التّزود للآخرة:
ففي الخطبة (157) يقول الإمام (ع): «فَتَزَوَّدوا فِي أَيّامِ الفَناءِ لأَيَّامِ البَقَاءِ».
وفي الخطبة (132) نرى تعبيراً أوضح، فيقول (ع): «إِنّ الدُّنيا لَمْ تُخْلَقُ لَكُم دارَ مُقام، بَل خُلِقَتْ لَكُم مَجازاً لِتَزَوَّدُوا مِنها الأَعمَالَ إِلَى دارِ القَرارِ».
وجاء في الخطبة (133)، تعبير ألطَف وأدَق، فقال (ع): «وَالبَصِيرُ مِنها مُتَزَوُّدُ والأَعمى لَها مُتَزَوُّدُ».
وهناك آيات في القرآن الكريم، يمكن أن تحمل في مضمونها إشاراتٌ لهذه النظريّة، و منها:﴿ صِراطُ العَزِيزِ الحَميدِ (5) ، و ﴿ الصِّراطَ المُستَقِيمَ(6) ، و﴿ سَبِيلِ اللهِ ﴾، موجودةٌ في آيات كثيرة من القرآن الكريم، و﴿ لِيَصُدّواْ عن سَبِيلِ اللهِ (7) ، وأمثالها يمكن الإشارة بها إلى هذه النظرية.
تنوع الطّرق لأرباب السّير والسّلوك:
من الجدير بالذكر، أنّ أرباب السّير والسّلوك، والعلماء الذين سلكوا هذا الطريق، وإتخذوا من القرآن الكريم والسّنة الشّريفة دليلاً لهم، (لا الصّوفيين الذين تأثروا بالمذاهب غير الإسلاميّة الأجنبيّة)، فكلّ واحد من اُولئك الأفاضل إقَتَرح طريقةً تختص به، أو بتعبير أدق، إتّخذوا منازل ومراحل...
خلاصة ما ذكر من مذاهب السّير و السّلوك:
يُستفاد ممّا ذكر من تعليمات أرباب هذا الفن، والطريق: (الذين مشوا في نهج الإسلام الأصيل وطريق أهل البيت (عليهم السلام) لا المتصوفة)، اُصولٌ مشتركةٌ في عمليّةِ السّيرِ والسّلوك إلى الله وهي:
1 ـ أنّ الهدف الأصلي، هو لقاء الله وشهود ذاته المقدسة، بالبصيرة والحُضور الروحي المعنوي عنده.
2 ـ للوصول لهذا الهدف، ينبغي التّحرك أولاً من موقع التوبة من جميع الذنوب والرذائل الأخلاقية، والتّحلي بالفضائل.
3 ـ في هذا الطريق يجب أن لا ينسى الآداب الأربعة : المشارطة، والمراقبة، والمحاسبة، والمعاقبة، يعني يُشترط في الصّباح على نفسه، أن لا يذنب ولا يخالف رضا الباري تعالى، ويراقب نفسه في طول النّهار وفي اللّيل وعند النوم، يجلس للمحاسبة، وإذا ما صدرت منه مخالفةٌ يعاقب نفسه بتركه لأنواع اللّذائذ.
4 ـ التّصدي لهوى النفس من موقع المخالفة، لأنّ الهوى هو من أكبر السّدود في هذا الطّريق، ومخالفته هي من أوجب الواجبات.
5 ـ التّوجه لأذكار وأوراد وردت في الشّرع المقدس، وأمثال: «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ بِالله»، وذكر «لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبحانَكَ إِنَّي كُنتُ مَن الظَّالِمِينَ»، وذكر «يا الله» و«يا حَيُّ» «يا قَيُّوم» وهي الزاد في هذا الطّريق والسبب للقوّة.
6 ـ التوجه القلبي لحقيقة التّوحيد للذات والصّفات والأفعال لله تعالى، والغرق في صفات كماله وجماله، وهي زاد آخر لهذا الطريق الوعر المليء بالمطبّات والتّحديات الصعبة.
7 ـ كسر أكبر الأصنام، وهو صنم الأنانيّة والّذات الفرديّة، وهو من أهم الشّروط للوصول للمقصود.
8 ـ وقد اشترط بعضهم الاستعانة بالأُستاذ، والسّير في هذا الطريق تحت إشرافه، فيكون كالطبيب الذي يعمل على معالجته، وبعضهم لا يعتمدون على الأُستاذ، وحصل في كثير من الموارد، وللأسف الشديد، الوقوع في حبائل الشيطان، وذلك بسبب الاعتماد على الأُستاذ، حيث يعتبرونه كالملاك، فيذهب دينهم وإيمانهم وأخلاقهم أدراج الرّياح!.
ويرى بعضهم الآخر، أنّ وظيفة الإرشاد والسير على هدي الأنبياء والأولياء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي آخر المراحل، ولكن كثيراً منهم لم يذكروا شيئاً، وتركوا السّالك بحاله.
والغرض من الإتيان بهذا البحث، في المباحث الأخلاقية، في هذا الكتاب، هو:
أولاً: سرد عصارة من التّفكرات التي لها علاقة بالمباحث الأخلاقية، حتى يتنور القاريء ويتحرك في طريق التّهذيب وإصلاح الذّات.
ثانياً: نحذّر طلاب الحقيقة، أنّ الحدّ بين الحقّ و الباطل ضيئل جدّاً، فكثيرٌ من الشّباب من ذوي القلوب النّقية، كان هدفهم الوصول إلى الحقّ والعين الصّافية، ولكنّهم إنجرفوا في طريق الضّلالة، وتركوا طريق العقل والشّرع، ولذلك تاهوا في وادي الحيرة، وغرقوا في مستنقع الخطيئة، ولم يسلموا من مخالب الذّئاب الضّارية، الذين يرتدون مسوح الزّهد والقداسة، فأضاعوا وفقدوا كلّ ما لديهم.
هل يلزم وجود المُرشد في كلّ مرحلة؟
يعتقد كثير من أرباب السّير والسّلوك، أنّ السّائرين في طريق الكمال والفضيلة، والتقوى والأخلاق، والقرب إلى الله تعالى، يجب أن يكونوا تحت إشراف الأُستاذ والمرشد، كما ذكر في رسالة السّير والسلوك للعلاّمة بحر العلوم، ورسالة لبّ الألباب للمرحوم العلاّمة الطّباطبائي، في الفصل الحادي والعشرين من وظائف السّائر إلى الله،هو التّعليم والتعلم تحت نظر وإشراف الأُستاذ، سواء كان الأُستاذ عالِم كالعلماء الذين مشوا في هذا الطريق، أم الأساتذة الخصوصيين، وهم الأنبياء الأئمة والمعصومين (عليهم السلام).
ولكن المطّلعين من أهل الفن، يُحذّرون السّائرين على طريق التّقوى و التّهذيب، من عدم الإلتجاء بسهولة لأيٍّ كان، وإذا لم يطمئنّوا إطمئناناً كافياً، ولم يختبروا صلاحيتهم العلميّة والدينية، فلا يسلّموهم أنفسهم، ولا يكتفوا حتى بإخبارهم للمستقبليات، و لا أعمالهم غير الطبيعيّة، ولا حتى مرورهم على الماء والنار، لأنّ صدور هذه الأعمال ممكن من المرتاضين غير المهذّبين أيضاً.
وقال بعضهم الآخر: إنّ الرّجوع للأُستاذ لازم في المراحل الأوليّة، وأمّا بعد السّير وعبور عدّة مراحل، فلا يحتاج إلى الأُستاذ، والرّجوع للأُستاذ الخصوصي وهو الرسول الأكرم (ص) والأئمّة المعصومون (عليهم السلام)، حتّى نهاية المراحل، يكون لازماً وضرورياً.
وقد إستدلوا على لزوم الرّجوع للأُستاذ تارةٌ، بهذه الآية الشّريفة، التي تقول:﴿ فَاسْأَلُواْ أَهلَ الذِّكْرِ إن كُنتُم لا تَعلَمُونَ(8) .
فرغم أنّها تتناول التعليم لا التربية، ولكن الحقيقة أنّ التربية تعتمد على التّعليم في كثير من الموارد، فلذلك يجب الرّجوع للمطلعين في مثل هذه الموارد، وهذا المعنى يختلف اختلافاً واضحاً عن اختيار شخص خاص ليكون ناظراً على أعمال وأخلاق الإنسان.
ويستشهد القائلون بضرورةِ المرشد تارةٌ اُخرى، بحكاية موسى مع الخضر (عليهما السلام)، فقد كان موسى (ع) بحاجة للخضر، مع أنّه كان من الأنبياء وأولي العزم، وقطع قسماً من الطّريق بمساعدته (ع).
ولكن وبإلقاء نظرة فاحصة على قصّة موسى والخضر(عليهما السلام)، نرى أنّ موسى (ع)عندما تعلم من الخضر (ع)، إنّما كان بأمر من الله تعالى لأجل الاطّلاع على أسرار الحكمة الإلهيّة بالنسبة للحوادث التي تحدث في هذا العالم، والأُخرى أنّ علم موسى (ع) كان عملا ظاهرياً، «ويتعلّق بدائرة التّكليف»، وعلم الخضر (ع) علماً باطنياً، (خارج عن دائرة التكليف) (9) ، وهذا الأمر يختلف عن مسألة اختيار الأُستاذ والمرشد، في كل مراحل التّهذيب للنفس والسيّر في طريق التّقوى، وإن كان يشير ولو بالإجمال إلى أهميّة كسب الفضيلة، في محضر الأُستاذ في خط التّكامل المعنوي.
وقد يستشهد لذلك أيضاً بحكاية لقمان الحكيم و ابنه، فهو أُستاذ إلهي أخذ بيد ابنه وساعده في سلوك ذلك الطريق (10) .
ونقل العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، عن الإمام السجّاد (ع) أنّه قال: «هَلَكَ مَنْ لَيسَ لَهُ حَكِيمٌ يَرشُدُهُ» (11) .
ولكن ومن مجموع ما ذُكر، لا يمكن استفادة لزوم المرشد في دائرة السّلوك الأخلاقي وتهذيب النفس، بحيث إذا لم يكن تحرك الإنسان في خطّ التّهذيب النّفسي والتّزكية الأخلاقية، تحت إشراف المرشد، فسوف يختل برنامج التربية والأخلاق والتّقوى، ويتعطل السّير والسّلوك في حركة الواقع النفسي والمعنوي لدى الفرد، لأنّ الكثير من الأشخاص التزموا بالرّوايات والآيات والأحاديث الإسلامية، وعملوا بها، ووصلوا إلى مقامات عالية ودرجات كبيرة دون الاستعانة بمرشد أو معلّم خاص على مستوى التّربية الأخلاقيّة، وطبعاً لا يمكن إنكار فائدة الأساتذة والمرشدين وتوجيهاتهم القيّمة، فهم عناصر جيّدة للوصول إلى المقصود من أقرب الطرّق، ومعدّات فاعلةٌ لمواجهة المشاكل الأخلاقيّة لتحديات الواقع، وحلّها وفق مستجدّات الواقع ومستلزمات العقيدة.
و جاء في نهج البلاغة أيضاً: «أيُّها النّاسُ استَصبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصبَاح، وَاعظٌ مُتَّعِظٌ» (12) .
ولكن وللأسف نجد في كثير من الموارد، أنّ النّتيجة كانت عكسيّة، فكثير من الأشخاص عرّفوا أنفسهم بأنّهم مرشدون للناس في سلوك سبيل التّربية والتّهذيب، ولكن اتّضح بأنّهم قطّاع طُرق، وكمْ من الأشخاص الطّاهرين الطالبين للحقّ إنخدعوا بهم، وساروا في طريق التّصوف أو الإنحراف، وسقطوا في منحدر الرّذيلة، وارتكبوا مفاسد أخلاقية كبيرة، وعليه فنحن بدورنا نحذّر السّائرين على هذا الطّريق، إذا ما أرادوا الإستفادة من الحضور، عند أُستاذ ومرشد في المسائل الأخلاقيّة، فيجب أن يتوخّوا جانب الحذر والاحتياط، وليتأكدوا من حقيقة الأمر، ولا يغترّوا بالمظاهر الخادعة، بل ليتفحّصوا عن سوابقهم، وليشاوروا أصحاب الفنّ في هذا المجال، كي يصلوا إلى غايتهم المنشودة (13) .


(1) - سورة البقرة، الآية: 156.
(2) - سورة العلق، الآية: 8.
(3) - سورة الإنشقاق، الآية: 6.
(4) - سورة الرعد، الآية: 2.
(5) - سورة إبراهيم، الآية: 1.
(6) - سورة الفاتحة، الآية: 6.
(7) - سورة الأنفال، الآية: 36.
(8) - سورة الأنبياء، الآية: 7.
(9) - يرجى مراجعة تفسير الأمثل، ذيل الآية 60 إلى 82 من سورة الكهف.
(10) - يرجى الرجوع لتفسير الأمثل، في تفسير سورة لقمان.
(11) بحار الانوار، ج75، ص159.
(12) نهج البلاغة: الخطبة 105.
(13) - الأخلاق في القرآن: لسماحة العلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج1، ص110 - 128، مع شيء من التصرف.

 

   المرأة في القرآن الكريم

  العقل بين الرجل والمرأة على ضوء القرآن الكريم
 




يقال إنَّ الرجل والمرأة يختلفان في العقل، والعقل هو معيار القرب من الله تعالى فهل حقاً أنَّ العقل في الإسلام هو معيار الكمال الإنساني، وبه نتقرب من الله سبحانه أو نُحرم من مقام القرب الإلهي ؟
إنَّ ما يؤدي إلى التقرب من الله عزَّوجل هو العقل الذي عُبر عنه بمصطلح «يُعبد به الرحمن ويُكتسب به الجنان» أما العقل الذي يمكن أن يكون لدى الرجل أكثر من المرأة فهو عقل العلوم وعقل السياسة وعقل الأعمال التنفيذيَّة (إن صحَّ إثبات هذا الأمر) فإذا أراد شخص أن يدّعي أن عقل الرجل في تلك الجنبة «يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان» هو أقوى منه عند المرأة فليس بمقدوره إثباته أبداً لأنَّه لا التجربة ولا البرهان يؤيدان ذلك، فإن لم تكن المرأة بمستوى الرجل أو أقوى منه، فطريق القلب والجذب والانعطاف والقبول يكون في النساء أقوى منه في الرجال، لأنَّ الطريق إلى الجنَّة ليس بالفكر والبرهان فقط، بل هناك القلب والموعظة.
فالخلاصة، أنَّه إذا كان هناك فرق بين المرأة والرجل من الناحية العقليَّة،فلا نعثر في أي مكان على شخص يقول إنَّ الأعلم هو الأقرب إلى الله تعالى، ولكن يقولون إنَّ الأتقى هو الأقرب إلى الله، وهذه التقوى تعود إلى العقل العملي، حيث قال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(1) .
فسَّر القرآن الكريم وكذلك روايات المعصومين (عليهم السلام) العقل بالشيء الذي يفهم الإنسان بواسطته الحق ويعمل به، فمجموعة الإدراك والعمل تسمى العقل في قاموس الدين، فالذي لا يدرك صحيحاً ليس عاقلاً، أيضاً مجموعة هاتين الفضيلتين ذكرت في الحديث المعروف بصورة (العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان) (2) .
وخير شاهد على هذا التفسير قصَّة ملكة سبأ التي أُرسل إليها كتابٌ من سليمان (ع) ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(3) ، تضمن وعداً مع وعيد وتهديدٍ وبشرى فتهيأت لقبول الحق، فهل تلك المرأة خافت، وقوتها لم تكن أقل من السلاطين الآخرين ؟ أم أنَّها كانت أعقل من سائر الرجال ؟
تشاورت تلك المرأة مع أفراد بلاطه ﴿ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(4) ، وهنا أسأل ما هو التهور وما هي الشجاعة ؟ ما هو الخوف وما هو الاحتياط؟ ما هو الجهل وما هو العقل؟ إنَّ عدم التسليم أمام الحق هو تهور وليس شجاعة، وعدم الخضوع في محضر الله تعالى هو توحش وليس قوَّة، لذا قالت تلك المرأة أنا أختبره لأرى هدفه: الحكومات الدنيوية أو إنَّه قطع طريق الأنبياء: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(5) ، وأخيراً بعد المناظرات والمباحثات: ﴿ ... قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (6) .
قال تعالى: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ(7) ، أي أنَّ طبيعة الوثنية كانت صادة لها عن طريق الحق، ولكن طريق الفطرة والفكر واتخاذ القرار مفتوحٌ أمامها، لذا بعد أن ذكر القرآن بأنَّ الوثنيَّة صدتها عن الإيمان، ذكر أنها عندما تحدثت مع النبي سليمان (ع) عن قرب لم تقل «أسلمت لسليمان» بل قالت ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) .
فإذا أراد شخص أن يفهم هل أن آل فرعون أعقل أم هذه المرأة ؟، آل نمرود أعقل أم هذه المرأة ؟، السلاطين الذين كان المسيح (ع) في مواجهة معهم أعقل أم هذه المرأة ؟ يتضح لنا وبعد أن تحدد معنى العقل في قاموس القرآن، أنَّ هذه المرأة التي كانت تحكم اليمن هي أعقل من كثير من الحكام الرجال، كانت تعرف أنَّ الشجاعة من التهور، فحفظت هذه المرأة كثيراً من الوفاء، لذا يذكرها القرآن بعظمة وعلى أساس هذه القضيَّة قالت نساء كثيرات في صدر الإسلام ( أَسْلَمْتُ مَعَ رسُولِ الله، لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (9) (10) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .


(1) - سورة البقرة، الآية: 44.
(2) - أصول الكافي: ج1.
(3) - سورة النمل، الآية: 30 - 31.
(4) - سورة النمل، الآية: 33.
(5) - سورة النمل، الآية: 35.
(6) - سورة النمل، الآية: 44.
(7) - سورة النمل، الآية: 43.
(8) - سورة النمل، الآية: 44.
(9) - جمال المرأة وجلالها لسماحة الشيخ جوادي آملي (مع بعض التصرف).
(10) - إعداد: المعلمة رحاب بو زيد، مدرسة في جمعيَّة القرآن الكريم ـ بعلبك.

 

   تلاوة وحفظ

 تجويد وحفظ  القرآن الكريم


 


بداية ندخل إلى موضوع بحثنا حول حفظ القرآن من خلال الحديث الذي ورد عن الفضيل بن يسار، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الَّذِي يُعَالِجُ (1) الْقُرْآنَ وَ يَحْفَظُهُ بِمَشَقَّةٍ مِنْهُ وَقِلَّةِ حِفْظٍ لَهُ أَجْرَانِ» (2) .
إن تحفيظ القرآن الكريم للناشئة من أولادنا وبناتنا لهو من الأمور الضرورية وأن كل من تفوته هذه الفرصة سوف يتأسف على ذلك ويندم حيث لا يجديه نفعاً (3) .
إن تنظيم الأمور لهي من الأشياء المهمة فالشخص الراغب في حفظ كتاب الله الكريم لابد له من تنظيم وقته ليتوصل إلى مقصوده، وهذا يعود إلى الشخص نفسه وإلى أشغاله.
ولكن يمكن إعطاء تنظيم كامل للوقت سواءً كان الفرد - الراغب في الحفظ - موظفاً أو طالباً.

الاستفادة من الأوقات:
1- في الصباح: بالإمكان استغلال وقت الفجر وخصوصاً من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس حيث يكون الذهن صافياً وخالياً من المشاغل وغير مثقل بالمتاعب، يمكن أن يحفظ الشخص مقداراً معيناً من الآيات بحسب قوّته وطاقته.
2- بعد الظهيرة: - للموظف والطالب - يمكن أن يُخصص هذا الوقت لمراجعة الآيات المحفوظة فجراً.
3- في المغرب: وخصوصاً عند الصلاة المفردة يمكن استغلال ما بين صلاتي العشائين حيث يخصص مقدار من الوقت - كربع ساعة أو أكثر - لحفظ مقدار من الآيات ومراجعتها بعد صلاة العشاء مع الآيات المحفوظة فجراً.
فعن أبي عبدالله (ع) قال: ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتّى يقرأ سورة من القرآن فتكتب له مكان كلّ آية يقرؤها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيّئات (4) .
كيف تبدأ حفظك للقرآن الكريم ؟
ما الأمور التي ينبغي التركيز عليها أثناء الحفظ ؟
بدايةً نشير إلى أمرين مهمين ينبغي ملاحظتهما:
أولاً: قبل الحفظ لابد أن تكون قراءة الشخص قراءة صحيحة.
ثانياً: لابد من تعلم كيفية القراءة الصحيحة مع بعض الأمور المهمة من أحكام التجويد لأن ذلك يساعد على الحفظ.


ولكي تحفظ لابد أن تلاحظ:
أ) لابد من حفظ كل آية على حدة وتكرارها أكثر من مرة.
ب) عند الحفظ المتتابع للآيات لابد من مراجعتها بشكل متواصل، بمعنى: عند حفظ آيتين تراجعهما معاً، وعند حفظ الآية الثالثة تراجع الثلاثة معاً وهكذا.
ج) عند الانتهاء من حفظ صفحة كاملة تراجع حفظها قبل البدء في الصفحة التالية.
د) بداية الحفظ - لمن يحفظ لأول مرة - لابد من ملاحظة نهاية الآيات وعدم الخلط بينهما حيث تتشابه نهايات الآيات في الصفحات المتتالية في نفس السورة أو في سورة أخرى، مثل: ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ و﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ و﴿ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ و﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ و﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.
هـ) لترابط الصفحات ينبغي تداخل حفظ الصفحات مع بعضها حيث تخصص لك صفحة ونصف أو صفحتين ونصف حيث تكون الصفحات مترابطة في الحفظ.
ملاحظة: من المشاكل التي يعاني منها حَفَظَة القرآن الجدد هو عدم تذكر بداية الصفحة التالية نتيجة حفظه لكل صفحة على حده. فلاحظ.
و) لمن يريد الحفظ بشكل متواصل وبشكل مكثف يفضل له تخصيص ربع حزب في كل مرة - يومياً - مع مراجعته.
تنبيه: لمن يتبع هذه الطريقة في الحفظ فإنه يحتاج إلى ثمانية أيام للانتهاء من الجزء الواحد.
ينبغي عند اتباع هذه الطريقة وعند حفظ ربع الحزب الثاني أن يراجع مع الأول وعند حفظه الثالث يراجع مع الاثنين السابقين وعند حفظ الربع الأخير من الحزب يراجع مع الثلاثة السابقة، وعندها يخصص يوم لحفظ الحزب بأكمله. ثم يبدأ في الحزب الثاني ويعمل كما عمل مع الحزب الأول وعند الانتهاء منه يخصص أيضاً يوم لحفظ الحزب الثاني وعند الانتهاء منه يخصص ما لا يقل عن يومين لمراجعة الجزء بأكمله.
إذا لم تكن للشخص القدرة على حفظ ربع حزب في اليوم يستطيع حفظ صفحة على الأقل أو صفحة ونصف وهذا مفضل - الصفحة ونصف - لتتابع الصفحات في الحفظ كما ذكرنا. ولمتابعة هذا الحفظ يمكن اتباع النموذج التالي: تم مراجعة ما قبلها، تم مراجعتها، السورة الآيات، التاريخ، اليوم.
ز) ينبغي أن يركز الحافظ على مصحف واحد يحفظ ويراجع منه لتتركز مواقع الآيات في ذهنه.
ح) الأفضل الاستماع إلى شريط بصوت شيخ مرتل ترتيلاً جيداً ليحفظ الشخص بناءً على ما سمع - وهذا لمن لا يتوفر لهم معلم - لتدارك حدوث الأخطاء اللفظية واللغوية.
ط) لحفظ رقم الآية يكفي أن تنتبه لها حين حفظها فإذا انتهيت من حفظك اليومي فاسأل نفسك عن رقم الآيات محاولاً قراءتها واستذكار رقمها، وإن كان هناك شخص آخر يسألك عن رقم الآية وما حفظت كان تأثير ذلك أبلغ.
فإذا أتممت الحفظ كرره مرتين أو ثلاث عن ظهر غيب فإذا واجهتك مشكلة في حفظ الآيات أو أرقامها فارجع بادئ ذي بدء إلى ذاكرتك وفكر فإن تعذر ذلك فارجع للمصحف.


كيف تتابع حفظك للقرآن ؟
لمتابعة حفظ القرآن الكريم والتأكد من أن الشخص حفظ الآيات حفظاً جيداً (عن ظهر قلب) ينبغي ألإلتفات إلى هذا الأمور بدقة.
الأخطاء اللغوية، نسيان بداية الصفحة، نسيان آية بين الآيات، نهاية الآية، بداية الآية.
للتأكد من حفظ الشخص يمكن اتباع ما يلي:
1- يعطى الشخص مقطع من منتصف الآية ليكملها.
2- يعطى آية آية ليتعرف على ما بعدها.
3- يعطى آية آية ليتعرف على ما قبلها.
4- يختبر في نهاية الآيات المتشابهة في الألفاظ مثل
﴿ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، ﴿ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ أو ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾، ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.


(1) - فائدة: المعالجة تعني: المزاولة. ويعالج القرآن: أي يزاول تعلمه وقراءته وحفظه.
(2) - بحار الأنوار: ج89، ص187.
(3) - موسوعة الإمام علي بن ابي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ.
(4) -
أصول الكافي ج2/584.


الحروف العربية من حيث تجاورها


في سياق حلقات الدروس حول أحكام تجويد القرآن الكريم سنتعرف في هذا العدد من المجلة على درس جديد من دروس التجويد يرتبط بالأحكام التي تنشأ من خلال بعض الأحرف الساكنة التي يجاورها بعض الأحرف المتحركة وسنخصص في هذا العدد القسم الأول من هذه الأحكام ونرجىء إكمال الحديث عنها في العدد القادم.

تقسم الحروف العربية من حيث تجاورها الى أربعة أقسام:
أ. أن يكون الحرفان متماثلين (التماثل). كالبائين: ﴿ اضْرِب بِّعَصَاكَ ﴾.
ب. أن يكون الحرفان متقاربين (التقارب). كاللام والراء: ﴿ وَقُل رَّبِّ ﴾.
ج. أن يكون الحرفان متجانسين (التجانس). كالتاء والطاء: ﴿ وَقَالَت طَّائِفَةٌ ﴾.
د. ان يكون الحرفان متباعدين (التباعد). كالذال والقاف: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾.
وهنا سنبدأ بدراسة الصفات العرضية التي لها علاقة بمجاورة الحروف بعضها لبعض وتأثيرها على بعضها. كالإدغام والمدّ وغيره.


تعريف الإدغام:
الإدغام: لغة الادخال والدمج.
وفي اصطلاح القراء: هو إيصال حرف ساكن في حرف آخر متحرك بحيث يصيران بعد الادغام حرفاً واحداً مشدداً (او هو لفظ الحرفين كالثاني مشدداً لفظاً لا كتابة).

تعريف المتماثل:
الحرفان المتماثلان: هما الحرفان المتفقان في المخرج والصفات. (اتفقا مخرجاً وصفة) كالدالين والبائيْن.
تعريف الادغام المتماثل: إذا التقى حرفان متماثلان الأول منهما ساكن والثاني متحرك وجب الادغام لجميع القراء، نحو: ﴿ رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ﴾، ﴿ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ﴾.
ويسمى هذا النوع من الادغام بالادغام الكامل. وعلامته في المصحف الشريف هو تجريد الحرف الأول من السكون وتشديد الحرف الثاني.
وهذا الادغام يسري على كل حرفين متماثلين أولهما ساكن ما عدا أحرف المد فإنه يمتنع لوجود المد، نحو:
الواو المدية مع الواو غير المدية:﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾.
الياء المدية مع الياء غير المدية:﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ ﴾.
ويأتي المتماثلان في كلمتين متصلتين نحو ﴿ يُدْرِككُّمُ ﴾ أو منفصلتين نحو: ﴿ إِذ ذَّهَبَ ﴾.
ويصاحب إدغام النون في النون والميم في الميم غنة طويلة كاملة. نحو:﴿ مِن نَّارٍ ﴾، ﴿ أَم مَّنْ ﴾.


تعريف المتقارب:
الحرفان المتقاربان: هما الحرفان المتقاربان في المخرج والصفات. (تقارباً مخرجاً وصفة). ومعنى التقارب هو ان يتفق الحرفان في أكثر الصفات.

تعريف الادغام المتقارب:
إدغام المتقاربين: إذا التقى حرفان متقاربان الأول منهما ساكن والثاني متحرك وجب الاظهار عند حفص إلا في موضعين فإنه أدغمهما وهما:
اللام الساكنة في الراء: ﴿ وَقُل رَّبِّ ﴾، ﴿ بَل رَّفَعَهُ ﴾.
القاف الساكنة في الكاف:﴿ نَخْلُقْكُمْ ﴾ وقد ذكرت مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة المرسلات الآية (20) ويكون بإدغام القاف في حرف الكاف إدغاماً كاملاً أي مع التشديد أو إدغاماً ناقصاً أي من دون تشديد بحيث تبقى صفة الاستعلاء للقاف الظاهرة، والادغام الكامل مقدم في الاداء لحفص والوجهان صحيحان ومقروء.
ملاحظة: أدغم حفص في باب التقارب مواضع أخرى نحو: النون الساكنة في أحرف (يرملون)، ولام التعريف في الأحرف الشمسية.
وسيأتي الحديث عن الإدغام المتجانس وعن المتباعدين في العدد القادم بإذن الله (1) .


(1) - الأستاذ الحاج عادل خليل مدير القسم التعليم المركزي في جمعية القرآن الكريم.


أشهر القراء المبدعين

الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي  (من مصر العربية)

يعتبر الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي أحد كبار القراء الذين تأسست بهم دولة التلاوة المباركة في مطلع القرن العشرين ومنهم «محمد رفعت - محمد الصيفي - علي محمود
».
عاش الشيخ الشعشاعي 72 عاماً منذ خروجه للحياة بقرية شعشاع بمصر في عام 1890 م وحتى لقي وجه ربه عام 1962 م وعلى امتداد مسيرته القرآنية الثرية تحقق له من الأمنيات العظيمة ما لم يتحقق لرواد التلاوة في عصره، حيث سافر للحج مرتين وفي المرة الثانية عام 1948 م قرأ في الحرم النبوي بالمدينة المنورة أمام مئات الآلاف من المؤمنين من كافة أنحاء العالم الإسلامي.
تعددت رحلاته إلى البلاد العربية الإسلامية، وقد حفلت رحلاته بكثير من الذكريات والمواقف لا سيما رحلته إلى العراق عام 1955 م.. بعد أن انتهى من تلاوته بمسجد الأحمدية ببغداد وانكسر ضلعه من جراء تزاحم الناس حوله لمصافحته، والمثير للدهشة أن للشيخ الشعشاعي سبعة أبناء منهم ستة أولاد لم يحفظ أي منهم كتاب الله سوى أصغرهم الشيخ إبراهيم الشعشاعي الذي سار على نهج أبيه وخلفه في قراءة القرآن بمسجد السيدة زينب (عليها السلام).

 

   حفظة القرآن

  حوارات أهل القرآن


نبذة مختصرة:

الاسم:
سحر جعفر حرب.
العمل:
مُدرّسة للقرآن الكريم، وطالبة جامعية، وحافظة لتمام القرآن الكريم، وقد حازت على شهادات في بعض دورات القرآن التخصصيَّة.
المستوى الدراسي:
ماستر 1 في المعلوماتيَّة (Informatique).


س 1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ ... ﴾.
ج: التمسك بدين الله وكتابه والأئمة (علیهم السلام) (حبل الله المتين) وعدم التفريق بين المسلمين - أهل القرآن - كما يحدث اليوم.

س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (ص): «إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً؟
ج: يقول الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾، وهل هناك أفضل من القرآن طريقاً للهداية والتقوى ؟ لذا فالحامل للقرآن، العامل به، في أعلى الدرجات عند الله بعد النبيين والمعصومين.

س 3: مروي عن أبي عبد الله (ع) أنَّ: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (2) الكرام البررة (3) »، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ ولماذا؟
ج: لا بدَّ من أن عهداً من إمام معصوم يبعث الطمأنينة في النفوس ويرمي في القلوب حبّاً وخشية وتواضعاً لله سبحانه وتعالى، فهو وعده واضح وصادق، ولكن لا بد من أن يبقى في القلب خوفٌ من عدم التمسك من العمل بأحكامه كما أمر الله، ويبقى الدعاء والتوسل شفيعنا.

س 4: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع جمعية المعارف الإسلامية؟
ج: هذا المشروع من أفضل وأروع المشاريع التي أُقيمت في تعظيم القرآن الكريم، فهو شجع من هجر القرآن على العودة إليه، ويحث من حمل القرآن على المتابعة والتقدّم بما تحمل من تقدير مادي ومعنوي كحملة القرآن الكريم.

س 5: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج: أقول للشباب والشابات الجامعيين: «إنَّ حفظ القرآن زادٌ للإنسان، فويلٌ لمن خرج من الدنيا وليس معه شيء من الزاد «وإنَّه لشرفٌ كبير أن تكون الآيات الإلهيّة دائماً في أذهانكم وعقولكم، وهذه نعمة كبيرة وذخيرة ورأسمال دائم لكم، ما دام العمر.

س 6: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج: لا كلام ولا أبجديَّة تعبر لسماحة الأمين العام عن حبنا ومشاعرنا وتقديرنا له ولجهوده (حفظه الله)، ولا بد للدموع في حضرة ذكره أن تملأ المقل وتسقي الوجنات، حباً له وخوفاً عليه. لا يسعني إلا التعبير ببعض كلمات الشكر والامتنان لهذا القائد العظيم، على كل ما قدمه من دعم لهذا المشروع، ولكتاب الله العزيز وللوطن، وأدعو الله أن يحفظه ذخراً للمسلمين وللبنان وللأمة جمعاء، ونسأله الدعاء مع جزيل الشكر وخالص الاحترام.


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة.
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص>

 

   أهل البيت (عليهم السلام)

  القرآن في كلام أهل البيت (عليهم السلام)
 



عن علي بن الحسين (ع) ومرسلاً عن أبي عبد الله (ع) قالا: من استمع حرفا من كتاب الله تعالى من غير قراءة كتب الله تعالى له به حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن قرأ نظرا من غير صوت كتب الله له بكل حرف حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة ومن تعلم منه حرفا ظاهرا كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات. قال: لا أقول بكل آية ولكن بكل حرف باء أو ياء أو شبههما. قال: ومن قرأ حرفا وهو جالس في صلاته كتب الله له خمسين حسنة ومحا عنه خمسين سيئة ورفع الله له خمسين درجة، ومن قرأ حرفا وهو قائم في صلاته كتب الله له مائة حسنة ومحا عنه مائة سيئة ورفع له ماءة درجة ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة قال: قلت جعلت فداك ختمه كله. قال: ختمه كله (1) .
زيدُ بنُ عَليٍّ: دَخَلتُ عَلى أبي جَعفَرٍ (ع) فَذَكَرَ ﴿ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فَقالَ: تَدري ما نَزَلَ في ﴿ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ؟ فَقُلتُ: لا، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلّى الله عليه و آله كانَ أحسَنَ النّاسِ صَوتًا بِالقُرآنِ، وكانَ يُصَلّي بِفِناءِ الكَعبَةِ فَرَفَعَ صَوتَهُ، وكانَ عُتبَةُ بنُ رَبيعَةَ وشَيبَةُ بنُ رَبيعَةَ وأبو جَهلٍ بنُ هِشامٍ وجَماعَةٌ مِنهُم يَستَمِعونَ قِراءَ تَهُ. وكانَ يُكثِرُ قِراءَةَ ﴿ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فَيَرفَعُ بِها صَوتَهُ. فَيَقولونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَيُرَدِّدُ اسمَ رَبِّهِ تَردادًا، إنَّهُ لَيُحِبُّهُ، فَيَأمُرونَ مَن يَقومُ فَيَستَمِعُ عَلَيهِ، ويَقُولُونَ: إِذا جَازَ ﴿ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فَأَعلِمنَا حَتّى نَقُومَ فَنَستمِعَ قِراءَتَهُ فَأَنزَلَ اللهُ في ذلِكَ: ﴿ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَإِذَا ذَكَرتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (2) .
قال الإمام المهديّ (ع) ـ لِمُحَمَّدِبنِ عَبدِاللهِ الحِمَيريِّ الّذي سَأَلَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ لِلصَّلاةِ ـ: التَّوَجُّهُ كُلُّهُ لَيسَ بِفَريضَةٍ، والسُّنَّةُ المُؤَكَّدَةُ فيهِ الَّتي كَالاجماعِ الَّذي لا خِلافَ فيهِ: «وَجَّهتُ وَجهيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرضَ حَنيفًا مُسلِمًا عَلى مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِ مُحَمَّدٍ وهدى أميرِ المُؤمِنينَ وما أنَا مِنَ المُشرِكينَ، إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَماتي ِللهِ رَبِّ العالَمينَ لا شَريكَ لَهُ، وبِذلِكَ اُمرتُ وأنَا مِنَ المُسلِمينَ، اللّهُمَّ اجعَلني مِنَ المُسلِمينَ، أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العَليمِ مِنَ الشّيطانِ الرَّجيمِ، بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» ثُمَّ تَقرَأُ الحَمدَ (3) .


(1) - التفسير الصافي: ج1، ص69 - 70.
(2) - أمالي الطوسي: 696 / 1486.
(3) - التهذيب: 3 / 261 / 735.

 

  استفتاءات قرآنية


لسماحة المرجع آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله)
 


1 - سؤال: هل يجوز وضع علم مكتوب عليه اسم الله أو آية قرآنيّة أو علم حزب الله على جسم الشهيد؟
- الجواب: إذا كان الوضع قبل التغسيل فيجوز ما لم يستلزم نجاسة أو هتكاً، أمّا بعد التغسيل فجائز بلا إشكال.

2 - سؤال: ما هو حكم المصاحف التالفة والمستخرجة من الحفريّات الناتجة عن الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006 ولا مجال للاستفادة منها بحالتها الآنيّة فهل يجوز إتلافها؟
- الجواب: يجوز دفنها تحت التراب أو رميها في البحر بنحو لا يستلزم هتكاً ولا نجاسة.

3 - سؤال: هل يجوز إهداء المصاحف لغير المسلمين وخاصّة للجنود العاملين في قوّات اليونيفل في جنوب لبنان؟
- الجواب: يجوز إهداء القرآن للكافر لغرض الهداية مع العلم بعدم الهتك وعدم الملامسة.

4
- سؤال: ما هو موقف المسلم اتجاه غير المسلم عندما يمتلك القرآن ونحن نعلم أنّه من السهل اقتناء أو امتلاك القرآن؟
- الجواب: إذا كان بقاؤه مع الكافر يسبّب هتكاً لحرمة القرآن أو لمساً وجب استنقاذه منه مع الإمكان.

5
- سؤال: ما حكم إهداء القرآن الكريم المترجم لغير المسلمين؟
- الجواب: لا إشكال فيه إلّا من جهة مسّ لفظ الجلالة، فمع العلم بعدم مسّه وعدم هتكه جاز ذلك.

6 - سؤال: هل بيع القرآن الكريم حرام؟
- الجواب: يجوز بيعه بما هو جلد وورق لا بما هو كلام الله تعالى.

7 - سؤال: ماذا يُقال في السجدة عند قراءة آية السجدة؟
- الجواب: الواجب هو السجود فقط (1) .


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: إصدار جمعيَّة القرآن الكريم، ص 98.

 

  فاطمة (عليها السلام) في القرآن والسُّنَّة

 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين (محمد) المصطفى  (ص)، وعلى ابنته الطاهرة، الأنسيّة الحوراء، فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، زوج الوصيّ الكرار، وأم الأئمة الأطهار، المدعوّين في الكتاب العزيز بـ:
أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.


تعرَّض القرآن الكريم إلى بيان جوانب عديدة من دور العترة النبوية (عليهم السلام) في الحياة، ولأهمية هذا الدور فقد ورد في بعض المصادر الإسلامية «أن الله قد أنزل ربع القرآن فيهم (عليهم السلام)» (1) .
وروي عن عبدالله بن عباس، أنه قال: «نزل في علي وحده أكثر من ثلاثمئة آية» (2) .
والآيات النازلة في العترة (عليهم السلام) على صنفين، صنف عام بحيث يشتركون جميعهم فيه كـ«آية التطهير وآية المودة وغيرها». وصنف خاص ببعضهم كآية السقاية والفداء، والقربى وغيرها.


آية التطهير:
تظافرت النصوص في معظم المصادر الإسلامية حول اختصاص أهل البيت (عليهم السلام) بآية التطهير، وهي قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(3) .
وأهل البيت هم: «رسول الله  (ص) وعلي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)» لاسيما وأن النبي الأعظم  (ص) قد نص عليهم بآية التطهير فعلاً وقولاً، إذ قام  (ص) بجمعهم من حوله ثم جللهم بالكساء اليماني وجمع أطراف الكساء كي لا يشتبه أحد من الناس في إمكانية اختصاص غيرهم بهذه الآية (4) .


آية المباهلة:
قال تعالى:﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(5) .
المباهلة لغتاً: هي الملاعنة (6) ، أي أن يطلب كلا المتباهلين نزول اللعنة من الله على الفريق الكاذب وهي أحد أهم الآيات الدالة على النبوة، وبيان مقام أهل البيت (عليهم السلام)، ولاسيما بضعة المصطفى  (ص) التي أخرجها النبي معه للمباهلة فجعلها بين النبوة والإمامة.
وقد حاول البعض جاهداً صرف سياق الآية وانطباق مصداقها على أهل البيت (عليهم السلام) إلى مفاهيم واهية لا تمت إلى روح القرآن والنبوة بأي صلة.
قال العلامة الطباطبائي رحمه الله: «ومن عجيب الكلام ما ذكره بعض المفسرين، حيث قال: إن الروايات متفقة على أن النبي  (ص) أختار للمباهلة علياً وفاطمة وولديهما ــ (عليهم السلام) ــ ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط»؟! (7) .
وهو يريد بذلك شمول نساء النبي  (ص) فرد رحمه الله مفصلاً حول هذا الرأي وفساده، قائلاً: «وقد أساء الفهم فليس المراد بالآية بلفظ نساءنا فاطمة، وبلفظ أنفسنا علي، بل المراد أنه  (ص) إذ لم يأت في مقام الامتثال إلا بها، وبه كشف ذلك انها هي المصداق الفرد لنسائنا، وان علي  (ع) هو المصداق الوحيد لأنفسنا وانهما مصداق أبناءنا، وكان المراد بالأبناء والنساء والأنفس في الآية هو الأهل فهم أهل بيت رسول الله وخاصته كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر إيتانه  (ص) بهم انه قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فان معنى الجملة إني لم أجد من أدعوه غير هؤلاء» (8) .


آية الْقُرْبَى:
قال تعالى﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(9) ، هذه الآية من الآيات الخاصة بالعترة عليهم الصلاة والسلام وقد نزلت خاصة في فاطمة (عليها السلام).
فقد روى الصدوق رحمه الله عن الريان بن الصلت عن الإمام الرضا  (ع) أنه قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول الله  (ص)، قال: أدعوا لي فاطمة فدعيت له، فقال: يا فاطمة.
قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: هذه فدك مما هي لم يوجف عليه بالخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين وقد جعلتها لما أمرني الله تعالى به فخذيها لك ولولدك» (10) .
«وفدك بالتحريك وآخره كاف: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة أفاءها الله تعالى على رسوله  (ص) صلحا، فيها عين فوارة ونخل وهي التي قالت فاطمة (عليها السلام) عنها: ان رسول الله  (ص) نحلنيها،... » (11) .
وروى الشيخ الطوسي رحمه الله عن علي بن أسباط قال لما ورد أبو الحسن موسى  (ع) على المهدي وجده يرد المظالم فقال له: «ما بال مظلمتنا لا ترد»؟!.
فقال له: وها هي يا أبا الحسن؟.
فقال: «إن الله عز وجل لما فتح على نبيه  (ص) فدك وما والاها ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فأنزل الله تعالى على نبيه  (ص)﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾ فلم يدر رسول الله  (ص) من هم فراجع في ذلك جبرائيل  (ع) فسأل الله عز وجل عن ذلك فأوحى الله إليه: «إن ادفع فدك إلى فاطمة (عليها السلام)» فدعاها رسول الله  (ص)، فقال لها: «يا فاطمة ان الله تعالى أمرني أن أدفع إليك فدك».
فقالت: «قد قبلت يا رسول الله  (ص) من الله ومنك» فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله  (ص)» (12) .


آية الكوثر:
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ...(13) . حينما نستعرض التفاسير لا نجد نصاً صريحاً في بيان نزول هذه السورة القرآنية في بضعة الهادي  (ص)، ولكن مصداقها متجسد في شخص فاطمة البتول (عليها السلام) إذ أن نزول الآية كان عند وفاة عبدالله ابن النبي الأكرم  (ص) حينما شمت العاص بن وائل السهمي به  (ص) فنعته بالأبتر (14) .
أي: الذي لا ذرية له. فكان عطاء الله لحبيبه المصطفى  (ص) لا حدّ له فجعل ذريته أكثر ذراري الأنبياء والمرسلين وأبركهم وأزكاهم، وجعل مصدر هذا العطاء فاطمة (عليها السلام) وفي هذا التخصيص يقول رسول الله  (ص): «كل بني أنثى فان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأني أنا عصبتهم وأنا أبوهم» (15) .
وقال  (ص): «أن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي في صلب علي» (16) ، وفي لفظ: «من صلبك» (17) .
فكانت فاطمة (عليها السلام) هي الكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبيه المصطفى  (ص) وهي النعمة التي استحقت من الشكر لله تعالى أن يصلي النبي  (ص) لربه وأن ينحر الذبائج له جل شأنه.
وان عدو رسول الله  (ص) هو الذي أبتر الله ذريته، بل يفيد هذا النص القرآني بسنة كونية مفادها ابتلاء أعداء رسول الله  (ص) بالبتر وهلاك ذريتهم جزاءاً لمعاداتهم رسول الله  (ص).


آية إتمام الكلمات:
 قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ(18) .
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) بإسناده عن المفضّل، قال: سألت جعفر الصادق (رضي الله عنه) عن قوله عزّ وجل:﴿ وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ قال: هي الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه.
وهو أنه قال: (يا ربّ أسألك بحقّ محمد، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين،ألاّ تبت عليّ) ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(19) .
فقلت له: يا بن رسول الله فما يعني بقوله:﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾؟
قال: يعني: أتمّهن إلى القائم المهدي اثني عشر إماماً تسعة من الحسين (20) .
معنى هذا الحديث الشريف ، والعشرات من أمثاله المرويّة في كثير من المصادر: أنّ فاطمة الزهراء صلوت الله عليها كانت إحدى الكلمات الّتي عناها القرآن الحكيم في هذه الأية المباركة، وأوجبت اختبار الله تعالى بهنّ نبيّه العظيم إبراهيم الخليل عليه وعلى نبيّنا وآله الصلاة والسلام.


آية (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ):
قال تعالى:﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(21) .
روى (الفقيه الشافعي) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في تفسيره قال: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (تعالى): ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴾. قال: علي وفاطمة.
﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ﴾. قال: النبي (ص): ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾. قال: الحسن والحسين (22) .


آية الـ(كَوْكَبٌ) الـ(دُرِّيٌّ):
قال تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ...(23) .
روى الشيخ الكليني رحمه الله عن الإمام الصادق  (ع) في قول الله تعالى: ﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: «فاطمة (عليها السلام)»، ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ «الحسن»، ﴿ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ «الحسين»، ﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ «فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا»، ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ «إبراهيم  (ع)»،
﴿ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ «لا يهودية ولا نصرانية»، ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ «يكاد العلم ينفجر بها»، ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ «إمام بعد إمام»، ﴿ يَهْدي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ «يهدي الله للأئمة من يشاء»، ﴿ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ (24) .
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لنشر فضائل أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.


(1) - المراجعات: ص 101.
(2) -
ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر: ج2، ص31.
(3) - سورة الأحزاب، الآية: 33.
(4) - مسند أحمد: ج 6، ص 323، ط دار صادر.
(5) - صحيح مسلم: ج 7، ص 123.
(6) - سورة آل عمران، الآية: 61.
(7) - الميزان: ج 3، ص 235.
(8) - الميزان: ج 3، ص 238.
(9) - سورة الإسراء ، الآية: 27.
(10) - عيون أخبار الرض (ع): ج 2، ص 211.
(11) - مراصد الإطلاع: ج 3، ص 1020.
(12) - التهذيب: ج 4، ص 148.
(13) - سورة الكوثر، الآيات: 1 ــ 3.
(14) - البحار: ج 17، ص 203.
(15) - مجمع الزوائد: 4، ص 224.
(16) - نيل الأوطار للشوكاني.
(17) - الأمالي: ص 450.
(18) - سورة البقرة ، الآية: 124.
(19) - سورة البقرة ، الآية: 37.
(20) - ينابيع المودّة/25.
(21) - سورة الرحمن ، الآيات: 19 - 20.
(22) - تفسير الدرّ المنثور: 6/142.
(23) - الكافي: ج1، ص 195.

 

  مقابلة العدد


الاسم والشهرة: الحاجة إيناس محمد حرب (أم أحمد).
العمل: مسؤولة التعليم في منطقة النبطية في جمعية القرآن الكريم.


السلام عليكم ورحمة الله
أمَّا بعد: لقد توجّهت جمعية القرآن الكريم إلى الحاجة أم أحمد المجاهدة والناشطة في العمل القرآني والثقافي في الجنوب بشكل عام وفي منطقة النبطية بشكل خاص بمجموعة من الأسئلة حول بدايتها مع العمل القرآني، ودورها في جمعية القرآن الكريم، ونشاط زوجها شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب (قده) القرآني، وغيرها من الأسئلة، وإليكم الرد الذي وصف بالرائع والممتاز:


1- أخبرينا عن بداياتك مع العمل القرآني وما هي الدورات القرآنية التي شاركت فيها؟
بداية العمل القرآني كان في عام 1978م من خلال الخضوع لدورة تجويد أولى ومن ثم إنشاء حلقات تدريس قرآنية للأخوات في منزلي.
أما العمل مع جمعية القرآن الكريم فكان في عام 1992م في شهر أيار حيث كانت انطلاقة عمل الجمعية من منزلنا لمدة خمس سنوات، لحين استئجار أول مركز في منطقة النبطية عام 1997م.
وشاركت مع الجمعية في كل الدورات التي أقيمت، وأبرزها: إعداد مدرس، تخصص تجويد، حفص عن عاصم، ورش عن نافع، أساليب حفظ، تفسير القرآن.
إضافة إلى المشاركة في إدارة وتحكيم المسابقات القرآنية.

2- ما هو دورك في جمعية القرآن الكريم وكيف تنظرين إلى دور الجمعية في لبنان؟
إدارياً: استلمت إدارة فرع النبطية منذ عام 1992 م وحتى 2001 م، ثم مسؤولة الملف التعليمي للجنوب للإشراف على المعلمات في المدارس والدورات.
أما الدور الذي أتمنى أن أكون من الموفقين له في الجمعية فهو خدمة العمل القرآني على كل الأصعدة ونشر الثقافة القرآنية بين الناس -وهذا طريق رضا الله تعالى- إن شاء الله.
أما الجمعية فهي رائدة التعليم القرآني ونشر ثقافة كتاب الله تعالى في لبنان، وقد ساهمت في نشر العلوم القرآنية في أغلب المناطق اللبنانية، وهي مستمرة -إن شاء الله- في تخريج المدرسين والحفظة والقراء بأعداد كبيرة، ويمكننا القول بأنها أكثر من يهتم بالقرآن والثقافة القرآنية على صعيد لبنان.

3- أخبرينا عن تجسد الشخصية القرآنية لدى سماحة الشهيد الشيخ راغب حرب (قده) وكيف كان تعاطي سماحته مع القرآن الكريم؟
بداية لا بد من الإلفات إلى شدّة اهتمام الشيخ راغب بحثّ الشباب خصوصاً والناس بشكل عام على تعلم تلاوة القرآن ثم الترقي إلى فهم معانية ومقاصده وبعد ذلك التطبيق والعمل عليها، وقد جهد في كثير من خطبه ومواعظه في بيان بعض تفاسير الآيات الكريمة وسبل السير بهدى القرآن، لأنه كان يعرف أن أي مجتمع يسير بهدى القرآن فهو حتماً يسير نحو الصلاح والسعادة، وعلى صعيده الشخصي فقد كان مطبقاً لأحكام الكتاب وسائراً بهديه في كل صغيرة وكبيرة ويعتبره دستور حياته قولا وفعلا، وكان يدأب على تلاوته.
وكل أعماله وإنجازاته الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية وحتى العسكرية هي نتاج حضور القرآن الكريم في قلبه وعقله وعمله.

4- ما كانت الاهتمامات القرآنية للشيخ الشهيد؟ وهل كان لديه دروس في تفسير القرآن؟
الآيات القرآنية كانت الشاهد الأول التي كان ينطلق منها ويعتمد عليها في خطب الجمعة والمحاضرات والدروس في المساجد والحسينيات والمدارس، ولا سيما دروس تفسير القرآن، وقد كان معظم خطبه عبارة عن موضوع مأخوذ من الآية التي يفتتح بها الحديث.
إضافة إلى وجود العديد من الدروس التي كانت تختص بتفسير آيات من القرآن الكريم ونورد بعض المقاطع مما قاله عن القرآن الكريم في هذه الدروس: «لم ينزل الله الكتاب من أجل أن يقرأ على الأموات، وإنما أنزله هدى ورحمة فهو كتاب يدل الناس على ما فيه صلاحهم ويكشف الهدى للناس» وقال في كلام آخر: «إن كلمات الله لا تنفد وليس المقصود بذلك أن عدد الكلمات في كتاب الله غير متناهية وإنما المقصود أنه لا ينتهي عن كونه مصدراً للعمل ومصدراً للتشريع، ومصدراً للكشف عن الكثير من حقائق الحياة، فمثله كمثل البحر، وكل شخص يذهب إليه من أجل أن يغترف منه فإنه يغترف على قدره وليس على قدر البحر»، وقال أيضاً:» تحول الكتاب الكريم لدى المؤمنين إلى هادٍ يدلهم على طريق الحياة الكريمة وغدا بالنسبة إلى غير المؤمنين والمتقين حجة لله عليهم لأن الله تعالى لا يعذب إلا عن بينة: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ(1) .

5- ما هي الأساليب التي كان يتبعها مع الأطفال لتنشئتهم تنشئة قرآنية؟
لقد كان منهج الشيخ راغب (قده) في التعاطي مع الأطفال بشكل عام منهج الإسلام، فلم يكن يرضى بالأساليب السائدة آنذاك من ضرب وتقريع وتوهين للطفل، بل كان يحرص على بناء الشخصية المتزنة داخل الطفل من خلال إشعاره بأهميته فكان يبادر لمصافحة كل الأطفال في المكان الذي يصل إليه ثم يقربهم منه ويبدأ بمحادثتهم وتلقينهم بعض الآيات القرآنية والأناشيد الإسلامية، ويطلب من كل واحد منهم أن يقف ويصدح بما حفظ مع التشجيع والتحفيز على ذلك، بالإضافة إلى اصطحابهم إلى المسجد للصلاة، وإيلائهم جزءاً من وقته.
وهكذا نشأ كثير من الشبان متأثرين بما كان يفعله معهم الشيخ الشهيد (قده) وساهم هذا الأمر في أن يكون كثير منهم نواة العمل الجهادي ويزفوا شهداء في سبيل الله.

6- كيف تفسرين مواقفه التي كان يتخذها سماحة الشيخ الشهيد على ضوء القرآن؟
كثيرون في العالم الإسلامي يقرؤون آيات الله تعالى، ولكن كم عدد أولئك الذين يطبقونها، أما الشيخ راغب (قده) فقد كان يحرص على أن يكون مطبقاً لكلام الله تعالى في كل موارده من حلال وحرام وواجب ومكروه ومباح، فعندما يقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ...(2) يكون أول المبادرين إلى العمل والإلتزام، وإذا قرأ قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ...(3) يكون مبادراً للجهاد ولقتال هذا العدو مهما كلف الثمن فتطبيق أحكام الله وآياته يستحق عنده أن يموت الإنسان دونه. فلو أن كلّ الأمة الإسلامية عملت بما تقرأ وتحفظ من القرآن الكريم فهل سيبقى محتل على أرض إسلامية؟ أو هل سيقدر أي مستكبر أن يفرض كلمته على الأمة الإسلامية؟ وهنا لا بدّ من الإشادة بكل المجاهدين الأبطال الذين استجابوا لله وعملوا ويعملون من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وأسأل الله أن يمن عليهم دائماً بالنصر المبين.

7- من خلال عملكم القرآني كيف نفهم قول رسول الله  (ص): «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»؟
الآيات القرآنية وأحاديث الرسول  (ص) وأهل البيت (عليهم السلام) التي تحث على تعلم القرآن الكريم وتعليمه كثيرة.
ومن خلال عملي في الساحة القرآنية لمست تأثير تعلم القرآن على الفرد الذي يتعلمه وبالتالي تأثيره على المجتمع، بحيث يكون القرآن السبب الرئيس في صلاح الفرد واستقامته، وبالتالي صلاح المجتمع واستقامته فلا يمكن أن يسير مجتمع بعيد عن القرآن إلى الصلاح.
وقد روي عن رسول الله  (ص) أنه قال: «من علّم آية من كتاب الله تعالى كان له أجرها ما تليت» (4) . وقد روي عن أمير المؤمنين  (ع) أنه أوصى بقوله: «الله الله في كتاب ربكم لا يسبقنكم إلى العمل به غيركم».

8- برأيك ما هي المميزات التي يجب أن يتحلى بها مدرس القرآن؟
ينبغي بمعلم القرآن أن يكون القدوة والمثال لطلابه ويتحلى بخلق القرآن والإخلاص والمحبة والصدق ورحابة الصدر، والعمل بما يقول حتى لا يكون ممن قال الله فيهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ(5) . لأنّ إنشاء الجيل الصالح هي من مهام مدرس القرآن، فالطالب يتأثر بشكل مباشر بأخلاق وسلوك مدرسه، لذلك يجب على من يسلك سبيل تعليم القرآن أن يكون صائناً لنفسه وحافظاً لدينه.

9- برأيك ما هو دور المرأة في نشر تعاليم القرآن في مجتمع المقاومة؟
إنّ دور المرأة هو الذي حدده الإمام الخميني (قده) بقوله: «المرأة كالقرآن، كلاهما أوكل إليهما صنع الرجال». إن الأم التي تصنع الرجال قادرة على بناء المجتمع أو هدمه، فعلى كل أم أن تحرص على تعليم أولادها القرآن وتمتين ثقافة القرآن في نفوسهم حتى يخرجوا إلى المجتمع مؤمنين أقوياء يستطيعون أن يساهموا في بناء المجتمع الإسلامي.
من هنا علينا أن نعمل جميعاً وفي أي موقع كنا ليكون هدفنا الأول الحفاظ على تعاليم القرآن الكريم في بيوتنا، فنتلوه ونتدبر آياته، ونعلمه لأسرنا، ونتزود منه لآخرتنا ونسير بما يرضي الله عز وجل.

10- ماذا تقولين للناس لكي يكونوا قرآنيين وعمالاً لله تعالى؟
أقول للآباء والأمهات، إنَّ الله نشر بيننا ثقافة القرآن، وإن الغرب ينشر بيننا الآن ثقافة الفسق والفجور والانحراف، فاختاروا لأبنائكم أيّ ثقافة تريدون أن ينشأوا عليها، وبالتالي اختاروا طريق سعادتهم في ثقافة القرآن أو شقائهم في ثقافة أهل الدنيا، وفي مواجهة كل هذه التحديات الثقافية والفكرية ليس لدينا سلاح بعد التوكل على الله تعالى إلا التمسك بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة (عليهم السلام) فذلك وعد من الصادق الأمين  (ص) أن لا نضل إذا اتبعنا القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) وهو القائل: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا» (6) .
نشكركم على تعاونكم، والسلام عليكم ورحمة الله (7) .


(1) - سورة الأنفال، الآية: 42.
(2) -
سورة الأنفال، الآية: 24.
(3) - سورة الأنفال، الآية: 60.
(4) - سنن النبي الأكرم  (ص): ج3، ح23.
(5) - سورة الصف، الآيتان: 2-3.
(6) - المسترشد: 560.
(7) - إعداد الحاج عباس عساف، مدير قسم العلاقات العامة المركزية في جمعية القرآن الكريم.

 

  طيور ذكرت في القرآن الكريم

  الهدهد في القرآن الكريم


 

وقد ورد ذكر الهدهد في القرآن في موضع واحد قال تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ(1) .
اختلف في سبب تفقده الهدهد فقيل إنه احتاج إليه في سفره ليدله على الماء لأنه يقال إنه يرى الماء في بطن الأرض كما يراه في القارورة (2).

(بالإنكليزية: Hoope) طير له عرف مميز على رأسه، اللون البني الفاتح وعرفه البني مرقط من أطرافه بالريش الأسود ونصفه الأسفل أسود مرقط بالريش الأبيض في نظم جميل،له طريقة مميزة في الطيران، ويتغذى على الحشرات ويشاهد أفراداً في المناطق الزراعية، وهو من أصدقاء الفلاحين فهو ينظف الأرض من الديدان واليرقات والآفات. يعد وجوده. ومشاهدته علامة على نقاء البيئة من المبيدات الحشرية، وممنوع صيده، حيث أنه يكره أكله، وهو يعيش فى المناطق الجنوبية والوسطى من آسيا وأوروبا ويتواجد فى إفريقيا بشكل كبير، ويعيش فى التضاريس وكروم العنب والمروج وبالذات مروج السافانا وفى الأشجار المتفرقة وهو غير مستقر فى مكان واحد، بل هو دائم التنقل والترحال من مكان لآخر بحثا عن الغذاء.

معلومات إجماليَّة عنه:
يسكن هذا الطائر في جحور الأشجار أو الجحور الصخرية الضيقة وحتى في المباني القديمة أو بعض الشقق الفندقية الفاخرة. وتجلس الأنثى (12-15 يوماً) على بيضها كفترة حضانة حتى تفقس. الذكر يطعم الأنثى أثناء فترة الحضانة ويطعم الصغار بعد الفقس. وعادة ما يحتضن صغيرين كل عام بحيث يغادرون العش بعد (26-32 يوماً) من التفقيس، وله قابلية عجيبة في طلب الماء والكشف عن تواجده تحت الأرض. يتميز بسرعته الفائقة في الطيران والعدو، ومن صفاته المميزة أيضاً أنه يتمكن أن يبعد أي حيوان ضار أو مفترس عن عشه وصغاره عن طريق رش رذاذ أسود زيتي برائحة كريهة من غدة بقاعدة الذيل تبعد أي متطفل، بل وحتى الصغار يستطيعون ذلك إن أحسوا بالخطر.

مميزاته:
يتميز هذا الطائر برشاقته وحسن مظهره وخصوصاً مع تلك النتوءات الريشية أو القزعة الموجودة في مؤخرة رأسه. طوله حوالي 31 سم وألوانه تختلف حسب المناطق، فمنها الدارسينية - نسبة للقرفة أو الدارسين وهو نوع من البهارات البنية الداكنة - ومنها الكستنائي مع أجنحة مخططة أو ملونة بالأبيض والأسود. منقاره معقوف طويل وقوي وأجنحته دائرية تقريباً، أرجله قصيرة وذيله مربع، والريشات الجميلة في مؤخرة رأسه قد تتحول لشكل مروحي عندما يستثار، ويعمل على نفخ ريش رقبته عند المناداة، وعند الخطر يومض برأسه.

طعامه:
يتناول الأعشاب من البراري المفتوحة ويفضل الحشرات كالديدان ويرقاتها اللينة التي يلتقطها من الترب وفتحات الصخور الضيقة باستخدام منقاره الطويل، كما يأكل الحيوانات الصغيرة كالسحالي والعضايا. وقد يأكل بمفرده أو مع زوجه خلال فترة تربية الصغار خصوصاً في فترات الربيع والصيف، وبقية الأوقات قد يتغذى بشكل جماعي.

بعض تصرفاته:
في بحوث نشرت عام 1943م، بأنه، يمشي بهدوء ويركض أحياناً بتلازم حركي بين الرجل والرأس، وهو مغرم بالاستحمام بالرمل. يأكل أساساً من الأرض وغذاؤه الرئيس في المناطق العشبية على الديدان واليرقات والحشرات، ويقوم برفع ريش الطوق الرأسي المميز له عند الانفعال والخوف والنشاط بينما يخفضه عند الراحة، وله صفة التملص من المطاردين الرئيسين له كالباز والصقر والبوم وغيرهم بواسطة الطيران السريع والمتميز فراراً منهم أو بواسطة عمل تمويه أرضي بواسطة عمل حمّام الرمل له ليتخفى منهم، ويعيش في الأشجار والمباني القديمة والجدران والجحور الصخرية.

تعاونه مع أبناء جنسه:
أكثر الطيور تعاوناً ومحبة للمساعدة خصوصاً الأفراخ من أعشاش أخرى تابعة لأبناء جنسه، وأثبت العلماء خلال تجاربهم على الهدهد الأخضر أن تلك الخاصية من أهم خصائصه الاستراتيجية التي يؤديها وكأنه يؤدي مصلحة ذاتية لنفسه مما يبعد الاعتقاد القديم السائد أن الحيوانات ومنها الطيور تمتلك فقط صفات عدائية تجاه غيرها (3) .

أسماؤه:
الهدهد, الهُداهد, النّباح, أبو الأخبار، وله أسماء أخرى.

صوته:
الهَدهَدة, العَندَلة, القَرقَرة, النُباح.

اختيار الهدهد:
الجميع يعلم أن تسخير الطيور والجن لنبي الله سليمان  (ع) هو معجزة ربانية، كذلك الجميع يعلم أن الهدهد هو الذي نقل أخبار مملكة سبأ لنبي الله سليمان وحمل إليها الرسائل.‏
أما لماذا اختار النبي سليمان الهدهد من بين الطيور كافة لنقل الرسائل واستطلاع الأخبار فهذا ربما لايعرفه إلا القليلون، خاصة إذا علمنا كما يقول الباحثون إن طائر الباز أو الشاهين القناص هو أسرع طائر في الجو، إذ تزيد سرعته على 160 كم في الساعة حين الانقضاض على فريسته، والمطلوب في إيصال الرسائل السرعة، فلماذا تم اختيار الهدهد ولم يتم اختيار الباز؟‏
كذلك طرح الباحثون والمفسرون الحمام المعروف بكفاءته في نقل الرسائل... وأجابوا على التساؤل المطروح لماذا اختار النبي سليمان الهدهد ليكون رسوله وناقل أخباره بل والمستطلع ولم يختر الحمام مثلاً؟‏
وفي تفسير ذلك قالوا:‏
إن الباز لايصلح للمراقبة والاستطلاع لأنه يجلب الأنظار إليه، بسبب خوف الناس منه، لذلك فهو غير صالح لهذه المهمة رغم سرعته وقوة ملاحظته.‏
أما الحمام رغم كفاءته الملاحية في نقل الرسائل فهو أيضاً لايصلح لهذه المهمة لأن المسافة بين القدس، حيث وجود النبي سليمان وسبأ في اليمن بعيدة جداً، والحمام لايصلح للمسافات الطويلة في نقل الرسائل لأن الحمام لايملك خاصية الدفاع عن نفسه حال مهاجمته كما يفعل الهدهد، ولأنها بطيئة في حركتها على الأرض ولاتتحمل الجوع والعطش لفترات طويلة، وهي ضعيفة أمام مغريات إطعامها، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الهدهد أكفأ من الحمام في استخدامات النقل فهو أسرع طيراناً، ولايحتاج للجماعة في طيرانه، وقوة دفاعه عن نفسه أكبر بكثير، إضافة إلى تحمله الكبير للجوع والعطش، فضلاً عن مكره وذكائه المشهور بهما، لذلك كان الهدهد هو الاختيار الأفضل, فهو يحمل خصائص فريدة في نوعها.‏

الخصائص التي تميز الهدهد عن غيره لتجعله رسولاً متميزاً:
1 - طائر غير جارح وغير مخيف.
2 - سريع جداً في الطيران والعدو.
3 - يتحمل الظروف الصعبة.
4 - ذكي ومراوغ.
5 - قابليته للتخفي والدفاع عن النفس بشكل رائع وسلمي وباستخدام عدة طرق.
6 - لا يحتاج للجماعة في طيرانه وهجرته مما يجعله صعب المراقبة في معرفة الاتجاه.
7 - له قابلية ملاحية متميزة في معرفة الاتجاهات لا تقل عن الحمام.
8 - له قابلية عجيبة في طلب الماء والكشف عن تواجده تحت الأرض.
ولعل تلك المميزات هي التي أهلته ليكون بتلك المنزلة والثقة التي أوليت له من قبل نبي الله سليمان  (ع)، على أن ذلك قد يوحي بأن ذلك الهدهد كان من نوع خاص وتم تربيته وتدريبه بعناية فائقة، والله تعالى أعلم.

فوائد وعِبر من قصة الهدهد مع نبي الله سليمان  (ع):
أ‌- إنكار الهدهد لمّا رأى أمرأة تقود رجال, وهذه من الأمور التي جعلها الله فطرة في الإنس والجن والهوام, أن الرجل هو الذي يقود النساء.وفيها أيضاً حسن التدرج في الإبلاغ فقد أبلغ الهدهد سليمان من الأصغر إلى الأكبر من قيادة المرأة لرجال إلى الشرك بالله وهذا فيه حسن أدب وفطنة.
ب‌- عندما رأى الهدهد قوم سبأ يشركون بالله ذهب مباشرة إلى سليمان داعياً إلى الله, واليوم يرى العالم أقوام يعبدون البقر ولا يتحرك ساكناً.
ج‌- نقل الهدهد الصورة كما كانت ولم يحكم عليهم, بل ترك الحكم لسليمان  (ع).
د- ولما أرسله سليمان إلى قوم بلقيس لم يحرف ولم يبدل بل أدى الرسالة كما كانت.
هـ- واستخدم الهدهد في هذه الآية القاعدة المشهورة «إذا تزاحمت المصالح يقدم الأعلى من المصالح - والأهم على المهم» فقدم الدعوة إلى الله على الحضور عند سليمان.
و- سمو أخلاق نبي الله سليمان  (ع), في تواضعه في قبول خبر الهدهد وحسن ظنه عندما قال: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (4) .
ز- ذكر الهدهد: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (5) , فيه أن الهدهد أعظم ما يعلم هذا الأمر فلذلك لا يرى أعظم منه في نظره.
ح- لم يعاقبه (ع)لأنه اعتذر له ولا أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين.
ط‌- قال العلماء إنَّ فعل سليمان يدل على تفقده أحوال الرعية والمحافظة عليهم فانظروا إلى الهدهد وإلى صغره فإنه لم يغب عنه حاله فكيف بعظائم الملك(وهناك فوائد وعبر أخرى).

الهدهد عند العرب:
العرب يضربون المثل بقوَّة إبصار الهدهد فيقولون: أبصر من هدهد، كما يقولون: أبصر من غراب وأبصر من عقاب وأبصر من فرس.
عن الإمام الحسين  (ع) أنه قال:«... وإذا صاح الهدهد يقول: ما أشقى من عصى الله...» (6) .
«الهدهد كان له معرفة باللّه و بوجوب السجود له و أنه أنكر سجودهم للشمس و أضافه إلى الشيطان و تزيينه» (7) .
فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ


(1) - سورة النمل، الآية: 20.
(2) -
مجمع البيان: ج7، ص339.
(3) - محمديان، كوخردى، محمد، (طيور بيئة كوخر، أسماء ومعاني) ، (پَرندكان كوخرد) ج1، چاپ أول،: سال انتشار 2009 م.
(4) - سورة النمل، الآية: 27.
(5) - سورة النمل، الآية: 25.
(6) - كلمات الإمام الحسين (ع): 30.
(7) - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للخوئي: 231.

  

  نباتات ذكرت في القرآن الكريم

  العنب في القرآن الكريم
 


ورد ذكر العنب أحد عشر مرَّة في عشر من سور القرآن الكريم هي: سور الإسراء، عبس، البقرة، الأنعام، الرعد، النحل «ذكر فيها مرتين»،الكهف، المؤمنون، يس، النبأ، ونورد هذه الآيات فيما يلي:


كلمة «عنب»: قال سبحانه: ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ﴾ (1) .

كلمة «عنبًا»:  قال تعالى: ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْبا ﴾ (2) .

كلمة «أعناب»: قال جلَّ وعلا: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ (3) .
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (4) .
﴿ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (5) .
﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (6) .
﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (7) .
﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ (8) .
﴿ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ (9) .
﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴾ (10) .
﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ (11) .
العنب هو ثمر شجر الكرم وهي عبارة عن نبتة متسلقة معمرة ذات سيقان منتصبة زاحفة وحوالق وأوراق كفِّية الشكل وعناقيد من الأزهار الصغيرة الخضراء اللون تتحول إلى عناقيد من الثمر والمعروف بالعنب والتي يتفاوت لونها بين الأخضر والأصفر والعنابي والبنفسجي والأسود، كما يتفاوت شكلها فمنها الحبات الطويلة والحبات الصغيرة بدون بذر والحبات الكبيرة المدورة ويعتبر العنب من الفواكه ذات القيمة الغذائية والعلاجية...

العنب علاج.. ووقاية:
1 - يساهم العنب في خفض الضغط المرتفع فهو يعتبر مدرًا للبول لاحتوائه على نسبة عالية من البوتاسيوم.
2 - يحد استهلاك العنب من الإصابة بالإمساك كما أنه يسهل البطن ويفضل استخدامه كمسهل للأطفال، كما يقدم عصير العنب للكبار وللصغار وهو ناجح بشكل جيد للأطفال حيث يعتبر عصير العنب علاجا ناجحًا في حالات الإمساك حيث يقوم العنب بعملية التنظيف للبطن وتسهيل حركة الأمعاء.
3 - يخفض الحموضة وخصوصًا الحموضة التي تنتج من عملية عدم سهولة الهضم أو عسر الهضم حيث يحتوي العنب على العديد من الأحماض الطبيعية، حيث يعادل أو يشابه الحليب وهو أسهل من الحليب في الهضم.
4 - يساهم العنب في الحد من الإصابة بالسرطان حيث تشير الأبحاث إلى أنَّ البلاد التي يكثر فيها إنتاج العنب تكاد تكون فيها أمراض السرطان منخفضة بل معدومة لأن العنب يحتوي على العديد من العناصر الغذائية التي تساهم في إخراج المواد المسرطنة الجذور الحرة وتطرحها خارج الجسم حيث يحتوي العنب على العديد من الفيتامينات والمعادن مضادات للأكسدة مثل فيتامينات [أ.ج] وبعض العناصر المعدنية كما يحتوي العنب على الألياف الذائبة وغير الذائبة.
5 - للعنب قيمة علاجية عالية وخصوصًا للأشخاص الذين يعانون من اضطرا بات أو ضعف في الكلى حيث يحتوي العنب على نسبة جيدة من الماء والأملاح بكميات مناسبة كما أنه يسهم بشكل جيد في عملية تصفية الدم وتنقيته من السموم.
6 - يعتبر العنب منشطًا قويًا لوظائف الكبد، كما أنه مفيد في حالات الإصابة بفقر الدم وفي حالات سوء الهضم إضافة إلى أنه يساعد في حالات سوء الهضم، البواسير، الحصاة الكبدية، النقرس والسل.
7 - احتواء العنب على مقادير عالية من المواد السكرية سهلة الهضم والامتصاص يساعد على اكتساب طاقة حرارية مناسبة لذا ينصح به للرياضيين والأشخاص الذين يتطلب عملهم مجهودًا عضليًا وحركيًا.

العنب يقاوم هشاشة العظام:
تشير الأبحاث العلمية إلى أن مرض هشاشة العظام من الأمراض التي تنتشر بشكل كبير لدى السيدات حيث تفقد العظام قوتها وصلابتها عندما تبدأ في فقد الكالسيوم نتيجة انخفاض امتصاص هرمون الأستروجين من الطعام خاصة عندما تبلغ السيدات سن اليأس. إذ أن هرمون الأستروجين يعمل على زيادة امتصاص الكالسيوم وترسبه وإضافته إلى العظام وعندما ينخفض امتصاصه تفقد العظام الكالسيوم الذي يعتبر الوحدة الأساسية في بنائها.
فالعنب يحتوي على معدن هام هو معدن البودون الذي يساعد على زيادة نسبة هرمون الأستروجين مما يقلل من التعرض لهشاشة العظام.

العنب والصناعات الدوائية:
أثبتت التحاليل الطبية أن فاكهة العنب لها فوائد طبية وعلاجية عديدة أهمها: أنه يساعد على تنشيط الكبد وسلامة وظائفه وإدرار الصفراء بصورة منظمة.
كما أن للعنب أثرًا فعالاً في تخفيض حمض الفوليك في الدم الذي يترسب في المفاصل والأطراف ويسبب الآلام وهو ما يعرف بداء الملوك أو النقرس كما أنه مفيد في طرد البلغم وتهدئة حدة السعال وعلاج لأمراض البرد والإنفلونزا والوقاية من آلام اللثة وتساقط الأسنان.
لذا فإن العنب يدخل في الكثير من الصناعات الدوائية المستخدمة حاليًا مثل أدوية السعال والكحة والمضادات الحيوية لاحتوائه على مواد وعناصر أساسية فهو يحتوي على مواد سكرية بنسبة 15 بالمائة ويمثل الجلوكوز حوالي 7 بالمئة من هذه السكريات كما يحتوي العنب على مواد بروتينية ودهنية فيتامين «أ» وكذلك أملاح الكالسيوم والفوسفور والبوتاسيوم ولا تقتصر فوائد العنب على الثمر فحسب بل تشمل أوراقه أيضًا حيث تحتوي على قيمة غذائية كبيرة فكل مائة غرام من أوراق العنب تحتوي على نسبة عالية من الماء والكربوهيدرات إلى جانب الفيتامينات والكالسيوم.

الاستخدامات والفوائد الطبية للزبيب:
الزبيب هو العنب المجفف، ويحتفظ الزبيب بمعظم خواص العنب الطازج بل يمد الجسم بسعرات حراريه أكثر من العنب الطازج حيث يعطى 010 غرام من الزبيب 268 كيلو سعرا حراريا بينما يعطى 100 غرام من العنب الطازج 68 كيلو سعرا حراريا فقط.
وفي الحالات التي لا تسمح بتناول العنب أو العصير يمكن الاعتماد على الزبيب، فهو كبديل عنها. ويؤخذ الزبيب في هذه الحالة كل ساعتين كما هو الحال في الغذاء بالعنب وللتغلب على الحلاوة الزائدة للزبيب المنقوع بالماء يمكن إضافة قليل من عصير الليمون إلى المنقوع.
ومما هو جدير بالذكر أن الزبيب المجرد من البذور منشط جدا ومقو، وفيه الخصائص اللازمة لتسكين الالام ويساعد على شفاء أمراض الصدر والقصبة الهوائية وكذلك يساعد على تنشيط الكبد ويعالج أمراض المسالك البولية.

خلاصة القول:
إنَّ العنب من أغنى الفواكه على الإطلاق فائدة ومردوداً وإن له دوراً فعالاً في بناء الجسم وترميم أنسجته وإنه مفيد للرياضيين والعمال اللذين يعملون بمشقة يعينهم على استعادة قواهم ومرونة عضلاتهم وطاقاتهم بسرعة فائقة، وهذه الخصائص تنطبق على عصير العنب الطازج فقط أما العصير الجاهز المعلب فهو لا يحتوي على أكثر من 20% من عصارة العنب مضافا إليه الماء والسكر والألوان والنكهات الصناعية وما أدراك ما هذه النكهات والألوان.
فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
 


(1) - نباتات ذكرت في القرآن الكريم
(2) - سورة الإسراء، الآية: 91.
(3) - سورة عبس، الآيتان: 27 - 28.
(4) - سورة البقرة، الآية: 266.
(5) - سورة الأنعام، الآية: 99.
(6) - سورة الرعد، الآية: 4.
(7) - سورة النحل، الآية: 11.
(8) - سورة النحل، الآية: 67.
(9) - سورة الكهف، الآية: 32.
(10) - سورة المؤمنون، الآية: 19.
(11) - سورة يس، الآية: 34.
(12) - سورة النبأ، الآيتان: 31 - 32.

 

 أنشطة الجمعية

  أنشطة جمعية القرآن الكريم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين.
يقول تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ... ﴾.
لقد شرف الله المسلمين برسول الرحمة محمد  (ص) الذي علمهم القرآن ومفاهيمه ومعارفه، فالمولى تعالى جعله بشيرا، ونذيرا، ومناديا لهم، وداعيا إلى الهدى، وحجة، ونورا وبرهانا وشفاء، ورحمة، والقرآن معجزة لنبيهم  (ص)، فالرسول والأئمة الأطهار، بحسب القرآن، هم المبينون لهذا الكتاب والمفسرون له بينوا لنا ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وكل ما وصلنا منهم يعيننا على فهم القرآن وتفسيره، إن الاسلام أوجب كسب العلم خصوصاً معارف القرآن بدرجة أولى حيث اعتبر الحضور في مجلس العلم كالحضور في روضة من رياض الجنّة: «مجلس العلم روضةٌ من رياض الجنة».
عن النبي  (ص): «من تعلّم القرآن وتواضع في العلم، وعلَّم عباد الله، وهو يريد ما عند الله لم يكن في الجنّة أعظم ثواباً منه، ولا اعظم منزلة منه، ولم يكن في الجنة منزل ولا درجة رفيعة، ولا نفيسة إلاّ وكان له أوفر النّصيب، وأشرف المنازل» (ثواب الأعمال: ص 51).
نحن في جمعية القرآن نعمل على خط الرسول  (ص) وأهل بيته (عليهم السلام) في تعليم ونشر الثقافة القرآنيَّة، نبين لكم نشاطها باختصار:

1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه :

قسم التعليمي وبرامجه:
من أجل إيصال المعرفة القرآنية وإذاعة أمر القرآن وتعلمه وفهمه يتابع القسم التعليمي المركزي في الجمعيَّة سيره في تهيئة الأجواء لكل مريد أو عاشق لتعلم القرآن واكتساب ثقافته وعلومه من خلال الدورات التي أقامها والتي سيقيمها في غضون الأشهر الثلاثة القادمة، وأهم هذه الدورات هي:
1- التلاوة الصحيحة في المساجد وغيرها..
2- التجويد بكل مستوياته.
3- فن التلاوة (الصوت والنغم).

4- مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
5- المفاهيم القرآنيَّة.
6- علم التفسير.
7- إعداد مدرس للتجويد والحفظ والتفسير.
8- علم الوقف والإبتداء، وغيرها من الورش التعليمية.
9- أساليب تحكيم المسابقات القرآنية.

2- نشاط قسم تحفيظ القرآن:

بدأ قسم التحفيظ باقامة المسابقة الرابعة لجائزة سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي (قده) حيث بلغ عدد المشتركين فيها 58 مشاركا وقد تم الإختبار للفئات الثلاثة: 10 - و20 - و30 جزءًا.
وهذه المسابقة برعاية سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله حفظه الله.

3- نشاط قسم النشاطات:

وبالتنسيق بين التعبئة التربوية وجمعية القرآن الكريم وبرعاية نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم تم توزيع الهدايا على الفائزين بمسابقة تفسير سورة الحجرات والفائزين ووزعت أسماءهم على المراكز.
- في ذكرى المولد النبوي الشريف وبالتعاون مع جمعية المعارف الثقافية الاسلامية أحيت جمعية القرآن الكريم هذه المناسبة العطرة بسلسلة من الأمسيات والصباحيات القرآنية في مختلف المناطق اللبنانية، وقد استضافت الجمعية نخبة من كبار قراء العالمين العربي والاسلامي إضافة الى الاطفال الحفاظ لكامل القرآن الكريم وفرق تواشيح.
من جمهورية مصر العربية:
القارىء الشيخ عبد الناصر حرك
القارىء الشيخ فاروق احمد ضيف
من الجمهورية الإسلامية الإيرانية:
الاستاذ القارىء حامد شكر نجاد
القارىء مهدي عادلي
القارىء رضا احمدي وفا.
والاطفال الحفاظ:
محمد حسين بهزاد فر
ابو الفضل نعمتي بُنادك.
من الجمهورية العربية السورية
فرقة الحوراء للتواشيح الدينية والإسلامية.
والجدير ذكره بأنه تم إقامة أكثر من 70 حفلاً قرآنياً حيث استمع للتلاوات العطرة 25500 محب لكتاب الله سبحانه.
تم توزيع الهدايا على الفائزين بمسابقة لبيك يا رسول الله (والتي أقيمت بين الجمعية وكشافة المهدي (عج)) والخاصة بحفظ سور: محمد  (ص) - يس - طه.
أجريت القرعة للفائزين بمسابقة القرآن الكريم في نهج البلاغة في كافة المناطق حيث فاز عدد كبير من الاخوة والأخوات نشرت أسماءهم على المراكز.
خيركم من تعلم القرآن وعلمه الرسول الأكرم  (ص) الطلاب الأعزاء تدعوكم جمعية القرآن الكريم للمشاركة في (مباراة السيدة زينب O القرآنية) في مجالين.
أ- التلاوة بالصوت الحسن (ترتيلا) في السور التالية:
للحلقة الثانية: الانسان - المزمل - الصف.
للحلقة الثالثة: الفتح - محمد  (ص).
للحلقة الرابعة: الفرقان - الحجرات.
ب - في مجال الحفظ ومعاني المفردات في السور التالية:
للحلقة الثانية: الانسان - الحاقة - المعارج - نوح.
للحلقة الثالثة: التغابن المزمل - القيامة - الصف.
للحلقة الرابعة: الواقعة - الرحمن - يس
على المدارس الراغبة بمشاركة طلابها في المباراة مراجعة مراكز الجمعية في كافة المناطق حيث ستجرى المبارة في كل المناطق ابتداء (من 2جمادى أولى 1434 هـ ولغاية 19 جمادىالآخرة 1434 هـ الموافق من 15 آذار 2013م ولغاية 30 / 4 / 2013 م) حسب كل منطقة
بانتظاركم 300 هدية قيمة وشهادة تقديرية لكل مدرسة مشاركة، وشهادات تقديرية للفائزين جمعية القرآن الكريم وكل عام وأنتم بخير .

4- نشاط قسم الدراسات:

تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من هذه السنة اصدار عدّة كتب أبرزها:
إعادة طباعة تفسير سورتي محمد  (ص) والفتح.
إصدار كتاب الكافي.
طباعة مجلة هدى القرآن العدد (6).
مجلة نافذة من السماء العدد (8).
أريج القرآن أصبحنا في العدد (68).
وهناك كتب جديدة تحت الطباعة.

 

 



س 1: أكمل قول أمير المؤمنين  (ع): «عليكم بالقرآن فاتخذوه....».
أ-
إمامًا.
ب-
قائدًا.
ج- كلاهما صحيح.

س 2: ماذا يسمّي أهل العرفان دعاء يونس (ع)؟
أ-
بالترانيم.
ب-
باليونسية.
ج-
لا ألف ولا باء.

س 3: ما المعنى اللغوي بلفظ الآية في قوله تعالى:﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ﴾ ؟
أ-
 العِبرة.
ب-
العلامة الظاهرة.
ج-
كلاهما صحيح.


س 4: السيد الطباطبائي (قده) خصَّ التفسير بالرأي:
أ-
بالاستبداد بالرأي في تفسير القرآن.
ب-
بأن يتوخى من تفسيره دعم عقيدته ورأيه المُسْبَق.
ج-
لا ألف ولا باء.

س 5: الاجتهاد في فهم القرآن هو:
أ-
بذل الجهد في فهم مقاصد الآيات.
ب-
 هو التفسير بالرأي المحظور.
ج-
كلاهما صحيح.

س 6: ماذا قال أبو عبد الله (الصادق (ع)) بعد قوله : ومن قرأ حرفا وهو جالس في صلاته ... ؟ :
أ-
كتب الله له خمسين حسنة.
ب-
محا عنه خمسين سيئة.
ج- كلاهما صحيح.

س 7: هل يجوز بيع القرآن الكريم أم حرام؟
أ-
يجوز بيعه بما هو جلد..لا بما هو كلام الله تعالى.
ب-
يجوز بيعه بما هو.. ورق لا بما هو كلام الله تعالى.
ج-
كلاهما صحيح.


س 8: من المقصود بقوله﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ في رواية الشيخ الكليني رحمه الله ؟
أ-
فاطمة (عليها السلام).
ب-
إبراهيم (ع).
ج-
الحسين (ع).

س 9: من القائل: «إن تفسير القرآن ليس من المهام التي يستطيع أمثالنا أداء حقها»؟
أ- الإمام الخميني (قده).
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج- سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).


س 10: من القائل: «على الشباب الأعزاء أن يأنسوا بالقرآن»؟
أ- الإمام الخميني (قده).
ب- الإمام الخامنئي (دام ظله).
ج- سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله).

 


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد (6)

 

الفائزون في مسابقة هدى القرآن العدد (5) هم بالترتيب:
الأول: الحاج عادل (الحوزة).
الثانية: خضر محمود كركي.
الثالث: نور الزهراء علوية.

يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة .


  تسلية وفائدة قرآنية


أفقيَّاً:
1 - كلمة عبر بها النبي  (ص) عن سورة هود.
2 - الجزء الثلاثون من القرآن يعرف باسم آخر.
3 - اسم الشخص الذي ذمته سورة المسد.
4 - سورة يساوي عدد آياتها عدد الأئمة المعصومين(عليهم السلام).
5 - معجزة النبي صالح (ع).
6 - سورة تكررت فيه﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
7 - نبي قال عنه بنو اسرائيل أنه ابن الله.
8 - امرأة مدحها القرآن.
9 - اسم سورة بدأت بـ (الر).
10 – سورة خلت من حرف الفاء.


عاموديَّاً:
11 - معنى لكلمة إِلْحَافًا.
2 - معنى لكلمة ال(سِنَةٌ).
3 - سورة ذكرت فيها قصَّة معراج النبي  (ص).
4 - المكان الذي قتل فيه فرعون.
5 - كلمة ناقصة من قوله تعالى:﴿ وَالْآخِرَةُ... وَأَبْقَى ﴾.
6 - كلمة ناقصة من قوله تعالى:﴿ النَّارِ... الْوَقُودِ ﴾.
7 - كلمة ناقصة من قوله تعالى:﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ... أَخِيهِ ﴾.
8 – اسم سورة بدأت بـ(الْحَمْدُ لِلهِ).


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (5)


ج1 - الحامدات سور تبدأ بـ»الحمد لله» وهي:
أ - سورة الأنعام والكهف وسبأ.
ب - سورة الفاتحة وفاطر.

ج2 – سورة المسبحات هي:
أ - الإسراء، الحديد، الحشر.
ب - الصف، الجمعة، التغابن، الأعلى.

ج3 – البارز في تفسير العلامة الطباطبائي (قده) هو:
- تفسير القرآن بالقرآن.

ج4 – أكثر ما ورد الفقه أو الأحكام في السور:
- المدنيَّة.

ج5 – أكثر ما وردت قصص الأنبياء في السور:
- المكيَّة.

ج6 - أقصر آية قرآنيَّة ذات حروف مقطَّعة هي:
أ - طه.
ب - يس.

ج7 – أكمل الحديث عن الرسول  (ص): «ما أوذي أحد مثل...... »:
ما أوذيت في الله.

ج8 – أيّ من الآيات يمكن قراءتها من الجهتين هي:
أ - ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ ﴾.
ب - ﴿ رَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾.

ج9 – من القائل: «القرآن نزل لجميع طبقات الإنسان» هو:
- الإمام الخميني قدِّس سرُّه.

ج10 – من القائل: «القرآن كتاب نور ومعرفة ونجاة» هو:
- الإمام الخامنئي (دام ظله) .
 

 

أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد (5) :
 

أفقياً:
1 - سورة سميت بأسماء الله تعالى هي: الرحمن.
2 - اسم سورة سميت بأسماء القرآن هي: الفرقان.
3 - صفة لله تعالى ذكرت تسعة مرات في سورة التوبة هي: الرحيم.
4 - سورة تستحب كثرة قرائتها للنساء هي: النور.
5 - آية لا يدخل فيها التنقيط هي: والعصر.
6 - نبي سافر إلى السماء ليلاً هو: محمد  (ص).
7 - شيء خلق منه آدم (ع) هو: الطين.
8 - تكملة للأية:﴿ ...وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ هي: ن.


عاموديَّاً:
1 - نبي شروه بثمن بخس هو: يوسف (ع).
2 - نبي بعث منذ الطفولة نبيَّاً هو: يحيى (ع).
3 - نبي اشتهر بصبره هو: أيوب (ع).
4 - النبي الذي قتل جالوت هو: داوود (ع).
5 - نبي عاش في الأرض كثيراً هو: نوح (ع).
6 - نبي ولد بلا أبوين هو: آدم (ع).
7 - ابن لنبي الله إبراهيم (ع): اسماعيل (ع).
8 – أخ لنبي الله إبراهيم (ع) هو: لوط (ع).
9 - المكان الذي دفن فيه فرعون هو: مصر.
10 - اسم من أسماء الرسول  (ص) من حرفين بداية سورة هو: طه.
 

 

 

 

 

 

  ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:


تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.


عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت: 278845/01 - النويري: 663914/01 - كيفون: 270158/05
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - الغسانية: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

www.qurankarim.org     E-mail: info@qurankarim.org  

23-04-2013 | 08-14 د | 6979 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1600240 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2018-12-05 الساعة: 09:03 بتوقيت بيروت